خرجت امشي منكسة الرأس متألمة القلب و دموعي تختنق داخلي .. امشي تحت السماء الرمادية التي على وشك أن تمطر .. امشي و أنا أحمل قلبي المليئ بالكدمات و اطمئنه من حين لآخر و أعالجه بكلمات لا تسمن و لا تغني .. امشي و أنا أتذكر عينيه التي لن أراها بعد اليوم .. عينيه التي لا اعلم للآن كيف سأصبر لفراقها. اريد اقناع نفسي أنه لم يكن حب بل اعجاب .. أريد اقناعه ليخف حجم الدمار الذي بداخلي .
اقتنع يا قلبي.. اقتنع ارجوك هذا ليس حبا .
حينها تذكرت فجأة اغنية" كلمات" لماجدة الرومي و هي تغني بخيبة :
"يبني لي قصرا من وهم لا اسكن فيه سوى. لحظات".
"و أعود لطاولتي ، لا شيئ معي الا الكلمات ".
لقد صدقت يا ماجدة فأنا عدت للواقع و لا أحمل معي سوى كلمات عبثية و لحظة كانت خيالية .. لقد اعادني لطاولة الحياة و لا شيئ معي سوى الألم .. لقد افقت يا ماجدة من وهم اللحظات التي عشتها معه .
و لا شيئ معي سوى الخيبة التي مازالت تراقصني و تحتضنني الآن.
فوجدت نفسي أمام المكان نفسه .. البحر نفسه الذي شهد إيماني بالحب مع ثوران امواجه و غضبه .. مع نفس الجو الغائم و المطر الذي يوشك على النزول .
لقد أعاد الزمن نفسه لكن الفرق الوحيد كان انا .
ذهبت و وقفت امامه اتأمله بشرود و أفكر في ما كان سيحدث اذا لم التقيه .. ما الذي كان سيحدث اذا لم يموتا والديَّ؟ .. ما الذي كان سيحدث اذا ذهبت لطبيب آخر غيره؟.. ما الذي كان سيحدث اذا لم تلتقي خالتي بصديقتها و لم تخبرها عنه ؟ ما الذي كان سيحدث اذا لم يجمعنا ديسمبر ؟
ما الذي كان سيحدث اذا لم تتشابك طرقنا و لم نلتقي؟
الآن فقط و في هذه اللحظة فهمت عبارة محمود درويش حين قال:
لم نفترق لكننا لن نلتقي ابدا .
نحن لم نفترق ايضا يا محمود لكننا لن نلتقي .. لا في الأحلام و لا في الواقع ..لا اليوم و لا بعد سنوات .. لا في هذه الحياة و لا في حياة اخرى .
فأحسست بقطرات رقيقة تسقط و تلامس كتفيَّ فتذكرت اليوم الذي أتيت فيه هنا و أنا ارقص بعبثية غير آبهة بكل شيئ .. ارقص متجردة من ترددي و من تزمتي و أنا منغمسة في الخيال و الأوهام عنه و فيه و إليه.
فشعرت ان كل شيئ يتحرك ببطئ .. تلاطم الامواج .. سقوط المطر .. دقات قلبي .. و انفاسي .. و اللحظة التي رقصت فيها .
فحملت المظلة التي اعطتها لي خالتي و أنا أشعر بارتطام الأمطار عليها و معها يرتطم كل ما شعرت به.. ترتطم معها أحلامي .. شغفي .. لهفتي .. اشتياقي .. ألمي أحمل مظلتي بكل واقعية و أنا أشعر أنني لم أعد أنا.. لست توليب التقليدية المترددة و لا توليب الحالمة المملوءة بنشوة الحب .
انا نوع آخر.. نوع فارغ مجرد من كل الأحاسيس .. نوع لا يعرف حجم الدمار الذي بداخله .
أنا توليب التي بدأت و انتهت .
أنا توليب التي ما بين لحظات شهر ديسمبر وُلِدت و اندثرت .
فأنا للآن لا أعلم لماذا اختار الحب طريقه ليفاجئني بطريقة قاسية .. طريقة مؤلمة لماذا من بين الجميع جعلتني أتجاوز فقد بفقد آخر؟ ما الذي فعلته ؟ لماذا لست مثل باقي النساء اللاتي جمعهن القدر بمن يحبون ؟ لماذا يا ديسمبر؟ لماذا آلمتني و أنا التي كانت تقدس ايامك وساعاتك؟ .
لماذا يا ديسمبر جعلتني أؤمن بخرافة الرحيل و الغياب و أنا التي كانت تؤمن قبلا بخرافة لهفة الحب و اللقاء الزاخر.. لماذا يا دسيمبر اوهمتني أنه قدري ؟ لماذا؟.
لم أشعر سوى بعينايَّ تفيضان دمعا فجأة , فبقيت اتلمس عيني كالمسحورة .. أنا أبكي! و أخيرا استطعت البكاء .. أنا أبكي! .. انا عدت شخص طبيعي مجددا .. أنا أبكي.
فالأمر بدأ بقطرات ثم اصبحت سيولا تنافس الامطار.. حينها نزلت على ركبتاي بانهيار و أنا أحمل مظلتي و دموعي تنهمر مع انهمار الأمطار .. أبكي بحرقة كما لم ابكِ من قبل و أنا أتذكر اللحظات التي كان من المفترض ان ابكي فيها ، اتذكر وحدتي حين كنت اتمنى اصدقاء .. وفاة والديَّ و برودة جسديهما .. اتذكر عملي الذي طُردت منه .. اتذكر ألمه و معاناته التي عاشها .. و اتذكره هو قيصر.
فالآن فقط تأكدت انني ما أشعر به معه لم يكن مجرد اعجاب لحظي بل أعمق هذا اشد من كل ما شعرت به من مشاعر قط .. أنا أحببت.. أنا أحببته هو .
اتذكر كل ما شعرت به و أنا أبكي و اصرخ بإسمه الذي تبتلعه الامواج معها .. اصرخ به عله يأتي و يأخذني إليه.. اصرخ به و استنجده ليأتي.. لكنني أعلم أنه لن يأتي هو لم يحبني و يشتاق لي كما أحببته و أشتقت إليه.. كلهم تركوني .. حتى هو .. هو الذي اعتبرني مريضة مؤقتة ستتعالج و تذهب في طريقها .. هو أيضا تركني .. هو لم يحبني .. هو مثلهم .
قيصر الذي اصرخ الآن بإسمه و اناديه بكيت لألمه .. لمعاناته.. لطفولته .. لإغترابه لهروبه من الواقع.. أبكي لحياته التي امضاها وحيدا .. قيصر الذي قتلني و آلمني اليوم أنا ابكيه و ابكي عليه .. قيصر الذي اعادني للواقع انا أبكي عليه .
لا لا توقفي يا توليب ! .. لا هو فقط من يستحق أن أبكي عليه بحرقة .. هو من يستحق أن اصرخ بإسمه في الامواج .. هو من يستحق أن أشتاق إليه و لا المسه .. هو من يستحق أن أهيم فيه في أحلامي و واقعي .. هو من يستحق أن اُخلد ذكراه في قلبي و في أوراقي .
هو الرجل الوحيد الذي يستحق أن أحبه و اتعمق فيه هكذا .
لأنه لا وجود لشخص مثله بتناقضاته .. لأنه الرجل الذي لا طالما حلمت بلقائه . لأنه تألم مثلي .. عانى من الفقد مثلي .. لأنني و هو نتشابه .
قيصر و توليب تألما معاً .. و عاشا الألم سويا .
لماذا القدر لا يجمعنا معا ؟ اوليست الحياة تجمع المتشابهين في التجارب و اللحظات فلماذا لا يجمعنا ؟
أيها القدر لماذا جعلتني التقيه اذا كنت ستبعده عني؟
لماذا جعلت قلبي يتعلق به اذا كنت ستمزق روحي هكذا؟
لماذا جعلت يدي تتمسك به اذا كنت ستؤلمني بها ؟
الا ترى أيها القدر أنني أبكي .. الا ترى أنني و أخيرا استطعت البكاء و التوسل. أنا التي كبريائها يصل الى عنان سماء اتوسل أمامك و أمام البحر و أمام خالق الموجودات أن ترفق بقلبي قليلا .. أن تجعله يلتقي بطريقي و لو بعد مئة سنة .. أن يكون هو قدري أيضا أيها القدر .
بحق هذه الدموع التي تهطل مع هطول امطارك .
انقذني .
***
- توليب أهذا انتِ ؟
- نعم يا خالتي لقد عدت الآن .
- لماذا تأخرتِ كثيرا ؟
ابتسمت ابتسامة مصطنعة و أنا اجيبها :
- لقد كنت عند الطبيب فقد كان يعطيني بعض التعليمات و الإرشادات التي يجب أن ألتزم بها .
فعانقتني خالتي و قالت بدفئ :
-لا بأس يا صغيرتي المهم ان تكون قد شُفيت الآن و اصبحتِ تشعرين بتحسن ، فكل شيئ مُرٍ مَر و الآن ركزي على حياتك في الحاضر و انسي الماضي بآلامه و أوجاعه.
عانقتها بشدة و أنا أبكي فجأة ، لم أستطع تمالك نفسي هذه المرة و لم أخبرها بشيئ فقد كنت بحاجة الى عناق يفهمني بدون أن أتحدث، بدون أن ابرر أو افتح فمي ,ثم أبعدتني خالتي و هي تمسح دموعي التي تنهمر على خدي و هي متفاجأة .
- توليب ما بكِ لماذا تبكين ؟
- لا شيئ يا خالتي أنا اشعر انني بخير لهذا أنا أبكي ولأنني أيضا ممتنة لكِ لأنك بقيتي معي و لم تتركيني و أنا سأشتاق اليكِ كثيرا .
فنظرت لي نظرة حنان و دفئ و أمسكت يدي برفق و قالت :
- لا تقلقي يا صغيرتي فخالك يعمل على أن تسافري معنا و لا تبقي وحدكِ هنا لذا لا تقلقي كثيرا .
ابتسمت ثم قلت بتعب :
- هل لا بأس أن أذهب لأرتاح و أنام قليلا فأنا متعبة و أريد النوم .
- حسنا يا زهرتي اذهبي لترتاحي قليلا فأنا سأخرج مع خالكِ لشراء بعض المستلزمات .
- حسنا يا خالتي انتبهي لنفسك و حين تأتي ايقظيني .
فذهبت اجر اذيال الخيبة و أنا اخذها معي لغرفتي ،لقد شعرت بذنب كبير لأنني كذبت على خالتي و مازلت سأشعر , لأنني لم و لن أخبر عنه احد باستثناء صديقي الكبير في السن فهو يعلم .
دخلت و أنا أنظر في ارجاء الغرفة و اتأملها بسخرية .. أتأمل كل ركن فيها و أنا أتذكر الأيام التي كنت سعيدة فيها بنشوة الحب .. مرآتي التي شهدت تورد الحب في وجهي و الآن هاهي تشهد ذبول ملامحي من الحزن .. خزانتي التي انتقيت فيها اثواب الشوق لمواعيدنا، سيغلفها الآن تراب الانتظار .. السماء خارج نافذتي التي دائما ما كنت اسرح في تفاصيلها و قمرها و نجومها الآن سيؤلمني وجودها و سيحزنني عدمها .. قيصر الذي كنت قبل أن اسدل ستار الأحلام لواقعي ليكون آخر ما أرى سأراه الان سرابا و وهما بعيدا لن تطاله يداي لا واقعا ولا حلما.. سريري ووسادتي اللتان لاطالما سكبت فيهما نفسي .. سأسكب فيهما الآن دموع الخيبة و الغياب.
هذا هو المكان الوحيد الذي جمع تناقضاتي منذ أن عرفته، لكن مؤخرا و بفضله أصبحت لي رفيقة بكماء لكنها ليست صماء تسمعني و تدعني اسكب فيها ألمي و حبي و شوقي .
هذه الرفيقة التي انتظرت اليوم بطوله لأكتب لها و اليه ما حدث لي .. .. اشتكيه اليه عله يأتيني .. عله يوبخ نفسه على ما قاله لي .
نظرت لها و حملتها و أنا أقرأ ما كتبته عنه لأول مرة بمرارة و خيبة ، فجلست على الكرسي و دموعي قد بدأت تنسكب وحدها و كأنها انتظرت طويلا للحظة ما او موقف ما لتنفجر فيها .. أنظر اليها و الحنين بدأ يتغلغل داخلي , فاحتضنتها و أنا أشعر بطيف ذراعيه الدافئتين تلتفان حولي .. ثم وضعتها في مكتبي و فتحت اول صفحة لأقرأ ما كتبته و أنا تحت نشوة الحب اما الآن سأكتب اليه و أنا تحت سطوة الألم و الخذلان .. سأكتب و أنا مليئة بالرضوض التي خلفها بُعده في قلبي .. سأكتب اليه و عيني تبكي في حين انها قبلا كانت تبتسم .
ثم بدأت أكتب و أبكي و ابتسم في نفس الوقت .. ثم كتبت و ابتسمت و بكيت مرة أخرى ، و بقيت اكتب و اكتب و اكتب بلا توقف إلا أن جفت دموعي و معها جفت كلماتي و لم أجد ما أقوله له اكثر .
فنهضت و ذهبت لخزانتي و أخرجت وشاحه ثم عدت إلى سريري و استلقيت و عانقته بقوة و أنا استنشق رائحته و أتخيله أمامي و هو يمسح على رأسي برفق و يهدئني بكلماته الدافئة , فقلت بهمس و دمعة أخرى وحيدة و اخيرة فرت من عيني قبل أن اغمضهما بتعب .
" قيصر أنا أحتاجكِ" .
توليب عوض