شعرت بشعاع لطيف و خفيف يداعب عيني المغمضتين , فأغمضتهما بانزعاج و فتحتهما بكسل, ثم أحسست بتشنج في رقبتي و بألم حاد في ظهري، فنظرت حولي لأجد أنني نمت على سطح المكتب دون كتابة كلمة واحدة .
بالكاد استطعت الوقوف ليجتاحني دوار هائل و ألم شديد في رأسي و كل عضلة في جسمي تؤلمني , فخارت قواي على الكرسي لعدم توازن جسدي , و أمسكت رأسي لكي يذهب الدوار , فإذا بطرقٍ خفيف على الباب و صوت خالتي المليئ بالنشاط يدوي في الغرفة.
- صباح الخير زهرتي .
فتغيرت الابتسامة لتحل محلها تقطيبة خفيفة و قلق ظهر في صوتها :
-حبيبتي ماذا بك هل أنت بخير ؟
فأجبتها بصوت منخفض مهزوز :
-نعم يا خالتي لا تقلقي مجرد دوار و سيزول من الممكن أنه بسبب قلة النوم .
بالرغم من أنها و أنني نعلم جيدا أنها من مطر أمس فقالت و قد غزى القلق صوتها:
- لا ليس من النوم أنا متأكدة من أنه من مطر أمس . ثم إقتربت مني ووضعت كفها الدافئ على جبيني و صاحت بصوتها الرقيق :
- يا الهي ان حرارتك مرتفعة يا توليب هيا استلقي يا عزيزتي سآتي على الفور .
فخرجَت من الغرفة مسرعة و أنا تحاملت على نفسي ووقفت فإختل توازني مجددا فأمسكت بظهر الكرسي و تحركت للسرير بصعوبة واستلقيت و أنا أشعر بخمول هائل يغلف جسدي و بألم شديد في رأسي .. فلم أشعر الا و خالتي تضع منشفة باردة على جبهتي و بصوتها الرقيق البعيد يطمئنني.
فلم أفق الا و دقات قلبي العالية تصم اذني و بحبيبات عرق باردة تغلف جبيني فنظرت الى خالتي و وجدتها تنظر لي بقلق ثم عانقتني و قالت بهمس :
- أنا هنا يا زهرتي لا تقلقي هو مجرد كابوس لا تقلقي .
فبادلتها العناق و تمسكت بها بقوة و أنا أتذكر الكابوس الذي راودني . فقلت لها بصوت مرتجف:
- متى سأتخلص من هذه الكوابيس يا خالتي ؟
فمسحت على رأسي بيدها برقة ثم قالت بحزن :
- ستتخلصين منها يا زهرتي لا تقلقي كل ما عليك فعله هو أن ترتاحي و سأكون أنا معكِ لنتخطاها سويا .ثم أمسكت يداي و ابتسمت و قالت:
- هيا يا حبيبتي استلقي هل تشعرين بتحسن ؟
- نعم قليلا لكنني أشعر بألم في حلقي .
- لا تقلقي ستختفي يا حبيبتي من حسن الحظ أن حرارتك قد انخفضت. ثم تابعت :
- هيا ارتاحي الان و سأحضر لك الحساء .
فإستلقيت و أنا أتأمل الجدار و أفكر به , أنا أشعر أنني أريده الان .. فشعوري بالبكاء قد تزايد , أريد البكاء أمامه .. أريد أن أريه ضعفي و انكساري.. أريد أن أضع ثقل رأسي و افكاري و آلامي على كتفه، فأخبره اتفه الأشياء.. اخبره عن تغير الفصول الاربعة و تساقط الاوراق.. و اخبره عن مزاجيتي و طفولتي و معاناتي القديمة و وحدتي الكئيبة.
و اخبره ايضا عن الاشياء التي احبها.. اخبره عن حبي للتفاصيل القديمة .. حبي للأغاني و الأشعار التي عفى عنها الزمن .. أخبره عن حبي للروايات و الورود و القمر و النجوم و المشي في الطرقات ليلا و المفاجآت و الهدايا التي تكون بلا سبب و المطر الذي اصبحت أحبه مؤخرا .. ثم اتنهد بعدها و اخبره أنه ختام ما احب .
- لم لا تردين يا توليب حسبتك قد فقدت الوعي مجددا.
- لا لقد كنت أفكر و لم انتبه .
فقالت بتذمر طفولي :
- اول شيئ سأخبر به طبيبك حين التقي به أن يعالج مشكلة التفكير لديكِ.
و كأن ذكر كلمة " طبيبك " قد أذهبت كل بأس و مرض في نفسي، فكيف أخبرك يا خالتي إنه هو تفكيري .
- هيا تناولي الحساء لتستردي صحتكِ .
فتناولت ثلاث ملاعق و في الرابعة شعرت أنني اكتفيت .
- خالتي لا أستطيع تناول المزيد .
- زهرتي بالكاد أكلت كيف ستشفين اذا ؟
فإبتسمت لقلقها الظاهر في عينيها اللامعتين و قلت بصوت ضعيف :
- خالتي أنا لست صغيرة سأتحسن لا تقلقي كثيرا .
لكن الذي حدث لاحقا حين نمت أن حرارتي قد ارتفعت مجددا و ساءت حالتي كثيرا حتى لم أعد قادرة على تمييز الواقع من الخيال ، و تمييز المنطق من الوهم , فجل ما كنت أراه مشاهد لا أعلم هل هي من حياتي ام مجرد أوهام .. بكاء خالتي جنازة والدي .. جسدين باردين ممدين .. حادث مرور .. و قيصر ، اااه هل هو أمامي الأن و يبتسم لي تلك الابتسامة أم أنه حلم من احلامي البعيدة .
فلم أشعر الا بيد دافئة تمسكني و بشخص لم أتبين ملامحه يحملني فإستسلمت للتعب و الخمول الذي اجتاحني و ذهبت في نوم عميق.
استيقظت و التعب قد استبد بي فلم اتبين اين انا بالتحديد , فلاحظت الغرفة البيضاء التي امكث فيها, ذات النوافذ التي تماثلها, و أنا هكذا حتى لاحظت ضوء قوي في عيني و بصوت غريب يقول :
- آنسة هل تسمعينني حركي عينيك أو أحد أصابعك اذا كنتي تسمعينني .
فحاولت تحريك يدي فلم استطع فحركت عيني بتعب و حاولت تمييز ما حولي فجل ما كنت اراه شخص بوجه ضبابي يتحدث مع شخصين ضبابيين اخرين .. ثم شيئا فشيئا استطعت تمييز أين أنا و من هو ذلك الغريب و من هما الشخصين الاضافيين , فإقترب مني احدهما و امسك يدي فميزتها على الفور:
- خالتي ما الذي حدث ؟
- لا تتكلمي يا زهرتي هل أنت بخير ؟
فقلت بصوت منخفض متعب :
- نعم يا خالتي لا تقلقي أنا بخير و هل أنت بخير ؟
- لقد صرت بخير عندما فتحت عيناكِ يا روح خالتك .
ثم لاحظت اقتراب شخص اخر لم اميز ملامحه لكني عرفته من نبرته :
- كيف تشعرين ايتها الصغيرة ؟
- أنا بخير يا خالي من اللطيف رؤيتك الان .
فضحك و قال :
-أنا متأسف أن لقائنا مجددا كان على هذا الشكل
فقاطعتنا خالتي بقولها بحدة :
- كفى حديثا الان يا زهرتي هيا سنتركك الان ترتاحين و سنأتي فيما بعد .
فتابعتهما حتى خرجا و أنا شرعت أفكر و آلاف من الأسئلة تتبادر لذهني .. كيف جئت الى المستشفى و خالي متى جاء الى هنا و الاهم من كل هذا هل رؤيتي لقيصر حلما ام واقعا ؟.
حينها شعرت بخمول و بتعب كبلني من البحث عن أجوبة شافية فاستسلمت لها و رحت احلم بأحلام كلها عنه هو .
***
مضى على وجودي في المشفى ثلاثة أيام كنت استيقظ فيها قليلا و اغفو طويلا لكن اليوم أشعر أنني بأحسن حال , فقد تم تشخيصي بحمى قوية و أن حالتي كانت خطرة , و أيضا اتضح أن خالي تحدث مع خالتي صبيحة ذلك اليوم طلبا للمغفرة و بأنه قادم مع أول طائرة ليراها , لذلك عندما أغمي علي أول ما فعلته خالتي هو الاتصال به .
فالبرغم من الخلاف و المشاكل بينهما و الألم الذي في قلبها اتجاهه الا انها ضربت كل شيئ عرض الحائط , فكان الأول من تبادر الى ذهنها حين تاهت و وقفت عاجزة .. و كان الأول الذي تذكرته في نوبة ذعرها و خوفها و الأول ايضا حين احتاجته .. لذلك عرفت أن المشاكل تقوي لا تهدم .
قطع حبل أفكاري دخول خالتي بإبتسامتها الرقيقة التي تزين وجهها:
- زهرتي استيقظتي كيف تشعرين ؟
- أنا بخير يا خالتي أشعر أنني بأحسن حال و انتِ ؟
فجلست على حافة السرير و أمسكت يدي بحنو و قالت :
- طالما أنت بخير أنا بخير يا حبيبتي .
فإبتسمت و تذكرت خالي فقلت :
- كيف حال خالي هل تصالحتما ؟
فإبتسمت ابتسامة خجولة كمراهقة قد تم الاعتراف لها ، ثم قالت :
- لا أنا لم أسامحه.ثم تابعت بطفولية :
- و لن أسامحه أبدا لأنه تركني كل هذه المدة اتعذب و أتألم وحدي بسبب امرأة.
- من هو هذا الذي لن تسامحيه و أي امرأة ؟
فنظرت لخالي و ابتسمت له , فالبرغم من مرور العديد من السنوات و التي كانت كافية لتلوين شعره و لحيته ببياض ناصع الى أنه ما زال يحتفظ بوسامة رجل خمسيني أنيق , فلاحظت تعابير وجه خالتي الغاضب, ثم قلت و أنا أكتم ضحكتي بصعوبة :
- خالي أنا مسرورة أنك جئت قبل أن تسافر .
فإقترب و قبلني على جبيني و قال بحنان :
- بالطبع سآتي كيف لا أزور صغيرتي ، اخبريني هل تشعرين بتحسن ؟
- أنا بخير و أنت كيف هي أحوالك؟
فأطرق برأسه و قال بصوت حزين مصطنع :
- أحوالي لا تسير على ما يرام لأن كل حالي غاضب مني و لا يأبى أن يسامحني و هذا بسبب امرأة كبيير في السن و التي تكون مديرتي .
فنظرت لخالتي الغاضبة و هي تنظر له شزرا و خالي الذي يمثل الحزن بطفولية, حينها لم أستطع أن أتمالك نفسي أكثر فإنفجرت ضحكا ، و هذه كانت أول مرة منذ وفاة والديَّ فهما يبدوان كمراهقين يتشاجران لأول مرة , فنظرت لي خالتي بحدة حين انفجر هو أيضا بالضحك .
ثم فجأة كست ملامحه الجدية و أمسك يدها و قال بنعومة :
- الا تنوين مسامحتي يا حلوتي فأنا أحاول بشتى الطرق ارضائك فضلا عن انني تركت عملي لأبقى معك فأنا مشتاق اليك كثيرا ، و أعلم أنني آلمتك و كثيرا ايضا فأنت لا تعلمين ما مر بي في تلك الايام , و حين أتذكر ما قلته و فعلته أتمنى أن أندثر ندما , ثم تابع بصوت متألم :
- لا تكوني قاسية جدا أنا أتوسل اليك هذه ستكون اخر مرة اغضبك هكذا فكيف سيكون حالي حين أعلم أن كل حالي حزين و متألم بسبب أحمق لم يوازن كلامه , فهذا الأحمق يا حالي لا يكتمل الا بك و أنا أعدك هنا و أمام ابنة اختك بأنني سأسعى دائما لإسعادك لأنك غايتي الوحيدة و منفاي الذي الجئ اليه.
فنظرت له خالتي بتألم و قد اغرورقت عيناها بالدموع ثم أبعدت يدها عنه و خرجت من الغرفة , حينها أطرق خالي رأسه بحزن و قال :
- لقد ارتكبت خطأ كبير و أنا أعلم بأنها لن تسامحني أبدا و هذا من حقها .
- أنا أعلم بأنك ارتكبت خطأ جسيما فأنا عن نفسي غضيت منك لأنني لم أتوقع أن تتصرف هكذا لكن من فينا لا يخطئ ؟ فهذه الحياة مليئة بالأخطاء و أنا أعرف جيدا أنك الوحيد القادر على اسعادها وأنك نادم و تحبها بالقدر الكافي.. لذا اذهب اليها ستسامحك.
ثم قلت بصوت ممازح منخفض :
- أنتما تبدوان كمراهقين ساذجين و هي تحبك أكثر من نفسها فقد كانت تنتظر سماع صوتك كل يوم لكن لا تخبرها أنا أحذرك .
فقال بصوت ضاحك :
- حسنا سرك في امان و شكرا لك على اخباري لقد بثثت في نفسي أمل حين كان اليأس قد وصل لقلبي.
- لا شكر على واجب و هيا اذهب اليها سريعا سأنتظركما .
- حسنا لن أتأخر .
فخرج مسرعا و أنا أطرقت أفكر في ذلك اليوم الذي رأيت فيه قيصر في المستشفى فقد تبقى هو السؤال الوحيد الغير المفسر , هل يعقل فعلا أنه خيال من اللاوعي الخاص بي ؟
فكما اخبرتني خالتي أنني كنت أهذي طوال الوقت بأمي و أبي، ثم سألتني بشك عن من يكون قيصر لأتلعثم أنا و أخبرها أنه طبيبي لتخبرني بمكر أنني كنت اهذي به ليلا.
فحتى في مرضي لم يغادرني و كان جزء منه.. لكن كيف يغادرني و أنا اشعر انني مليئة به ؟ كيف و هو في خيالي و يكمن في اللاوعي الخاص بي ؟ فسبب وجودي هنا من الأساس " هو " .. فالجميع يعلمون أن ما حل بي هو بسبب قطرات من المطر , و لكن لا أحد يعلم أنه هو السبب.
هو سببي الوحيد !.
الجميع يعتقدون أنها الحقيقة الا أنا أعلم أنه حقيقتي , لذا سأدعهم لإدعائهم و أكتفي به كحقيقة لا تكذيب فيها.
فشعرت حينها أنني أريد أن أفصح لخالتي و للأطباء و للمرض و للمطر و للسماوات السبع و للعالم بأنني امتلئت به.
فأخرجني فجأة من أفكاري صوت انغلاق الباب و صوت خالي السعيد :
- انظري يا صغيرتي لقد تصالحنا .
فنظرت ليديهما المتشابكة و لوجه خالتي المليئ بالسعادة ثم غمز لي وتابع بصوت ممازح :
- معلومتك القيمة كانت سبب الصلح .
حينها قالت خالتي بوعيد مصطنع :
- انتظري فقط حتى تعود صحتك اليك و لنا حديث طويل في البيت .
فإنفجرت ضحكا وقلت :
- أنا أنتظر عقابي بفارغ الصبر .
فقاطعنا خالي و هو يصيح :
- يا الهي لقد تأخرت !!
فقالت خالتي بصوت حزين :
- ألا يمكنك البقاء أكثر هل يمكنك تأجيل الرحلة ليوم غد ؟ .
فأمسك يدها بحنو و قال برقة :
- لا استطيع يا حلوتي فأنا ايضا اتمنى أن أبقى هنا معك لكن للأسف اخر رحلة كانت يوم الثلاثاء و لا استطيع تفويتها .
حينها انتبهت بحواسي كلها , ماذاا !! هل ..هل اليوم الثلاثاء ؟؟!! كيف هذا؟؟ لالا .. لا أستطيع تصديق ذلك. فقلت بصوت منخفض مصدوم :
- خالي هل اليوم الثلاثاء ؟
- نعم لماذا هل لديك شيئ مهم اليوم ؟
لم أجبه لأنني كنت تحت تأثير صدمة أوقفت عقلي و قلبي .. كيف سأخبره أن وجهه هو الشيئ المهم و صوته هو الحاجة الضرورية و انني أضعت فرصتي الوحيدة لرؤيته .. فأعادني صوت خالتي القلق :
- زهرتي هل أنت بخير لماذا شحب وجهك فجأة ؟
فنظرت الى وجهيهما القلق و اخفيت صدمتي و خيبتي و يأسي داخلي و قلت بابتسامة مصطنعة :
- نعم أنا بخير لا تقلقا دعني أودعك يا خالي لقد تأخرت .
فإقترب مني و قبلني على جبيني و قال بهمس :
- شكرا لكي يا صغيرتي أنا لن أنسى معروفك و المرة القادمة لا تجعلي لقائنا يكون هكذا اتفقنا ؟
- بل شكرا لك لأنك أتيت يا خالي صحبتك السلامة و عد سريعا .
- سأفعل يا صغيرتي .
فالتفت و نظر لخالتي و قال لها بمكر :
- أنا ذاهب الآن هل ستوصلين زوجك ام ستكتفين بالمراقبة هنا.
فضحكت و خرجت معه و أنا مازلت تحت تأثير الصدمة , انه اليوم .. نعم اليوم الذي كنت انتظره بفارغ الصبر , اليوم الذي أرى به قيصري , لم أكن أتصور قط
أنني قد أنسى يوما مثل هذا , فهذا المرض اللعين قد حرمني من فرصتي الوحيدة بأن أراه و أتحدث معه .
لا ليس المرض بل انا الحمقاء التي سرحت بخيالها بعيدا حتى ضيعت فرصتي الوحيدة .. فهل علي أن أنتظر للأسبوع المقبل؟ و كيف سأخبره اصلا ؟ فأنا لا أريد أن أخبره بمرضي فيظنني ضعيفة لا تستطيع التحمل.
أنا لا اريد اظهار هشاشتي و قلة حيلتي لأن معظم الرجال لا يميلون للمرأة الضعيفة بل الى التي تستطيع الاعتماد على نفسها و تتحمل المسؤولية .
لذا ما الذي سأفعله ؟.
لقد اصبح مزاجي في الدرك الأسفل و الأسوء من هذا أن كل شيئ كان من صنع يدي.
كلمة واحدة فقط جعلت يومي يتدمر و جعلتني أصل للحضيض.
توليب عوض