قطرات مطر غزيرة تطرق نافذتي برقة مصحوبة برياح عاتية تشبه قلبي ، و ملائمة تماما لحياتي برمادية لونها و بمطرها الغزير، ملائم تماما لبدايتي و نهايتي و قدري أيضا. فهذا يجري ليختبئ تحت المتجر خوفا من أن يتبلل ،و هذا يستغله لخلق جو حميمي مع صديقته، و هذا يقف تحته و يستمتع به كأنه الشيء الوحيد المبهج في حياته .. ألف وجه و وجه و لكل وجه ألف حكاية.
أما أنا فلست أشعر بأي شيء ، لا المطر، و لا الأشخاص ،و لا حتى الشعور نفسه.. لا شيء سوى الفراغ، الفراغ الذي غلف قلبي حتى لم يبقى فيه سوى ذكرى للقاء أنفُض عنها الغبار كل يوم ، و حبٌ لمطرٍ كان يوما ما كل الحياة لقلبي.
لا طالما كان النسيان هو الشيئ الوحيد الذي نستطيع به المضي و التجاوز .. لا طالما كان و سيبقى تلك النعمة النادرة التي تأتي لقلة من الأشخاص، نعمة التخطي في طرق جديدة .. فاليوم يوافق حدثين زعزعا روحي ، حدثين جعلهما ديسمبر يدونان في تاريخ حياتي ، حدثين لم تطالهما يد النسيان و لم ترتطم بهما زخات التجاوز.
ديسمبر الذي مت فيه مرة و عشت فيه مرة أخرى.. ديسمبر الذي كنت اقدس فيه اللحظات العابرة و تفاصيل اللقاءات الاولى .. ديسمبر الذي عشت فيه مرتدية ثوب الرحيل و الغياب، و في الأخير ودعته بقلب متعب لم يكن يرجو سوى النسيان .. ودعته بقلب لم يكن يريد سوى أن يرفق به ديسمبر و الحياة.
و ها هو ديسمبر قد اتى مرة أخرى ليذكرني به.
فهو بقي راسخا في حياتي لا يغادرني و لا يغادر ايامي ، و لا ينفك خياله المشوش يراقصني على الحان خاوية أؤلفها ليلا اكثر من نهارا ، كيف و هم يقولون أن الحب ما هو إلا سعادة و تحليق بجناحين حالمين لرؤية الحبيب، و أنا تألمت منه و من حبه حد انقطاع انفاسي و حد تبخر احلامي .. كيف أنساه و هو من جعلني شخص رخويٌ لا يستطيع الاحساس و ما ينفك يتذكر يوم لقائنا كأنه حدث أمس؟
كيف أنسى و أتناسى ماضي بعيد يغلفه قصة حب جمعتنا كانت خيالية اكثر منها واقعية.. كاذبة اكثر منها حقيقة.
كنت اتأرجح بين قلب اخبرني ما لم يقله احد و بين عقل كنت اخاله يفهمني اكثر من نفسي، فإذا بذلك القلب و العقل قد جعلا مني نصف شخص.. نصف حب.. و نصف قلب كان يؤمن بأنه يستطيع فعل المستحيل كالتحليق او امتلاك قلب من أحَبه.
كان لدي يقين انني سأجد من يكملني بعده وأنه يجب علي أن أضعه في غياهب النسيان و المرور لأنها تجربة كئيبة مؤقتة ولا بد من التعلم منها ، تجربة علي أن اتخطاها بقلب متألم.
إلا انني لم أكن أعلم أنني سأبقى عالقة بذكراه .. عالقة في قاع التجربة، و أنني لم أنسى و أتناسى و أخالني لن أنسى أبدا ، فهو ما زال يملئني و يملئ ثقوب قلبي.
فبعد كل شيء انا ما زلت في القاع مع خياله أراقصه و احلم بحكاية مكتملة بطلها جعل من البدايات التعيسة نهاية لا تكتمل الا بوجودها و بطلة تؤمن بحب افلاطوني يجعل من النهاية حياة اخرى ما زالت قيد الكتابة ليعيشاها.
لقد كنت اعلم انك البطل الآسر و المميز الذي يقلب حياة البطلة رأسا على عقب لكنني لم أكن أعلم أنني لم اكن يوما البطلة بل كنت ذلك الهامش الذي يحب بصمت و بدون صدى.
لكنها كانت مشكلتي من الأساس انني آمنت و توقعت و صدقت انني سأكون معه كنهايات القصص الخرافية ، لقد آمنت أن القدر سيكون معي هذه المرة لأنه وضعه أمامي بدون حتى أن ألتقط أنفاسي ، لقد آمنت لكنه في الأخير ابعدني عنه كأنه يخبرني بأنه قد حان الوقت للتريث و لتنظيم أنفاسي.
لقد كان الوحيد الذي عشت معه تفاصيل الحب الأول ، الحب الذي حلقت فيه عاليا ، في عالم ٍبعيد عن الواقعية و السوداوية ، عالم فيه من الحب ما يجعله ورديا حالما و لا يوجد فيه سوى أنا و هو فقط.
لكنني لم أكد أنغمس و أتعمق فيه حتى تبعثر حلمي كتبعثر أوراق الخريف و انكسر جناحيَّ كإنكسار زجاجٍ بالي، فإرتطمت بالواقع الكئيب لأجد الخيبة و المرارة بإنتظاري، فتجرعت منهما حد الثمالة و ما زلت للآن لم أستيقظ لأثرهما المسكر.
لقد كنت أرجو أن تحبني الحياة و لو قليلا و تعوضني عما خسرته، أن يشفق علي القدر،و ينتشلني من حالة البؤس التي أعيشها.. لكن أنَّ له أن يخرجني من الذي انا فيه و هو قد أعطاني درسا قويا لم و لن انساه ابدا، كيف و هو كثير التناقض.. تارة يعطيني حد السخاء و تارة يأخذ مني كل عزيز.
لقد كان مليئا بالتناقض للحد الذي جعلني كثيرة الإفراط في مشاعري و توقعاتي حد ايذاء روحي و جعلُها خاوية مليئة بالندوب. ففي الأخير عرفته بدون مشاعر ، بدون قلب و بدون ادنى فكرة عن هذا الذي يسمى حب ، لكنه جعلني أؤمن و أصدق أن اللهفة الأولى و نبضة القلب ما هي الا سعادة اخرى سأكتشفها مع مرور الوقت.
فإذا بإكتشافي حطمني و جعلني اعود أدراجي لنقطة الصفر او اقل منها.
توليب عوض