الفصل الخامس و العشرون

الفصل الخامس و العشرون

12 0

ثم خرجت و أنا أفكر في كلامه ، أفكر و أفكر و أفكر حتى كاد رأسي ينفجر ، أفكر و أنا أشعر تارة بالتردد و تارة اخرى بالشجاعة ، فبقيت أؤرجح الكفتين و انتظر في قرارة نفسي اي الكفتين سترتفع و أيهما ستنزل.

بين الأمل مجددا و الخيبة بقيت عالقة .

بين سطوع امل خفيف و بين خوف من حزن آخر بقيت اصارع نفسي طويلا .

فلم أشعر بقدمي إلا و هي تأخذني امام عيادته ، بقيت بعيدة أنتظر و أفكر في نصيحة جدي " حين يتغلب دافعك على خوفك حينها امضي و لا تترددي" .

و كانت كذلك ، حين شعرت بأن دافعي كان أقوى تجرأت و دخلت بدون خوف و بلا تردد و بدون أن ارجو مقابل او مبادلة لما أشعر به .. دخلت و أنا مقيدة بلحظات من الوهم عشتها وحدي ..دخلت و أنا أرى الذكرياتٍ ترتسم داخل مكان شعرت فيه مرة بإرتباك اللحظة الاولى .. دخلت و أنا أرى ذلك الكرسي الذي انتظرت فيه اول مرة .. تلك اللهفة التي كنت ادخل بها إلى القاعة شوقا و أعود فيها مليئة بذكرى حالمة ترافقني لأيام .. تلك التفاصيل و الذكريات قد اعادتني لما قبل عامين .. إلى يوم رأيته فيه اول مرة و الى ولادة حب لم اتوقع ان ينمو داخل جدران مكان رأيته يوما مليئ بالمجانين.

فاغرورقت عيناي و شعرت كأنني عدت للمكان الذي لاطالما بحثت عنه .

- عذرا سيدتي هل انتِ هنا لمقابلة الطبيب ؟

فالتفتت لها و أنا اطرق برأسي لكي لا ترى احمرار عيني, ثم تمالكت نفسي و قلت بإبتسامة مصطنعة :

- نعم لكن ليس لدي موعد , ايمكنني لقاءه بدون موعد؟ فأنا كنت اتعالج هنا.

فنظرت لي نظرة شك و استغراب و قالت :

- لكن وجهك لا يبدو مألوفا فأنا اعرف معظم مريضاته.

كلمة مريضاته جعلتني أعود و أتذكر يوم قال لي أنني بالنسبة له مجرد مريضة فقط ,فإبتسمت بألم و قلت بصوت منخفض :

- نعم لأن ممرضة اخرى كانت مكانكِ , فأنا أيضا كنت مريضة عنده منذ عامين اسمي توليب عوض هل يمكنني مقابلته ؟

- حاليا هو ليس هنا ،فقد طرأ امر عاجل و لا أعرف متى سيعود , يمكنكِ انتظاره ان شئتي, حتى اسأله إذا كان بإمكانه مقابلتكِ بدون موعد.

- الا يمكنكِ الاتصال به ؟

- وددت لو اتصلت به لأجنبكِ عناء الانتظار, لكنه طلب مني الا ازعجه بأي اتصال كان, لذا أنا آسفة يا سيدتي .

حسنا هذا عذر جيد للهرب و الاختباء و العودة لما كنتُ عليه ، هيا فلنعد ادراجنا و لننسى أنني جئت هنا ،هذه إشارة جيدة للابتعاد.و العيش وحيدة كما كنت أفعل، هيا توليب عودي لحياتك المنعزلة و تجنبي الألم مرة أخرى .

لكن في تلك اللحظة شعرت أن هناك شيئ داخلي تغلب على خوفي و جُبني اخيرا ، فهل يمكن أن تكون الشجاعة؟ تلك التي بحثت عنها طويلا كي اتخلى و اترك و استسلم و لم أجدها؟ ها هي تأتيني و تجبرني على الوقوف و الصمود .. لأول مرة في حياتي تخليت عن الجبن و تحليت بالشجاعة ، و ما بين تناقضات نفسي قلت بدون تردد و بهدوء:

- حسنا سأنتظره هنا الا أن يأتي .

ثم ذهبت إلى نفس الكرسي الذي لاطالما جلست عليه و بقيت انتظر مع دقات الساعة التي كانت تدور ببطئ و بهدوء و أنا ارسم جميع السيناريوهات المحتملة فالبرغم من يقيني أنني جئت الى هنا بأمل مخفي في أن يبادلني المشاعر أيضا الا أنني أعلم أيضا أنني سئمت من التعلق بحبال الماضي و آن الأوان لأستسلم و اتقبل رفضه و امضي بعيدا ، فطريق الخيبة سيأتيني لا محالة اما الآن أو او بعد .

فتساءلت و أنا أنظر للساعة هل إذا لم اذهب اليوم لجدي و لم يقل لي انه هناك مريضة تشبه حبه الأول هل كنت سآتي ؟ هل اذا لم اخرج و التقي بجدي الم أكن سأستجمع شجاعتي و اترك؟ فأنا الآن أعلم أنني اتيت الى هنا بكامل قواي القلبية و العقلية .. إما أن اتركه و اقطع كل ما له صلة بي .. أو اكون التي تشبه شبح حبه الأول مع بصيص آمل أن أكون معه.

لكن بماذا اشبهها بالضبط؟ شكلها ؟ نظرتها ؟ اسمها ؟ خيانتها و كذبها ؟ ام قلبها؟ فأنا أرى أنني لا اشبهها في شيئ.

شكلي الهش الذي يوحي بالانكسار.. روحي التي زارها الفقد .. .. وجهي و تعابيره الشاحبة.. قلبي الذي صمد على اشباح الماضي و أحب شخص لم يره لعامين قلبي الذي بقي يردد اسما واحدا .. اسمي الذي يحمل زهرة الحب العميق النابع من الألم و التضحية.

يقولون لكل امرئ من اسمه نصيب و أنا نلت نصيبي من اسمي .. فمن انا لكي اعترض؟.

لاطالما كنت امرأة قدرية تؤمن بالقدر و ترتيباته.. لاطالما كنت و مازلت أؤمن و اعرف ان لكل شيئ بداية و نهاية ، فبدايتي كانت في ديسمبر و نهايتي كانت فيه و عنده و في آخره.

لقد توقفت عن عتاب الحياة منذ مدة ، فلم أعد اغضب .. و لم أعد انهار او أحزن او اندب .. انا فقط لم أعد اي شيئ!

أنا صرت اتقبل الأمور بمجرياتها و بحقيقتها و بهدوء أيضا .. أنا تقبلت قدري و حبي و ألمي و حزني , فلم أعد أشعر لا بالغضب و لا بالسخط.. أنا لم أعد ارجو من الحياة شيئا !.

انا التي تُركت فلماذا الغضب ؟ .

انا التي شبهت بزهرة البدايات و النهايات.. زهرة الحب و الألم فلماذا العتب؟

انا التي بدأتُ به منذ عامين و ها أنا هنا لأنتهي منه في نفس يوم لقاؤنا فلماذا الندم؟

يا لسخرية القدر! لقد اعادني الى هنا ليعيد فتح جراحي و تزويد آلامي ، لماذا اعدتني أيها القدر؟ لماذا جعلتني استجمع شجاعتي الا اليوم ؟ لماذا اليوم بالذات ؟ لماذا في ديسمبر؟ لماذا ؟ .

فإنتبهت انها مرت ساعة كاملة و لم اعد وحدي ،فقد وجدت امرأة جميلة و أنيقة تتحدث مع الممرضة و قد كانت هي أيضا تبحث عنه .

فسمعت ما جعلني اتسمر و أنا تحت صدمة كلماتها .. شعرت أن روحي ستغادرتني .. شعرت أن قلبي ينبض و ينبض و على وشك الخروج من مكانه شعرت أنني انفصلت عن الواقع لأعيس مع كلماتها فقط.

فتمالكت نفسي و اقتربت منهما و أنا أجر قدمي جرا لأقول للممرضة بجمود وبصوت منخفض متجاهلة المرأة الاخرى و قلبي كان يكذب ما سمعه :

- هل الطبيب سيأتي ام لا ؟.

فإبتسمت الممرضة و قالت بمرح مصطنع :

- سيأتي لا تقلقي فهو لم يفوت مواعيده قط .

ثم إلتفتت للمرأة الأخرى و قالت لها :

- انا لا اعلم إلى أين ذهب لكن هل تريدينني أن اتصل به و أخبره ان خطيبته هنا؟.

يا للسخرية ! حتى هذه الممرضة عاملتني كمريضة يجب عليها الانتظار و لا يجب أن يتم ازعاجه من طرفها .. في حين أنها ستتصل به من أجل المسماة "خطيبته" عن طيب خاطر .

في الأخير لقد خطب! على الاقل كان أحدنا سعيدا .. على الأقل هو لم يعش على اشباح لحظات مرت مثلي أنا .. على الأقل قيصر وجد سعادته و ليس مثل توليب التي كانت تنتظر و تتمنى .

فعلمت فورًا ما الذي سينتظرني و علمت كفة من قد ارتفعت .

أنا أدركت أنني أقوى مما كنت أتصور، فأنا قمعت رغبتي في البكاء و قمعت معها كافة احساسي المتضاربة لكي أبدو بمظهر " البخير " بعد سماع ما هز قلبي هزا .. أنا أدركت انني يجب أن أكمل ما جئت لأجله لكن بقلب اختفى منه الأمل كليا.

فإبتعدت و ذهبت للحمام و أنا أنظر لصورتي المشوشة في المرآة و احساس الشجاعة الذي كان لدي بدأ في التراجع .. هيا تمالكي نفسكِ يا توليب ! لا تنهاري على الاقل ليس الآن و هنا ! .. يجب أن اعطيه افكاري و قلبي لأنتهي منه للأبد هذا اخر شيئ يربطنا معا و أنا سأقطعه .. نعم سأقطعه الآن !.. فهذا هو الدين الأخير الذي مزال يربطنا معا لذا سأسدده و انتهي منه نهائيا .

أن توثق نفسك في الاوراق يعني أنك ستترك نسخة منك .. تترك اثرك و روحك.. أثر سيبقى في النهاية ليخبر الجميع أنك أحسست و أحببت و انهرت و حزنت . و أنا سأترك نسختي معه عله يتذكرني بين حين و آخر.. عله يشعر بماذا شعرت .

لقد جاء الوقت الذي ستقرأ فيه رسائلي يا قيصر, لكنني لن أكون معك .

ثم تنهدت و خرجت بهدوء و أنا أنظر للمكان , فرأيت أنه لا وجود للممرضة و لا للخطيبة ، الا من بعض الاشخاص الذين بدءوا في الدخول ، فإغتنمت الفرصة و ذهبت أمام باب مكتبه و بقيت اتنصت فلم اسمع اي صوت .. فتحت الباب بهدوء و دخلت و أنا اتنهد لأنني لم أجد احدا , و لأنني أيضا استطعت أن استنشق رائحته التي اشتقت اليها ، فملئت رئتاي بها لأنها ستكون كذكرى أخيرة أحملها في قلبي.

ثم فتحت محفظتي و أخرجت المفكرة و وضعتها فوق مكتبه , و حملت ورقة كانت مرمية و كتبت فيها ما تبادر لقلبي لحظتها، و وضعتها فوقها.

ثم نظرت نظرة حزينة و أخيرة لصديقتي و لمكتبه و خرجت بهدوء , فوجدت الممرضة في وجهي، فتفاجأتُ و قالت هي بإستغراب :

- ما الذي كنتِ تفعلينه داخل مكتب الطبيب؟

فنظرت لها و تمالكت نفسي ثم قلت بنبرة هادئة:

- لقد اختلط علي الأمر و حسبته الحمام فلم انتبه .

فإبتسمت و لحسن الحظ انطلت عليها الكذبة , ثم قالت بحماس :

- ان الطبيب في الطريق دقائق و سيصل .

- لا لا داعي انا ذاهبة لقد تأخرت و سيحل المساء قريبا.

لم أنتظر اجابتها فخرجت و انا اهرب منها ، لكنني توقفت و بقيت أنظر لخطيبته و التعجرف يعلو ملامح وجهها لقد كانت قوية و أنيقة جدا.

صحيح فهي ليست مثلي في اي شيئ .

خرجت و أنا اضع حلواي المفضلة في فمي علها تنعش روحي بعد مرارة ما فعلتُ , ثم رأيته آتي من بعيد و توقف كل شي .. رأيته بكامل اناقته و جاذبيته .. رايته بعد غياب عامين .. رأيته بنفس الغموض و الثقة .

رأيته و ادركت أنه و خطيبته يكملان بعضهما .. أما أنا ؟ لا أصلح لأن أكون معه لا في الواقع و لا في الأحلام .

لقد رأيتك أخيرا يا قيصر و لم يعد لألمي أي معنى.


الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوما ما ..

المؤلف توليب عوض
2026/07/09 مكتملة
قائمة الفصول (54)
الفصل 1:
2026/07/09
الفصل 1: الفصل الثاني
2026/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2026/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2026/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2026/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2026/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2026/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2026/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2026/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2026/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2026/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2026/07/09
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2026/07/09
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2026/07/09
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2026/07/09
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2026/07/09
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2026/07/09
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2026/07/09
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2026/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2026/07/09
الفصل 21: الفصل الحادي و العشرون
2026/07/09
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2026/07/09
الفصل 23: الفصل الثالث و العشرون
2026/07/09
الفصل 24: الفصل الرابع و العشرون
2026/07/09
الفصل 25: الفصل الخامس و العشرون
2026/07/09
الفصل 26: الفصل السادس و العشرون
2026/07/09
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2026/07/09
الفصل 28: الفصل الثامن و العشرون ( البداية)
2026/07/09
الفصل 29: الفصل التاسع و العشرون ( الرسالة الاولى)
2026/07/09
الفصل 30: الفصل الثلاثون ( الرسالة الثانية)
2026/07/09
الفصل 31: الفصل الواحد الثلاثون (الرسالة الثالثة)
2026/07/09
الفصل 32: الفصل الثاني و الثلاثون( الرسالة الرابعة)
2026/07/09
الفصل 33: الفصل الثالث و الثلاثون ( الرسالة الخامسة)
2026/07/09
الفصل 34: الفصل الرابع و الثلاثون ( الرسالة السادسة)
2026/07/09
الفصل 35: الفصل الخامس و الثلاثون (الرسالة السابعة)
2026/07/09
الفصل 36: الفصل السادس و الثلاثون (الرسالة السابعة)
2026/07/09
الفصل 37: الفصل السابع و الثلاثون ( الرسالة الثامنة و التاسعة)
2026/07/09
الفصل 38: الفصل الثامن و ثلاثون ( الرسالة العاشرة و الحادية عشر)
2026/07/09
الفصل 39: الفصل التاسع و ثلاثون ( الرسالة الثانية عشر و الثالثة عشر)
2026/07/09
الفصل 40: الفصل الاربعون ( الرسالة الثانية عشر و الثالثة عشر)
2026/07/09
الفصل 41: الفصل الواحد و الأربعون( الرسالة الرابعة عشر و الخامسة عشر )
2026/07/09
الفصل 42: الفصل الثاني و الأربعون( الرسالة السادسة عشر )
2026/07/09
الفصل 43: الفصل الثالث و الأربعون( الرسالة السابعة عشر و الثامنة عشر)
2026/07/09
الفصل 44: الفصل الرابع و الأربعون(الرسالة تاسعة عشر و العشرون)
2026/07/09
الفصل 45: الفصل الخامس و الأربعون(الرسالة الواحدة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 46: الفصل السادس و الأربعون( الرسالة الثانية ووالعشرون و الثالثة و عشرون )
2026/07/09
الفصل 47: الفصل السابع و الأربعون(الرسالة الرابعة و العشرون و الخامسة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 48: الفصل الثامن و الأربعون(الرسالة السادسة و العشرون و السابعة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 49: الفصل التاسع و الأربعون(الرسالة الثمانية و العشرون و التاسعة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 50: الفصل الخمسون (الرسالة الثلاثون و الواحدة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 51: الفصل الواحد و الخمسون(الرسالة الثانية و الثلاثون و الثلاثة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 52: الفصل الثاني و الخمسون(الرسالة الرابعة وثلاثون و الخامسة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 53: الفصل الثالث و الخمسون( الرسالة السادسة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 54: الفصل الاخير و الرسالة الاخيرة .
2026/07/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة