ثم خرجت و أنا أفكر في كلامه ، أفكر و أفكر و أفكر حتى كاد رأسي ينفجر ، أفكر و أنا أشعر تارة بالتردد و تارة اخرى بالشجاعة ، فبقيت أؤرجح الكفتين و انتظر في قرارة نفسي اي الكفتين سترتفع و أيهما ستنزل.
بين الأمل مجددا و الخيبة بقيت عالقة .
بين سطوع امل خفيف و بين خوف من حزن آخر بقيت اصارع نفسي طويلا .
فلم أشعر بقدمي إلا و هي تأخذني امام عيادته ، بقيت بعيدة أنتظر و أفكر في نصيحة جدي " حين يتغلب دافعك على خوفك حينها امضي و لا تترددي" .
و كانت كذلك ، حين شعرت بأن دافعي كان أقوى تجرأت و دخلت بدون خوف و بلا تردد و بدون أن ارجو مقابل او مبادلة لما أشعر به .. دخلت و أنا مقيدة بلحظات من الوهم عشتها وحدي ..دخلت و أنا أرى الذكرياتٍ ترتسم داخل مكان شعرت فيه مرة بإرتباك اللحظة الاولى .. دخلت و أنا أرى ذلك الكرسي الذي انتظرت فيه اول مرة .. تلك اللهفة التي كنت ادخل بها إلى القاعة شوقا و أعود فيها مليئة بذكرى حالمة ترافقني لأيام .. تلك التفاصيل و الذكريات قد اعادتني لما قبل عامين .. إلى يوم رأيته فيه اول مرة و الى ولادة حب لم اتوقع ان ينمو داخل جدران مكان رأيته يوما مليئ بالمجانين.
فاغرورقت عيناي و شعرت كأنني عدت للمكان الذي لاطالما بحثت عنه .
- عذرا سيدتي هل انتِ هنا لمقابلة الطبيب ؟
فالتفتت لها و أنا اطرق برأسي لكي لا ترى احمرار عيني, ثم تمالكت نفسي و قلت بإبتسامة مصطنعة :
- نعم لكن ليس لدي موعد , ايمكنني لقاءه بدون موعد؟ فأنا كنت اتعالج هنا.
فنظرت لي نظرة شك و استغراب و قالت :
- لكن وجهك لا يبدو مألوفا فأنا اعرف معظم مريضاته.
كلمة مريضاته جعلتني أعود و أتذكر يوم قال لي أنني بالنسبة له مجرد مريضة فقط ,فإبتسمت بألم و قلت بصوت منخفض :
- نعم لأن ممرضة اخرى كانت مكانكِ , فأنا أيضا كنت مريضة عنده منذ عامين اسمي توليب عوض هل يمكنني مقابلته ؟
- حاليا هو ليس هنا ،فقد طرأ امر عاجل و لا أعرف متى سيعود , يمكنكِ انتظاره ان شئتي, حتى اسأله إذا كان بإمكانه مقابلتكِ بدون موعد.
- الا يمكنكِ الاتصال به ؟
- وددت لو اتصلت به لأجنبكِ عناء الانتظار, لكنه طلب مني الا ازعجه بأي اتصال كان, لذا أنا آسفة يا سيدتي .
حسنا هذا عذر جيد للهرب و الاختباء و العودة لما كنتُ عليه ، هيا فلنعد ادراجنا و لننسى أنني جئت هنا ،هذه إشارة جيدة للابتعاد.و العيش وحيدة كما كنت أفعل، هيا توليب عودي لحياتك المنعزلة و تجنبي الألم مرة أخرى .
لكن في تلك اللحظة شعرت أن هناك شيئ داخلي تغلب على خوفي و جُبني اخيرا ، فهل يمكن أن تكون الشجاعة؟ تلك التي بحثت عنها طويلا كي اتخلى و اترك و استسلم و لم أجدها؟ ها هي تأتيني و تجبرني على الوقوف و الصمود .. لأول مرة في حياتي تخليت عن الجبن و تحليت بالشجاعة ، و ما بين تناقضات نفسي قلت بدون تردد و بهدوء:
- حسنا سأنتظره هنا الا أن يأتي .
ثم ذهبت إلى نفس الكرسي الذي لاطالما جلست عليه و بقيت انتظر مع دقات الساعة التي كانت تدور ببطئ و بهدوء و أنا ارسم جميع السيناريوهات المحتملة فالبرغم من يقيني أنني جئت الى هنا بأمل مخفي في أن يبادلني المشاعر أيضا الا أنني أعلم أيضا أنني سئمت من التعلق بحبال الماضي و آن الأوان لأستسلم و اتقبل رفضه و امضي بعيدا ، فطريق الخيبة سيأتيني لا محالة اما الآن أو او بعد .
فتساءلت و أنا أنظر للساعة هل إذا لم اذهب اليوم لجدي و لم يقل لي انه هناك مريضة تشبه حبه الأول هل كنت سآتي ؟ هل اذا لم اخرج و التقي بجدي الم أكن سأستجمع شجاعتي و اترك؟ فأنا الآن أعلم أنني اتيت الى هنا بكامل قواي القلبية و العقلية .. إما أن اتركه و اقطع كل ما له صلة بي .. أو اكون التي تشبه شبح حبه الأول مع بصيص آمل أن أكون معه.
لكن بماذا اشبهها بالضبط؟ شكلها ؟ نظرتها ؟ اسمها ؟ خيانتها و كذبها ؟ ام قلبها؟ فأنا أرى أنني لا اشبهها في شيئ.
شكلي الهش الذي يوحي بالانكسار.. روحي التي زارها الفقد .. .. وجهي و تعابيره الشاحبة.. قلبي الذي صمد على اشباح الماضي و أحب شخص لم يره لعامين قلبي الذي بقي يردد اسما واحدا .. اسمي الذي يحمل زهرة الحب العميق النابع من الألم و التضحية.
يقولون لكل امرئ من اسمه نصيب و أنا نلت نصيبي من اسمي .. فمن انا لكي اعترض؟.
لاطالما كنت امرأة قدرية تؤمن بالقدر و ترتيباته.. لاطالما كنت و مازلت أؤمن و اعرف ان لكل شيئ بداية و نهاية ، فبدايتي كانت في ديسمبر و نهايتي كانت فيه و عنده و في آخره.
لقد توقفت عن عتاب الحياة منذ مدة ، فلم أعد اغضب .. و لم أعد انهار او أحزن او اندب .. انا فقط لم أعد اي شيئ!
أنا صرت اتقبل الأمور بمجرياتها و بحقيقتها و بهدوء أيضا .. أنا تقبلت قدري و حبي و ألمي و حزني , فلم أعد أشعر لا بالغضب و لا بالسخط.. أنا لم أعد ارجو من الحياة شيئا !.
انا التي تُركت فلماذا الغضب ؟ .
انا التي شبهت بزهرة البدايات و النهايات.. زهرة الحب و الألم فلماذا العتب؟
انا التي بدأتُ به منذ عامين و ها أنا هنا لأنتهي منه في نفس يوم لقاؤنا فلماذا الندم؟
يا لسخرية القدر! لقد اعادني الى هنا ليعيد فتح جراحي و تزويد آلامي ، لماذا اعدتني أيها القدر؟ لماذا جعلتني استجمع شجاعتي الا اليوم ؟ لماذا اليوم بالذات ؟ لماذا في ديسمبر؟ لماذا ؟ .
فإنتبهت انها مرت ساعة كاملة و لم اعد وحدي ،فقد وجدت امرأة جميلة و أنيقة تتحدث مع الممرضة و قد كانت هي أيضا تبحث عنه .
فسمعت ما جعلني اتسمر و أنا تحت صدمة كلماتها .. شعرت أن روحي ستغادرتني .. شعرت أن قلبي ينبض و ينبض و على وشك الخروج من مكانه شعرت أنني انفصلت عن الواقع لأعيس مع كلماتها فقط.
فتمالكت نفسي و اقتربت منهما و أنا أجر قدمي جرا لأقول للممرضة بجمود وبصوت منخفض متجاهلة المرأة الاخرى و قلبي كان يكذب ما سمعه :
- هل الطبيب سيأتي ام لا ؟.
فإبتسمت الممرضة و قالت بمرح مصطنع :
- سيأتي لا تقلقي فهو لم يفوت مواعيده قط .
ثم إلتفتت للمرأة الأخرى و قالت لها :
- انا لا اعلم إلى أين ذهب لكن هل تريدينني أن اتصل به و أخبره ان خطيبته هنا؟.
يا للسخرية ! حتى هذه الممرضة عاملتني كمريضة يجب عليها الانتظار و لا يجب أن يتم ازعاجه من طرفها .. في حين أنها ستتصل به من أجل المسماة "خطيبته" عن طيب خاطر .
في الأخير لقد خطب! على الاقل كان أحدنا سعيدا .. على الأقل هو لم يعش على اشباح لحظات مرت مثلي أنا .. على الأقل قيصر وجد سعادته و ليس مثل توليب التي كانت تنتظر و تتمنى .
فعلمت فورًا ما الذي سينتظرني و علمت كفة من قد ارتفعت .
أنا أدركت أنني أقوى مما كنت أتصور، فأنا قمعت رغبتي في البكاء و قمعت معها كافة احساسي المتضاربة لكي أبدو بمظهر " البخير " بعد سماع ما هز قلبي هزا .. أنا أدركت انني يجب أن أكمل ما جئت لأجله لكن بقلب اختفى منه الأمل كليا.
فإبتعدت و ذهبت للحمام و أنا أنظر لصورتي المشوشة في المرآة و احساس الشجاعة الذي كان لدي بدأ في التراجع .. هيا تمالكي نفسكِ يا توليب ! لا تنهاري على الاقل ليس الآن و هنا ! .. يجب أن اعطيه افكاري و قلبي لأنتهي منه للأبد هذا اخر شيئ يربطنا معا و أنا سأقطعه .. نعم سأقطعه الآن !.. فهذا هو الدين الأخير الذي مزال يربطنا معا لذا سأسدده و انتهي منه نهائيا .
أن توثق نفسك في الاوراق يعني أنك ستترك نسخة منك .. تترك اثرك و روحك.. أثر سيبقى في النهاية ليخبر الجميع أنك أحسست و أحببت و انهرت و حزنت . و أنا سأترك نسختي معه عله يتذكرني بين حين و آخر.. عله يشعر بماذا شعرت .
لقد جاء الوقت الذي ستقرأ فيه رسائلي يا قيصر, لكنني لن أكون معك .
ثم تنهدت و خرجت بهدوء و أنا أنظر للمكان , فرأيت أنه لا وجود للممرضة و لا للخطيبة ، الا من بعض الاشخاص الذين بدءوا في الدخول ، فإغتنمت الفرصة و ذهبت أمام باب مكتبه و بقيت اتنصت فلم اسمع اي صوت .. فتحت الباب بهدوء و دخلت و أنا اتنهد لأنني لم أجد احدا , و لأنني أيضا استطعت أن استنشق رائحته التي اشتقت اليها ، فملئت رئتاي بها لأنها ستكون كذكرى أخيرة أحملها في قلبي.
ثم فتحت محفظتي و أخرجت المفكرة و وضعتها فوق مكتبه , و حملت ورقة كانت مرمية و كتبت فيها ما تبادر لقلبي لحظتها، و وضعتها فوقها.
ثم نظرت نظرة حزينة و أخيرة لصديقتي و لمكتبه و خرجت بهدوء , فوجدت الممرضة في وجهي، فتفاجأتُ و قالت هي بإستغراب :
- ما الذي كنتِ تفعلينه داخل مكتب الطبيب؟
فنظرت لها و تمالكت نفسي ثم قلت بنبرة هادئة:
- لقد اختلط علي الأمر و حسبته الحمام فلم انتبه .
فإبتسمت و لحسن الحظ انطلت عليها الكذبة , ثم قالت بحماس :
- ان الطبيب في الطريق دقائق و سيصل .
- لا لا داعي انا ذاهبة لقد تأخرت و سيحل المساء قريبا.
لم أنتظر اجابتها فخرجت و انا اهرب منها ، لكنني توقفت و بقيت أنظر لخطيبته و التعجرف يعلو ملامح وجهها لقد كانت قوية و أنيقة جدا.
صحيح فهي ليست مثلي في اي شيئ .
خرجت و أنا اضع حلواي المفضلة في فمي علها تنعش روحي بعد مرارة ما فعلتُ , ثم رأيته آتي من بعيد و توقف كل شي .. رأيته بكامل اناقته و جاذبيته .. رايته بعد غياب عامين .. رأيته بنفس الغموض و الثقة .
رأيته و ادركت أنه و خطيبته يكملان بعضهما .. أما أنا ؟ لا أصلح لأن أكون معه لا في الواقع و لا في الأحلام .
لقد رأيتك أخيرا يا قيصر و لم يعد لألمي أي معنى.
توليب عوض