هل هذا حلم؟
هل هذا وهم أم حقيقة ؟ هل هما نفس العينين اللتان قابلتهما قبل أسبوع ؟.هل هو بطلي الغريب و نفسه الذي شغل تفكيري؟ يالجمال الصدف و جمال القدر الذي حطمني ؟. لوهلة نسيت السبب الذي قادني الى هنا , فهذه المرة لم يكن القدر هو من جاء لي ، بل أنا من ذهبت إليه بقدمي هاتين .
فأنا لطالما تعودت على البحث و التمسك بالأشياء التي أحبها ، أتمسك بها خوفا من ألم جديد و خوفٍ من فراغ ينتج وراء غياب موحش.. لطالما كنت ألهث وراء الأشياء التي أحبها ، أبحث عنها بيأس حتى يتعب قلبي و تتهالك يداي.
لكنني في الأخير علمت أن المحاولات ما هي إلا بحث عن فراغ مجهول يجعل من القلب اسيرا للبدايات الخادعة ، فتركت و تعلمت أن اليد التي لطالما تمسكت بطرف القدر ما هي إلا محاولة أخرى لصفعة جديدة و تجربة اخرى .
لهذا تركته للقدر و لم أفكر كثيرا، و هاهو القدر نفسه يأخذني إليه .
قدر مناسب في الوقت الخطأ.
- هل أنت توليب عوض ؟
أيقظني من أفكاري صوته العميق و الذي كان سببا في إنهيار أسوار قلبي ،فمنذ دخولي إلى مكتبه و أنا كالبلهاء أحدق إليه كالتي انبهرت بلوحة أو اغنية أو بيت شعر قديم ، فتمالكت نفسي و أجبته بصوت منخفض:
- نعم أنا هي .
هل يتذكرني ؟ .. هل تعرف علي ؟ ام أنه رآني مجرد امرأة تحتاج للثرثرة ؟, هل لاحظ انبهاري أم انه تعود على تحديق النساء به ؟
العديد من الأسئلة التي طرأت في قلبي والني لم أجد لها جواب مقنع ، و المحير في الأمر أنني لم اكن أستمع لأي كلمة يقولها ، فكل ما استطعت فعله هو تأمل عينيه الشبيهة بقهوة الصباحات الماطرة و افكر بكيف للخالق ان يخلق شيئا كهذا يخطف الأنفاس في لحظة.
فإنتبهت أنني و منذ دخولي اليه و أنا أنظر إليه مبهورة القلب و الملامح،و متأكدة ايضا أنه لاحظ ذلك فأي شخص كان سيلاحظ. فكيف بهذا الغريب أو طبيبي إذا صح القول الذي يقرأ لغة العيون قبل لغة الشفاه .
- إذا! أخبريني عن نفسك قليلا يا توليب فأنا ارى ان اسمك نادر ، من أعطاكِ هذا الاسم ؟
لقد ضرب الوتر الحساس و بقوة ، لكن الذي جعل نبضات قلبي تتسارع ليس تذكري لوالديَّ بل اسمي الذي خرج من فمه حلوًا كترنيمة السلام، فأجبته بصوت منخفض و مقتضب:
- والديَّ .
فنظر لي نظرة طويلة و عميقة كأنه يحلل جوابي ،ثم قال بهدوء :
- حسنا أرى أنهما اجادا اختيار اسمك فهو مميز. ثم تابع :
- هل ترين الكوابيس ليلا ؟
فأجبته بصراحة و دون ان ارفع رأسي :
- أن الكابوس الوحيد الذي أراه دائما هو حياتي .
رفع احد حاجبيه و كأنه فهم تلاعبي بالكلمات ، حينها قرر مجاراتي و قال بمكر خفي:
-إذا هل تقولين أنكِ تريدين الموت ؟
فأجبته بصوت منخفض :
- لست أقول إنني أريد الموت ، بل أن حياتي في حد ذاتها كابوس ، كابوس أريد الإستيقاظ منه لا أن أموت فيه أو منه هناك فرق .
فنظر لي نظرة عميقة و غامضة كتلك حين تشابكت طرقنا لأول مرة ، نظرة كانت تحمل الكثير و الكثير فأحسست لوهلة أنه تعرف علي ، فنظرت إليه بدوري لأقرأ ما الذي يدور في رأسه و في عينيه, ثم غرقت. فلم أستطع إبعاد عيني عنه, و كلما أردت إبعادهما أجد أنني أغرق فيهما أكثر و أكثر .
فوجدت نفسي أقول له لا إراديا و دون أن أبعد عيني عنه :
- إذا, هل تستطيع انتشالي من هذا الكابوس ؟
فأطرق برأسه ثم أجابني بصوته العميق و الواثق :
- إذا لم أستطع أنا من يستطيع ؟.
فأحسست بالخجل لأنني و لسبب غريب أحسست أنه قالها عن عمد ليثير ركن الفضول لدي ،كأنه عرف أن الفضول هو صفة من صفاتي.
لا أدري ما الذي أصابني ، فهذه أول مرة أتلعثم فيها هكذا و لا أجد ما أقوله ، فأنا لا أدري و لحد الساعة أين ذهبت صاحبة الخامسة و العشرون التي تجد الردود دائما، فالتي أراها أمامي مجرد طفلة خجولة لا يزيد عمرها عن سن الخامسة .
ثم تابع حين لاحظ صمتي :
-انتِ لم تخبريني بعد ما الذي تفعلينه في حياتكِ ؟
فشعرت بالضياع و لم أعلم ماذا اقول له فردودي كلها تبخرت و ذهبت بسبب حضوره , لذا قلت اول شيئ تبادر لذهني لكي اهرب من سطوته:
-هل استطيع أن أخبرك المرة القادمة فهذه هي المرة الأولى لي و انا أشعر بالضياع و لا أعلم ماذا أقول .
فبقي ينظر لي نظرته الغامضة ثم اطرق برأسه هو يحدد موعد آخر على الساعة التاسعة صباحا يوم الأربعاء ، ثم وقف فبدا أكثر طولا و كتفيه أكثر عرضا ،و قميصه الأسود الأنيق تحت مئزره الأبيض أبرز عضلات صدره القوية ، كيف يعقل أن يكون بهذه الجاذبية ، هو ليس وسيما ابدا ، بل لديه جاذبية و سحر خفي يجعل الحواس تتبلد و القلب يخفق.
-إذا نلتقي يوم الأربعاء.
قالها بإقتضاب ثم مد يده ليصافحني بمهنية اكتسبها عبر السنين ، و أنا مددت يدي بخبرة قرأت عنها في آلاف الكتب فتبخرت كتبخر الهواء أمامه ، ثم نظرت إلى يده الكبيرة الممدودة و وضعت يدي داخلها بإرتباك ، و إحساس بالدفئ اخذ بالتسرب إلى روحي ،فأحسست بتيار كهربائي حلو اصاب جسدي و قلبي على حد سواء .
فقلت له بصوت مرتبك و ابتسامة خجول :
- إلى اللقاء .
ثم نظر مباشرة لعيني و ضغط عليها برفق و قال :
- إلى اللقاء .
***
جلست أراقب خالتي و هي تتحرك هنا و هناك بخفة الفراشة، هنا تتحرك فتضع هذا الطبق فوق الطاولة ، و هناك تعود للمطبخ لتحرك الحساء.. و أنا هنا أفكر هل يجب أن أشكرها لأنه بفضلها استطعت مقابلة بطلي الغامض ؟ام أشكر صديقتها لأنها قادتني اليه ؟ ام هل يجب أن أشكر القدر لأنه جمعني به ؟
- خالتي هل تريدين أن اساعدك ؟.
فإبتسمت ثم قالت بهمس سمعته :
-اخيرا انتِ هنا . ثم تابعت بحماس :
- لا , لا داعي فأنا بالكاد انتهيت كما انكِ لست في وضع يسمح لكي أن تساعدي.
- ماذا تقصدين ؟.
- لا, لا أقصد أي شيء فأنتِ متعبة كما ان عقلك في مكان آخر .
فلم اجبها و نظرت لها و ابتسمت ابتسامة جانبية فجاءت و عانقتني بغتة و هي تصيح :
-لقد رأيتها !!! رأيت ابتسامتك و انا سعيدة مهما كان السبب انا ممتنة أنني رأيت ابتسامتك أخيرا بعد طول انتظار .
ثم ابتعدت و قالت بحنان :
-لا أريد رؤيتك حزينة بعد الآن و لا تقلقي انتِ لست وحيدة أنا معكِ .
فإبتسمت لها بإمتنان و أنا افكر فيه و ما الذي فعله بي ، لقاء واحد فقط و قد ابتسمت اخيرا فمنذ أن عدت للمنزل و أنا لست في كامل قواي القلبية ، فأنا لم أكن أتصور أنني سأكون بهذا الإرتباك و التشتت ، ما الذي يحدث لي ؟ لماذا هذا التحول الكبير في قلبي و وجهي ؟ و لماذا قلبي ينبض هكذا حين أتذكره .
هل يمكن أن تكون خرافة الحب من أول نظرة صحيحة ؟
فقاطعت افكاري خالتي و هي تقول بحماس :
-انتِ لم تخبريني بعد كيف كانت جلستكِ و انني واثقة كل الثقة ان هذا التغير بسببه هل أعجبك؟
-نعم كثيرا .
-هاه ماذا قلتي ؟
-قلت لكِ نعم هو يجيد عمله و من طريقة كلامه يبدو ماهرا جدا .
فإبتسمت خالتي و هي تصيح بطفولية :
-لقد اخبرتكِ !! إن صديقتي بقيت تثني عليه و قد قالت أيضا أنه صغير في السن و جذاب هل هذا صحيح ؟
فقلت لها بمكر:
-هل تفكرين في خيانة خالي؟.
فابتسمت و لم تجب و لكي اغير دفة الحديث عنه قلت لها :
-سأعد المائدة بينما يجهز الحساء .
توليب عوض