الفصل الثامن

الفصل الثامن

7 0

هل هذا حلم؟

هل هذا وهم أم حقيقة ؟ هل هما نفس العينين اللتان قابلتهما قبل أسبوع ؟.هل هو بطلي الغريب و نفسه الذي شغل تفكيري؟ يالجمال الصدف و جمال القدر الذي حطمني ؟. لوهلة نسيت السبب الذي قادني الى هنا , فهذه المرة لم يكن القدر هو من جاء لي ، بل أنا من ذهبت إليه بقدمي هاتين .

فأنا لطالما تعودت على البحث و التمسك بالأشياء التي أحبها ، أتمسك بها خوفا من ألم جديد و خوفٍ من فراغ ينتج وراء غياب موحش.. لطالما كنت ألهث وراء الأشياء التي أحبها ، أبحث عنها بيأس حتى يتعب قلبي و تتهالك يداي.

لكنني في الأخير علمت أن المحاولات ما هي إلا بحث عن فراغ مجهول يجعل من القلب اسيرا للبدايات الخادعة ، فتركت و تعلمت أن اليد التي لطالما تمسكت بطرف القدر ما هي إلا محاولة أخرى لصفعة جديدة و تجربة اخرى .

لهذا تركته للقدر و لم أفكر كثيرا، و هاهو القدر نفسه يأخذني إليه .

قدر مناسب في الوقت الخطأ.

- هل أنت توليب عوض ؟

أيقظني من أفكاري صوته العميق و الذي كان سببا في إنهيار أسوار قلبي ،فمنذ دخولي إلى مكتبه و أنا كالبلهاء أحدق إليه كالتي انبهرت بلوحة أو اغنية أو بيت شعر قديم ، فتمالكت نفسي و أجبته بصوت منخفض:

- نعم أنا هي .

هل يتذكرني ؟ .. هل تعرف علي ؟ ام أنه رآني مجرد امرأة تحتاج للثرثرة ؟, هل لاحظ انبهاري أم انه تعود على تحديق النساء به ؟

العديد من الأسئلة التي طرأت في قلبي والني لم أجد لها جواب مقنع ، و المحير في الأمر أنني لم اكن أستمع لأي كلمة يقولها ، فكل ما استطعت فعله هو تأمل عينيه الشبيهة بقهوة الصباحات الماطرة و افكر بكيف للخالق ان يخلق شيئا كهذا يخطف الأنفاس في لحظة.

فإنتبهت أنني و منذ دخولي اليه و أنا أنظر إليه مبهورة القلب و الملامح،و متأكدة ايضا أنه لاحظ ذلك فأي شخص كان سيلاحظ. فكيف بهذا الغريب أو طبيبي إذا صح القول الذي يقرأ لغة العيون قبل لغة الشفاه .

- إذا! أخبريني عن نفسك قليلا يا توليب فأنا ارى ان اسمك نادر ، من أعطاكِ هذا الاسم ؟

لقد ضرب الوتر الحساس و بقوة ، لكن الذي جعل نبضات قلبي تتسارع ليس تذكري لوالديَّ بل اسمي الذي خرج من فمه حلوًا كترنيمة السلام، فأجبته بصوت منخفض و مقتضب:

- والديَّ .

فنظر لي نظرة طويلة و عميقة كأنه يحلل جوابي ،ثم قال بهدوء :

- حسنا أرى أنهما اجادا اختيار اسمك فهو مميز. ثم تابع :

- هل ترين الكوابيس ليلا ؟

فأجبته بصراحة و دون ان ارفع رأسي :

- أن الكابوس الوحيد الذي أراه دائما هو حياتي .

رفع احد حاجبيه و كأنه فهم تلاعبي بالكلمات ، حينها قرر مجاراتي و قال بمكر خفي:

-إذا هل تقولين أنكِ تريدين الموت ؟

فأجبته بصوت منخفض :

- لست أقول إنني أريد الموت ، بل أن حياتي في حد ذاتها كابوس ، كابوس أريد الإستيقاظ منه لا أن أموت فيه أو منه هناك فرق .

فنظر لي نظرة عميقة و غامضة كتلك حين تشابكت طرقنا لأول مرة ، نظرة كانت تحمل الكثير و الكثير فأحسست لوهلة أنه تعرف علي ، فنظرت إليه بدوري لأقرأ ما الذي يدور في رأسه و في عينيه, ثم غرقت. فلم أستطع إبعاد عيني عنه, و كلما أردت إبعادهما أجد أنني أغرق فيهما أكثر و أكثر .

فوجدت نفسي أقول له لا إراديا و دون أن أبعد عيني عنه :

- إذا, هل تستطيع انتشالي من هذا الكابوس ؟

فأطرق برأسه ثم أجابني بصوته العميق و الواثق :

- إذا لم أستطع أنا من يستطيع ؟.

فأحسست بالخجل لأنني و لسبب غريب أحسست أنه قالها عن عمد ليثير ركن الفضول لدي ،كأنه عرف أن الفضول هو صفة من صفاتي.

لا أدري ما الذي أصابني ، فهذه أول مرة أتلعثم فيها هكذا و لا أجد ما أقوله ، فأنا لا أدري و لحد الساعة أين ذهبت صاحبة الخامسة و العشرون التي تجد الردود دائما، فالتي أراها أمامي مجرد طفلة خجولة لا يزيد عمرها عن سن الخامسة .

ثم تابع حين لاحظ صمتي :

-انتِ لم تخبريني بعد ما الذي تفعلينه في حياتكِ ؟

فشعرت بالضياع و لم أعلم ماذا اقول له فردودي كلها تبخرت و ذهبت بسبب حضوره , لذا قلت اول شيئ تبادر لذهني لكي اهرب من سطوته:

-هل استطيع أن أخبرك المرة القادمة فهذه هي المرة الأولى لي و انا أشعر بالضياع و لا أعلم ماذا أقول .

فبقي ينظر لي نظرته الغامضة ثم اطرق برأسه هو يحدد موعد آخر على الساعة التاسعة صباحا يوم الأربعاء ، ثم وقف فبدا أكثر طولا و كتفيه أكثر عرضا ،و قميصه الأسود الأنيق تحت مئزره الأبيض أبرز عضلات صدره القوية ، كيف يعقل أن يكون بهذه الجاذبية ، هو ليس وسيما ابدا ، بل لديه جاذبية و سحر خفي يجعل الحواس تتبلد و القلب يخفق.

-إذا نلتقي يوم الأربعاء.

قالها بإقتضاب ثم مد يده ليصافحني بمهنية اكتسبها عبر السنين ، و أنا مددت يدي بخبرة قرأت عنها في آلاف الكتب فتبخرت كتبخر الهواء أمامه ، ثم نظرت إلى يده الكبيرة الممدودة و وضعت يدي داخلها بإرتباك ، و إحساس بالدفئ اخذ بالتسرب إلى روحي ،فأحسست بتيار كهربائي حلو اصاب جسدي و قلبي على حد سواء .

فقلت له بصوت مرتبك و ابتسامة خجول :

- إلى اللقاء .

ثم نظر مباشرة لعيني و ضغط عليها برفق و قال :

- إلى اللقاء .


***

جلست أراقب خالتي و هي تتحرك هنا و هناك بخفة الفراشة، هنا تتحرك فتضع هذا الطبق فوق الطاولة ، و هناك تعود للمطبخ لتحرك الحساء.. و أنا هنا أفكر هل يجب أن أشكرها لأنه بفضلها استطعت مقابلة بطلي الغامض ؟ام أشكر صديقتها لأنها قادتني اليه ؟ ام هل يجب أن أشكر القدر لأنه جمعني به ؟

- خالتي هل تريدين أن اساعدك ؟.

فإبتسمت ثم قالت بهمس سمعته :

-اخيرا انتِ هنا . ثم تابعت بحماس :

- لا , لا داعي فأنا بالكاد انتهيت كما انكِ لست في وضع يسمح لكي أن تساعدي.

- ماذا تقصدين ؟.

- لا, لا أقصد أي شيء فأنتِ متعبة كما ان عقلك في مكان آخر .

فلم اجبها و نظرت لها و ابتسمت ابتسامة جانبية فجاءت و عانقتني بغتة و هي تصيح :

-لقد رأيتها !!! رأيت ابتسامتك و انا سعيدة مهما كان السبب انا ممتنة أنني رأيت ابتسامتك أخيرا بعد طول انتظار .

ثم ابتعدت و قالت بحنان :

-لا أريد رؤيتك حزينة بعد الآن و لا تقلقي انتِ لست وحيدة أنا معكِ .

فإبتسمت لها بإمتنان و أنا افكر فيه و ما الذي فعله بي ، لقاء واحد فقط و قد ابتسمت اخيرا فمنذ أن عدت للمنزل و أنا لست في كامل قواي القلبية ، فأنا لم أكن أتصور أنني سأكون بهذا الإرتباك و التشتت ، ما الذي يحدث لي ؟ لماذا هذا التحول الكبير في قلبي و وجهي ؟ و لماذا قلبي ينبض هكذا حين أتذكره .

هل يمكن أن تكون خرافة الحب من أول نظرة صحيحة ؟

فقاطعت افكاري خالتي و هي تقول بحماس :

-انتِ لم تخبريني بعد كيف كانت جلستكِ و انني واثقة كل الثقة ان هذا التغير بسببه هل أعجبك؟

-نعم كثيرا .

-هاه ماذا قلتي ؟

-قلت لكِ نعم هو يجيد عمله و من طريقة كلامه يبدو ماهرا جدا .

فإبتسمت خالتي و هي تصيح بطفولية :

-لقد اخبرتكِ !! إن صديقتي بقيت تثني عليه و قد قالت أيضا أنه صغير في السن و جذاب هل هذا صحيح ؟

فقلت لها بمكر:

-هل تفكرين في خيانة خالي؟.

فابتسمت و لم تجب و لكي اغير دفة الحديث عنه قلت لها :

-سأعد المائدة بينما يجهز الحساء .



الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوما ما ..

المؤلف توليب عوض
2026/07/09 مكتملة
قائمة الفصول (54)
الفصل 1:
2026/07/09
الفصل 1: الفصل الثاني
2026/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2026/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2026/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2026/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2026/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2026/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2026/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2026/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2026/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2026/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2026/07/09
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2026/07/09
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2026/07/09
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2026/07/09
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2026/07/09
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2026/07/09
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2026/07/09
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2026/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2026/07/09
الفصل 21: الفصل الحادي و العشرون
2026/07/09
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2026/07/09
الفصل 23: الفصل الثالث و العشرون
2026/07/09
الفصل 24: الفصل الرابع و العشرون
2026/07/09
الفصل 25: الفصل الخامس و العشرون
2026/07/09
الفصل 26: الفصل السادس و العشرون
2026/07/09
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2026/07/09
الفصل 28: الفصل الثامن و العشرون ( البداية)
2026/07/09
الفصل 29: الفصل التاسع و العشرون ( الرسالة الاولى)
2026/07/09
الفصل 30: الفصل الثلاثون ( الرسالة الثانية)
2026/07/09
الفصل 31: الفصل الواحد الثلاثون (الرسالة الثالثة)
2026/07/09
الفصل 32: الفصل الثاني و الثلاثون( الرسالة الرابعة)
2026/07/09
الفصل 33: الفصل الثالث و الثلاثون ( الرسالة الخامسة)
2026/07/09
الفصل 34: الفصل الرابع و الثلاثون ( الرسالة السادسة)
2026/07/09
الفصل 35: الفصل الخامس و الثلاثون (الرسالة السابعة)
2026/07/09
الفصل 36: الفصل السادس و الثلاثون (الرسالة السابعة)
2026/07/09
الفصل 37: الفصل السابع و الثلاثون ( الرسالة الثامنة و التاسعة)
2026/07/09
الفصل 38: الفصل الثامن و ثلاثون ( الرسالة العاشرة و الحادية عشر)
2026/07/09
الفصل 39: الفصل التاسع و ثلاثون ( الرسالة الثانية عشر و الثالثة عشر)
2026/07/09
الفصل 40: الفصل الاربعون ( الرسالة الثانية عشر و الثالثة عشر)
2026/07/09
الفصل 41: الفصل الواحد و الأربعون( الرسالة الرابعة عشر و الخامسة عشر )
2026/07/09
الفصل 42: الفصل الثاني و الأربعون( الرسالة السادسة عشر )
2026/07/09
الفصل 43: الفصل الثالث و الأربعون( الرسالة السابعة عشر و الثامنة عشر)
2026/07/09
الفصل 44: الفصل الرابع و الأربعون(الرسالة تاسعة عشر و العشرون)
2026/07/09
الفصل 45: الفصل الخامس و الأربعون(الرسالة الواحدة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 46: الفصل السادس و الأربعون( الرسالة الثانية ووالعشرون و الثالثة و عشرون )
2026/07/09
الفصل 47: الفصل السابع و الأربعون(الرسالة الرابعة و العشرون و الخامسة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 48: الفصل الثامن و الأربعون(الرسالة السادسة و العشرون و السابعة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 49: الفصل التاسع و الأربعون(الرسالة الثمانية و العشرون و التاسعة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 50: الفصل الخمسون (الرسالة الثلاثون و الواحدة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 51: الفصل الواحد و الخمسون(الرسالة الثانية و الثلاثون و الثلاثة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 52: الفصل الثاني و الخمسون(الرسالة الرابعة وثلاثون و الخامسة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 53: الفصل الثالث و الخمسون( الرسالة السادسة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 54: الفصل الاخير و الرسالة الاخيرة .
2026/07/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة