لم أكن أعرف شعور غياب العالم كله و تغير الفصول في ثوان قليلة .. لم أكن أعلم خليط مشاعر الفرح مع الحزن ، الإشتياق و اللهفة و تيار الفراشات السريعة مع نبضة القلب اللذيذة .. الا حين رأيته و رأيت عيناه و هي تحدق في عينيّ , و يبدو من تعابير وجهه أنه تفاجئ أكثر مني.
فأعادني صوت جد الزمن الجميل للواقع حين قال يهمش شمعته:
- مطر أرى أنكِ قد أقفلت الباب في وجه زبوني العزيز و أرى أيضا أن باب آخر قد فُتح للتو.
فشعرت بحرارة ترتفع و تستقر في وجنتي و بخجل شديد جعلني اتسمر أمام الباب ، فإبتسامته الهادئة و عينيه المصوبتان نحوي جعلت قلبي على وشك الانفجار، فقلت بتلعثم و بصوت منخفض :
- أن.. أنا آ.. سفة تفضل.
و خرجت بسرعة دون أن ألتفت أو أنظر ، فمن شدة خجلي و ارتباكي لم أستطع أن أواجهه أو أتحدث معه أو حتى النظر اليه . فلم أكن أعلم أن ذلك المتجر السحري قد حقق حلما أرَق أيامي وتمنيته لليالي عديدة .
و لم أكن أعلم أيضا أنه يسرق الوقت لدرجة أنني لم أشعر بها و هي تظلم لهذه الدرجة، فحتى الرياح و القطط الضالة قد اختبئت من الظلام و أنا مازالت داخله أمشي بروحٍ مضيئة .
حينها تذكرت فجأة خالتي و انني للمرة الثانية اتأخر عليها .. لا بد أنها قلقة ! ، فذلك المتجر السحري يلعب بالوقت و يجعله يمر مرورا لحظيا لا أشعر به .
و لسوء حظي أن هاتفي ابتل من آخر مرة و هو عند المصلح الان لأنه كان هدية أبي رحمه الله في عيد ميلادي الثالث و العشرين و أنا ليس لدي طريقة اخرى لأطمئنها.
كيف سأتصل بخالتي يا االهي! هذه المرة أعلم أنها ستقتلني لا محالة ! حينها توقفت و تذكرت جد الزمن الجميل هل أعود و أطلب هاتفه مرة أخرى؟ لا لا قطعا لا كيف سأعود و أنا قد خرجت بتلك الطريقة؟ و الأدهى أن قيصر هناك ماذا سيقول عني؟.
أعلم ما سيقوله سيقول أنني خرقاء من الدرجة الأولى و غبية لا عقل لها.
فوضعت يدي في جيبي سترتي و مضيت ألتهم الطرق بسرعة لأصل فلحسن الحظ بيتي ليس بعيدا جدا !
و لا ادري لماذا ذلك القيصر يظهر في بالي الان ، يا الهي ! ليس وقتك يا قيصر حين أعود سأفكر بك و بعينيك جيدا أما الآن فشغلي الشاغل هو العودة للبيت و تقبل توبيخ خالتي بصدر رحِب.
حينها داهمتني فجأة نوبة من السعال الحاد و معها ألم حارق في صدري , فشعرت بإختلال في توازني وأن العالم قد انقلب رأسا على عقب في ثانية , فتذكرت انني لم أشفى جيدا و تعليمات الطبيب كانت ان ألازم البيت لفترة و أن لا أتعرض للهواء البارد , فضربتها في لحظة عرض الحائط أملا في رؤيته .
و ها أنا رأيته و لم تعد لتعليمات الطبيب أي قيمة و أهمية الان.
. فإستجمعت شتات نفسي و أكملت على مضض حتى شعرت فجأة بخطوات مسرعة ورائي، فإلتفت فوجدت شخصا طويلا يمشي مسرعا ورائي لكنني لم أره بسبب الظلام، حينها استبد بي الخوف و رحت أجري و أنا اشعر أن ذموعي ستنزل في اي لحظة ، حينها فكرت في أسوأ احتمال قد يحصل لي , فمر في ذهني شريط سريع و أنا أفكر في خالتي و في والديِّ و في الجد و في قيصر، حينها عادت لي نوبة السعال و أحسست بألم حاد في رأسي فتوقفت و أنا أشعر بالدوار , و فجأة شعرت بيد تمسك ذراعي , فإلتفت و أنا أفلت ذراعي بالقوة التي بقيت عندي و أصرخ بصوت ضعيف:
- أتركن..
فعادت لي نوبة السعال و لم أستطع أن أكمل بسبب اختناق الحروف داخلي و أنا أتخيل ماذا سيحدث لي .. حينها سمعت صوتا قد أنساني كل ما بي , و شعرت بأن كل شيئ اختفى، سعالي .. ألم صدري.. و العالم.
- توليب اهدئي.
كلمتين فقط أعادتني لوعي و ساعدت قلبي و جسدي، فحتى كلماتي لم تسعفني جيدا و خانتني مثلما خانني جسدي فأصبح قلبي ينبض بسرعة كبيرة , و تنفسي اصبح سريعا لدرجة أنني لم أعد قادرة على الوقوف على قدمي ، و لم أعرف هل بسبب هلعي أو بسبب قربه و لمسة يديه؟ .
فشعرت بيديه تلينان و هما تمسكان ذراعي برفق ، حينها اقترب مني حتى أصبحت أنفاسه الدافئة تلامس وجهي و قال :
- اهدئي يا توليب أنا قيصر لا تتحركي ابقي ثابتة ! .
فحاولت للمرة الثانية إخراج الحروف و التحدث لكن قلبي قال كلمة واحدة :
- قيصر؟.
- نعم أنا قيصر يا تولييب.
فقلت بهمس منخفض :
- ما الذي تفعله هنا ؟
- قولي لي أنتِ ماذا تفعلين هنا وحدك؟
فخرجت كلماتي متفرقة :
أنا.. لا.. جدي.. المت.. جر.
ثم احسست بيديه و هما تقبضان على ذراعي بقوة ثم قال بهمس :
- اهدئي و تنفسي ببطء.
ففعلت مثلما قال لي لكن قلبي ابى الاستماع لي و تمرد للمرة الألف، فإستجمعت نفسي و أنا أتنفس ببطء و تذكرت خالتي , فأخرجت كلماتي كلها دفعة واحدة وقلت بصراخ منفعل :
- الهاتف!!! أريد هاتفك لو سمحت لأتصل بخالتي فهاتفي ليس معي و أنا أعرف انها قلقة.
- حسنا يا توليب لكن اهدئي .
ثم أخرج هاتفه من جيبه و أعطاه لي، فإبتعد عني قليلا و هذه القلة كانت كافية لتشعرني بأن العالم موحش .
فتساءلت و أنا أضغط على الارقام بيد مرتعشة كيف ليدين بسيطتين أن يحملا كونا بأكمله ؟
- خالتي أنا توليب.
فصرخت و تخيلتها أمامي بتفاصيلها الحنونة و فمها الغاضب :
- توووووليب !! أين أنتِ بحق السماء لقد كدت أموت قلقا.
- أنا آسفة يا خالتي لكنني بخير لا تقلقي.
- كيف لا اقلق و انتِ قد تأخرتي كثيرا عوضا عن انني لم اجد طريقة للتواصل معكِ لكن ما به صوتك هل أنتِ بخير ؟
حينها عاد لي سعالي اللعين فلم أكد أنبس بكلمة حتى أخذ مني الهاتف و إبتعد يحكي مع خالتي، فلم أسمع ما قاله لها لكن ابتسامته الجميلة برهنت لي أن خالتي قد دخلت الى قلبه بعفويتها الفاتنة و بساطتها المحببة، حينها إقترب مني و قال بصوته الجذاب :
- لقد طمأنت خالتك بأنكِ معي و أننا سنصل قريبا.
فقلت بتردد و بخجل :
- لكن هل اخبرتها عن...
- لا لم أخبرها لا تقلقي .
حينها اقترب مني مجددا و عيناه لم تفارق عيناي, و أنا كذلك لم أبعد عيني عنه لأن الشوق قد رسم طريقا لقلبي لأيام عديدة , لم اهتم اذا عرف مشاعري أو سمع دقات قلبي فقربه مني و رؤيته هكذا امامي مع لمسة يديه الحنونة على ذراعي قد كانت جائزتي من أسبوع كامل من التعب ، فعينيه وحدها تزيح تعب العالم اجمع فكيف بتعبي أنا؟
- لماذا لم تحضري يوم الثلاثاء ؟
حينها انزلت بصري بخجل و كلماتي قد هربت مني مرة أخرى فكرر سؤاله بنفس الرقة :
- انظري إلي و أخبريني يا توليب لماذا لم تأتي؟
كيف سأنظر اليك و أنت تنظر لي تلك النظرة، النظرة التي قتلت قلبي و بعثرت روحي .. فحين نطق أسمي بتلك النبرة الرقيقة لم أعد أشعر بشيئ الا بيديه الحنونة على ذراعي .. ناهيك عن عينيه اللتان كانتا تخبراني بالكثير الذي لم أفهمه , و عطره الذي اسكر انفي و جعلني ما بين الهذيان و اليقظة.
فوددت لحظتها أن أعانقه و أتنفس رائحته و اخبره بألمي و ضعفي و كل شيئ صغير لم اقله لأحد من قبل ، اردت أن أخبره عن كيف أن تغير الفصول و التقلبات الجوية تعبث بمشاعري .. أردته أن يعلم عن سري الوحيد و كيف انني اصبحت اعشق الشتاء و الامطار و الرياح .. اردت أن أخيره عن حبي للأيام التي تجمعنا دون مواعيد أو ترتيبات .. أردته أن يعلم انني أحب خوض النقاشات و التلاعب بالكلمات في حضوره .
أردت أن اخبره أنني ما أحسست يوما بارتباك اللحظات و لهفة اللقاء الا معه .
لكن عوضا عن هذه الأفكار الحالمة و البسيطة اكتفيت بنظرة خجولة مرتبكة و سكوت لم اعرف كيف اقطعه , فحاولت اخراج الكلمات لكنها خرجت مبعثرة كتبعثر قلبي في تلك اللحظة :
- أنا .. ل..م أعرف ل..لا.
حينها أنزل يديه فجأة و عاد كل شيئ لطبيعته الا قلبي ، فعادت تلك النظرة الغامضة تطالعني بهدوء و كأنه ليس هو نفس الشخص الذي كان عليه قبل ثوان قليلة.. يا الهي!! كم يربكني هذا القيصر! كيف يتغير شخص للنقيض في ثوان قليلة. ثم قال بصوت عادي و قد عادت عيناه لوضعها الطبيعي .. فقيصر الطبيب قد عاد أمامي.
- لا حاجة لكي لتخبريني سبب غيابك فهذا يعود لكِ في كل الأحوال . ثم ابتسم و تابع ممازحا و تلك الرقة التي كانت تنحت وجهه و تغلف صوته كانت كحلم جميل ذهبت مع تغير نبرة صوته :
- سأصطحبك للمنزل و الا فخالتك ستقتلني فطبيبك لا يريد الموت مبكرا .
و كأن باستعماله كلمة " طبيبك " أكد لي بأنني بالنسبة له مريضته و هو طبيبي و أن نظرة القلق في عينيه ماهي الا قلق طبيب روتيني .. لكن تلك اللمسة التي جعلتني اطوف الكون في ثوان و أذابتني في نفس الوقت حتما لم تكن لمسة طبيب بل لمسة رجل.. قد تكذب العين و قد يخدع اللسان لكن الجسد لايفعل.
فإنتفضت حين وضع يديه على ذراعي ثم قال بصوتٍ منخفض :
- هل تريدينني أن أموت ؟
- نعم ؟!
لم يقل شيئا لكنه ابتسم ابتسامة ذات مغزى و حينها فهمت ما كان يقصد فإحمر وجهي خجلا , فأجبت بإنفعال مبالغ به :
- اااه لا فخالتي لطيفة لا تقتل ثق بي .
حينها انفجر ضاحكا و لأول مرة أراه يضحك بهذه الطريقة , فنسيت نفسي و قلبي و حتى سعالي و ألمي, فملامحه جذبتني و اوقعتني في نشوة لم أستطع الخروج منها .. فبقيت أتأمل تفاصيل وجهه والتجاعيد حول عينيه, و معها صوت ضحكته الجذابة.. فحتى ضحكته قد نالت نصيبها من قلبي.
كيف لشخص أن يكون جذابا و خطيرا لهذه الدرجة؟! فمن قال أن القتل يكون فقط بفعل وسيلة.. حتما لم يعرفه !.
فجأة توقف عن الضحك و نظر لي فوجدني أتأمله, فلم أشعر بنفسي الا و أنا أقول لا اراديا و بشرود:
- ضحكتك فاتنة جدا.
حينها اقترب مني ببطئ و ركز عينيه في عيني و أمسك يدي , ثم أصبحت أصابعه تكتشف أصابعي بفضول , حينها شعرت بأن الهواء قد انحسر من رئتاي و اختفى من العالم , و الشيء الذي اربكني اكثر أنني كنت مستسلمة و فاقدة للإحساس بكل شيئ و كل ذلك حدث بسبب تلك اللمسة التي حلمت بها ليالي طويلة .. فرائحة عطره قد اسكرتني و جعلتني غارقة في نشوة لا اريد الاستيقاظ منها, و ما زادني استسلاما سوى انفاسه الدافئة التي تلفح وجهي ومعها نظرته التي عادت الى رقتها و غموضها , فلم استطع ابعاد عيني عن عينيه و بقيت أنظر اليه بقلب امتلئ به حتى كاد ينفجر.
فيا الهي ما الذي افعله! لم أستطع التحرك او قول حرف واحد فجسدي قد خانني و انصهر كإنصهار الحديد بسبب قربه, فقيصر اذاب قوتي و جسدي روحي و معها قلبي حتى بت عاجزة عن ابعاد يدي تحت سطوة يديه الكبيرة .
لكن فجأة ترك يدي و نزع وشاحه و اقترب مني حتى احسست بأنفاسه الدافئة تلفح عنقي فرفع شعري و لف الوشاح حوله . ثم ابتعد و نظر لي نظرة غامضة و قال بصوت متحشرج :
- يداك باردة جدا و الوقت تأخر سأصطحبكِ للمنزل .
و مضى سريعا دون أن يقول كلمة واحدة فتبعته أيضا دون أن أتفوه بكلمة مع وشاحه البني الكبير المليئ برائحة عطره المذهبة للعقل , فأغمضت عيني و أنا استنشق عبق رائحته لأخبئه في رئتاي حين يأتيني الشوق و تزورني الوحدة .
لم أشعر بالوقت الا و انا أمام منزلي , فعجبا للوقت كم يمر سريعا حين نريد منه المزيد , و عجبا منه أيضا حين نريد منه المرور و لا يمر .. فأمسكت الوشاح لأعيده اليه فباغتني فجأة حين قال بنبرة غامضة منخفضة :
- لا تعيديه احتفظي به. ثم همس بشيئ عن التعادل لم افهمه و تابع :
- هيا ادخلي لن أرحل حتى أراك تدخلين.
- حسنا سأدخل تصبح على خير .
- و انتِ من أهل الخير .
فأدرت ظهري لأدخل لكني وقفت مترددة ثم حسمت أمري و عدت اليه و قلت بإندفاع :
- لقد كنت مريضة !
- ماذا ؟
- لم احضر لأنني كنت مريضة .
فإلتفت بسرعة لكي لا ارى ردة فعله , لكن فجأة شعرت بيد تمسكني من ذراعي .. ثم اقترب مني و قال في اذني بصوت هامس مبحوح اذاب قلبي :
" أنتِ تشبهين زهرة البدايات الأولى و مطر اللقاء الأول بالأرض .. مذهلة أنتِ حد التعب".
ثم أدار ظهره مباشرة و ابتعد كأنه لم يسقط قلبي .. لم يذيبه و يصهره بكلماته ..التفت و لم يأبه بنشوة اللحظة التي خلقها .. التفت و لم يكترث برفرفة روحي و التصاقها بظهره.
التفت و ذهب و أنا احسست بخدر في ساقي و لم استطع التحرك لأنني ما زلت تحت سحر كلماته و قربه حتى شلت قدماي . متسمرة في مكاني اراقب خياله الذي بدأ يختفي من أمامي.
- توليب لماذا انت واقفة هكذا ؟!
- لا شيئ يا خالتي سأدخل، حتما لا شيئ .
توليب عوض