بعد انتهائي رحت أعد الطاولة و أنا اغني بشجن مع صوت فيروز في اغنية سألتك حبيبي المنبعثة من الراديو القديم :
"انا كل ما بشوفك"
" كإني بشوفك لأول مرة حبيبي"
"انا كل ما تودعنا كإنا تودعنا لآخر مرة حبيبي"
فأنا لا طالما عشقت فيروز و الأغاني العربية القديمة ، لطالما عشقتها وعشقت معها كل ما هو كلاسيكي و قديم ، الأشعار .. الموسيقى.. و الأشخاص .. و حتى الحب نفسه, فالحب قديما كان يقتصر على تلك الرسائل المكتوبة بحروف اللهفة لتكون شاهدة على حكايات الحب جميعها، السعيدة منها و التعيسة، الخيالية منها و الواقعية.. كأنه الشاهد الوحيد على جريمة تسمى " الحب " .
تلك الرسالة التي ما ان يفتحها العاشق حتى تلمسه تلك الرائحة المليئة بالشجن و الحنين ، فتُقرأ تلك الكلمات بالقلب قبل العين، فتكتمل الجريمة ما ان تصل المشاعر و تستقر في المكان الذي تنتمي إليه من الاول ،فيسكت العقل و يسكت كل شيء، إلا واحد لا شريك له ، واحد له كل الحق في الكلام، واحد هو مخطط الجريمة الكاملة و هو المسبب و السبب الوحيد الذي تحيا به الحياة.
فالعاشق يعد على اصابع يديه و قدميه و الثواني و الدقائق و الساعات و حتى أشهر لرؤية وجه من نبض له القلب عشقا لمدة لا تتعدى دقيقة .. ثواني و ساعات و أشهر من الشوق و الانتظار لتلك الدقيقة.. دقيقة يتجدد فيها الحب مع سيمفونية عالية يلحنها القلب .
هكذا كانت معادلة حب الزمن الجميل .
اما حب الحاضر فهو شيء آخر، شيء بعيد كل البعد عن الجمال و الحنين، تلك الرائحة التي دخلت عليها تكنولوجيا الهاتف لتقلص المسافات البعيدة ،والتي استولت على رائحة الشوق .. لا وجود للعد، و لا للانتظار، و لا للحب، العد ذهب مع ذهاب الحب و الشوق ذهب مع ذهاب الانتظار المؤلم ، فكل شيء متاح في هذا الزمن حتى الرسائل الورقية اختفت و تم استبدالها بذلك الجهاز الذي يسمى الهاتف و الذي جعل الحب يتنفس أنفاسه الأخيرة و يحتضر تحت ما يسمى تكنولوجيا.
و كما كان الحال فقد استوطن على الحب و جعله روتيني مليء بالملل.
فالحب يكمن في حماسة البدايات و ذكاء المسافة ، أن تجعل كل شيء في وقته جميلا و ذو قيمة ، أن لا تتحمس كثيرا فتفقده و ألا تقترب كثيرا فتحترق ، و ألا تبتعد كثيرا فتنطفئ.
في المنتصف بين حماسة التوهج و الإنطفاء .
انتهيت من اعداد الطاولة ثم ذهبت و وقفت أمام النافذة و أنا أستمع إلى صوت قطرات المطر و هبوب الرياح القوية، فانتبهت الى رجل غريب مار يهمهم بكلمات غير مفهومة ، غير مبالي لا بالمطر و لا بالرياح و لا حتى بالقطط التي تحوم حوله طلبا الطعام، غريب أمر هذا الرجل كيف أنه غير مبالي هكذا ، أم أنه فقد الشعور بكل من حوله؟ فحتى تلك القطرات لم ترحمه و جعلت من الرياح بردا هز أوصاله هزا. مسكين اتمنى ان يجد مكان يحتمي فيه .
فصرفت نظري لأضواء السيارات العابرة التي تأتي و تذهب غير عابئة بالسيول القوية و لا الرياح العاتية ، و أنا أشاهدها و أتمنى من كل قلبي ان تكون احداهما سيارة والديَّ.. فابتعدت من أمام النافذة، و رحت أشغل نفسي بتنظيف و ترتيب البيت محاولة مني لعدم التفكير.
و بعدها لم أشعر الا و انا احمل هاتفي و أتصل بأمي ، فإذا به يرن و أنا أنتظر و أتمنى أن يجيبني الصوت المحبب لقلبي فإذا بأمنيتي تجاب و سمعت صوتا يعادل صوت أجمل الأشياء :
- زهرتي.
- أمي لماذا تأخرتما ! إنها السابعة مساءا . قلتها بصوت حاولت جاهدة اظهاره طبيعيا قدر المستطاع.
- أعلم يا توليب فأنا و والدك كنا في الشركة و كان لدينا عمل ضروري و نحن في طريقنا .
- اااه اذا سأنتظركما على العشاء يا امي لا تتأخرا ، و ابلغي سلامي لأبي .
- حسنا يا زهرتي اهتمي بنفسك و كوني بخير.
- حسنا يا امي و قودا بحذر فالمطر شديد.
***
ان أكثر الأشياء ارباكا هي متابعة دقات الساعة وهي تتحرك بحركة رتيبة روتينية تتابعها و أنت تنتظر المجهول, فتنتظر و تتمنى أن يظهر لك اي منفذ ليخرجك من افكارك التي تتدفق كتدفق المياه الجارية.
فمنذ حديثي مع امي و أنا تارة أتابع دقات الساعة و تارة اخرى النافذة المطلة على الطريق، و بين هذا و ذاك انقضت ساعة و دقيقة، فدوامة القلق و الأفكار السيئة بدأت تعصف بعقلي وصولا لقلبي، فأبت أن تفارقني كظلي الملتصق ، فحملت هاتفي و اتصلت بأمي فإذا بها تلك الغبية تخبرني أن الهاتف خارج نطاق التغطية، حسنا! ربما فصل شاحنه و انطفأ، سأتصل بأبي ، لكن تلك الغبية أخبرتني نفس الجواب . اهدئي يا توليب ! حتما من الممكن أنه انطفئ أو هما في مكان لا يوجد به تغطية و من الممكن أن عملا آخر مهم قد طرأ ، لا تقلقي ،لكن هيهات فكلماتي لم تستطع مواساة قلبي فكان وقعها أشبه بالتحدث لشخص أصم، لماذا تأخرا؟!
فمن المفترض أن يتصلا و يخبرانني ، فأخذت الأفكار تعمل عمل السحر داخلي تأتي و تذهب دون مفارقتي و سيئها أكثر من جيدها.. فكانت القشة التي أفاضت قلقي حين وصلت لنهاية الأفكار بحدوث شيء لهما، فطفقت لبالي فكرة أن أذهب إلى هناك ، لكنني استبعدتها اولا خشية ان يأتيا و لا يجدانني و ثانيا لسوء الطقس و غزارة مطره .
يا إلهي ما العمل أكاد اجن !
فأنا لا أعلم كم مر من الوقت و أنا في مكاني لا اتحرك وحدها افكاري من كانت تجوب و تعصف داخلي, هل مرت دقيقة أم ساعة ؟ لماذا أشعر ان الوقت يمر ببطيء؟ و لماذا أشعر أن الدقائق ساعات و أن الساعات أشهر، و الأشهر أعوام فما بالي و ما بال الوقت لا يمر و أنا على حافة الجنون لا أتقدم و لا أتراجع في المنتصف لا أدري ماذا أفعل.
كل شيء أصبح باهت و عقلي يدور و يدور دون التريث لثانية، و جميع الأحداث تقفز الى ذهني دون أن تعطيني فرصة للتنفس, في المنتصف أنا تحاوطني أفكاري و أسئلتي البعيدة مع عقلي المضطرب الذي كاد يأخذني لحافة الجنون لولا أنني استجمعت شتات نفسي ، فأنا لم و لن أستسلم لها .
فعادت لي تلك الفكرة الأولى في الخروج و البحث عنهما، لا أعلم أين بالضبط لكنني يجب أن أفعل شيء فأنا لن أقف مكتوفة الأيدي !
فنهضت و ارتديت ملابسي و حملت المظلة و خرجت للبحث ، نعم خرجت في الليل أمشي في الطرقات الكئيبة التي كانت خالية من أي كائن حي ، وحدها القطرات من كانت ترتطم بها و بمظلتي برفق، فلم أعلم إلى أين أذهب بالتحديد، لكن الذي أعلمه أنني لو بقيت دقيقة واحدة سأفقد عقلي من التفكير ، فرحت أجوب الطرقات الخالية ليلا علي أجدهما ، مشيت و مشيت حتى وجدت نفسي أمام مركز الشرطة ، فرحت أفكر هل أقدم بلاغ أم لا ؟ فحسمت أمري و دخلت يجب أن أفعل شيئا ما!.
توليب عوض