الفصل العاشر

الفصل العاشر

6 0

- كيف حالكِ؟

هل يريد معرفة حالي ؟ كيف سأجيبه و أنا أيضا لا أعرف حالي ؟ فحالي منذ دخوله حياتي مضطرب و مشتت بين السماء و الأرض .. فأنا لم أكن أتخيل حتى في أحلامي أن نمشي متجاورين و قريبين معا في يوم ممطر و بارد .

هل أخبره أن حالي تبعثر منذ رؤيته و أنه ليس في كامل أحواله؟ أم أنه كان ها هنا لكنه حين رآك ذهب بعيدا؟.

هل أصبحت الحياة سخية عليّ أخيرا؟ هل ضحكت لي مجددا؟ هل يجب أن أشكر خالتي لأنها ارغمتني على الخروج ؟ أم أشكر القدر؟كيف سأخبره الآن أنني لست في كامل أحوالي ؟

لكن عوضا عن هذا قلت له بصوت منخفض مضطرب :

- أنا ..أنا بخير و أنت .

- بخير

قالها بإقتضاب و بصوت بارد لا مبالي ، فساد سكوت مزعج قطعه صوته العميق :

- هل تنامين جيدا ؟.

فأجبته بإبتسامة و بصوت مرح لا أدري كيف بدر مني :

- هل سؤالك هذا جزء من مهنتك كطبيب أم أنه سؤال عابر .

فأدار رأسه نحوي و نظر في عيني نظرة هادئة غامضة ، فأخفضت رأسي خجلا لأن نظرته اكدت لي فداحة ما قلت ، ثم قال بنبرة باردة :

- قد تكون مهنتي أحيانا متداخلة مع حياتي الشخصية .

فأخفضت رأسي و أنا أتساءل.. لماذا يجمع بين العديد من التناقضات؟ تارة يشعرني بدفئ يجعلني أريد التقدم ناحيته و تارة اخرى ببرود يجعلني اريد التراجع و الابتعاد ، هل حدث له شيء في الماضي جعله كثير التناقض ؟ أذهب لإنجلترا لأنه فقد والديه مثلا أم هل طلق زوجته و لم يرغب بأي شيء يربطهما مع بعض؟ ام هل تكون قد ماتت و تألم لدرجة قطع صلته بكل شيء هنا؟ ، ام هل خسر خطيبته و خانته؟.

- هل أنت كثيرة التفكير و الشرود دائما .

- عفوا !

- لا شيء يستحق أن تفكري به سوى نفسك ِ .

فقلت بصوت منخفض :

- أعلم لكن و كما قلت انت منذ قليل ، فلدي انا أيضا حياة اخرى داخلي و هي التفكير .

فرفعت رأسي و رأيته ينظر لي نظرة لم أستطع تحديدها لكنها جعلت من قلبي يريد الخروج حيث هو ، فبقيت أتأمل عينيه و كم وددت أن تبقى هذه اللحظة إلى الأبد ينظر لي فأنظر إليه و هكذا.

فأنا و هو لدينا لغتنا الخاصة و التي لن يستعملها غيرنا .. لغة حالمة و استثنائية اكتسفتها معه هو.

فلم انتبه لتلك الصخرة التي أوشكت على الاصطدام بها لأن يدا دافئا امسكت يدي فتذكرت لا اراديا أول لقاء بيننا .. نفس اليد .. نفس العينين .. نفس الشخص و نفس المطر و البرد .. لكن هناك شيء مختلف هذه المرة .. نظرته تغيرت نظرته كانت مليئة بالدفئ و لمسته فيها من الأمان ما يجعلني أريد قربه أكثر.. فتمنيت ان يتوقف الزمن في هذه اللحظة و أن يطول الحلم.

لكن فجأة تبددت أحلامي و ابتعدت حين ترك يدي، فتحولت نظرته إلى نظرة هادئة و باردة و عاد لطبيعته الغامضة و كأن الذي كنت فيه كان حلما خياليا و ليس واقع كنت أعيشه منذ ثواني قليلة . فقال بصوته العميق :

- هل انت بخير ؟

فقلت له بخجل و بصوت مرتبك :

- آ..سفة أنا بخير شكرا .

كنت أعلم أن كلامي غريب لأنني جمعت بين الأسف و الشكر ، فكنت أبدو كالبلهاء خصوصا أمام نظرته التي رمقني بها و التي كانت مبهمة لا تفسير لها .

- هل هذا هو الشارع الذي تسكنين فيه ؟

- نعم سأكمل من هنا وحدي و أيضا لقد توقف المطر .

ثم أدار رأسه نحوي و نظر لعيني و قال ببساطة :

- لا سأرافقك حتى باب منزلك لأتأكد من أنكِ وصلت .ثم تابع و هو يبتسم:

- من يدري ! فقد يحدث لكِ مثل أفلام الجريمة و الرعب بخروج قاتل مجهول يختطفك ثم يستمتع بتعذيبك .

فإبتسمت و قلت له :

- لا بل أنه حين يراني سيهرع مختبئا .

فتلاشت الإبتسامة من شفتيه ثم قال بهدوء :

- بل أنا أؤكد لك أنه حين يراكِ سيقع أسير سحر عينيكِ .

فنظرت له بدهشة و شعرت بحرارة في خديَّ ثم قلت بإرتباك:

- هل انت تقصد أنني..

- جميلة كجمال زهرة التوليب و حزينة كذبولها .

هل قال انني جميلة أم أنني اتوهم و احلم كعادتي ؟ هل تغزل بجمالي و انا التي لم أرى نفسي جميلة يوماً . فقلت و أنا اخفض رأسي:

- فالزهور في النهاية مصيرها الذبول و الموت وحيدة و منبوذة من جميع من يراها.

- لكن الزهرة التي أعرفها لن تذبل و لن تموت وحيدة و منبوذة.

لم اجد ماذا اقول له لكن لحسن الحظ وجدت اننا قد وصلنا .

- هذا هو البيت شكرا لك لأنك رافقتني .

- لا داعي للشكر فأي شخص في مكاني كان سيفعل مثلما فعلت .

إبتسمت له بإرتباك فنظر لي نظرة أذابت قلبي و قال بهدوء :

- إذا ليلة سعيدة و تصبحين على خير يا توليب، نلتقي يوم السبت .

- و ليلتكَ أسعد و شكرا لك مجددا .

ثم التفتت و دخلت و قلبي ما زال ينبض كأنه هنا معي.. لا ادري لماذا أشعر بهذا معه فقط؟ شعور كأنني أحلق خارج أسوار الواقع و الحقيقة ، شعور يقارب الحلم و الخيال .. ما الذي يجعله يسيطر على افكاري بهذه الطريقة و يتغلغل في روحي حتى أصبحت أراه و أشعر به هو فقط.

فأنا مازلت واقفة في مكاني تحت تأثير نشوة كلماته و صوته و لمسته ، و كأن لمسته طُبعت في روحي قبل قلبي ، و ما زال دفئ يديه و رائحة عطره تسكرني و تفقدني صوابي و تجعلني مغيبة عن من حولي .

كيف له أن يكون الأمان و الخوف في نفس الوقت ؟ كيف يمكن ان يكون باردا برودة الثلج و دافئا دفئ النهار؟ .. هل شخصيته متناقضة دائما ؟ أم المشكلة من الأساس في قلبي المرتجف؟ فأنا أول مرة أشعر بشعور كهذا و لا أعرف كيف أتصرف .

أنا خائفة من أن يكون كل هذا وهم .

خائفة من اللحظات السعيدة التي أعيشها اليوم أن تكون غدا و يوما ما ذكرى مؤلمة تقتلني و تكون راسخة لا تُنسى، فعلى الرغم من انجذابي و انجرافي مع التيار إلا أنني خائفة أن يأخذني لمكان لا يحمد عقباه .

بالرغم من حالة النشوة و الهذيان التي أعيشها إلا انني خائفة و قلقة لأنني أشعر أنني تورطت قليلا .. لا بل كثيرا.

فهل هذا هو الحب؟


***


أمسكت قلبي و أنا جالسة أنتظره، فعلى بعد دقائق قليلة سأراه ..سأرى من بقيت أفكر فيه .

سأرى قيصري و أخيرا.

لا ادري لماذا ربطت ياء الملكية بإسمه ، بالنسبة لي تلك الياء التي لا حول لها و لها كل القوة في قلبي وُجدت فقط لتقترن بحروف اسمه لتصبح ملكه و ملكي ايضا.

حينها انتبهت لسكرتيرته ، كم هي محظوظة لأنها تراه في الصباح و في المساء و أنا أراه مرة واحدة فقط ،عند هذه أحسست بوخزة مؤلمة في قلبي و بنار بدأت بالتأجج داخلي , فتلك الممرضة تبدو أكبر منه قليلا و تبدو لي أيضا من النوع الذي لا يهتم بشيئ.

لكن في بعض الأحيان في العلاقات قد تكون المرأة هي سيدة العلاقة و تصبح ناجحة في الأخير و تنتهي و بالزواج، لكن ليست كلها ناجحة ، فهي لا تنجح غالبا و لا يقبل الرجال بنساء أكبر منهم الا اذا عشقها و أفنى في حبها.

فإنتبهت ليديها و هي تقلب الاوراق فلاحظت الخاتم الموضوع في يدها اليسرى , فتنهدت تنهيدة كلها راحة , و كأن أنفاسي قد كانت محبوسة داخلي و تحررت فور ايجادها مخرج,

ما بالك يا توليب هل تشعرين بالغيرة من سكرتيرة اكبر منه وقد تكون متزوجة؟ّ!

لكن حتى لو كانت متزوجة فهذا يعطيها افضلية و انصافا أكثر مني , و كيف يكون انصافا و أنا أراه ثلاثون دقيقة واحيانا أربعون دقيقة و مرة واحدة في اليوم و هي أربع وعشرين ساعة و سبعة أيام بالتمام و الكمال ، هذا ليس عدل على الإطلاق, فقلبي له السلطة المطلقة بالتحكم في جميع أعضائي الداخلية و الخارجية منها ..فكيف اذا سأسيطر عليه و هو ما ينفك ينادي بإسمه بربط الياء في اخرها ،و يرفض أن يكون له شريك على قلبه غيره هو .. حتى المتزوجات منهن.

فنفضت عني هذه الأفكار فاليوم سأراه و لن أدع أحد يعكر مزاجي .. حتى هي و بالتحديد اليوم , فإنتبهت لها فوجدتها تنظر لي و تبتسم و هي تقول :

-هل أنتِ توليب عوض ؟

فإبتسمت بإرتباك و قلت لها :

- نعم لكن كيف عرفتِ ؟

- أنظري حولكِ لم يتبق أحد هنا ؟

فنظرت حولي و ابتسمت بحرج و قلت لها بخجل :

-لقد كنت مستغرقة في أفكاري و لم أنتبه .

فضحكت بمرح و قالت :

- لا عليكي أنا أرى ، تفضلي الآن إنه بإنتظارك .

فحملت حقيبتي و إبتسمت لها بإرتياح و شكرتها و كلمة " بإنتظارك " كان لها وقع مربك لذيذ على قلبي ، فدخلت فإذا بصوته العميق يقول :

- مساء الخير توليب.

شعرت أن أنفاسي قد سلبت و أن الغرفة خالية من الهواء .. فلم أعد أعلم هل أهتم بنبض قلبي السريع أو برجفة يدي التي فقدت السيطرة عليها و كل ذلك بفضل خمس حروف خرجت بصوت عميق من شفتيه, فأجبته بإقتضاب و بصوت منخفض و مرتعش :

-مساء الخير .

فرفعت رأسي و نظرت اليه فوجدته ينظر لي نظرة باردة و غامضة ، وقد كانت كفيلة بجعلي ارتجف و لم أعلم السبب ، لكنني أعلم على الأقل أنه يوجد خطب ما به لدرجة انني لم استطع اخراج الكلمات المتبقية و تحريك قدمي و الجلوس ,لا أدري هل بسبب المشاعر التي بدأت تعصف بي بسببه ؟ أم أنه هناك خطبا ما به حقا؟.

- هل ستبقين واقفة في مكانك أم ستتفضلين بالجلوس ؟

انتفضت اثر سؤاله المباغت و شعرت بالخجل الشديد لأنني كنت أحدق به كالبلهاء ، فكل ما أتمناه في الوقت الراهن أن تمضي هذه الجلسة بسلام.

أنا لا أعلم ماذا حدث لكنني أعلم على الأقل أنه هناك شيء مختلف .. حتما مختلف.

- آسفة سأجلس أنا فقط كنت أفكر . قلتها بصوت منخفض .

فأجابني بصوته الواثق :

- في ماذا تفكرين ؟ هل أنا ضمن هذه الأفكار ؟.

حينها خفق قلبي بقوة لدرجة أنني لم أكن قادرة على التنفس لأنني رأيت في عينيه شيء مختلف.. تلك الثقة التي لا حدود لها و التأكد الذي لا شك فيه, مما جعلت هالته فيها شيء من الغرور و الثقة المطلقة .. لا أعلم مصدرها .

لكن الشيء الذي جعل قلبي ينتفض أنه عرف أفكاري كمعرفة الضال للطريق الصحيح , لقد قرأني ككتاب مفتوح لا يحتاج الشرح و التفسير , حينها أدركت أنه أخطر مما توقعت فهو لم يكن ينظر لي بل ينظر لروحي.

لكن الذي لا يعلمه هو أنني قادرة على التحكم في ردود افعالي و التظاهر بأن كل ما يفكر فيه هو وهم من أوهام عقله , فمظهري الذي يوحي بالهشاشة و الضعف ما هو الا قناع خلفه قوة قادرة على التغلب على اي حاجز أو عائق .. حتى لو كان قلبي , فكبريائي أعظم من مشاعر مكشوفة لا تعني شيئا. فرفعت رأسي و أجبته بابتسامة واثقة :

-لماذا سيكون طبيبي ضمن أفكاري ؟

فإبتسم بدوره ابتسامة ذات مغزى كأنه علم ما يدور داخلي , و حمدت الله كثيرا حين غير دفة الحديث و وضع قناع الطبيب اخيرا و قال :

- هل نمتي جيدا ؟

- نعم نمت جيدا.

- هل مازلتي ترين الكوابيس ؟

- نعم لكنها قلت في الآونة الأخيرة . فإبتسمت وقلت بهمس لا يسمع بسببك .

فغمغم بكلمات غير مفهومة ثم كتب شيئا في اوراقه و أخذ يفكر ثم رفع رأسه و قال:

- حسنا ! كيف تشعرين مؤخرا , هل تعانين من توتر مفرط.

- أحيانا أتوتر لكن طبعا في الأمور التي تستدعي ذلك .

اطرق برأسه و بقي يفكر بصمت ثم رفع عينيه و هو ينظر لي نظرة غريبة لم افهما ثم قال بهدوء :

- توليب سأسألك شيئا و اريدك أن تجيبي بصراحة.

فأجبت بحيرة :

- نعم سأجيب بصراحة ماذا تريد أن تسأل .

- هل راودتك يوما رغبة في عدم التبرير حين تتعرضين لموقف يستدعي ذلك ؟

فابتسمت و أجبت ببساطة :

- لا أنا لا ابرر .

- لماذا؟

- لأنني لا أشعر بحاجة للتبرير لذا أتركهم لظنونهم عني و لا أبالي.

- هل حاولتِ مرة ان تبرري لأحد أو لشخص ؟

فإبتسمت و قلت بشرود :

- حاولت أن ابرر لبعض الاشخاص و اصحح أفكارهم عني لاسيما في فترات دراستي الا أنني تغاضيت على الموضوع فهم لن يصدقوني على اي حال.

نظر لي نظرة اختلج لها قلبي و قال بصوته الواثق :

- أحيانا يكون الامتناع عن التبرير في مواقف معينة هو نداء خفي للأشخاص بأن تُفهمي بدون كلام و هذا ما تشعرين به أليس كذلك؟

لقد عرف لكن كيف ؟ كيف له القدرة على معرفة داخلي بدون أن أتكلم؟ كبف لي أن أكون ككتاب مفتوح بالنسبة له في حين انني لاطالما كنت ذلك الكتاب ذو الشيفرة المعقدة , فلم اجبه و بقيت أنظر له نظرة طويلة ممتنة و كأنه فهمِ ما قلته بعيني, فتابع و هو يغير السؤال:

- اخبريني عن الكوابيس قليلا ماذا ترين؟

حينها شعرت بارتجاف لا إرادي في جسدي، فتذكرت مجددا مشهد والديَّ فأغمضت عيني لا اراديا لكي لا يري ضعفي و ألمي لأنني تعودت أن أخفي حزني و لا أظهره، ثم فتحتهما و نظرت اليه و ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت :

-الكوابيس ماهي الا مرآة تعكس حياتنا جميعا ، و ليس بالضرورة ان تكون معاناتنا فقط هي من تتجسد على شكل كوابيس كئيبة ، في بعض الاحيان تكون روتينية الحياة هي الكابوس و المعاناة التي نراها في الحقيقة ملونة و عادية لدرجة أننا لا نشعر بسوداويتها الا حين يسدل الليل ستائره ، فتتجلى لنا الحقيقة المطلقة لحياتنا على شكل احلام وهمية باللونين الابيض و الاسود.. ليست الكوابيس و الحوادث من تجعلنا عالقين في دوامة لا نور و لا نهاية لها في الحقيقة الامر كله يبدأ بتدابير الحياة و القدر،و بينهما خيط رفيع يتحكم في سير الأحداث و الأيام,.. فتغيُرنا ناتج عن البقاء في مكان نخاله من فرط ألمنا آمن و هو في الحقيقة وحش يلتهم لهفتنا نحو حياة جديدة.

ثم تابعث ممازحة :

- يجدر بك تغيير سؤالك ايها الطبيب أم أن أساليبك في معرفة الاجابة قد أصبحت قديمة الطراز.

فأطرق برأسه للأسفل و ابتسم ابتسامة ساحرة خطفت قلبي لثواني قليلة ثم قال:

- اذا هل تقولين بأن أساليبي قديمة يا توليب؟

- قل لي اذا أساليبك الجديدة ؟

- ستتعرفين عليها مع الوقت لكن قبل هذا هل تجيدين الكتابة؟

- الكتابة ؟!

- التعبير عن ما في داخلكِ بالكتابة.

-فأجبت ممازحة :

- لماذا أذهب ليدي و أنا لدي فم أعبر عنه، لكن لأصدقك القول لم أجرب ابدا .

فنظر لي نظرة عميقة غامضة لم استطع ان أفك شيفرة معانيها، ثم فتح درج المكتب و أخرج منها مفكرة بنفسجية اللون و عليها زهور التوليب بتدرج لون البنفسج و الاسود الانيق , ثم ناولني اياها ثم قال:

- لم لا تعطين الأمر محاولة ؟.

لم أستطع اخفاء ذهولي و ارتجاف قلبي الذي جعلني غير قادرة على التنفس كيف سأتنفس مجددا و هذه أول هدية أتلقاها و مِن من ؟.. حسنا هي ليست هدية بمعنى الكلمة فهذه احدى الطرق لعلاجي أعلم .

لكن قلبي لم يفهم انها وسيلة بسيطة لا تُسمن و لا تغني الا أنها في الاخير اغنت قلبي و جعلته خائر القوى ،فقام بتفسيرها على أنها الهدية الأولى مما جعل انفاسي عالقة داخلي , فنظرت اليه و لأول مرة بقلبي لا بعيني هاتين و كل تلك الثقة و اللامبالاة التي ارتديتها سقطت بنظرة واحدة من عينيه.

فقلت بكلمات مشتتة أضاعت طريقها:

- لكنني.. لم أجرب من قبل.. أعني.. أن أعبر عن .. نفسي بالكتابة .

حينها كانت القشة التي قسمت قلبي الى نصفين حين وقف و تقدم نحوي و عينيه المركزتين على عيني جعلتا من قلبي لا يطيق صبرا للخروج حيث هو.

فإبتسم ثم وضع المفكرة في يدي و قال :

- نحن لا ننجح من المحاولة الأولى كما أن سر النجاح لا يكمن في سهولته بل بصعوبة محاولاته و لأصدقكِ القول اشعر أن لديك الموهبة، فإغتنميها و حاولي.

بالكاد استطعت النظر الى وجهه و اخراج الكلمات, فأخذتها بأيدي مرتعشة و بقلب مرتجف من قربه قلت :

- ش..شكرا لك سأحاول .

- حسنا اذا.

قالها باقتضاب و هو يعود الى مكتبه و على وجهه امارات الارتياح، و قد ذهبت برودة ملامحه ليحل محلها ابتسامة دافئة سعيدة و كأن الكائن البارد و الغامض الذي لمحته اول مرة حين دخلت قد تبخر ، و هذا التحول الرهيب و التناقض قد جعلاني اقع فيه اكثر فأكثر .

فقلت له بصوت منخفض بالكاد سمعه :

- ما سر هذه السعادة ؟

-لأنني أدركت أن كل ما تحتاجينه في الوقت الراهن مكان خاص بك وحدك لتفرغي فيه ما بداخلك .. فتخيليها فقط دلو فارغ و أنت بصدد ملءه بكلماتك فالمفكرة بدون أفكارك لا أهمية لها، و هي أيضا الوسيلة الفعالة لحالتكِ للتخلص من شحنة الأفكار السلبية التي تؤرق لياليك, فحاولي على الأقل أن تكتبي خمس أو سبع جمل في اليوم و مع الوقت سوف تشعرين بأنك فارغة و مرتبة داخليا .

- هل سأشفى؟

فإبتسم بتلقائية و قال بثقة طبيب :

- لا وجود لأمراض غير قابلة للشفاء نحن من نقرر اذا كانت قابلة للشفاء ام لا , لست أتحدث عن الأمراض الجسدية بل النفسية , فالنفس تكون حبيسة مواقف مؤلمة و كلمات جارحة و نحن نجعل تلك المواقف و الكلمات شيئا عكسيا قابل للإلتئام.. مثل الصبار, فاذا ما اهتممنا به و رعيناه سيتمرد و يخرج في الاخير زهرة تريد المحاربة رغم الأشواك المحيطة بها.

- هل تخبرني بأنك الماء الذي ينبت الورود ؟

- بل الذي يسقيها و يهتم بها حتى تقاوم الحياة و تكون قادرة على التأقلم.

ثم تابع بهدوء :

- حسنا لقد انتهينا لليوم .

فنظر الى التقويم اليومي و قال:

-سأراك يوم الثلاثاء على الساعة الرابعة مساءا هل يناسبك ؟.

فنهضت و حملت حقيبتي و قلت بخجل :

-نعم يناسبني سأراك يوم الثلاثاء.

ثم وقف و نظر لي نظرة غامضة و مد يده نحوي فمددت يدي بدوري و امسكت بيده فسرت رعشة كهربائية في جسدي مجددا ثم ضغط على يدي برفق و قال:

-اهتمي بنفسك و لا تنسي أن تكتبي في المفكرة.



الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يوما ما ..

المؤلف توليب عوض
2026/07/09 مكتملة
قائمة الفصول (54)
الفصل 1:
2026/07/09
الفصل 1: الفصل الثاني
2026/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2026/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2026/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2026/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2026/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2026/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2026/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2026/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2026/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2026/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2026/07/09
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2026/07/09
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2026/07/09
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2026/07/09
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2026/07/09
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2026/07/09
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2026/07/09
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2026/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2026/07/09
الفصل 21: الفصل الحادي و العشرون
2026/07/09
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2026/07/09
الفصل 23: الفصل الثالث و العشرون
2026/07/09
الفصل 24: الفصل الرابع و العشرون
2026/07/09
الفصل 25: الفصل الخامس و العشرون
2026/07/09
الفصل 26: الفصل السادس و العشرون
2026/07/09
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2026/07/09
الفصل 28: الفصل الثامن و العشرون ( البداية)
2026/07/09
الفصل 29: الفصل التاسع و العشرون ( الرسالة الاولى)
2026/07/09
الفصل 30: الفصل الثلاثون ( الرسالة الثانية)
2026/07/09
الفصل 31: الفصل الواحد الثلاثون (الرسالة الثالثة)
2026/07/09
الفصل 32: الفصل الثاني و الثلاثون( الرسالة الرابعة)
2026/07/09
الفصل 33: الفصل الثالث و الثلاثون ( الرسالة الخامسة)
2026/07/09
الفصل 34: الفصل الرابع و الثلاثون ( الرسالة السادسة)
2026/07/09
الفصل 35: الفصل الخامس و الثلاثون (الرسالة السابعة)
2026/07/09
الفصل 36: الفصل السادس و الثلاثون (الرسالة السابعة)
2026/07/09
الفصل 37: الفصل السابع و الثلاثون ( الرسالة الثامنة و التاسعة)
2026/07/09
الفصل 38: الفصل الثامن و ثلاثون ( الرسالة العاشرة و الحادية عشر)
2026/07/09
الفصل 39: الفصل التاسع و ثلاثون ( الرسالة الثانية عشر و الثالثة عشر)
2026/07/09
الفصل 40: الفصل الاربعون ( الرسالة الثانية عشر و الثالثة عشر)
2026/07/09
الفصل 41: الفصل الواحد و الأربعون( الرسالة الرابعة عشر و الخامسة عشر )
2026/07/09
الفصل 42: الفصل الثاني و الأربعون( الرسالة السادسة عشر )
2026/07/09
الفصل 43: الفصل الثالث و الأربعون( الرسالة السابعة عشر و الثامنة عشر)
2026/07/09
الفصل 44: الفصل الرابع و الأربعون(الرسالة تاسعة عشر و العشرون)
2026/07/09
الفصل 45: الفصل الخامس و الأربعون(الرسالة الواحدة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 46: الفصل السادس و الأربعون( الرسالة الثانية ووالعشرون و الثالثة و عشرون )
2026/07/09
الفصل 47: الفصل السابع و الأربعون(الرسالة الرابعة و العشرون و الخامسة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 48: الفصل الثامن و الأربعون(الرسالة السادسة و العشرون و السابعة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 49: الفصل التاسع و الأربعون(الرسالة الثمانية و العشرون و التاسعة و العشرون)
2026/07/09
الفصل 50: الفصل الخمسون (الرسالة الثلاثون و الواحدة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 51: الفصل الواحد و الخمسون(الرسالة الثانية و الثلاثون و الثلاثة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 52: الفصل الثاني و الخمسون(الرسالة الرابعة وثلاثون و الخامسة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 53: الفصل الثالث و الخمسون( الرسالة السادسة و ثلاثون)
2026/07/09
الفصل 54: الفصل الاخير و الرسالة الاخيرة .
2026/07/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة