خرجت فلفحني الهواء البارد ، فسارعت بإحكام أزرار معطفي العلوية و مضيت و أنا خارج وعيي تماما.. فكيف سأعود لوعيي و هو أصبح واقعي البحت و العالم بفصوله الثلاث و رابعه شتاء لقاءنا؟ كيف سأعود و أنا أصبحت أعيش في زمن الخرافات و الخيال و الأحلام الوردية.
فالواقعية لم تعاد تلائمني حتى و إن كانت ضئيلة .
و هذا كله بسببه.
كيف استوطنني واحتل كياني بهذه الطريقة؟ كيف سرقت قلبي سريعا يا قيصر؟ فأنا لم أشعر بهذه المشاعر من قبل .. لا اشعر بها الا حين اكون في سطوة حضوره.
كيف سأخفي ما بداخلي و أنا كل يوم أفقد السيطرة على نفسي و بنظرة واحدة من عينيه ؟ كيف سأخفي نفسي منه و هو يقرأ نفسي أكثر مني؟.. ستكون مسألة وقت فقط ليعرف ما بداخلي فنظرته اليوم أكدت لي و كانت خير دليل على ذكائه بمعرفة ما يجول داخل كل شخص.
لماذا أشعر أن له ماضي كئيب و معاناة بقيت أثرها لليوم؟ .. فعيناه اليوم كانت باردة و لامبالية لدرجة أن قلبي شعر بها.. فلماذا كل هذا التغيير في شخصيته؟ لماذا أشعر تارة بأنه قريب و تارة اخرى بعيد جدا لتطاله يداي.
فنفضت عني هذه الأفكار التي غيرت مزاجي السعيد ثم ذهبت الى كرسي فارغ أمام البحر وجلست عليه و أنا أراقب السماء الرمادية و الأشجار العارية و الأمواج المتمردة كتمرد مشاعري أمامه ،و أنا أراقبها بهدوء تذكرت المفكرة فأخرجتها من حقيبتي و رحت أتأملها و شبح ابتسامة متمردة ارتسمت على شفتي فتذكرت نظرته و لمسته الدافئة الرقيقة على يدي و همسه المحبب لقلبي .
فإنتبهت و لأول مرة لزهرة التوليب في المفكرة بدقة تفاصيلها و بتدرج لوني المفضل.. و هذا يعني انها كانت مقصودة و ليست عابرة مثل ما كنت افكر ، لقد كنت غبية جدا! نعم غبية لإنتباهي المتأخر و لإدراكي البطيء.
حينها أدركت بأنني بدأت احب زهرة التوليب البنفسجية و المفكرة و صاحبها.
عند اعترافي الأخير شعرت بقطرات مطر خفيفة تنزل .. فأرجعت المفكرة للمحفظة لكي لا تبتل، و وقفت و أنا أنظر للسماء و هي ترسل خيوطها الرقيقة فإبتسمت بملء فمي و رفعت يدي اتحسس قطراتها و لم أعلم بـأنني أصبحت أحب المطر إلا الآن لأنني أراه فيه ، فكيف لا و لقائنا كان مليئ به.
لم أكن أعلم أن الله يحبني لدرجة أن يرسله لي ليهطل في روحي.
فالفرق الوحيد بينهما أن المطر حياة لقسوة الارض و قيصر هو حياة لقلبي القاحل.
حينها تحولت القطرات الى سيول قوية و أنا ما زلت تحت تأثيرها تجذبني اليها كمغناطيس لا قدرة لي على مجابهته .. مثله تماما .
فوجدت نفسي متوجهة للبحر الثائرة أمواجه, فقمت بوضع حقيبتي تحت الكرسي لتقلل من تساقط الأمطار عليها , ثم ذهبت ووقفت امام البحر الكئيب وحدي و لا وجود لكائن غيري .
ينفرون من أول قطرة مطر و هم لا يعلمون بأنها الحياة لكل شيئ ، فنسيت أنني كنت مثلهم أنا ايضا بتقليديتي و وواقعيتي حتى قابلته و تجردت منهم .. فنظرت الى ملابسي المبتلة من رأسي لأخمص قدمي و لأول مرة في حياتي لم أهتم .
لم أهتم لملابسي المبتلة و لا للمرض .
لم أهتم لواقعيتي و منطقيتي و لا للرياح الباردة و الجو الغائم .
لم أهتم بنصائح خالتي و لا العالم .
لم أهتم بتوليب التقليدية و رزانتها .
ضربت كل شيئ عرض الحائط ثم رفعت يدي و رقصت.. نعم رقصت على ألحان الحب و الإنتظار و البحر و المطر كانا شاهدين على جنوني.. و الرياح و الامواج بدورهما تصفقان لي .. و لو كان عمالقة الفن و الموسيقى على قيد الحياة لجعلوني أنموذجا حيا للجنون و الحياة و الحب.
فتوليب التي كانت وحيدة و خاوية و كئيبة امتلئت به .. توليب التي كسرتها الحياة مرة أعاد ترميمها قدر غامض غير متوقع .. فالفتاة ذات الأسوار التقليدية المملة تحررت.
توليب العاقلة و الرزينة ترقص .
توليب ذات التفكير الجنوني المليء بالتفاصيل ترقص .
توليب ذات التفكير المنطقي البعيد عن الجنون ترقص و تتمايل على موسيقى المطر و قلبها هو القائد الذي يقود التوليفة و يرتب خطواتها .
فأنا أعلن إيماني بالحب أمامك أيها بالبحر فاشهد على هذه اللحظة.
فاشهد على امراة اتسمت بالالحاد و الأن اعلنت قوة ايمانها .
ثم تغيبت توليب عن الواقع لتعيش في عالمها الخاص .. المليء بالحب و بالمطر و به .
***
فتحت الباب ثم دلفت للداخل فوجدت خالتي تنتظرني و ملامحها تكسوها الدهشة و المفاجئة من مظهري الغير متوقع فقالت بصوت مبحوح كمن لا يصدق ما يراه:
- ما..مالذي حدث لماذا انتِ مبللة هكذا ؟
فأخفضت رأسي و لاحت على شفتاي ابتسامة حالمة حين تذكرته، فتداركت نفسي سريعا و قلت كاذبة :
- لم أحمل المظلة نسيتها لذلك تبللت لا تقلقي كل شيئ على ما يرام .
فحمدت الله في سري لأن عدم حملي للمظلة كان السبب الوحيد المبرر لجنوني، فنظرت لي مشككة ثم الى ملابسي المبللة وصاحت فجأة :
- يااا الهي تووليب !!! هيا اسرعي و غيري ثيابك لكي لا تمرضي لابد أنكِ تشعرين بالبرد هيا أسرعي و سأعد لك شرابا ساخنا لتدفئي به نفسك .
فقلت بهمس منخفض حالم :
- أنا لا أشعر بالبرد ، فتذكره فقط يجعلني أشعر بالدفئ.
- هااه ماذا قلتي ؟
- قلت سأذهب لأغير ملابسي .
ثم ذهبت لغرفتي سريعا و نزعت معطفي و ملابسي المبللة ، و قبل أن أذهب لأخذ حمام لمحت نفسي في المرآة، لم تكن أنا!.. قطعا لم تكن أنا!! .. بل كانت شخصا اخر.. شخص متورد الخدين و الابتسامة لا تفارقه , شخص كان في متاهة الأحلام
و لا يريد أن يُعثر عليه ، فإبتسمت خجلا لإنعاكسي ودخلت للحمام.
- شكرا على العشاء وعلى المشروب خالتي. قلتها بإمتنان و أنا أبتشم لها.
فبادلتني الابتسامة و قالت:
- هيا كفاكِ شكر و أشربيه كله أنت تجعلينني أشعر أنني غريبة. ثم تابعت بقلق:
- هل انتِ متأكدة أنك تشعرين بخير أقصد أعراض الحمى.
- نعم يا خالتي أنا بخير لا أعاني من أية أعراض .ثم تابعتُ ممازحة :
- ثم انني في الخامسة و العشرين لم أعد صغيرة سأهتم بنفسي لا داعي لكل هذا القلق.
حينها اخفضت بصرها و قالت بصوت عذب و بإبتسامة رقيقة:
-لكن بالنسبة لي ستبقين توليب الصغيرة التي تحتاج دائما للرعاية و الاهتمام فأنا احمد الله انكِ عدتِ لما كنتِ عليه .
حينها لاحظت التأثر في صوتها و تذكرت كيف انها اهتمت بي و لم تتركني ، و برغم كافة الآلام و المشاكل الا أنها دائما ما كانت تبتسم لي و لم تُشعرني يوما بأنني عبئ عليها أو أفتقر لأي شيئ ،فإقتربت منها و عانقتها و قلت بصوت منخفض:
-شكرا لكِ يا خالتي على كل شيئ لولاك لما عادت لي الحياة مرة اخرى .
فبادلتني العناق و قالت بصوتها الرقيق :
- انتِ كل شيئ بالنسبة لي فكيف لا افعل هذا القدر لك .
فإبتعدت عنها و قلت لها بتردد :
- خالتي هل خالي اتصل بكِ ؟
فلاحظت التغير الذي طرأ على ملامحها الفاتنة فبرغم من أنها قد تجاوزت الأربعين الا أنها مازلت تحمل خطوط الجمال على وجهها,فأدارت وجهها للناحية الأخرى لتخفي عيونها المتألمة ثم ادارتها ناحيتي و قالت بابتسامة باهتة :
- نعم يتصل بي لا تقلقي يا زهرتي .
فأمسكت يدها و نظرت لعينيها و قلت :
- خالتي أريد على الأقل أن أهتم بك قليلا مثلما تهتمين بي , أنا أعرف أنه حدث شيئ بينكما كما انني أعلم أيضا أن هذا لا يقارن بما فعلتيه معي لكنني على الأقل سأستمع لك و أتفهمك .. هيا أخبريني ما الذي حدث؟
حينها اختفى القناع الذي كانت دائما تضعه و ظهرت نظرة الالم و الخيبة في عينيها و قالت بصوت حزين :
- لا اعلم ما الذي جعله هكذا , لقد تغير يا توليب .. تغير كثيرا .
- كيف تغير أخبريني ؟
فقالت بنبرة مليئة بالألم :
- قبل أن تموت أختي بيومين تشاجرت معه لأنني كلما اتصلت به لا يجيب و حين أسأله يضيق ذرعا .ثم ابتسمت بمرارة و تابعت :
- لأنه كما يقول أنني مزعجة و شكاكة ناحيته , و كل هذا لأنني أسأله أسئلة عادية تسألها الزوجة لزوجها و كانت حياتنا مستمرة على هذا الشكل و أنا كنت أتحمل لأنني ..
- لأنكِ ماذا ؟
- لأنني أحبه .
ثم ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها و تابعت :
- لكن القطرة التي أفاضت الكأس كانت .. ثم سكتت .
- ماذا كانت ؟
فلاحظت تمرد دمعة مؤلمة و ساخنة سقطت من عينيها فمسحتها سريعا و قالت :
- في يوم جنازة أختي تشاجرنا حين قال إنهم اتصلوا به و يجب أن يعود فقد طرأ شيئ مهم في العمل فأخبرته بأنني لا اريده ان يذهب فأنا لا أعرف ما الذي سأفعله وحدي هنا و بأنني في حاجة اليه فقال بأنه ضاق ذرعا بي ، ثم رن هاتفه و حين أجاب سمعت صوت امرأة تحدثه و هو كان يتحدث معها و يبتسم و لا أدري عن ماذا يتحدثان ، فغضبت غضبا شديدا لدرجة أنني لم أشعر حتى كيف كسرت له هاتفه و هو مازال يتحدث معها .
ثم ترددت فحثثتها بعيني كي تقول المزيد فقالت بصوت منخفض متألم :
- فدفعني و صرخ في وجهي و قال لي انه لا يريد أن يراني ثم ذهب و تركني وحدي.
حينها صحت غاضبة :
- كيف يمكنه قول هذا لك ؟ كيف يترككِ هكذا بلا مبالاة و يذهب بدون اتصال واحد منه؟؟
فإبتسمت لي ابتسامة حزينة و قالت :
- طبعا لقد اعتذر و طلب الغفران لكنني للآن لم اسامحه و اعتقد أنني لن اسامحه ابدا فصراخه في وجهي لم انسه لليوم لقد توقعتها من الجميع يا توليب الا هو . ثم تابعت و عينيها مليئة بالخذلان :
- غادر و كان يتصل بي لكنني لم اجبه ،و آخر مكالمة كانت اليوم حين كنت استحم فلم اسمعه و لم اعاود الاتصال به .
فنظرت اليها بحزن و الذنب ينهش قلبي، كيف كانت تخفي كل هذا و تهتم بي؟.كيف تحملت و هي كانت دائمة الابتسام معي؟ . فأمسكت يدها و قلت لها بألم :
- لماذا أخفيت كل هذا داخلك ؟ لماذا لم تصارحيني ؟ .
فإبتسمت لي تلك الابتسامة التي تليق بوجهها هي فقط و قالت :
- أنتِ تعلمين ما مر بكِ و هذا يكفيك يا زهرتي ، لم أكن أريد أن أزيد همك همين. ثم تابعت بصوت رقيق مبتهج :
- لا تقلقي أنا أشعر بهدوء وبراحة كبيرة لأنني بحت بما كان يؤرقني ،ثم انظري أنها العاشرة مساءا لم أشعر بمرور الوقت هيا اذهبي لترتاحي يا زهرتي .
فإقتربت منها و عانقتها و قلت لها بهمس :
- اذا كان هناك شيئ يؤلمك أو يزعجك أخبريني به لا تكتميه داخلك اتفقنا!
-حسنا اتفقنا هيا اذهبي الان تصبحين على خير.
فوقفت و مددت اصبعي الصغير و قلت لها بنبرة طفولية :
- وعد؟
-وعد .
***
" هل هو يفكر بي ؟ "
تبادرت لذهني هذه الفكرة و أنا مستلقية في غرفتي .. كيف سيكون الأمر لو كان يفكر بي ؟ لأنني و على يقين تام بأنه يفكر بي كمريضته فقط , لكن هل يعامل مرضاه برقة تارة و ينظر لهم ببرود تارة اخرى ؟ أو هل يعطيهم مفكرات أيضا ليكتبوا فيها ؟
حينها أحسست بوخزة مؤلمة في قلبي و بغيرة بدأت في التأجج داخلي من خاطر عابر لا تأكيد فيه .
كيف سيكون الأمر اذا لو بادلني ما أشعر به ؟هل سأشعر بألعاب نارية تدور في رأسي مثلما سمعت من ضحايا الحب ؟ أو سأشعر بشعور الحياة الأولى ؟ أو هل سيكون كشعور التحليق بدون جناحين؟.
لكنني متأكدة أنني معجبة به .. نعم هو مجرد اعجاب لحظي فقط.
فتنهدت و قلت بأسى " كيف سأصبر ليوم الاثنين لأراه يا له من أمر محبط" .
حينها تذكرت المفكرة فذهبت لحقيبتي و أخرجتها و جلست على طرف السرير و أنا أتأملها فقربتها لأنفي فشممت بقايا رائحة عطره المميزة فأغمضت عيني و تخيلته أمامي هنا، نتجاذب أطراف الحديث و يبتسم لي تلك الابتسامة التي تجعل من ليلي نهارا و من الذبول ازدهارا يملئ قلبي , فنظرت لزهرة التوليب و التي أصبحت أحبها و تذكرت لقائنا الذي كان استثنائيا و قدريا جدا بالرغم من خسارتي لوشاحي المفضل .
و انا امرأة قدرية تؤمن بتدابير الحياة و بقاعدة أن لكل شيئ سبب و أن خسارتي كانت تساوي لقائه.
لقاءنا الذي كان في شهر ديسمبر ،شهر بدايات اللحظات الأولى و نهايتها .
لكن الشيئ الذي قتل ابتهاجي هو تذكري لعينيه الباردتين. لماذا يخفي نفسه خلف قناع البرود؟ ما الذي حدث له ليكون هكذا؟ فأنا شخص فضولي بطبعه.. فضولية نحو حياته الشخصية ككل, اذا كان أحب من قبل؟ ,أو هل لديه عائلة و أصدقاء و أحباء قداما؟.
فتذكرت ذلك الجد من اخر مرة , هل ذلك الجد هو فرد من عائلته ؟.
فتبادر الى ذهني نبرته و صوته ذلك اليوم والذي كان مختلف لا أعلم بالضبط كيف،و ذلك حين قال للجد" قطعت صلتي بالواقع لأن في داخلي حياة أخرى أريد أن أعيشها " , هل يقصد بأنه قد قطع صلته بكل ما يربطه بالواقع لأنه يحمل ذكريات مؤلمة ؟ أم هل غادر الى إنجلترا هربا من واقع حزين ؟ .
.لماذا هو غامض و معقد لهذه الدرجة ؟ ففضولي سيقتلني يوما انا أعلم.
فالفضول يشبه دودة صغيرة مزعجة لكنها و برغم صغر حجمها الا انها تنهش القلوب و تضع الشخص امام خيارات متعددة ..طفيلية هي لا تأبه لتطفلها و ازعاجها الشديد ، فتبدأ بأكلنا ببطئ لتشبع رغبتها بأسئلة لا حلول لها .. فتتمرد هي و نُحبط نحن لأن أسئلتنا ستبقى معلقة حتى استشفافها من الشخص المنشود ، و الى حين ايجادنا لها سنبقى نتغذى على نصف الاجوبة.
و بين هذا و ذاك سنبقى عالقين في وسط لا تقدم فيه و لا رجوع منه.
فنفضت عني هذه الأفكار العشوائية و نهضت و جلست على كرسي مكتبي و وضعت المفكرة و فتحتها لأنظر لأوراقها البيضاء فحملت القلم و أنا أفكر ما الذي يجب أن أكتبه فأنا لا أعلم بماذا أبدأ أو كيف! .. فتذكرت مقولة " لا فائدة من الأوراق بدون أن تنسج فيها حبال افكارك" فحملت القلم و شرعت أرتب أفكاري.
توليب عوض