الفصل الأخير

الفصل الأخير

12 0

لم تستطع ليالي أن تصدق أن زوجها قد وقع ضحية للأذية على أيدي قوى شريرة، فتسللت برودة مرعبة إلى أوصالها، وارتجف جسدها كأوراق شجر خريفية تتراقص في مهب الريح العاصف، لتتسلل من بين شفتيها كلمات مشبعة بالذهول: _انتي بتقولي ايه؟ جلال؟ يا نهار أسود! ثم نهضت بسرعة كالسهم المنطلق من قوسه، وعلا صوتها بالنحيب كأغنية حزينة تخترق الصمت، وأردفت بفزع يملأ عينيها بريقًا من الرعب المستبد: _أنتوا فين؟ بعدما علمت ليالي من نعمة بالمكان الذي يرقد فيه زوجها المصاب، انقبض قلبها بين ضلوعها كطائر مذعور، فدخلت غرفتها بخطوات متعثرة وهي تكاد لا ترى شيئًا من شدة القلق، وارتدت عباءتها وحجابها كما لو كانت ترتدي درعًا يحميها من عالم غريب يملؤه الخوف، ثم اندفعت خارج المنزل بسرعةٍ لم تترك مجالًا للشك في عزيمتها، وهرولت إلى المستشفى كأنها تسابق الزمن، صراخها يمزق صمت الشوارع الخالية، وبمجرد أن وقعت عيناها على نعمة التي كانت تبكي بحرقة، اندفعت بجسدها كمن يحمل ثقل العالم بين ذراعيه نحوها، وعانقتها بقوة، وقالت بصوت يكاد يتمزق من الشجن: _جوزي، استرها عليه يارب. ضربت نعمة وجهها بعنف، كأنها تحاول إيقاظ نفسها من كابوس صنعته بيديها، وقالت بصوت مثقل بتأنيب الضمير، وقد انعكست في عينيها عذابات الندم بعد أن تسببت في أذية أخيها: =أنا السبب يا ليالي، أنا السبب! تشبثت ليالي بعنق نعمة بأيدٍ قوية كالصخر، كأنها تتعلق بحافة هاوية، وفتحت عينيها على اتساعهما كمن أفاق من صدمة، بينما كلماتها خرجت من بين شفتيها بذهولٍ عميق، غير مصدقة لما سمعته، قائلة: _انتي السبب ازاي يا نعمة؟ ردي عليا انتي السبب ازاي؟ عملتيله ايه؟ أجابت نعمة بانتحابٍ متقطع، والكلمات تُنتزع من أعماقها مع كل شهقة، في صوتٍ مشبع بالمرارة: =اهدي بس يا ليالي وأنا هقولك! تركت ليالي عنق نعمة بتردد وكأنها تتخلى عن آخر أمل، ووضعت يدها على صدرها، حيث ينبض الألم كطوفان جارف، ثم أطلقت صرخة مدوية خرجت من أعماق روحها المعذبة، قائلة: _يارب...يارب استرها! حينما كان النحيب يتصاعد من حنجرتها كصوت جرح غائر، سقطت ليالي تحت وطأة الألم النفسي الذي اجتاحها كعاصفة لا ترحم، فمالت نعمة نحوها بقلب مشفق تفيض منه العاطفة، وكأنها تحاول أن تضم شظايا روحها المتكسرة، ثم نظرت إليها بعيون باكية، مشبعة بالحنان، وهمست بكلمات خافتة تفيض بالمواساة: =هيبقى كويس يا ليالي.. بس اهدي! في تلك الأثناء، كانت هايدي وزياد يجلسان في الصالة الواسعة، وقد انساب بينهما حديث ناعم يحمل في طياته مشاعر غامرة، يجسده بريق العيون ونبرات الصوت العاشقة، وكأن الكون كله قد أصبح مجرد خلفية لمشهد يتجسد فيه الغرام بأبهى صوره. أمامهما كان كوبان من مشروب الجوافة بالحليب، الذي أعدته هايدي بعناية، يتلألآن تحت ضوء الشمس المتسلل من النافذة. بينما كانا يتبادلان الكلمات إذ فجأة، تحطم هذا الهدوء الساحر على صوت صارخ اخترق الأجواء، حين خرجت أم الديب من غرفتها، وشقت الصمت، وهي تصرخ قائلة: _يا لهوي، أخوكي اتضرب بالسكينة يا بت! توقفت هايدي عن الشرب، وقد تجمدت يدها في منتصف الطريق إلى فمها، وسرعان ما تحول بريق عينيها إلى شعاع من الفزع الذي ارتسم على وجهها، ثم همست بصوت مرتجف: =مين فيهم؟ ردت أم الديب بضجيج: _أخوكي جلال، جيب العواقب سليمة يارب، يلا يا بت قدامي! نهض الجميع على عجل، وتركوا ما في أيديهم من أكواب، حيث تدحرجت الأكواب على الأرض مبعثرة كقطرات مطر تسقط على رصيف شارع هادئ، واتجهوا بسرعة نحو الخارج، تاركين الأطفال بمفردهم في المنزل، وكأنهم ينسون عوالمهم الصغيرة في خضم الفاجعة، وبينما كان الهواء يعانق خطواتهم المتعجلة، أشار زياد إلى توكتوك كان يمر بالقرب منهم، وطلب منه التوجه بسرعة إلى الوحدة الصحية بالقرية، وكأن الوقت أصبح عدوًا يقف بينهم، وبمجرد أن وصلوا إلى الوحدة الصحية، دفع زياد بسرعة الحساب، ثم انطلقوا إلى داخل المبنى، حيث كانت أقدامهم تطرق الأرض بقلق، وبمجرد أن خطت قدما أم الديب داخل المستشفى، اختلطت أنفاسها بحمى الفزع، وصاحت بصوتها المجلجل الذي ارتد صداه في أرجاء المبنى، قائلة: =يا عيني عليك يا جلال، يا عيني عليك ملحقتش تفرح بشبابك... هتسيب عيالك لمين؟ يالهوي! صرخت ليالي، وصرختها جاءت من أعماق قلب يكاد ينفطر من الرعب، وقالت برهبة عميقة: _ما ياما قولتله الشر آخرته وحشة، قولتله يمشي جنب الحيط علشان يعرف يربي عياله... يا بختك الأسود يا ليالي... يا لهوي يانا، يارب انجدنا. تحدثت أم الديب بصخب، وكل كلمة تنفجر من بين شفتيها كصوت طلقات المدافع: =كله منك انتي السبب، انتي اللي بتلعبي في دماغ ابني وبتوزيه على الشر، مش خايفة عليه، كل اللي يهمك نفسك! ردت ليالي بصياح: _وأنا مالي باللي حصل؟ هي أي مصيبة تحصل تبقى ليالي هي اللى عملتها؟ تلفظت نعمة بأسى، وكل حرف يخرج من بين شفتيها يحمل معه عبء الألم، بينما كانت ملامح وجهها تترجم معاناة قلبها المكسور: =محصلش ياما، أنا السبب في اللي حصل ده! سألت أم الديب باستغراب، وكأن صدمتها قد تجسدت في كل تفصيلة من تعبير وجهها، بينما كانت عيناها تتسعان بإندهاش كبير: _انتي السبب ازاي يا نعمة؟ أجابت نعمة ببكاء: =لو مكنتش اتصلت بيه وحكيتله مكنش كل ده حصل من الأول! جلست أم الديب على المقعد، فاحتلت حيزًا كبيرًا منه حاملة كل ثقل الآلام، بينما كانت هايدي تستند إلى جانبها، وقد تركت زياد واقفًا بجانبهم، كأنه يشهد مشهدًا يكتنفه التوتر. مدّت أم الديب يدها بوطأة عنيفة على ساقيها، كمن يستند إلى ملاذ صلب في لحظة عجز، بينما كان النحيب يتسرب من بين شفتها، قائلة: _يا عيني عليك يا جلال، ده انت طول عمرك أسد يا ولا، والناس كلها بتعملك ألف حساب... غدروا بيك، يا لهوتي! ضمت ليالي ذراعيها إلى صدرها، وكأنها تبحث عن حماية داخل عناقها الشخصي، ثم انفجرت بالبكاء، متمنية من أعماق قلبها أن يتجاوز زوجها أزمة المرض التي ألمت به، وقالت: =قومه بالسلامة علشان عياله يارب، مين هيربيهم من بعده؟ آه يا وجع قلبي آه. قال زياد باطمئنان، وقد تجلت على وجهه سمات الثقة: _ان شاء الله هيقوم بالسلامة. ردت هايدي بانزعاج: =ايه البخت الأسود ده؟ ضاقت عليهم طول السنة حبكت يعني بعد خطوبتي بيوم؟ ده أنا ملحقتش أفرح! تلفظ زياد برضا، وقد امتلأ صوته بنغمة من الاستقرار: _خلاص يا هايدي هنعمل ايه طيب؟ ده قضاء وقدر! بعد مرور عشر دقائق من الترقب، حضر المعلم حنفي برفقة أبو محمد، وقد ظهرت على وجهيهما علامات الاستعجال، والخوف على وقع سماع الكارثة التي ألمت بجلال، كأن كل خطوة تقربهما كانت تضاف إلى رصيد التوتر الذي يجتاحهما، وبمجرد أن اقتربوا من مكان الحادث، سأل المعلم حنفي بصوت مملوء بالخشية، وهو يتطلع إلى الأفق الذي قد يحمل أخبارًا قد تكون حاسمة، بشأن تطورات صحة ابنه الأكبر، الذي يواجه أزمة صحية: =جلال ماله؟ سأل أبو محمد هو الآخر، وقد بدا عليه الارتباك: _جلال كويس يا بسمة؟ وطأت أم الديب فخذيها بعنف، كأنها تبحث عن ملاذ من الألم، بينما كان نواحها يملأ الفضاء حولها بعبير الأسى: =غزوه بالسكينة يا أبو محمد، غدروا بيه، يا ترى هيقوم منها ولا هيموت، يا ترى هنلاقي محلات فاتحة نجيب منها كفنه؟ اقتربت ليالي منها، وهي تبدي كل مشاعر الرهبة تجاه حالة زوجها، وكأن كل خطوة تخطوها نحو أم الديب كانت محملة بأثقال من الحزن، في حين كانت أم الديب تستمر في نواحها المتواصل، غير مكترثة بتأثير كلماتها الجارحة التي تتفلت من بين شفتَيها كالسكاكين الحادة، وكأنها لا تأخذ في اعتبارها كيف يمكن أن تؤثر هذه الكلمات على مشاعر الآخرين، فقالت: _بعد الشر، متقوليش كده، حرام عليكي! نظر أبو محمد إلى سقف المبنى، وكأن عينيه تبحثان عن مخرج من هذا المشهد المؤلم، ثم قال بترح: =لا حول ولا قوة إلا بالله، خير بأمر الله. سأل المعلم حنفي بشجن، وكل حرف ينطق به يحمل في طياته مرارة اللحظات الصعبة: _جلال ودوه فين؟ ردت نعمة بانتحاب: =في العمليات يابا، ادعوله! دعا أبو محمد الشيخ التقي لجلال الطائش، متمنيًا من أعماق قلبه أن يستفيق على خير، وتمنى أن يأتي الفرج على يد. الشيخ الذي كانت بركة دعائه تنير دروب الأمل في أوقات الأزمات، قائلًا: _أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيه شفاء لا يغادر سقًا، اللهم آمين. ازداد صراخ أم الديب، وتفاقم نواحها إلى درجة ملأت الأجواء بآلامها، بينما كانت كلماتها تخرج بإعوال يقطر من بين شفتيها كحمم الانهيار، وهي تقول بلهجة مضطربة تنبع من معاناتها: =يا خراب بيتك يا أم الديب... يا بختك المايل، ابنك الكبير بين الحياة والموت، يا عيني عليك يا ولا. تفوهت ليالي بصراخ: _تُفي من بوقك يا حماتي متقوليش عليه كده، ما قولتلك بعد الشر، ولا انتي عايزاه يحصله حاجة؟ توقفت أم الديب عن البكاء التمثيلي فجأة، وكأنها انتقلت من حالة الحزن المفتعل إلى حالة الاحتدام الثائر، فتبدلت نبرتها إلى عتاب حار يشبه انفجار بركان متأجج، وهي تتساءل بحدة عن سبب جرأة ليالي عليها دون أدنى اعتبار لمقامها: =انتي بتغلطي فيا يا مقصوفة الرقبة؟ بتغلطي في حماتك اللي شايلة همك، ومستحملاكي؟ أجابت ليالي بشجاعة، بينما كانت نبرات صوتها تعكس استنكارًا عميقًا لأي فعل حسن قد تكون أم الديب قد قامت به في أي يوم من الأيام، كأنها تبحث في ذاكرة الماضي عن دليل ينقض ادعاءات أم الديب، وتنكر كل مظاهر الطيبة التي قد تكون قد قدمتها: _شايلة همي فين؟ هو احنا بنستفاد منك بحاجة؟ ده انتي مطلعة عين اللي جابونا! قالت أم الديب بصخب عالٍ: =أمال؟ ماهو حبيبك يبلعلك الزلط، وعدوك يتمنالك الغلط يا بت. اقتربت نعمة بخطواتها الواسعة نحوهم، وكل خطوة تحمل معها حجم الاستياء المتراكم، وصاحت بهم قائلة بضيق واضح: _اسكتوا متوترونيش، أنا خايفة عليه! عند أحمد في قناة التلفاز التي يعمل بها كمدير، كان جالسًا في مكتبه، غارقًا في أداء عمله على اللابتوب، حينما رن هاتفه فجأة رفع نظره عن الشاشة وتوقف عن الكتابة، وبتأمل هادئ، قال بصوت معتدل: =ألو يا زياد، عامل ايه؟ تفوه زياد بحزن: _جلال اتضرب بالسكينة، وفي المستشفى دلوقتي! نهض أحمد بسرعة، وهو يحرك سهم الفأرة على الشاشة في محاولة لإغلاق اللابتوب بسرعة، بينما بدا الفزع واضحًا على ملامحه سأل، وقد تسرب القلق إلى صوته: =يا نهار أسود، جلال ماله؟ أجاب زياد بترح، كما لو كان يعبّر عن خيبة أمل لا يمكن تجاوزها: _الظاهر أنه دخل خناقة مع حد. بعدما أغلق أحمد اللابتوب، جمع أوراقه بسرعة وأعاد ترتيبها في المكتب، ثم انتزع مفاتيحه والجاكيت المعلق على الكرسي، وتحرّك بسرعة حاسمة. كان يتحدث باهتمام متزايد، كما لو كان يسعى لمتابعة أمر طارئ يتطلب تركيزًا كاملًا، وسرعة في التصرف: =أنتوا فين طيب؟ قال زياد بتأثر: _المستشفى اللي في بلدكم. رد أحمد بينما كان يخطو بسرعة بين الموظفين في القناة، وكل خطوة تعكس صعوبة الموقف الذي يواجهه. كانت نبرته مفعمة بالتعجل: =طيب أنا جاي، سلام. ثم خرج أحمد من الشركة، وركب سيارته متجهًا بسرعة عالية إلى بلدة أبو حلاوة، دون أدنى خوف من الحوادث المتوقعة، كأن كل ما حوله قد تحول إلى مجرد تفاصيل هامشية في مواجهة عجلة الزمن. بينما في المستشفى، لاحظت هايدي أن زياد يتحدث في الهاتف بلهجة مشدودة، وعندما اقترب منها، سألته بخوف في عينيها: _انت قولتله؟ أجاب زياد بوضوح، وقد تجلى في صوته توتر محكوم بقدر من الثقة: =أيوه كان لازم يعرف. قالت هايدي بانزعاج، وكأنها تعبر عن نفاد صبرها من الموقف الحالي: _انت كده هتعطله، بقى هيسيب كل اللي وراه علشان يجي لجلال؟ ما كلنا عارفين إن جلال بتاع مشاكل، وهو اللي بيجيب الكلام لنفسه... مش كل ما حاجة تحصل هنسيب اللي ورانا ونجري وراه! تعجب زياد من كون جلال الأخ الأكبر لها، ومن المفترض أن يكون له مكانة خاصة في قلبها، إلا أن الحقيقة الصادمة كانت أنها لم تبالِ بما حدث له، وكأن كل ما يشغل بالها هو أحمد، الذي قد يتعرض للاضطراب في متابعة أعماله بسبب تهور جلال وما يترتب على مشاكله، ووسط استغرابه من هذا التجاهل، قال بصوت ملؤه الأسى، عاكسًا حجم الصدمة التي يشعر بها: =غريبة أنك بتقولي كده وده أخوكي، المفروض يعني أنك تكوني متأثرة باللي حصل! تنهدت هايدي، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بهدوء مطمئن: _جلال أخويا بالاسم، عمري ما حسيت أنه أخويا. عصبي، ولسانه طويل، وأسلوبه وحش، كل كلامه زق، معندوش حنية، ولا يسمع عنها! نطق زياد بمحبة، وكأن كل كلمة يلفظها تحمل في طياتها رغبة صادقة في تعويضها عن كل ما فاتها من حنان: =لو ربنا مرزقكيش بأخ طيب وحنين، فأنا هعوضك عن كل ده يا هايدي! ردت هايدي بعشق نابض بمشاعر الحب، بينما كانت عيناها تتلألأان ببريق عاطفي: _شكرًا يا زياد، مش عارفة أقولك ايه بجد، انت أحسن حاجة في حياتي! قال زياد بصبابة، وقد تجلى في صوته شغف كبير: =متشكرنيش يا هايدي، احنا خلاص بقينا واحد. وسط الأجواء الغرامية الحالمة، ظهرت لهم أم الديب كنسمة مفاجئة تخرق السكينة، وصاحت في آذانهم بصوتٍ عالٍ كأنها تعمد إزعاجهم بشدة، بينما كانت نبراتها مليئة بالإعوال، وكل كلمة تنطق بها كانت صرخات تعبر عن احتجاجها بطريقة لا يمكن تجاهلها، قائلة: _يا لهوي، يا مصيبتي، يا عيني عليك يا جلال، يا بختك المايل يا جلال. انفزعت هايدي، وضمت يدها نحو قلبها في محاولة لتهدئة نبضاته المتسارعة، بينما كانت تحاول اللحاق بأنفاسها التي انقطعت بفعل صرخات الوالدة، نطقت: =قلبي! تلقى زياد أنفاسه هو الآخر، وحاول أن يستعيد هدوءه وسط الاضطراب الذي أثارته أم الديب، بينما كانت ملامح وجهه تعكس توترًا. سأل بارتجاف، وصوته يرتعش قليلًا من تأثير المفاجأة: _هو في ايه؟ قالت أم الديب بقهر يغمر روحها: =منك لله ياللي في بالي! ونظرت إلى ليالي بعدوانية، عازمة على توجيه أي اتهام إليها حتى وإن لم تكن مسؤولة عن الموقف، فتوجهت نعمة نحوها، وقالت بنبرة متألمة، وكأنها تحاول أن تصف حجم المعاناة التي تسببت بها هذه المشكلة: _أقعدي ياما بقى! جلست أم الديب بجانب نعمة، يواصلان انتحابهما، بينما كان الاستياء يتسلل إلى كل زاوية من المكان، وكل لحظة تمر تزيد من وطأة الألم الذي يعصف بهما. بعد نصف ساعة من هذا المشهد الموجع، حضر حسين، وهو يسير بسرعة عبر ممرات المستشفى، وقد بدا على وجهه قلق وخوف حقيقي من احتمال فقدان ابن أخيه في أي لحظة. كان خطواته تتسم بالتعجل، كأن كل لحظة تأخير قد تكلفه أكثر مما يستطيع تحمله. وعندما اقترب منهم، سأل برهبة، وصوته يرتجف من تأثير التوتر: =جلال ماله يا حنفي؟ رد المعلم حنفي باستياء: _اتضرب بالسكينة، بيقولك دخلت في الكِلية عملت نزيف. تحدث حسين بفزع، وكأن صرخات الخوف قد تجسدت في صوته، مشدوهًا من هول ما رأى، وقلبه يضج بالقلق الذي لا يعرف له هدأة: =لا حول ولا قوة إلا بالله، وده حصل ازاي بس؟ قال المعلم حنفي بصياح مدوي: _كله من المشاكل، لو يمسك لسانه، وايده مكنش كل ده حصل... ده كويس أنها جات على قد كده، ده لو واحد تاني كان راح فيها. تلفظ حسين باهتمام، مستشعرًا أهمية اللحظة التي تتطلب تركيزًا لا حدود له: =وخرج من العمليات ولا لسه؟ أجاب المعلم حنفي بخوفٍ جلي، وكأن نبرات صوته قد أُثقلت بظلال الرعب: _لسه. بعدما أنهوا حديثهم، خرج الممرضون من غرفة العمليات، وهم يدفعون السرير المتحرك الذي يحمل جلال، الذي كان غارقًا في سبات عميق، كأنه في عالم آخر بعيد عن هموم الدنيا. ما إن رأته ليالي ونعمة حتى اندفعا نحوهما، عيونهم تتسابق إلى تأمل الحالة، وقلوبهم تدق بقلق شديد. تم إدخال جلال إلى غرفته، بينما خرج الطبيب من غرفة العمليات، وعليه عرق متصبب يعكس الجهد الكبير الذي بذله. توجه إليه المعلم حنفي وحسين، وبقلوب مشحونة بالهموم، سأل الطبيب بترقب: =جلال ابني ماله يا داكتور؟ أجاب الطبيب بصراحة، كما لو كان يستعرض واقعًا مؤلمًا لا يمكن التستر عليه: _حصله نزيف في الكِلية بس سيطرنا عليه، ولحقناه وخيطنا الجرح، خدوا اصرفوا العلاج ده من أي صيدلية. استلم زياد الروشة من الطبيب، وخرج من المستشفى، عازمًا على العثور على أقرب متجر أدوية لصرف العلاج المكتوب، وهو يحمل بين يديه أملًا ضئيلًا في تخفيف معاناة جلال. في تلك الأثناء، دخلت النساء غرفة جلال، حيث هرعت ليالي نحو سرير زوجها، وقد اجتاحت دموعها وجهها وملأت صرخات أنينها أرجاء الغرفة، وبينما كانت تتوسل بحرقة، قالت: =قوم بالسلامة علشان خاطر عيالك! قالت نعمة باستعبار، وقد تجلت على ملامحها ظلال الأسى: _ربنا يشفيك، ويسترها معاك، سامحني ياخويا...أهو كل اللي جراله ده بسببي، كان بيدافع عني يا ليالي، جوزك راجل أوعي تخسريه! تلفظت ليالي ببكاء مرير، بينما كانت تتشبث بيديه برأفة، وكأنها تستمد قوتها من التماس هذا الاتصال: =وأنا أقدر أزعله برضه يا نعمة؟ ده هو اللي ساترنا، ده احنا من غيره ولا حاجة، العيال يا هايدي، روحي هاتيهم! ردت هايدي بانزعاج: _أنا لو روحت مش راجعة! قالت أم الديب بصخب: =ايهي أمال انتي لازمتك ايه يا بت؟ مش فالحة غير في الهز والرقص؟ إنما محدش فينا يستنفع منك بحاجة! ردت هايدي بعصبية، مُظهرة اضطرابها من مجريات الأمور التي زادت من احتقانها: _يوه، كل ده علشان رفضت؟ خلاص أنا رايحة، وسعوا! تفوهت نعمة بشجن: =خلاص ياما مالوش لزوم تجيبهم، خليها تقعد معاهم وخلاص، دول هيجوا هنا هيعملولنا زحمة. حاولت هايدي أن تطمئنهم لتتخلص من الجلسة المُزعجة في المستشفى، وتعود إلى غرفتها لتستعيد هدوءها. فقالت، وهي تبتسم بجهد: _أنا هقعد معاهم، ومتقلقوش عليهم. ردت نعمة باستياء: =ماشي يا هايدي خدي بالك منهم! خرجت هايدي وذهبت إلى المنزل لرعاية أطفال أخواتها، حتى لا يكونوا بمفردهم ويتعرضوا للخطر. وقد ركبت التوكتوك وعادت بسرعة إلى دارهم، حيث اجتمعت بالأطفال وطمأنتهم. بعد ساعتين، وصل أحمد إلى المستشفى، مفزوعًا، وظهرت عليه علامات القلق الجسيم. خطى في الممرات بهيئته المرموقة، تتسابق خطواته نحو أفراد الأسرة، وهو يحمل في عينيه توترًا. ما إن وصل إليهم حتى سألهم برهبة، وكأن كلماته تتعثر بين شدّة القلق: _جلال عامل ايه دلوقتي؟ قال المعلم حنفي بوجه عابس، يحمل الكثير من الآلام: =زي مانت شايف كده أخوك جاله نزيف على الكِلية ولحقوه... مانا ياما قولتله بلاش مشاكل يا جلال بس هو يحب المشاكل زي عينيه. رد أحمد بعصبية: _مشاكل تاني؟ هو أنتوا مبترتاحوش غير لما تعملوا مشكلة جديدة؟ يابني حرام عليك، انت عندك عيال ولو حصلك حاجة هيضيعوا من غيرك! قالت ليالي بشجن، وهي تمسح دموعها بحركة مترددة، وكل مسحة تعبر عن أوجاع قلبها: =كل يوم أقوله نفس الكلام ده... يسمع الكلام من ناحية ويخرجه من ناحية تانية خالص، كان علينا بإيه ده كله؟ تحدث أحمد بنبرة جادة، مبرزًا جدية الموقف، وحجم القلق الذي يعتريه: _جلال لما يقوم بالسلامة ليا كلام تاني معاه. تفوهت نعمة بأسى، بينما دموعها لم تجف بعد: =آه يانا آه. صاحت أم الديب في ابنتها بقسوة، وكأن صرخاتها تتدفق كالسياط، تحمل في طياتها مشاعر الخيبة، وقالت بحدة، وكلماتها تتقطر من صميم الاستياء الذي يعصف بها: _خلاص يا بت ماهو الداكتور قالك لحقو، ولا هو وجع دماغ وخلاص؟ وأردفت لأحمد بفظاظة: _آني راجعة البيت ألحق نصيبي في الجاتوه اللي حماتك جابته، البت أختك سرحت عليه الصبح. نهضت أم الديب من مكانها، مما جعل المعلم حنفي يتبادل نظرات الاستغراب. فقد تجسد على وجهه شعور غير متوقع، وكأن تصرفها قد أحدث صدمة مفاجئة، فقال: =جاتوه ايه؟ ابنك حالته خطر وانتي راجعة البيت تحشي؟ انتي ايه يا ولية مفيش دم؟ ده انتي مش راحمة نفسك لا صبح ولا ليل... بؤك شغال أربعة وعشرين ساعة! ردت أم الديب بعجيج متصاعد، وكلماتها متدفقة من أعماقها في زوبعة من الاستياء، تعبر عن ثورة مشاعرها في لحظة لا تحتمل الهدوء: _وانت مالك، هو دهو بؤي ولا بؤك؟ تفوهت نعمة بجلجلة: =خلاص ياما ارجعي البيت، ريحونا بقى! غادرت أم الديب المستشفى، متجاهلةً حالة ابنها الحرجة، متجهةً نحو المنزل بدافع تناول الكيك الذي شغلت به نفسها، وعندما صعدت إلى المنزل، اكتشفت أن حفدتها مجتمعين مع العمة هايدي، مستمتعين بالكيك الشهي، وكأنهم قد نسفوا خطتها التي كانت تدور في ذهنها. ففوجئت بالمنظر الذي يضيف إلى غضبها، وارتفعت نبرات صوتها بالصراخ، قائلة: _ده الجاتوه يا بت؟ ردت هايدي بتلعثم: =أيوه يا ماما، ما هما كمان ليهم نفس زيك اشمعنا انتي يعني؟ فرت أم الديب مُسرعة، وكأنها تسابق الزمن، تجمع الأطباق من بين أيديهم جميعًا بقسوة، وكأنها تريد أن تعيد النظام إلى ما كان عليه. دخلت المطبخ وهي تصرخ، وصوتها يتعالى، مبددةً كل لحظات الهدوء التي حاولوا الاستمتاع بها، قائلة: _بقى يا بت الكلب بتستغلي إن آني في المستشفى وبتلعبي بديلك؟ عاوزة تطفحي الجاتوه انتي والعيال ويخلص عليكم؟ وآني منابي فين؟ ايهي وايه الحتت الكبيره دهي؟ استقامت هايدي، وقالت بترقب: =ليه هو أنا بقطع من لحمي زيك؟ ما إن تسللت السبع كلمات من فمها، حتى انطلقت كالسهم في الهواء، لتستقر مباشرة في أذن أم الديب. لم يكد الصوت يصل إلى مسامعها حتى اشتعلت نار السخط في عينيها، فتوهجتا ببريق لا تخطئه العين، وانقلبت ملامحها لتشع حنقًا، ومع كل خطوة كانت تخطوها أم الديب باتجاه هايدي، يزداد القلق في قلب هايدي، فتتراجع بخفة، محاولة الهرب من تلك النظرات الثاقبة التي تلاحقها. وفي تلك اللحظة، انفجر صوت أم الديب كالرعد، قائلة: _آني بقطع من لحمي يا بت؟ أجابت هايدي بصوت يحمل في طياته حذرًا واضحًا، وكأن الكلمات كانت تخرج من فمها ببطء مدروس: غضبًا أكبر أو أن تتسبب في إشعال نيران جديدة. =أه. قالت أم الديب بصخبٍ يجتاح المكان كالعاصفة: _آني ايدي مش مخرومة زيكم، آني اللي زي يحافظ على الحاجة بالشهور، مش زيكم تخلصوها في مقام يومين. ردت هايدي بسخرية: =تورتة ايه دي اللي هتقعدلك بالشهور؟ دي هتكون باظت واتحللت! قالت أم الديب، وهي توجه نحو هايدي سهام انتقاداتها السلبية، محملةً كلماتها بمرارة خفية، كأنها تقطر سخرية: _لا مش هتبوظ، واتعلمي مني بدل مانتي خايبة، وحاطة راسي في الأرض. نهض حمود من الأرض بقوة، كأنه لم يعد يحتمل الجلوس أكثر من ذلك، وحدقت عيناه بنظرة حادة تعكس الكراهية التي تغلي في داخله، وتحدث بصوت عالٍ لكنه مشحون بالبغض: =بقولك ايه يا ستي، أنا مش عاوز أطفح! تلفظت أم الديب بكلمات ملتهبة بالبغضاء، وكأن كل حرف كان يقطر سمًا، يعبّر عن كره عميق يخنقها: _انشالله عنك ما طفحت! فرغت أم الديب قطع الكيك من الأطباق بحركات كامدة، كأنها تنقل أثمن الأشياء، وأعادتها بعناية إلى داخل العلبة، ثم وضعتها في المثلج. كل خطوة كانت تؤديها وكأنها في طقس مقدس، رغم أن هذا التصرف بدا للبعض محملًا بنوع من الحصافة التي قد يفسرها الآخرون على أنها غباء، ومع ذلك قالت: =لما تتحط هناهو عمرها ما هتبوظ. اقتربت هايدي منها بخطوات مترددة، يكتنفها الذهول الذي بدا واضحًا في عينيها الواسعتين، وكأنها لا تصدق ما تراه، وعندما أصبحت قريبة بما يكفي، تلفظت بكلماتها بتعجب كبير: _انتي هتحطيها هنا بجد؟ كل ده علشان متخلصش بسرعة؟ تفوهت أم الديب بوضوح: =أمال ايه؟ هو احنا كل يوم عندنا شبكة يا بت؟ ردت هايدي بصدمةٍ، وصوتها خرج متقطعًا، وكأن الكلمات قد تعثرت في حلقها من شدة المفاجأة: _ليه هي الحاجات دي مبتتاكلش غير في المناسبات وبس؟ قالت أم الديب بثقة: =أمال انتي فكرك ايه؟ تركتهم، وقد طغى على وجوههم شعورٌ عميق بالشجن، وأدخلتهم في حالة من الحيرة، ثم دخلت الغرفة ببطء، لتغلق الباب خلفها بشحناء، كأنما تعمدت أن تتركهم خلفها في حالة من الارتباك. في الوقت نفسه، كانت هايدي غارقة في صدمتها من قسوة التصرف الذي بدا غير مبرر في نظرها، وفي المستشفى، حيث كان جلال قد بدأ يستفيق شيئًا فشيئًا، وإن كان بشكل خفيف للغاية، كانت نعمة تقف بجواره، تتفوه بابتسامة خافتة، كأنها تحاول إخفاء التوتر الذي يعتصر قلبها: _حمدالله على السلامة يا جلال. تحدث أحمد بصرامةٍ، كأنما يريد أن يضع حدًا لأي عبث في المعضلة الموجودة، مما يضفي على حديثه قوة، وقناعة لا تقبلان النقاش: =ألف سلامه عليك، في حد عاقل يعمل اللي انت بتعمله ده؟ قال المعلم حنفي بتأثرٍ، وصوته اهتز بنبرة من الأسى، وهو يصف كيف أن هذه الصراعات المتكررة قد أثرت على ابنه بشكل ملموس: _قوم بالسلامة، مراتك كان هيجرالها حاجة علشانك. تلفظت ليالي باستياءٍ، كأنما كانت تحاول أن تضع حدًا لما يحدث من خلال تعبيرها عن استيائها: =أه والله يا حمايا، ده أنا لحد دلوقتي قلبي لسه واجعني. تلقى جلال النصائح الثمينة التي قدمها أبو محمد، التي تعد بمثابة الذهب الخالص، والتي تهدف إلى توجيهه نحو حياة كريمة خالية من الصراعات، حيث قال: _امشي جنب الحيط يا ولدي، تجنب الشر، لو جرالك حاجة فانت ظلمت زوجتك، وأولادك معاك... مستحيل تلاقي حد زي الأب، محدش بيعوض مكانه. أيد أحمد بحماس كبير ما قاله خاله، وأضاف بصوت مليء بالإيمان: =أه والله يا خالي، هو بس اللي الشر راكب دماغه، لو يهدى بس ربنا هيكرمه. دعا حسين له بكل حرارة القلب، وعاطفة العم الحنون، وهو يرفع بصره إلى الأفق بتفاؤل، قائلًا بأمل يعكس إشراق الروح: _ربنا يشفيه ويعافيه. رد المعلم حنفي بعبارات مفعمة بالتمني: =يارب يا حسين ياخويا. قال أبو محمد بسكينة بعدما استفاق جلال من علته وعاد إليهم، مشعًّا بينهم من جديد كفجرٍ يضيء الدروب: _اسجدوا لله شكر، إنه قام بالسلامة، وإن الموضوع موصلش لحاجة تانية وحشة! تفوهت نعمة بترح، يتسرب من أعماق قلبها كأنين الرياح في الأفق البعيد: =الحمدلله، أنا مش مصدقة اللي حصل من أوله لآخره، يلا ربنا ينتقم من المؤذي اللي عمل كده. خطى حامد ووالده عبد الغني بخطوات ثابتة نحو عتبة الغرفة، ليقدما تواسيهما الحار، وقد بادر الوالد بنبرته المليئة بالحكمة، قائلًا: _السلام عليكم. رد الجميع بصوت واحد، وتآزر، قائليّن: =وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وقف حامد إزاء سرير جلال، وقلبه يملؤه الخشية، وسأل المعلم حنفي بنبرة توحي باهتمامه: _جلال ماله يا حمايا؟ رد المعلم حنفي بطمأنينة تسكن روحه، وكأنها نهر هادئ يجري في أعماقه: =جات سليمة الحمدلله. قال عبد الغني بتبجيل، يُعبر عن تقديره: _ربنا ما يجيب حاجة وحشة، ويسترها. نطق المعلم حنفي بأمل يفيض من قلبه: =يارب يا حاج. خرج المعلم حنفي مع عبد الغني إلى الخارج، بينما توجه حامد إلى ليالي، وقد غلفت كلماتُهُ بالشجن، واحتوت على أصداء الحزن، قائلًا: _شدي حيلك يا ليالي. انفجرت نعمة في وجه زوجها، وقد تملكتها الصدمة وأشعلت نيران السخط في عينيها، قائلةً: =جرا ايه يا حمو؟ هو ايه اللي شدي حيلك؟ انت بتفول على أخويا؟ أجاب حامد برهبة: _لا مش القصد، ده أنا بدعيله في السر ربنا العالم، جلال غالي عليا ده أخو مراتي، ده احنا عيلة ونسايب، والغلاوة كبيرة. ردت ليالي باستياء، كأنما يختلط الألم بالترح في نبرتها: =تسلم يا حامد. دخل زياد الغرفة، حاملًا معه عبق الأمل للعلاج، فسأله أحمد بفضول لامع، وكأن عينيه تترقبان كل تفصيل في الإجابة، قائلًا: _جبت العلاج يا زياد؟ أجاب زياد بثقة: =أيوه. جلس زياد على الكرسي البلاستيكي، بينما أخذ أحمد يرمق الأجواء المحيطة بنظرة مليئة بالقلق، فرأى أن الكآبة التي تعم المكان لن تسهم في تحسين حالة جلال العليل. لذلك، اقترح بأن يتم الانتقال إلى المنزل لاستكمال العلاج، قائلًا: _جلال المفروض يروح، قاعدة المستشفى كئيبة، وتخنق! ردت ليالي بنظرات حزينة تنبض بالألم، كأن كل نظرة تحمل معها قصة من الهموم: =الداكتور قالنا لحد بكرا الصبح يقدر يمشي، أصل الجرح طازه وشادد عليه. تحدثت نعمة بألم نفسي ينهش روحها كما ينخر السوس في الخشب: _ربنا يشفيه، ويعافيه. قالت ليالي، بصوتها الهادئ: =يارب يا نعمة. في منزل العائلة، دخل حمود إلى غرفة أم الديب حيث كانت مستلقية على سريرها، عيونها تتطلع عبر النافذة المفتوحة إلى الأفق البعيد، وبتعبير منفتح على فضول صادق، سأل حمود بترقب ملحوظ، وهو يلاحظ غياب أبيه الذي أثار اهتمامه: _أبويا راح فين يا ستي؟ بدلًا من أن تنكر أم الديب الواقع الأليم أو تختلق حججًا لتبريره، أطلقت النيران التي أصابت قلب الصغير حينما ردت عليه بغلظة صوتها التي كانت تعكس قسوة الواقع، قائلة له: =أبوك المايل سايح في دمه، والبلطجية ضاربينه بالسكينة في كِليته، الفتحه في جنبه قد كدهو يا ولا يعشش فيها الحمام. ازداد صراخ حمود في الهواء، وقد ملأ الفضاء بصوته المرتجف، وهو يردد بارتياع عارم: _أبويا، أبويا! دخلت تقى، ومحمد إلى الغرفة، ليجدوا حمود يبكي بشدة، وانخرطوا في بكائه دون أن يسمعوا الخبر الذي جعل قلبه يذوب من الحزن. نظرت أم الديب إليهم بدهشة، ثم قالت: =ايهي أنتوا بتعيطوا ليه؟ كانت تقى تردد، وهي تبكي بحرقة، قائلة: _ودوني لماما! نهضت أم الديب من على سريرها بأعجوبة، وكأنها تستمد قوتها من عمق الاستياء الذي يلف الغرفة، وسألت بقلق متزايد: =المفتاح مع مين فيكم؟ أجاب حمود بنواح حزين، وقد ارتعش صوته من الألم الذي يعتصر قلبه: _معايا. قالت أم الديب بعجيج: =وسعوا، آني جعانة وكنت شامة الصبح روايح أكل من عندكم... هي آه أمكم طبيخها مزفت بستين نيلة، بس أهو أي حاجة تسد الجوع. صعدت أم الديب برفقة حفدتها إلى شقة ليالي، حيث فتحت الباب ودخلت إلى الداخل. هناك، وجدت الطعام جاهزًا فوق الطاولة في الصالة، ورغم أن الوجبة كانت تبدو لذيذة، مدّت يديها نحو الخبز، وبدأت تتناول الطعام باشمئزاز، مُعبرة عن عدم رضاها الشديد، وقالت: _الأكل مش حلو، مبيعجبنيش أكلها، أنتوا هتفضلوا واقفين تتفرجوا كدهو؟ رد حمود باعتراض: =الأكل ده بتاعنا، متاكليش منه! أزاحته أم الديب عن طريقها بشدة، وصرخت فيه بصوت متصاعد، قائلةً: _وسع يا ولا، هو ايه اللي بتاعكم؟ دي كلها فلوس ابني، وفلوس ابني فلوسي... يبقى الأكل دهو بتاعي. كانت تقى تردد، وهي تبكي بحرقة، قائلة: =هاتولي ماما! في أثناء ما كان فم تقى مفتوح، وهي تبكي بحرقة، قامت أم الديب بحشر قطعة خبز ضخمة في فمها لتتوقف عن انتحابها المستمر، ثم قالت بصوت غليظ، وقد بدا عليه قسوة الواقع: _متعملوليش وَشَ، آني ست كبيرة، وروحي في مناخيري، اللي هيعيط فيكم آني هجيبله الداكتور يديله حقنة كبيرة قد كدهو! قال محمد ببكاء، فارتعش صوته من شدة الحزن: =مش عاوز آخد حقن يا ستي! لم تستطع أم الديب ملاحقة بكاء الأطفال المتعاظم حولها، الذي كان يمنعها عن تناول الطعام بتركيز، فتبددت قدرتها على الاستمتاع بالوجبة وسط هذا الاضطراب، وفي لحظة من الغضب، قبضت على الزجاجة بقوة وهددتهم بوطأتها فوق رؤوسهم، بينما كانت تمضغ الطعام بشراهة، وقالت بصخب يملأ المكان: _يبقى تسكت انت وعيال خالك، فاهمين ولا لا؟ بينما كان جلال مستلقي على سرير المستشفى، تتجلى معالم الإرهاق على وجهه، كانت نعمة، بنظرتها الحانية، تتحدث إلى ليالي قائلة: =قومي معايا يا ليالي، نرجع البيت نريح جتتنا شوية. رفضت ليالي المغادرة بإصرار، معبرة عن رغبتها في قضاء الليلة بجانب زوجها بدلًا من تركه وحيدًا في محنته. في تلك اللحظة، تجلت أصالتها وروحها النبيلة في أوقات الشدائد، وهي تقول: _مش همشي من هنا، أنا هبات على الكرسي ده. لكن نعمة، وهي تحمل مسؤولية الأبناء على عاتقها، كانت مصممة على مغادرة المستشفى رغم مشاعرها المتأثرة. أبت إلا أن تترك مكانها من أجل ضمان راحة عائلتها، فقالت: =مينفعش يا ليالي، العنبر مليان ناس، ده لا عمرك هترتاحي ولا هتغمضلك عين، ارجعي بيتك ارتاحي، وبعدين الصبح نرجعله. ردت ليالي بإرهاق: _مش قادرة يا نعمة، سيبيني! نهضت نعمة، وجذبت يد ليالي برفق نحوها، قائلة بإلحاح: =اسمعي مني بس، ده زي مانتي شايفة كده مش هترتاحي طول ماحنا هنا، يلا قومي معايا! نظرت ليالي إلى نعمة بحزن، ثم نهضت ببطء، وعادوا إلى منزلهم بعد يوم طويل مليء بالمشاق والأخبار التعيسة. كانت خطواتهم متثاقلة، وكأن ثقل الهموم قد استقر في أجسادهم، حتى وصلوا إلى شقة ليالي. عند دخولهم، صدموا بمشهد مروع؛ صينية الطعام فارغة تمامًا من الطعام الذي بذلت ليالي جهدها في تحضيره في الصباح، والأرض مغمورة بقشور اللب الأصفر، وقطع العيش الحادة التي تشكل خطرًا على الأقدام. بدا منزلها وكأنه تحول إلى مقلب للقمامة، بعد أن كان يتألق بنظافته. استشعرت ليالي صدمة شديدة، وصرخت صرخة مدوية في الهواء، قائلة: _يا لهوي، أسيب البيت كام ساعة وأرجع ألاقيه كده؟ أجاب حمود بارتياع: =ستي هي اللي عملت كل ده! نطقت نعمة بصدمة: _هي ايه اللي طلعها عند ليالي أساسًا؟ تلفظ حمود برهبة: =كانت هتضربنا لو مسمعناش كلامها. ازدادت نيران الامتعاض في قلب ليالي اشتعالًا، حتى كادت تتحول إلى جمرات متوقدة، فاستعدت بنية قوية لمواجهة أم الديب ومحاسبتها على ما أحدثته من خراب وفوضى في منزلها، وعندما دخلت الصالة، فوجئت بمشهد غير متوقع؛ إذ وجدت أم الديب ترتدي عباءتها البالية التي تراكمت عليها الأوساخ، وتحمل معها شنطة سفر ممزقة تتناثر منها محتوياتها. لم يكن هذا كل شيء، بل كانت ترتدي نظارة شمسية لا تتناسب أبدًا مع سنها، مما أضفى على المنظر طابعًا ساخرًا. في تلك اللحظة، تاهت أفكار ليالي عن هدفها الأصلي، وسألت حماتها بذهول: _انتي رايحه فين يا حماتي؟ أجابت أم الديب، وقد برزت عليها ملامح الغرور: =مسافرة. ثم خرجت من الشقة حاملة حقيبتها الممزقة، بينما وقفت ليالي في ذهول، تتبعها بخطوات مترددة متسائلة عن دافع السفر الذي طرأ عليها فجأة وكأنه مفاجأة غير متوقعة، وقد غمرها التعجب، فقالت باستفهام: _يعني ايه مسافرة يا حماتي؟ مسافرة رايحة فين أصلًا؟ نزلت أم الديب على الدرج بخطوات سريعة، وصاحت في وجه ليالي بلهجة حادة، قائلة: =محدش له دعوة بيا فاهمين ولا لا؟ ثم دفعت ليالي بعيدًا، مما أدى إلى اصطدامها بالحائط. بينما كانت أم الديب تخرج من المنزل حاملة حقيبة السفر، تركت ليالي في حالة من الصدمة، وفي خضم هذه الفوضى، خرجت هايدي من غرفتها، متفاجئة مما حدث، وسألت بصدمة: _هي ماما رايحه فين؟ أجابت ليالي بصخب: =أمك خلاص مخها ضَرب! نزلت هايدي، وهي تجري بسرعة خلف أم الديب، معبرة عن استفهامها، ولكن أم الديب تجاهلت نداءاتها، وواصلت سيرها دون أن تبدي أي اهتمام. بينما كانت هايدي تبذل قصارى جهدها لملاحقة والدتها المتعثرة، بكل ما لديها من عزم، ونداءاتها تتعالى بوضوح فوق ضجيج الشارع، صرخت قائلة: _يا ماما، يا ماما رايحة فين؟ بعد عشر دقائق من الجري المتواصل وراء أم الديب، التي كانت تسير بثبات وكأنها لا تعبأ بما يحدث حولها، أصاب الإرهاق هايدي، مما جعلها تعود إلى المنزل مجددًا وهي تكاد تلهث من شدة الجهد. عند وصولها، رفعت هاتفها بسرعة محاولًة التواصل مع والدها، وأخذت تصرخ بأعلى صوتها، بينما تتصاعد مشاعر القلق في نبرة صوتها، قالت: _ألو يا بابا الحق، ماما مشيت بشنطة السفر، طلعت اجري وراها مردتش عليا لحد ما اختفت! فكرة عجيبة طرأت على أم الديب، ولا يستطيع أحد فهم الدافع وراء سفرها المفاجئ الذي يبدو غير مبرر ولا يتماشى مع أي ترتيب مسبق. فقد قررت أن تسافر إلى بلاد الخارج، كما وعدتها أم قمر الدين في حفلة خطبة هايدي، في خطوة بدت وكأنها مغامرة غير متوقعة. شوقها إلى تجربة جديدة جذَبها بقوة نحو هذه الرحلة، تاركة خلفها فوضى. بينما هم سيجدون في غيابها فترة من الاستجمام، ويتذوقون متعة الحياة بدون عوائقها. أما جلال، الذي لا يزال في سريره بين المرضى، فقد ظل بعيدًا عن هذه الهموم، محاطًا بالمرض، ليبقى في مكانه وسط معاناته. تمت بحمد الله....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة