الفصل الثلاثون

الفصل الثلاثون

12 0

ذهبت العائلة جميعها في صباح يوم مشرق، يجمعهم الحماس، إلى مكان يجتمع فيه الجمال، بحثًا عن القاعة المثالية التي ستكون شاهدة على بداية رحلة جديدة مليئة بالفرح. فور وصولهم، قامت السيارات واحدة تلو الأخرى بالركون في صفوف مرتبة بعناية، وكأنها تشارك في هذا الحدث الكبير، بينما نزل الرجال بحماس لا يخلو من الجدية، إلا أن السيدات فضلن البقاء في السيارات، حيث اعتنين بأطفالهن الصغار بعطف. قاموا بفتح حقائبهن التي كانت تحتوي على كل ما يمكن أن يسعد الصغار، وأخرجوا منها قطع البسكويت المغلفة بالشوكولاتة التي أضاءت وجوه الأطفال بسعادة بريئة، وبعد لحظات من وصولهم، نزل جلال من سيارته، متقدما بخطى ثابتة نحو والدته، وقال لها بنبرة مليئة بالتفاؤل: _خليكي هنا ياما عقبال ما نشوف ايه الدنيا جوا! بصوت مرتفع يكاد يزلزل المكان، ملأه الرغبة في التدخل مرة أخرى في شؤونهم، أطلقت أم الديب صيحتها التي تحمل في طياتها إصرارًا قديمًا لا يتبدد، مصممة على الحضور والمشاركة بكل ما تملك من قوة: =يعني ايه خليني هناهو يا ولا؟ أمال آني جاية معاكم ليه؟ رد جلال بحزم، رافضًا بحسم مجيئها، إذ كان يدرك تمامًا ما قد يترتب على مشاركتها في الأمور. فقد كانت خبرته الطويلة في التعامل مع تدخلاتها المتكررة تجعله يتوقع بدقة كل ما سيحدث إذا ما سمح لها بالمشاركة: _مانتي جيتي معانا واحنا بنجيب الشبكة، ارتاحي بقى! قالت ليالي بهدوء: =أقعدي معانا يا حماتي هما مش هيطولوا! التفتت أم الديب بعنف نحو الناحية الأخرى، وكأنها تحاول الهروب من حقيقة الرفض الذي واجهته، ولكن المشاعر التي كانت تغلي في داخلها لم تعد تحتمل الكتمان. فجأة، انفجرت بكلماتها التي حملت في طياتها كرهًا متجذرًا، وهي تتلفظ: _مش قاعدة معاكي وآني هنزل معاهم يعني هنزل معاهم، مليش فيه! وسعوا! نزلت أم الديب من السيارة بخطوات سريعة، وكأنها تسابق الزمن للانضمام إلى الرجال المتجهين نحو القاعة، تاركة نعمة، وليالي، وهايدي، والأطفال الصغار يجلسون بمفردهم داخل السيارة، يتبادلون النظرات المتفاجئة لما سيحدث، وبينما كانت أم الديب تبتعد، استدارت نعمة نحو هايدي، وهي لا تستطيع أن تخفي بريق الفرح الذي يغمر عينيها، ولا تكاد تصدق أن هذا اليوم الذي طال انتظاره بات على أعتاب الحدوث. بحب كبير وابتسامة تحمل بين طياتها ألف معنى، قالت نعمة لأختها: =مبروك يا هايدي عقبال ما نشوفك في الكوشة. ردت هايدي بصوت دافئ يحمل في طياته إعزازًا عميقًا: _الله يبارك فيكي... أنا مش فاهمة بس ايه اللي نزلها معاهم؟ رفعت ليالي منتصف شفتيها للأعلى في حركة تلقائية، لكنها كانت تحمل في طياتها تعبيرًا صريحًا عن الغل الذي ظل مكبوتًا في أعماقها تجاه أم الديب. تلك السيدة التي لا يهدأ لها بال إلا إذا كانت في قلب كل قرار، متسلطة، ومصرة على فرض رأيها في كل صغيرة وكبيرة، دون أن تترك مجالًا للآخرين للتعبير عن أنفسهم أو التنفس بحرية، فقالت باعتراض واضح: =أمك حاشرة نفسها في كل كبيرة وصغيرة. ردت هايدي بخوف: _ربنا يستر بقى، أنا خايفة ألا الجوازة تبوظ بسببها. لاحظت نعمة بعين فاحصة الدرجة الكبيرة من التمسك التي أبداها زياد تجاه هايدي، رغم كل ما مرّ بهما من ظروف عسيرة، وكأن محبته لها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من وجوده. كانت ترى في تصرفاته إصرارًا لم يتزعزع حتى بعدما كشفت أم الديب له عن وجهها الحقيقي، وجه الأشرار الذين لا يتركون مجالًا للطيبة. رغم كل ذلك، كان زياد مصممًا على أن يظل بجانب هايدي، راغبًا في الإحسان إليها، وتقديم كل ما يمكنه لجعلها سعيدة، وكأن حبها قد رسخ في أعماق قلبه لدرجة جعلته مستعدًا لتحمل كل شيء في سبيلها، فقالت بنبرة سعيدة: =لا ده شكل زياد ماسك فيكي بإيده وسنانه، الواد ده ابن حلال، ده ربنا باعتهولك هدية من عنده. ردت هايدي بصوت مرتجف يحمل في نبراته كل معاني الخوف: _تفتكري يا نعمة؟ أجابت نعمة بطمأنينة، وقد بدا على وجهها سكون وراحة تعكس يقينها العميق بقدرة الحب على التغلب على الصعاب، وهي تلتقط شريحة من البسكويت من حقيبتها، وكأنها ترغب في أن تنقل هذه الراحة إلى هايدي عبر أبسط الأفعال: =أمال ايه؟ ده مش هامه أي حاجة غير إنه يتجوزك، لا تقوليلي أمك ولا غيره، ده ياريت حمو كان زيه كده. قالت هايدي بتفكير، وهي تغرق في تأملاتها حول حامد وكيف أنه يخشى أم الديب لدرجة أن مستعد لدرجة التنازل المفرط، حتى أنه يقبل أقدام زوجته من أجلها، كوسيلة لإرضاء أم الديب، ودرء غضبها. كان ذلك في محاولة لتفادي أي صراع قد يدور حوله، وللحفاظ على مكانته دون أن ينضم إلى قائمة الأخصام التي قد يتزايد عددها بسبب أي تصرف غير مدروس: _بس انتي جوزك بيعاملك حلو يعني، معتقدش إنه وحش معاكي. كانت هناك حسرة مدفونة بعمق قلب ليالي بعدما استمعت بعناية إلى أحاديثهم، مما دفعها إلى إجراء مقارنة بين حامد وزياد من جهة، وزوجها جلال من جهة أخرى، لتكتشف فجأة مدى تشابه جلال بأمه في تصرفاته المتجبرة. كان جلال هو الوحيد الذي يمتلك القدرة على إظهار القسوة ببرود، دون أدنى تأنيب ضمير أو شعور بالندم، وقادر على خوض معارك عنيفة مع أهل القرية تستمر طيلة سنة كاملة، بلا انقطاع أو توقف، ومع مرور السنوات، ومع كل عام يمر بينهما، كان جبروت جلال يتزايد، كدليل على تعوده على معاملتها بهذه القسوة، بخلاف الأيام الأولى من فترة الخطبة حيث كان يظهر الحنو، ويعبر عن عاطفة حقيقية كانت تنبع من روحه لأجل ابتسامة بسيطة منها. في خضم هذا التناقض الصارخ بين الماضي والحاضر، قالت ليالي بقهر واضح: =أنتوا الإتنين حظكم من السما، لكن أنا بختي أسود. سألت نعمة بدهشة، وكأن الصدمة قد اجتاحت مشاعرها، وعقلها معًا، تسأل عن تحول الأمور الذي لم يكن متوقعًا: _ليه كده بس يا ليالي ؟ ما جلال كويس معاكي، هو حصل حاجة منه؟ أجابت ليالي بشجن: =قصدك محصلش! أخوكي اتقلب يا نعمة، ده كل يوم على الله لازم يسمعني قصيدة شتايم من اللي قلبك يحبها، ولو الحاجة بتاعته متعملتش يفضل يزعق، ده حتى مبقاش يقعد معايا وعالطول نايم يإما برا في الشارع. قالت نعمة بثقة راسخة في قدراتها الذاتية على معالجة المشكلات: _لا متزعليش نفسك، أنا هبقى أديله كلمتين في جنابه، ده مالوش غيرك، هو بس جلال خلقه ضيق وعصبي. تلفظت ليالي بخوف: =لا ياختي اسكتي بدل ما يعملنا حوار جديد، أنا مش ناقصة! بداخل القاعة الضخمة التي كانت تعج بالناس المتجولين من هنا وهناك، والتي أضاءتها الأضواء المُبهجة التي كانت تغمر المكان بأشعة من السعادة، وكان الورد والزينة قد أضفيا لمسة من البهاء على أركانها، دخلت العائلة بهدوء، حيث كانوا ينظرون حولهم بعناية، يتحققون من مدى ملاءمة المكان للحفل المقرر، بخطوات متأنية يعبرون بها عن اهتمامهم بالتفاصيل الدقيقة، وبينما كانوا منشغلين بالتجول والتحدث حول ما إذا كانت القاعة تفي بكل توقعاتهم، خرجت أم الديب عن دائرتهم المعتادة، وبدأت تسير بمفردها إلى إحدى الغرف التي كانت تضم العمال. فجأة، وبصدفة غير متوقعة، لاحظ جلال تصرفاتها المُريبة، وأدرك حجم الكارثة التي قد تكون وشيكة. ارتفعت نبرته فجأة، مملوءة بالقلق، ونادى والدته بصوت عالٍ: _ياما، ايه دخلك هناك؟ وأردف لأحمد بصدمة واضحة في صوته، وقد بدا عليه الذهول من تصرفات أم الديب غير المتوقعة: _الحق ياض أمك دخلتلهم! بعدما لفت جلال نظر أحمد إلى الوضع المثير للقلق، التفت أحمد بدوره ليجد الوالدة داخل إحدى الغرف، دون سبب مقنع. عند رؤية هذا المشهد، ارتسمت على وجهه علامات الانزعاج، وكأنما الصدمة التي أصابته أدت إلى تفجير بركان من المشاعر المحبوسة. بدا واضحًا أنه لم يتوقع أن يجد والدته في موقف كهذا، وقال: =ايه اللي دخلها هناك؟ ونادى الوالدة بصخب، وهو يرفع صوته بشكل يقطع أجواء الاحتفالات التي كانت تسود القاعة، مشبعًا نبرته بالقلق: _يا ماما! كان العمال في تلك الغرفة مشغولين تمامًا بتجهيز مستلزمات الفرح المقرر إقامته في اليوم التالي، حيث كانوا يعملون بجد وسط فوضى منظمة من الأدوات، والمواد، ولم يكن لديهم الوقت الكافي لتلقي أي أحاديث غير ذات جدوى أو تتسم بالسطحية من أم الديب. حيث دخلت أم الديب إلى الغرفة وكأنها جزء من هذا الفريق، تتحدث معهم وكأنها قد أقامت رابطًا أسريًا معهم منذ سنوات، غير مدركة تمامًا لمدى انشغالهم، وعندما لاحظ الرجل هذا المشهد غير المعتاد، عبّرت تعبيرات وجهه عن الدهشة الممزوجة بالحيرة، وهو يتساءل: _انتي ايه دخلك هنا يا حاجة؟ قالت أم الديب بعجيج، وهو الصوت الذي يعبر عن اضطرابها، وحيرتها وسط هذا الموقف المحرج: =وانت مالك؟ هو المكان دهو كان بتاع اللي جابوك؟ ترك أحدهم عمله بشكل مفاجئ، وابتعد عن واجباته بملامح تعكس التعجب، ثم اقترب منها بخطوات مفعمة بالاهتمام، وبنبرة تتسم بالحذر، قال لها: _ايه يا حاجة، انتي عايزة ايه؟ سألت أم الديب بطريقة تكن فيها استعدادًا للنزاع، حيث كان في نبرتها تحدٍ خفي، ونبرة تحاكي الامتعاض الكامن. توجهت إليه بسؤال يحمل في طياته استفسارًا مباشرًا، ومليئًا بالحدة: =فين الحمام اللي هناهو؟ آني محصورة. نطق الرجل باشمئزاز: _محصورة؟ طب اتفضلي برا، الحمام مش هنا! حضر جلال، وأحمد، ووقفا بجانب باب الحجرة، حيث كانا يراقبان بصمت متجهم ملؤه الاستغراب والدتهما التي بدت كأنها قد فقدت صوابها، تتسبب لهم في قدر هائل من الإحراج أمام الأغراب الذين كانوا مشغولين في تحضير المكان لاحتفال كبير. كان الموقف برمته يعج بالرهبة، ويجعلهم يشعرون بالخجل من تصرفاتها، فقال جلال بدهشة: =ايه اللي دخلك هنا؟ قالت أم الديب بملامح متألمة، وهي تعبر عن رغبتها الملحة في قضاء الحاجة بالمرحاض، حيث كانت يديها مستقرّتين على بطنها بشكل يوحي بالضيق، وعدم الراحة: _محصورة ياخويا. تلفظ أحمد بفظاظة واضحة، بعدما وضعته الوالدة في موقف محرج لا يمكن التهاون بشأنه: =عايزة تدخلي الحمام كنتي عرفينا، إنما انتي سارحة مع نفسك! أزاحتهم أم الديب من طريقها بقوة، وأطلقت صرخة مدوية في وجوههم، مستعرضة عاطفتها الساخطة بشكل مهين أمام العمال الذين كانوا يتابعون الموقف بصمت. في تلك اللحظة، كانت جلبة صوتها تعكس اندفاعًا، وكأنها تعبر عن امتعاضها بوضوح: _وسعوا من وشي، آني على أخري! ثم خرجت أم الديب إلى الخارج، وجلال يتبعها كظلها، يحرص على عدم مغادرتها دون متابعة، بينما بقي أحمد في مكانه يعاني من كتلة خجل ثقيلة تجثم على صدره، تمنعه من التحدث بحرية، ومع ذلك، حاول أن ينطق بكلمات متلعثمة أمام الرجال، معبرًا عن اعتذاره، وحرصه على تصحيح الموقف: =معلش أنا أسف! تلفظ الرجل: _ولا يهمك. ثم خرج ليتبع أم الديب، وجلال. في حين تجول المعلم حنفي بنظراته في أرجاء القاعة الفاخرة، مشدوهًا بجمال تصميمها، وتفاصيلها الراقية، وهو يتخيل شكل ليلة الحفلة التي كانت تلوح في الأفق كفجر جديد، يتخيل الأجواء المليئة بالاحتفالات التي ستأتي لتخفف عنهم آلام السنوات الماضية، وتزيل الاضطرابات النفسية التي عانوها طويلًا، ونطق بذهول: =لا حلوة القاعة دي، احنا ناخدها. سأل حسين مدير القاعة بفضول واضح، معبرًا عن اهتمامه بتفاصيل الحفل الذي يستعدون له: _دي تكفي كام فرد يا حاج؟ أجاب مدير القاعة بوضوح: =حوالي متين فرد. قال حسين بإعجاب، وقد بدت على وجهه إشارات الدهشة من تفاصيل القاعة، وتحضيراتها، تعبيرًا عن رضاه الكامل عن مدى التنظيم، والجمال الذي يميز المكان: _بس حلوة. سأل زياد باهتمام: =في أوبن بوفية؟ أجاب مدير الفرع بكل تأكيد، وثقة، عاكسًا اطمئنانه تجاه جودة العمل الذي قاموا به: _أه طبعًا، حضراتكم بتحددوا عايزين البوفية يكون عبارة عن ايه، وبنحدد الميزانية، ونشوف. تلفظ حسين، وهو يشعر بفضول، ورغبة في الاطمئنان إلى تفاصيل الطعام الذي سيُقدّم للحاضرين يوم الخطبة، بنبرة مليئة بالاهتمام: =وأنتوا عايزين الأكل يكون ايه؟ قال زياد بتفكير، وهو يحك إصبعه برفق على رأسه في حركة تعكس تأمله العميق: _ايه رأيك يا بابا نخليه حاجات خفيفة؟ ساندوتشات وكده؟ ده غير الجاتوة، والعصير طبعًا. رد حسين بموافقة سريعة، معبرًا عن استعداده الكامل لتنفيذ أي طلب يتعلق بحفل ابنه الوحيد دون تأخير أو تردد. بدا عليه الإصرار على تلبية كل رغبات ابنه بأسرع وقت ممكن، مؤكدًا التزامه التام بجعل كل التفاصيل تسير بسلاسة، ووفقًا لتوقعاته: =وماله يا زياد يابني. تحدث مدير القاعة بتبجيل، معبرًا عن احترامه الكامل لطلبات حسين، وسعيه لتلبية كل التفاصيل بامتياز: _طب اتفضلوا معايا في المكتب. دخل الجميع إلى المكتب وجلسوا على المقاعد المريحة، حيث بدا الجميع في انتظار بدء المناقشة. نطق مدير القاعة، وقد بدا عليه الهدوء، والثقة وهو يستعد لتوضيح تفاصيل إضافية: =كام فرد هيحضر؟ بدأ المعلم حنفي في حساب عدد أفراد العائلة، وكأنه يسترجع معلومة قديمة من بئر عتيق في ذاكرته، حيث بدا على وجهه اهتمام بالغ، ثم قال بنبرة تأملية: _احنا بالصلاة على النبي قول من ناحيتي ١٣ فرد، وآني، وعيالي، ومراتاتهم، والولية اللي ربنا يقصف عمرها، والعيال الصغيرة، وقول قرايبها بتاع خمستاشر واحد كمان، وعم سلامة، واللي معاه قول كده يبقوا تلاتة، ونسايب نعمة يبقوا أربعة، وست بسملة، وعيالها قول أربعة، خمسة. في الحدود دي كده. سأله حسين بفضول: =وقرايبنا يا حنفي؟ كان المعلم حنفي يضع آلة حاسبة افتراضية في رأسه، بينما كان يعد على أصابعه الأقارب المتبقية الذين من الممكن أن يحضروا خطبة هايدي، وباهتمام بالغ، قال: _أه وقرايبنا قول بتاع ١٢ فرد، والجيران هنعزم منهم عشرة. قال حسين بتفكير: =عدهم معايا يا حنفي! ظلوا على هذا الحال في حالة حساب عميقة، كل منهم غارق في حساباته الخاصة، ومراجعة التفاصيل الدقيقة، حيث كان الصمت يتخلله صوت خفيف من الآلة الحاسبة، واهتزازات الأصابع المتنقلة بين الأرقام. ثم نطق حسين، وقد ظهر عليه التركيز: _يبقى كده اتنين وستين فرد، ده كده هيتبقى وزيادة يا حنفي! تلفظ المعلم حنفي بحصافة: =لا ماهو ممكن ناس تانية تيجي! سأل زياد عن عدد الأطعمة التي ستكون متوفرة خلال الحفل، حيث كان يتطلع إلى تفاصيل دقيقة لضمان تلبية احتياجات جميع الضيوف: _طب وبالنسبة للأكل؟ أجاب أحمد بفراسة، معبرًا عن فهمه العميق، وتقديره لتفاصيل الحفل: =احنا ان شاء الله هنعمل حاجات بسيطة، كل واحد له أربع ساندوتشات واثنين جاتوه، وكوباية عصير يعني حوالي متين تمانية وأربعين ساندوتش، ومية أربعة وعشريم قطعة جاتوه، واتنين وستين كوباية عصير. كان زياد يخشى أن تكون كمية الطعام قليلة في حال حضور عدد من الأقارب يتجاوز ما تم حسابه مسبقًا، مما قد يتسبب في نقص الغذاء، ويؤثر سلبًا على تجربة الضيوف. فبناءً على هذه المخاوف، أبدى رؤيته المستقبلية بوضوح، قائلًا: _بس أنتوا مينفعش تجيبوا على القد، يفرض ناس تانية جات! قال حسين لمدير القاعة، وهو يعبر عن اهتمامه الكبير بتفاصيل التحضير: =خلاص يا حاج اكتب عندك متين وسبعين ساندوتش، ومية وخمسين حتة جاتوه، وتمانين كوباية عصير. بدأ مدير القاعة في تدوين ما يقوله والد العريس بتركيز عارم، وهو يدوّن الملاحظات بدقة على الورقة، مستعينًا بالقلم الذي كان يتنقل بسلاسة بين الأسطر. كل كلمة ينطق بها حسين كانت تُسجل بحرص. بعد أن انتهى من تدوين كل النقاط بدقة متناهية، رفع نظره إليهم، ليبحث في وجوههم عن أي إشارات إضافية أو تعليقات قد تكون ضرورية، استعدادًا لمواصلة النقاش، وقال: _تمام، بالنسبة للفقرات بقى؟ لكن أم الديب خرجت من المرحاض، ووجدت نفسها في حالة من الضياع، كمن تاه وسط مولد فسيح، محاطًا بصخب الحياة، والضجيج، دون أن تجد أثرًا لأي من أفراد أسرتها. كانت محاطة بهالة من القلق، حيث تنقلت بين الأروقة بتردد، تفتش عن أي وجه مألوف في كل زاوية، وكل ركن، وفي خضم هذا البحث المحموم، صادفها أحد الرجال الذي كان عابرًا في طريقه، يحمل بيده ورقة كعلامة على استمراره في عمله، فسألته أم الديب بتردد، معبرة عن مشاعرها الحائرة: =بقولك ياخويا، مشوفتش شوية رجالة معديين من هناهو؟ نطق الرجل بوقاحة: _ما المكان فيه رجالة رايحين جايين، أنا ايه عرفني؟ لم تنل طريقة هذا الرجل المتعجرف إعجاب أم الديب، فارتفعت نبرة صوتها بشكل ملحوظ، لتعبّر عن استيائها بشكل صارخ: =ومالك بتتكلم كدهو ليه ياخويا؟ ما ترد عدل، مالك طالع فيها كدهو ليه؟ رد الرجل باشمئزاز، حيث كان نظراته تنبض بالاحتقار، معبرة عن استيائه الجسيم من تصرف أم الديب: _انتي عبيطة ولا ايه؟ ايه الاشكال دي؟ تركها الرجل وخرج من الفندق دون أدنى احترام، وكأنه يرمى خلفه بظلال الازدراء، تاركًا وراءه موجة من الكمد. في تلك اللحظة، ارتفعت صيحات أم الديب بشكل ملحوظ، معبرة عن رغبتها في إرسال رسالتها بوضوح إليه، وهي تسبه بألفاظها الدميمة: =يلا يابن الـ*** انت واللي جابوك في ساعة واحدة، ايه الناس المقرفة دهي؟ ماله ياختي طالع فيها كدهو ليه؟ ظلت أم الديب سائرة مع ذاتها، وهي تذم الرجل بأبشع الألفاظ، متأملة في الإهانة التي تعرضت لها، حيث وجدت نفسها فجأة داخل مطبخ ضخم، يكتظ بأكبر الطهاة الذين كانوا منهمكين في إعداد وصفات مبتكرة. كان كل طاهٍ منهم غارقًا في عمله، يقدّم لمسات فنية لمكوناته، محاطًا برائحة التوابل، والأطعمة التي ملأت الأجواء بعبقها المميز. بينما كانت أم الديب تتجول بذهول، فاجأتها كمية الحلويات المتنوعة، والجميلة التي تزين المنضدة، مما جعلها تعبر عن دهشتها من هذا الكم الهائل من الأطعمة التي بدت كتحفة فنية من الحلويات، فتحدثت: _ايه كل دهو؟ بقى كل دهي ساندوتشات وحلويات؟ اقتربت أم الديب من الطاهي، فقال لها بنبرة محترمة لكنها متعجبة، تعكس اندهاشه من وجودها هنا: =حضرتك مين؟ وايه اللي دخلك هنا؟ بدلًا من أن ترد أم الديب بشكل مهذب، جلجل صوتها الغليظ في أرجاء المطبخ، حاملًا في طياته نبرة متسلطة. لم يستطع الرجل تجاهل هذا الصراخ المزعج، فتغيرت ملامح وجهه على الفور، وهي تصدح قائلة: _وانت مالك؟ ما أدخل مكان ما أدخل، انت ايه حشرك؟ قال الطاهي بهدوء: =يا أستاذة مينفعش، اتفضلي برا ده مكان شغل! تفوهت أم الديب بعجيج، وعيناها متوجهتان إلى الخبز الشهي، الذي كانت رائحته تفوح بعبق الطهي الممتاز، وكأنها لم تعد ترغب في المغادرة حتى تحصل على نصيبها منه. كانت نظراتها تتأمل الخبز وكأنها تبحث عن تعويض عن الإهانة التي تعرضت لها، محاطة بهالة من التوق: _آني مش خارجة من هناهو غير لما تديني رغيف من اللي قدامك دهون! نظر إليها الطاهي بنظرة ملؤها الاستياء، وكأن كل تفصيل من تفاصيل وجهه يعكس مدى عدم رضاه عن وجودها، ثم قدم لها ساندويتشًا، آملًا أن يكون هذا التصرف كفيلًا بإرسالها بعيدًا، والتخلص من إزعاجها، وعندما استلمت أم الديب الساندويتش بين يديها، بدأت تتناول الطعام ببطء، حيث نطقت بتعبير من اللذة: _دِه حلو أوي هما حاشيينه ايه؟ دي شكلها كفتة طب والنعمة طِعمه بشكل. خرج جلال، والمعلم حنفي، وأخاه، وأحمد من مكتب مدير القاعة، وكأن كل منهما يحمل في طياته ثقل هموم غير مرئية. فقد ظهروا كخارجين من عالم مغلق بعد حديث طويل، حيث بدت تعابير وجههما مرهقة، وملامحهما تعكس تأثير الجلسة التي مروا بها. استدار جلال نحوها، وبلغة تجمع القلق، نطق: =انتي كل ده في الحمام ياما؟ ردت أم الديب، وهي تنغمس بعمق في عذوبة الخبز المحشو بكفتة مشوية، وهي تستمتع بكل قضمة، وكأنها رحلة ذوقية ساحرة. كانت تشعر بكلماتها تتدفق ببطء، بينما كانت نكهات الكفتة المشوية، التي تنصهر بسلاسة مع ملمس الخبز الطري، تثير إحساسًا بالرضا الكامل: _لا يا ولا آني خرجت لقيتلك المطبخ قدامي، روحت داخلة فالراجل اداني الشاندوتش دهو. أكد المعلم حنفي الموعد مع مدير القاعة، وهو يتحدث بنبرة تحمل في طياتها قدرًا من الرسمية التي تليق بأهمية الأمر: =خلاص يبقى بإذن الله الخطوبة السبت الجاي. رد مدير القاعة باحترام تام، متوجًا كلماته بابتسامة مشرقة تنم عن مدى تقديره للمعلم حنفي: _ان شاء الله، نورتونا يا حاج حنفي. قال المعلم حنفي بحبور: =الله يخليك. تحدث مدير القاعة بابتسامة: _أستأذنكم. رد حسين بتبجيل واضح، حيث كان صوته يحمل بين طياته مزيجًا من الاحترام العميق، والتقدير الصادق: =اتفضل. غادر المدير المكان بوقار، متجهًا إلى مكتبه، حيث كان كل خطوة يخطوها تعبر عن هالة من الاحترام التي لطالما اتسم بها، وفي هذه الأثناء، نظر المعلم حنفي إلى خلفه بإعجاب من شخصية المدير الموقرة، التي كانت تجسد الأناقة في كل تفاصيلها، ومن ثم، رفع صوته ليقول: _لا الراجل محترم، والحوار مطولش، آني كنت فاكر إننا هنقعد نتفق ساعتين تلاتة وآني مليش خلق للكلام ده. تفوه حسين باستعجال: =لا الموضوع مبيطولش، يلا بقى عاوزين حاجة؟ عانق أحمد عمه بدفء، معبرًا عن مشاعره، وصدق علاقتهما الأسرية. كان عناق أحمد يفيض بالمحبة، وبعد أن انفصل عن عمه، نطق أحمد بكلمات محسنة: _لا يا عمي سلامتك. رد حسين بإعزاز، مستجيبًا للعناق بكل حفاوة، كأنما يعبر هذا العناق عن روابط متينة بينه، وبين أحمد: =مع السلامة. صافح جلال عمه بيدين متقنَتين، حيث كانت المصافحة تصف مدى الاحترام الذي يكنه له. كانت حركة يديه مليئة بالتقدير. تلفظ جلال بوداع نابع من القلب: _سلام يا عمي حسين. عانق زياد عمه حنفي بكل حرارة، وكل لحظة من العناق تعبر عن إحساس قوي بالود، وعندما انفصل زياد قليلًا عن عمه، نظر إليه بعينين مليئتين بالتقدير، وتلفظ بكلمات تفيض بالحب: =سلام يا عمي. صافح الجميع بعضهم البعض بحرارة، وكانت المصافحة تعبر عن وداع مؤثر. حيث جلال، والمعلم حنفي، وأحمد، عادوا إلى مكانهم، بينما حسين، وابنه زياد استقلوا بسيارة التاكسي، وغادرا المكان بسرعة ملحوظة، كانت علامات العجلة على وجه أحمد، فنطق بكلمات تحمل في طياتها إحساسًا بالاستعجال، والضرورة، وهو ينظر إلى ساعته بين الحين والآخر، كأن الوقت يضغط عليه: _طيب يلا عايزين حاجة؟ كان المعلم حنفي يتمنى بصدق أن يعود أحمد معهم ليشاركهم وجبة العشاء، حيث كانت فكرة الجلوس سويًا حول مائدة الطعام تعني له الكثير، كفرصة لتجديد الروابط الأسرية، وبكل حفاوة، نطق المعلم حنفي: =ما ترجع معانا نتعشا سوا! رد أحمد بابتسامة: _لا جميلة والبنات مستنيني في البيت، أشوفكم يوم الخطوبة ان شاء الله... سلام يا ماما، سلام يا هايدي! أشارت هايدي لأخيها من نافذة السيارة، وهي تودعه بابتسامة دافئة، وكل حركة من حركات يدها كانت تعبر عن مشاعرها الصادقة، وهي تتابع نظراته عبر النافذة، فتلفظت بود: =سلام! ثم ركب أحمد سيارته، وابتعد عن المكان متجهًا نحو أحضان زوجته، وفتياته الصغيرات في أوقات من السكينة التي كان يتوق إليها بعد يوم مليء بالتحديات. في ذات الوقت، صعد المعلم حنفي، وجلال، وأم الديب إلى سيارتهم، التي كانت وسيلتهم للعودة إلى منزلهم بعد يوم شاق، وبينما كانت السيارة تسير، كانت ليالي، التي ظلت تفكر في مجريات اليوم، تتساءل بفضول، محاولة فهم تفاصيل اليوم: _عملتوا ايه يا جلال؟ رفع جلال يده على تارة السائق، وهو يعبر عن شعوره بالإرهاق بعد يوم طويل مليء بالأحداث. كان تعبير وجهه يعكس مدى التعب الذي ألمّ به، بينما كانت كلماته، التي نطق بها بلهجة متعبة، تحمل في طياتها إشارات من الاستسلام: =اتفقنا وخلصنا، وكله تمام، يلا نطلع بقى. نطق المعلم حنفي بإرهاق: _توكلنا على الله. تعجبت نعمة من تصرف أم الديب، التي تناولت الخبز أمامهم دون أن تصر على مشاركته معهم، وكأن طغيان الشح قد تسلل إليها في تلك اللحظة، مما جعلها تفضل ذاتها بكل أنانية على حساب الآخرين، وهي تراقب هذا المشهد بذهول، نطقت بعبارات تنم عن استغرابها من تصرف أم الديب: =انتي جيبتي الساندوتش ده منين ياما؟ أجابت أم الديب بنبرة مكتومة، والطعام يحتجز في حلقها: _وانتي مالك يا بت؟ خليكي في حالك! ردت نعمه بخور: =طيب. بعدما غادروا، ووصلوا القرية بعد ساعات حيث صعد كل منهم إلى شقته. دخلت هايدي إلى غرفتها، وأخذت هاتفها لتتحدث مع زياد، متفقدة حاله ومطمئنةً إذا ما كان قد وصل إلى منزله بأمان. خلال المحادثة، وبينما كان حديثهما يتنقل بين مواضيع متنوعة، لم تستطع هايدي إلا أن تعبر عن فضولها حول شأن موعد الخطبة، قائلة بلهجة تجمع بين الاهتمام، والتوقع: _اتفقتوا على ايه؟ دخل زياد المنزل بخطواته الثقيلة وكأنه يحمل على عاتقه عبء يوم طويل، وفتح باب منزله بهدوء، ليجد أن والده قد سبقه إلى الداخل وانعزل في المرحاض. دون أن ينبس بكلمة، اتجه زياد إلى الأريكة القريبة التي كانت تناديه بأحضانها المريحة. جلس هناك، وقد أرهقه التعب حتى تجلى ذلك في ملامحه الشاحبة، وعينيه المتعبة. بعد أن استقر في مكانه، تنهد بعمق، وقال: =ان شاء الله الخطوبة السبت الجاي. وجدت هايدي نفسها محاطة بموجة من الارتباك عندما أدركت أن الحفل الذي كانت تنتظره قد حلّ بسرعة لم تكن تتوقعها، وكأن الزمن قد طوى أيامه على عجل، تاركًا إياها في مواجهة اللحظة دون أن تكون قد أعدت أي شيء. لم تكن قد اختارت الفستان المناسب، ولم تستقر على خبيرة تجميل تثق بها لتضفي عليها تلك اللمسة الخاصة في هذا الحدث المهم. وسط هذا الاضطراب، تجمدت في مكانها للحظة، وارتسمت على ملامحها الدهشة، وقالت: _معقول؟ يعني كمان تلات أيام؟ وأنا هلحق أجيب الفستان، وأحجز الميك أب ارتيست؟ أجاب زياد، وقد بدا التعب وكأنه قد سكن كل جزء من جسده، استجمع ما تبقى لديه من طاقة ليجيب. بصوت خافت مثقل بالإرهاق: =لا ماهو بكرا ان شاء الله هعدي عليكي ونروح نحجز الفستان، والبدلة، والكوافير. قالت هايدي بإحباط: _مع إن المفروض يكون قبلها على الأقل شهر بس مش مهم، المهم إنها تعدي على خير. في الخارج، وتحديدًا في الصالة ذات الإضاءة الخافتة، كانت أم الديب جالسة على الأريكة، وقد بدا عليها التعب، حيث كانت تتألم بصمت بسبب الجوع الذي نال منها. بينما كانت أم الديب تكابد جوعها، دخل المعلم حنفي إلى الصالة، ليجدها في تلك الحالة المؤلمة. وقف هناك للحظة، مشدوهًا، وقد اجتاحه شعور بالذهول لم يكن يستطيع إخفاءه، وهو يتلفظ: =مالك يا ولية بتتوجعي ليه؟ قد أرهق أم الديب الجوع، وعصف بجسدها الواهن، رفعت يدها بتثاقل ووضعتها على بطنها التي كانت تئن من شدة الألم، وقالت: _جعانة أوي ياخويا، بطني بتاكلني! وقف المعلم حنفي مشدوهًا أمام هذا المشهد الغريب، لم يستطع أن يحبس دهشته عندما استرجع في ذهنه الصورة التي ما زالت حية في ذاكرته؛ صورة أم الديب وهي تتناول من قبل رغيف خبز ضخم، بطول ثلاثة أمتار، كان ممتلئًا بكل ما تجود به الطبيعة من خيرات وفيرة. لقد اعتاد أن يرى فيها شهية مفتوحة أمام كل صنف من الطعام، وقال: =جعانة يا ولية بعد الشاندوتش التلاتة متر اللي طفحتيه؟ قالت أم الديب ببغضاء: _مكنش فيه بركة، كله من قرك عليا، لو مكنتش بصيتلي فيه كان زماني شبعانة لحد دلوقتي. رد المعلم حنفي بسخرية: =وهو انتي بتشبعي؟ ده انتي كل ما تطفحي كل ما بتجوعي أكتر من الأول... آني داخل أتخمد! تلفظت أم الديب، وقد بلغ منها الألم مبلغه، وأطلقت صوتًا مشوبًا بالعجيج: _خُش ياللي يجيلك خشونة في مفاصلك. ثم واصلت بنواح: _آه يآني آه، مالك يا أم الديب بقيتي تجوعي كدهو ليه؟ عاد أحمد إلى المنزل بعد يوم طويل، وبدت عليه علامات الإرهاق التي كان يحاول إخفاءها. عندما دخل، رأى زوجته جميلة جالسة بكل هدوء إلى جانب سيليا أمام التلفاز، يستمتعان بلحظات من الراحة، وهما يتناولان الفشار بالكراميل اللذيذ، والمقرمشات المملحة التي كانت تزيد من بهجة تلك الجلسة. على مقربة منهما، كانت أسيل الصغيرة تجلس في مشاية الأطفال، تحاول بشغف تعلم الحبو، حيث كانت تتحرك بحماس، وتكتشف عالمها الصغير. حينما وقع نظر جميلة على زوجها العائد، لم تستطع أن تمنع نفسها من ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها، مليئة بالدفء الذي لطالما جمعهما. في تلك اللحظة نطقت بكلمات حالمة مشبعة بالغرام: =حمدالله على السلامة يا حبيبي. رد أحمد، وقد شعر بأن كل ما مر به من تعب قد تبدد بمجرد أن رأى ابتسامة جميلة، بادلها نظرات مفعمة بالحب. تلك النظرات التي لم تكن مجرد تعبير عابر، بل كانت رسالة صامتة تحكي عن ارتباطه بها. بعد لحظة من التأمل في ملامحها المشرقة، اتجه أحمد نحو الأريكة التي بدت وكأنها تدعوه للراحة. جلس هناك، محاولًا التقاط أنفاسه التي كانت مُتسارعة بفعل الإرهاق الذي رافقه طوال اليوم. استرخى قليلًا، وترك جسده يغوص في الأريكة الناعمة: _الله يسلمك يا جميلة. هرولت سيليا نحوه، وقالت باشتياق: =بابي! قال أحمد، الذي كان يفيض قلبه بالحنان، بعدما مدّ ذراعيه ليعانق طفلته الصغيرة برفق، محاولًا أن يعوضها عن كل لحظة غاب فيها. رفعها بين ذراعيه برقة، لتجلس ببراءة على ساقيه، حيث بدأت تدور في أحضانه بفرح. بينما كانت سيليا تتعلق برأسه بيديها الصغيرتين، تملأ تلك اللحظة دفئًا، أخذ أحمد ينظر إليها بعينين مليئتين بالحب: _عاملة ايه يا سيليا؟ أجابت سيليا بفرح: =الحمدلله، مش أسيل بتتعلم المشي! ضحكت جميلة، التي كانت تتبع المشهد بابتسامة دافئة على شفتيها، انفجرت ضاحكة بحماس عندما رأت تفاعل أحمد مع ابنتهما: _أنا مستغربة جدًا خصوصًا إن عمرها لسه تمن شهور! قال أحمد، وقد انتابه شعور بالدهشة حينما نظر إلى ابنته الصغيرة التي لم تتجاوز ثمانية أشهر من عمرها وهي تحاول بثقة تعلم المشي، وكأنها تتحدى حدود الزمن بعزيمتها. كانت أسيل، بفضل حركتها المستقلة، وتوازنها غير العادي، تثير في نفسه شعورًا عميقًا بالدهشة، وهو ينظر إليها، ليعبر عن مدى تأثره من سرعة تقدم طفلته وتعلمها: =طب فرحتوني والله، علشان تلعب مع سيليا بدل ماهي مش لاقية حد يلعب معاها. تلفظت سيليا بسرور: _أيوه سيليا أول ما تمشي هاخدها معايا المدرسة، هو ينفع يا مامي؟ تحدثت جميلة، التي كانت تتناول الفشار بالكراميل بشغف، ولاحظت تأمل أحمد في طفلتهما المتعلمة على المشي. مع كل قضمة من الفشار المقرمش، ارتسمت على وجهها ملامح الحبور: =لا طبعًا يا سيليا، لازم تكبر وتبقى قدك وبعدين تروح. فقدت سيليا الأمل في رؤية أختها الصغيرة ترافقها إلى الحضانة، كما يفعل بقية زملائها الذين يأتون إلى المدرسة مصطحبين معهم أخواتهم الأصغر سنًا. هذا الإحساس بالفقدان ألجأها إلى حالة من الحزن، حيث كان من الصعب عليها تقبل فكرة عدم تمكنها من مشاركة هذه اللحظات المميزة مع أختها الصغيرة، فقالت بيأس: _يا خسارة يا مامي، أنا صاحبتي بتروح مع أختها الصغيرة! ردت جميلة بحنان: =معلش يا حبيبتي بكرا تكبر وتروح معاكي. قالت سيليا، وهي تتحدث بصوت رقيق يفيض بالرقة: _ماشي عانقت جميلة سيليا، ثم تحدثت بفضول: =صحيح عملتوا ايه في خطوبة هايدي؟ أجاب أحمد، وهو يهمّ بفك أزرار قميصه الواحد تلو الآخر ببطء، وكأنه يحاول التخفيف من ثقل اليوم الذي مرّ به: _روحنا وجيبنا الشبكة، بصراحة زياد محترم وابن حلال، وأنا مآمن على هايدي وهي معاه... ماما ونعمة سألوا عليكي صحيح كان نفسهم أنك تيجي! تفوهت جميلة، التي كانت ترفض النزول من مكانتها العالية رغم جميع الظروف المحيطة، أظهرت بوضوح أنها لن تتنازل عن كبريائها، وتنحدر إلى مستوى التواضع لمشاركة عائلة أحمد في تلك اللحظة الخاصة لاختيار الشبكة من المتجر. كانت تجسد بفخر استمراريتها في كونها ابنة الأثرياء، معتبرةً أن قيمتها لن تتأثر بأي شكل من الأشكال: =مانت عارف أنا مليش في الجو ده، هروح أعمل ايه؟ خلينا في الخطوبة أحسن. كان أحمد مدركًا تمامًا لموقف جميلة، ومكانتها الاجتماعية التي ترفض التنازل عنها مهما كانت الظروف. بفضل فهمه العميق لطبيعتها، وتقديره لعزتها، قرر أن يتعامل مع الموقف بحكمة. لذا قال: _مانا قولتلهم أنك مش هينفع تيجي، بس خلاص الخطوبة كمان كام يوم. ردت جميلة بفضول: =بجد؟ امتى؟ أجاب أحمد، وهو يتنهد بعمق، محاول أن يخفف عن كاهله عبء الموقف: _السبت الجاي، خلاص هانت أوي. ابتسمت جميلة برقة، وقالت بدلال: =ربنا يتمملها على خير بجد. رد أحمد بتمني: _يارب. في اليوم التالي، توجه زياد إلى منزل أم الديب، عازمًا على اصطحاب هايدي للذهاب لشراء الفستان والبدلة. طوال الطريق، كانت أفكاره تتصارع بشكل مضطرب، حيث كان يعاني من القلق بشأن احتمالية رفض والدتها المتسلطة لأي خطوة قد يتخذها. تلك الأفكار التي ملأت ذهنه بالقلق، جعلته مشغول البال، وغير مرتاح. عندما وصل أخيرًا إلى المنزل، لم يكن يحتاج إلى الكثير من الوقت ليتأكد من صحة بصيرته. فقد تأكد من إحساسه عند سماعه كلمات أم الديب، التي نطقتها بتعبيرات حادة: =بتي مش هتروح معاك في حتة! ردت هايدي بانفعال: _هو ايه ده يا ماما؟ أمال أنا هجيب الفستان ازاي؟ ولا هلبس شِكارة يوم خطوبتي؟ مانا مش فاهمة! تفوهت أم الديب، وقد استشعرت بوضوح التوتر الذي يحيط بالموقف، وأطلقت صوتًا مشوبًا بالعجيج: =الشِكارة دهي آني هلبسهالك في دماغك لو محترمتيش نفسك انتي وابن عمك! اتعدلوا كدهو مش ناقصين مُحن يا بت! قال زياد بذهول: _هو فين المحن ده يا مرات عمي بس؟ هو أنا بقولك هاخدها ونروح نقعد قاعدة رومانسية وسط الشموع؟ أنا كل اللي بقولهولك هاخدها علشان نجيب الفستان ونجهز حاجة الخطوبة! تفوهت أم الديب بسخرية: =وانت مالك ومال الفستان اللي ياكش يولع على دماغك؟ هو انت اللي هتلبسه ولا هي؟ تلفظت هايدي بصياح: _يوه، أنا زهقت دي مابقتش عيشة! ردت أم الديب بصخب: =اسكتي يا بت بدل ما أقلع اللي في رجلي وعلى دماغك!. يلا خشي جوا اترزعي في أوضتك مش ناقصين كلام فارغ. نزلت نعمة، برفقة ابنها، في صباح هادئ كي يتجها إلى السوق، حيث كان هدفهما شراء الفاكهة، والخضروات الطازجة، وما إن لمحَت هايدي ظهور نعمة، حتى تجسدت في عينيها إشراقة الأمل المشرقة، فاندفعت نحوها بخطى سريعة، ملتمسةً الإغاثة من رحيق حضورها، وصرخت بصوتٍ مفعم بالاستغاثة: _الحقيني يا نعمة، ماما مش عايزة تسيبني أروح أنا وزياد نجيب الفستان، والبدلة والوقت بيضيع! تدخلت نعمة في المشكلة، وقالت بدهشة: =في ايه ياما؟ ماتسيبيهم، مزعلة نفسك ليه؟ هما خارجين يتفسحوا في الجنينة؟ دول رايحين يشتروا حاجتهم! أجابت أم الديب، التي كانت تخشى بعمق على ابنتها من أن يلحق بها الأذى، نظرت إلى زياد بعينين مملوءتين بالتوجس. في اعتقادها، كان زياد يبدو كذئب شرس، لا يتصف بالصفات الطيبة التي يفضلها الإنسان ذو الأصل النبيل: _يخرجوا لواحدهم ليه يا بت؟ ويفرض عمل فيها مصيبة أودي وشي من الناس فين؟ يا خرابي راسك هتتحط في الطين يا أم الديب، والعدوين هيشمتوا فيكي. ردت هايدي، التي جمعت مشاعر الاستفهام في قلبها، لم تستطع أن تستوعب حجم الاتهامات التي وجهت إليهم دون وجود مبرر واضح. شعرت بأن تلك الاتهامات كانت تفتقر إلى أي أساس منطقي: =انتي بتصوتي على ايه؟ هو في حاجه حصلت أصلًا؟ زياد محترم ولا يمكن يعمل كده أبدًا! قال زياد بانزعاج: _قوليلها، مانا مش فاهم انتي شايفاني قدامك ايه بس. تفوهت نعمة بإلحاح: =استهدي بالله ياما، وسيبيهم ده خلاص الخطوبة فاضل عليها يومين متضيعيش عليهم الوقت! أجابت أم الديب بعناد صارم، وقد غلفت كلماتها بعزيمة لا تقبل الجدل، رافضةً بشدة أن تستمع إلى أي حديث، أو اعتراض من جانبهم: _ما يضيع ولا يولع، آني مالي؟ آني بحافظ على بتي من كلاب السكك اللي هينهشوا في لحمها. تلفظ زياد بعصبية رغم طبيعته الساكنة: =كلاب السكك اللي هما مين ؟ أجابت أم الديب، وهي توجه كلماتها كسهام جارحة موجهة بدقة، كما لو كانت تتعمد إلى إصابة الهدف بقوة، فتملكها التجريح في حديثها، وكأنها تقصده بعمق: _كل واحد عارف نفسه كويس. اتسعت عينا هايدي بدهشة واضحة، بينما انفجرت مشاعرها بصخب، إذ راحت تعبر عن استنكارها بصوتٍ عالٍ: =يا ماما مينفعش اللي انتي بتقوليه ده! احنا الاتنين محترمين ولا يمكن نعمل أي حاجة من اللي بتقوليها! أوصت أم الديب نعمة بالاعتناء بهايدي، مشفقةً عليها من خطرٍ يهددها، إذ كانت تخشى أن يسلب زياد روحها، ويصيبها بأذى، وصرحت بقلقٍ واضح، قائلة: _ تروحي انتي وأختك، وانتي يا بت عينك متنزلش من عليهم، فاهمة ولا لا؟ ردت نعمة بترقب: =حاضر ياما. ذهبت نعمة برفقة هايدي، وزياد لاقتناء الفستان، بينما كانت ملامح السخط بادية على وجوههم جميعًا، وكانوا يخطون خطواتهم في شوارع القرية الضيقة، كان زياد يتحدث بامتعاض، معبرًا عن استيائه في كل كلمة ينطق بها: _بصراحة أنا متوقعتش أنها هتطلع بالصعوبة دي، أنا كنت فاكرها سهلة عن كده. كأن حديث زياد كان يلامس جروح هايدي العميقة، حيث شعرت أن كلماته كانت تشير إلى أنها ستُترك وشأنها كما توقعت، ففجأة ودون أي تحذير، توقفت عن السير، وانهمرت دموعها على وجنتيها بينما راحت تنوح في انكسار، وتقول بصوتٍ مرتجف، ومفعم بالخوف: =هتسيبني صح؟ أنا كنت عارفة إن ده هيحصل من الأول، أقفى يا نعمة، أنا مش قادرة! وبدأت أن تنهار من البكاء، فقال زياد لها بعشق: _مستحيل أسيبك يا هايدي، ولو على جثتي مش هيحصل! أنا هستحمل أي حاجة علشانك، ومش هفرط فيكي! من الطبيعي أن يعبر كل إنسان عن ألمه بوسيلة سردية، إذ يخرج ما يعتمل في نفسه من خلال الكلمات. ومن هذا المنطلق، قالت نعمة برصانة: =متعيطيش يا هايدي، هو كان قالك هيسيبك؟ هو بس بيقول اللي في قلبه، والصراحة عنده حق أنا أمي دي متتعاشرش، سامحني يارب ماهي دي الحقيقة! تفوهت هايدي بصوتٍ مفعم بالانتحاب، غير قادرة على السيطرة على دموعها التي كانت تتساقط بغزارة، مما جعلها عاجزة عن ملاحقتها: _لا لا هيسيبني أنا كنت عارفة... احنا لسه فيها يا زياد، خد دهبك وكل واحد يروح لحاله! قال زياد بطمأنينة، وهو يسعى جاهدًا لتهدئة مخاوفها، ويبث الأمان في روحها المرتجفة، ليمنحها شعورًا بالسكينة: =مستحيل أسيبك يا هايدي، هو لعب عيال ولا ايه؟ مانا عارف إن مرات عمي صعبة، ورغم كده جيت، وأنا مش هرتاح ولا يهدالي بال غير لما نكون مع بعض! ردت هايدي بانتحاب حاد يجذب الأنظار، إذ كان صوتها يعلو، ويغمر المكان بمشاعر الاستياء المكثفة، مما جعل الجميع يلتفتون إليها بقلق: _مش قادرة أصدق إن كل ده ممكن يحصل. تنهدت نعمة، وقالت لأختها بضيق: =يا هايدي مش هيسيبك!. انتي مصممة أنه هيسيبك بالعافية وخلاص؟ يا بت متنكديش على نفسك، وافرحي ده انتي عروسة! لم يكن زياد قادرًا على تحمل رؤية دموعها، نظرًا لعمق تعلقه بها، فقال لها بصبابة: _أرجوكي يا هايدي متعيطيش، مش هستحمل أشوف دموعك، انتي غالية عليا أوي! هدأت هايدي قليلًا بعد حديثه لها، ومسحت دموعها ببطء، ثم قالت بنبرة خالية من الانفعالات: =ماشي يا زياد، أوعدني أنك مش هتسيبني مهما حصل! ابتسم زياد، ووعدها بأن حبه لها يفوق كل ما يمكن أن تتخيله، ثم وصف لها جميع مشاعره، وأشواقه، قائلًا بكل صدق: _أوعدك يا هايدي إن لو الدنيا كلها حاولت تفرق بينا مش هتعرف! ضحكت نعمة، كما لو كانت تشاهد مشهدًا من فيلم رومانسي، غير قادرة على تصديق الأجواء المحبة التي يعيشها زياد، وهايدي، وقالت: =طب والله حلو، وأنا كيس جوافة في النص... تعالى يا حامد اسمع الكلام الحلو. كأن حامد كالجني الذي يظهر بمجرد الطلب، إذ انبعث صوته فجأة من خلف ظهورهم، محملًا بنبرة مرعبة، قائلًا: _أنا جيت يا نعمة. انفزعت نعمة على الفور، واستدارت نحوه، وقالت برهبة، وهي تضع يدها على قلبها المُرتجف: =بسم الله الرحمن الرحيم، هو أنا بحلم ولا بيتهيئلي؟ يبدو أن حامد جاء مشحونًا بالأسى، وكلماته تتلون بالشجن، وهو يقول باحتدام: _لا مش بتحلمي يا نعمة... بقى سايبة بيتك، وابنك وخارجة تتسرمحي مع أختك وخطيبها؟ قالت نعمة بدهشة: =أتسرمح معاهم؟ هو انت ايه اللي جابك هنا؟ تفوه حامد بنبرة صارمة لا تقبل النقاش، مما أعطى لكلماته ثقلًا وصرامة، وجعلها تُشعر الجميع بأنها تعبر عن حسم نهائي: _النصيب يا نعمة، يلا اتكلي على الله وروحي بيتك! نظرت هايدي إليه بنظرات ملؤها الاستحقار، وقالت بغرور، معبرة عن عدم اكتراثها: =هو في ايه؟ وايه تتسرمحي دي؟ هو احنا خارجين نتفسح؟ نعمة جاية معايا أجيب الفستان! قال حامد بكمد: _وهو الكلام ده ينفع يا نعومي برضة؟ بقى خارجة من غير ما تعرفيني؟ بقى بتضحكي عليا وتقوليلي رايحة السوق؟ حاولت نعمة إثبات صحة قولها لزوجها بكل السبل الممكنة، مستندة إلى كل حجة يمكن أن تقنعه، وبدأت بالكلام بخوف، وهي تبحث عن كلمات تُظهر صدقها: =طب وربنا ما ضحكت عليك، أنا كنت نازلة السوق، وعديت على أمي وبالصدفة كان زياد جاي ياخد هايدي، وأمي راسها وألف سيف ما يروحوا لواحدهم وقالتلي روحي معاهم. سأل حامد بفضول: _الكلام ده بجد؟ أجاب زياد بضيق، مظهرًا قلقه العارم من أن يتسبب تأخرهم في إضاعة الموعد المحدد: =الكلام ده حصل فعلًا، ويلا علشان مفيش وقت. ردت هايدي بانفعال: _سيب نعمة تيجي معانا، وبعدين ابقوا حلوا مشاكلكم دي في البيت، ومتعطلونيش أكتر من كده! تلفظ حامد بكلمات مسالمة، يتسرب منها هدوء، كما لو كانت نسائم رقيقة تحملها ريح خفيفة في ليلة صيفية هادئة: =ماشي أنا هسيبك يا نعمة، بس تخلصي وترجعي على بيتك عدل! ردت نعمة بدهشة: _الله، طب والسوق؟ أطلق حامد كلمات مصحوبة بنظرات حادة، كأنها سهام تنطلق من عينيه لتخترق الصمت المحيط: =اكتبيلي الحاجات في رسالة وأنا هجيبهالك. غمر نعمة شعورٌ براحة لا توصف، أشبه بنسمة عليلة أزاحت سحابة ثقيلة كانت تخيم على سمائها، حينما أخبرها زوجها بأنه سيتولى مسؤولية شراء الطلبات من السوق بدلًا منها، وكأن همومها قد تلاشت فجأة، فسارعت قائلة بتنهيدة ارتياح: _ماشي ياخويا وفرت عليا برضة، ده أنا كنت هتهلك من المشي. رفع حامد يده في الهواء برفق، وأشار إليها بإيماءة سلام تحمل بين طياتها ودًا وسكينة، ثم قال: =سلامو عليكو يا نعومي. وتابع لزياد بتقدير: =سلام يا عديلي. أجابت نعمه بارتياح، يتسلل في كلماتها كما تتسلل أشعة الشمس الدافئة عبر نافذة مفتوحة في صباح ربيعي: _سلام يا حمو. انطلق زياد بسؤال ملؤه الفضول، تتوقد في عينيه رغبة حقيقية في كشف ما قاله حامد: =يعني ايه؟ قالت هايدي بعجيج: _امشوا بقى متضيعوش علينا الوقت! واصلوا سيرهم دون أن تتوقف خطاهم، حتى بلغوا موقف البلدة حيث تنتظرهم المواصلات التي ستحملهم إلى القاهرة. ركبوا السيارة، وكل منهم غارق في أفكاره، وبعد ساعات من السفر، وصلوا أخيرًا إلى متجر الفساتين، ونزلوا من التاكسي، قلوبهم تنبض بتوتر مشوب بالشجاعة، كأنهم يستعدون لمغامرة غير معلومة، وحينما وطئت أقدامهم أرض المتجر، ابتسمت هايدي ابتسامة خافتة، ثم قالت بهدوء: =صباح الخير. تجاوبت البائعة بابتسامة، كلماتها تنساب بلطفٍ، وكأنها تعزف لحنًا هادئًا يضفي على الجو شعورًا بالترحاب: _صباح النور، اتفضلوا. ابتسمت هايدي بلطف لصاحبة المتجر، تعبيرًا عن امتنانها، قبل أن تبدأ هي ورفيقتيها في التجول بين أروقة المتجر، يتأملون الفساتين المعروضة، وكل منهم يبحث بعينيه عن ذلك الفستان الذي يحمل في طياته الجمال، وأثناء تجوالهم، استوقفهم فستان ساحر التصميم، مفتوح من الأعلى، يتلألأ بجاذبية لا تقاوم. شعرت هايدي بإعجاب شديد يشع من عينيها، فنطقت بحماس لا تخفيه: =حلو أوي ده. أبدى زياد رفضًا قاطعًا لأن ترتدي هايدي الفستان المكشوف على هذا النحو، كانت رجولته واضحة بشكل لافت، وكأنها تجسيد لمبادئه الثابتة التي لا تقبل التنازل. لم يكن في قلبه مكان لأي تساهل يخص أن تُعرض خطيبته أمام الأغراب بتلك الطريقة، مهما كان الثمن باهظًا، وكأنه يفضل أن يُدفن حيًّا تحت التراب على أن يرى خطيبته على هذه الصورة، وقد قال: _لا طبعًا يا هايدي، انتي هتلبسي ده؟ كانت هايدي ترى الأمر مقبولًا، ولم تكن تمانع من ارتداء الفستان المكشوف بهذا الشكل. بدت وكأنها تتبنى عقلًا منفتحًا بشكل غير عادي، وقتما تفوهت: =أه عادي، أنا بفكر ملبسش الطرحة يوم الخطوبة. رفضت نعمه الفستان المكشوف بنفس الحسم الذي أبداه زياد، فعبّرت عن اعتراضها بوضوح لا لبس فيه، كأنها تدافع عن مبادئ راسخة، وقد قالت: _يخربيتك يا بت، ده انتي لو زياد وافق، عُمر ما حد فينا هيوافق، هو انتي فاكرة إننا من الناس إياهم؟ قال زياد بهدوء متعمد، جاهدًا إلى عدم جرح مشاعر أي شخص من الحاضرين، على الرغم من أن نيران السخط كانت مشتعلة في داخله. حاول أن يُعبر عن موقفه بطريقة تراعي مشاعر الآخرين: =ومين قالك أصلًا يا نعمة إن أنا هوافق على حاجة زي دي؟ هخلي خطيبتي تلبس لبس عريان وأخلي كل الناس تتفرج عليها؟ ده اللي هو ازاي يعني؟ سحبت نعمه هايدي بعيدًا، إلى مكان هادئ لا يصل إليه همس، حيث تتناغم الكلمات بين الأختين كأنها أسرار لا يجوز أن تُسمع من قبل أي طرف ثالث، وهمست بكلماتها بصوت منخفض: _عفارم عليكي يا بت، خطيبك إنما ايه شكله بيغير عليكي، والله ووقعلك من القفص يا بت المحظوظة. ردت هايدي بعصبية: =اسكتي خالص!. اشمعنا أنا يعني؟ ما كل البنات بيقلعوا الطرحة في الخطوبة والفرح، لا أنا شكلي هفركش الجوازة دي، بلاها خالص. قالت نعمة بصوت خافت: _وطي صوتك، متبقيش خايبة، الواد مفيهوش غلطة، ده بعد اللي قاله اتأكدت أنه بيحبك، أمال يخليكي تقلعي، وتبقي فُرجة لكل الناس يا بت؟ تلفظت هايدي بانفعال: =انتي شايفة كده؟ أجابت نعمه بوضوح، مظهرة في كلماتها شخصيتها الحكيمة، والناضجة: _أمال ايه؟ ده لما يغير عليكي معنى كده إنك فارقاله، لو مغارش يبقى مبيحبكيش ولا انتي في دماغه من الأساس! اقتنعت هايدي بكلمات أختها نعمة، وشعرت بأنها تستوعب وجهة نظرها بشكل كامل. عادت إلى النقاش مع تجدد في فهمها، ثم قالت باقتناع تام: =خلاص أنا هشوف حاجة تانية أحسن. هدأ قلب زياد، وقد زال عنه التوتر الذي كان يعصف به، فارتسمت على وجهه ملامح الرضا. ثم قال بهدوء: _براڨو عليكي يا هايدي. ظلوا يدورون على أقدامهم ساعة كاملة في رحلة بحث شاقة عن فستان الخطبة، برفقة الطفل محمد الذي أروى عطشه بعصير المانجا المنعش. بينما عانت هايدي من التعب الناتج عن كثرة تجربة الفساتين، مما أدى إلى تدمير حجابها، ومكياجها البسيط، دون أن تجد أي فستان ينال إعجابها. في النهاية، اجتاح الإرهاق جسدها، فجلست بتعب واضح، وصرحت بإنهاك: =أوف، أنا تعبت. جلس زياد على الكرسي، وجبينه يتصبب عرقًا على الرغم من وجود المكيف في المتجر. لم يكن لمشاعره أي تأثير على راحة ساقيه، التي أثبتت عجزها عن الوقوف بعد الجهد الطويل. قال، وهو يعبّر عن استنزافه الجسدي: _أنا مابقتش قادر من رجلي. قالت نعمه بتعب واضح، وهي تتشبث بطفلها بحنانٍ: =لا بقولك ايه، أبوس ايدك تشوفي حاجة، أنا سايبة بيتي، واللي ورايا وجاية معاكي. ردت هايدي بإرهاق: _طب أعمل ايه بس؟ أنا مش لاقية حاجة مناسبة! اقترح زياد فكرة جديدة، متجاوزًا الإرهاق الذي ألم به، فقال: =طيب تعالوا نروح مكان تاني يمكن نلاقي حاجة أحسن. تفوهت هايدي بإحباط: _تفتكر ممكن نلاقي حاجة أحسن في مكان تاني ؟ أجاب زياد بثقة: =أه طبعًا، قومي بس! اقتربت نعمة من البائعة، وهي تشعر بالحرج من الجهود الكبيرة التي بذلتها معهم دون تحقيق أي نتائج مرضية، وأخبرتها بخجلٍ بأنها ستعود لاحقًا. قالت بصوت مهذب، يعكس اعتذارها: _طيب احنا هنجيلك تاني. أجابت السيدة بتفهم: =مفيش مشكلة، نورتونا! قالت نعمة بانشراح، وقد تخلل صوتها نبرة من الفرح: _الله يخليكي ده نورك. ابتسمت هايدي، وقالت بسرور: =شكرًا. ثم خرجوا وتوجهوا إلى مكان آخر ليتابعوا البحث عن فستان الخطبة، وعندما دخلوا إلى المتجر الجديد، وجه زياد حديثه إلى البائعة الجديدة، قائلًا: _صباح الخير. ردت البائعة بابتسامة: =صباح النور يا فندم. قال زياد، وهو يوجه عينيه حوله بفحص دقيق، يتنقل بين الفساتين المبهجة المعروضة في المكان: _عايزين فستان خطوبة حلو كده. نطقت البائعة: =اتفضلوا ان شاء الله تلاقوا اللي أنتوا عايزينه. في منزل أم الديب، كان حفدتها حمود، وتقى يلعبون بمرح في الصالة، بينما كانت هي جالسة في غرفة النوم، منهمكة في دعوة أقاربها، وأم قمر الدين لحفل خطبة هايدي القادمة، وبينما كانت تعد تفاصيل الدعوة، قالت: _تيجي من بدري يا ست هانم، ده آني هحجزلك أول ترابيزة، ده انتي الغالية. كانت أم قمر الدين جالسة على الكرسي في الحديقة الفسيحة، محاطة بجمال الطبيعة، وأشعة الشمس الدافئة، وأمامها مجلتها المفضلة التي تملؤها اهتماماتها، ومواضيعها المفضلة، وبينما كانت تتصفح صفحات المجلة، نطقت بلهجة تعبر عن اهتمامها: =ميرسي بجد يا أم الديب، بس أنا مش هقدر آجي بدري! ردت أم الديب بمحبة: _ليه بس؟ ماهو علشان تلحقي مكانك... بيني وبينك يا ست بسملة آني مكنتش موافقة على الجوازة دهي، العيال بيخرجوا برا طوعي مرة جلال، ومرة هايدي. تلفظت أم قمر الدين باستفهام: =طب واشمعنا نعمة موقفتيلهاش في جوازتها؟ أجابت أم الديب ببغضاء: _الواد حمو ابن حلال، وطيب، أمال ايه؟ بس أمه عقربة لا آني بحبها ولا هي تحبني، دي ولية عايزة حش رقبتها... بس على مين؟ مش على أم الديب، لأ وقال ايه متفقة عليا مع أم ليالي اللي تنشك في مصارينها، ده آني هوريهم القديم والجديد كله بس يصبروا! يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة