الفصل التاسع والعشرون

الفصل التاسع والعشرون

13 0

بعدما نهض حسين، وابنه زياد للمغادرة، وتيقن الوالد أن تلك العلاقة قد انتهت قبل أن تبدأ، وظهرت علامات الحنق على وجهه، ارتعد قلب هايدي من هذا المشهد العسير الذي يفسر انتهاء علاقات لا يجب أن تنتهي أبدًا، فتبدلت ملامحها في الحال، وقد ارتسمت على وجهها علامات القلق، حيث شعرت بمرارة الفراق وكأنها تتجرع كأسًا من الألم، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، فيما كان تفكيرها يجول في تفاصيل الأيام التي مضت، فقالت بهلع: _يارب لا! استقام الجميع، بما فيهم المعلم حنفي، الذي كان يتجه نحو أخيه بخطوات مملوءة بالقلق، وعندما وصل إليه، لمس ذراعه بحنان، متوسلًا إياه أن يجلس، قائلًا: =أقعد بس يا حسين ياخويا! ماقولنا ملكش دعوة بيها يا أخي! قال حسين باعتراض، وقد أبرزت ملامح وجهه الاستياء، وهو يشعر بثقل الكلمات التي كان عليه أن ينطق بها: _الكلام ده ميصحش يا حنفي! تحدث أحمد وهو يحاول نصب زمام الأمور بكل طاقته، مستجمع كل ما لديه من قوة، وإرادة لضبط الأمور، وإعادة التوازن إلى الموقف المتوتر: =أقعد يا عمي نتكلم كلمتين! ملكش دعوة بماما! كل واحد منهم أبدى اعتراضه على نهاية الزيجة، وقد تجلى هذا الاعتراض في مواقفهم المختلفة، بما فيهم جلال، الذي تدخل بقصارى جهده، متجهًا نحو عمه بنية صادقة لحل المشكلة المتفاقمة، وجاهدًا بكل ما أوتي من قوة في محاولة التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، متحدثًا بنبرة تتسم بالإلحاح: _أقعد يا حاج! جلس حسين، وابنه زياد من جديد احترامًا لطلبهم، وقد برزت على وجهيهما الموافقة على منح الحوار فرصة أخرى، في حين سحبت نعمة أم الديب بعيدًا عنهم بخطوات محسوبة، محاولةً إبعادها عن الاحتقان السائد، ثم التفتت إليها بنظرة مليئة بالحنان، وقالت لها بتمثيلٍ متقنٍ، وكأنها تحاول تهدئتها: =بقولك ياما أنا تعبانة معرفش ضهري ماله! ما تيجي معايا نروح للداكتور نكشف! قالت أم الديب بغلاظة: _وهو دهو وقته يا بت؟ وسعي من قدامي! لما نشوف حوار أختك الأول نبقى نشوف حوار الداكتور دهو. وضعت نعمة يديها خلف ظهرها، تتحسسه بألم وكأنها تتقمص شخصية درامية بكل براعة كممثلة قديرة تجيد فن التمثيل، حيث بدا واضحًا في كل حركة أنها تتعمد إظهار الإحساس بالمعاناة بشكل مبالغ فيه، ثم تلفظت بوجه متألم: =مانا تعبانة أوي ياما ومش مستحملة! أزاحتها أم الديب بعيدًا عنها بقوة، دون أن تراعي أن نعمة هي ابنتها وذراعها الأيسر في الحياة، وأكدت بذلك على إصرارها في الفصل بين مشاعرها العائلية، واحتياجاتها الشخصية، حيث كانت كل ما يهمها هو إثبات حضورها بين الرجال والظهور بمظهر القادرة على التدخل في كل الأمور، مما جعل صوتها يتصاعد، ويتردد في أرجاء المكان: _بقولك ايه حِلي عن نفوخي الساعة دي! في الخارج، بالصالة، قال جلال بحزم، وقد بدا عليه إصرار واضح، وهو يتمنى في أعماق قلبه أن يكون مهر أخته في حدود المعقول، لا مبالغ فيه ولا ضئيل جدًا، فكان يشعر بقلق عميق تجاه توازن الأمور، محاولًا التأكيد على أهمية ضبط هذا البند بما يتماشى مع الواقع: =احنا عايزين دهب سبعين جرام. لم يمانع حسين من تلبية مطلب جلال، فقد بدا أنه يقبل بفكرة توازن المهر وتفهم أهمية تحديده بشكل عادل، وذلك نظرًا للظروف الحالية والرغبة في الحفاظ على روح التقدير بين الأطراف، وبذلك، عبّر حسين عن موافقته بسلاسة، مؤكدًا استعداده لقبول شروط جلال دون تردد: _وماله؟ ميغلاش على هايدي. شعر أحمد أن ذلك المبلغ قليل، فقد بدا له أن المهر الذي يُحدد الآن لا يعكس القيمة الحقيقية التي يتمنى أن تحصل عليها أخته، وذلك لأن تجربته الشخصية قد تغيرت بشكل كبير منذ أن تزوج من ابنة الأثرياء، حيث أصبح يقارن بين مستوى الرفاهية الذي يعيش فيه، وحياة عائلته السابقة، مما دفعه إلى أن يعيد تقييم الأمور بنظرة جديدة، فلم يعد يرى الأمور كما كان من قبل. هو الوحيد الذي يتمنى لأخته أن تعيش حياة الفخامة، ويتوق إلى أن تكون أسعد الناس، حتى وإن تطلب الأمر زيادة المهر لتناسب مستوى الحياة الذي يأمل أن تتمتع به، فبدأ يعبر عن رغباته بصراحة، قائلًا: =سبعين جرام قليل أوي عليها، احنا عايزين مية جرام ويبقى كويس أوي. سواء كان مطلبهم ملايين أم آلاف، فإن كل هذا لن يغير من اقتناع زياد بشيء، إذ كان دائمًا في أتم استعداد لجلب أحلامها بين يديها وتلبية أي رغبات قد تعبر عنها، فحتى لو طلبت قلبه، فلن يتأخر في تقديمه بكل سرور، لأن حبه لها كان أقوى من أي شعور بنقص المال أو الحالة المادية التي قد يمر بها، فهو يرى في سعادتها ورفاهيتها أغلى من أي قيمة مادية، ولذا، في خضم هذا الموقف العصيب الذي استولى على وقتهم، جلّت ابتسامة واسعة من بين شفتيه، وقال بنبرة تعكس الإصرار: _هايدي لو تطلب نجمة من السما هجيبهالها! جلال، صاحب الشخصية الحادة والذي لا يسمح بتجاوز الحدود أو التلاعب بالقوانين، لا ينتمي إلى الشباب العاشقين الذين يحملون الورود الحمراء، ويغمرهم الرومانسية الحالمة، إذ إن خشونة صوته، التي تجلت بشكل بارز في نبرته المتسلطة، كان لها دور كبير في تعبيره عن اعتراضه، حيث أظهرت نظراته استخفافًا واضحًا بالمسألة، ثم تلفظ بفظاظة، ليدلل على مدى تباين سلوكه عن سلوكيات الآخرين: =ماجرا ايه يابا؟ ما تهدى على نفسك! انت مش عامل حساب لأبوها ولا لأخواتها؟ مانا لو هوا قدامك عرفني! قال أحمد بدرجة صوت تكاد تكون عالية، حيث كانت نبرته تملؤها الحدة، تعكس مشاعره الجياشة: _خلاص يا جلال في ايه؟ الراجل شاري هايدي! هو مقالش حاجة غلط! تحدث المعلم حنفي برضا تام: =يبقى ان شاء الله سبعين جرام دهب حلو. تلفظ أحمد بكلماته الهادئة مع عمه حسين، وهو يظهر له تبجيله قبل أي شيء آخر، فكان في كل كلمة ينطقها يضع في اعتباره أن العم يُعد في منزلة الأب ويستحق التقدير العميق، ليضع وسام المحبة فوق رأسه كما يفعل مع أقرب الناس إليه، مما أضفى على حديثه لمسة من الاحترام: _انت يا عمي على راسي، بس سبعين جرام أنا شايفه قليل! احترم حسين طريقة حديث أحمد العقلانية، التي تكن الكثير من الرصانة والنضج، فابتسم ابتسامة حانية، تعكس تقديره لأسلوب أحمد الهادئ، وأظهر من خلال ابتسامته مدى اعتزازه بموقفه، مما ساهم في تهدئة الأجواء، فقال له: =اللي تشوفه يا أحمد...اتفق انت، وأبوك، وجلال وشوفوا عايزين بكام واحنا من ايدينا دي لإيدينا دي. نطق أحمد ببشاشة، وهو يتمنى أن تسير الأمور كما خطط لها، فكانت نبرته مليئة بالتفاؤل: _الله يخليك يا عمي، احنا مبنعجزش حد احنا بس علشان نضمن حق أختنا. يعلم حسين أن الزواج ليس أمرًا عبثيًا، بل هو مسألة بالغة الأهمية وتحمل مسؤولية خطيرة على عاتق الشريكين، إذ يتطلب تضافر الجهود والاحترام المتبادل لتأسيس علاقة مستقرة، ومع ذلك، فإن حسين يدرك أيضًا أن قبل أن تود هايدي زياد، فإنها ستكون تاجًا فوق رأسه، وضرورة احترام وجودها في حياته، وهو ما عوّده عليه منذ الصغر، بأن يحترم، ويعزز قيمة كل شخص يقترب منه، وفي هذا السياق، قال الوالد برصانة، تتضمن الحكمة العميقة التي تراكمت عبر السنوات: =حق أختكم في الحفظ والصون، ومحدش يقدر ياكل حقها، احنا أهم حاجة عندنا نشيل هايدي في عنينا. اقتنع جلال أخيرًا بأن المائة جرام من الذهب هي الحل الملائم الذي يرضي جميع الأطراف، ويحقق التوازن بين تطلعاتهم، فدخل معهم في دائرة الاتفاق بارتياح، حيث بدت على وجهه ابتسامة تعكس القبول، فقال له: _هو ده الكلام يا عمي حسين، طب خلاص زي ما أحمد قال، مية جرام حلو. سأل حسين باهتمام، وقد بدا في عينيه إشعاع من الفضول، حيث كانت ملامحه تعكس حرصه الشديد على فهم التفاصيل الدقيقة للموقف: =ده آخر كلام؟ أجاب المعلم حنفي بتأكيد: _بإذن الله آخر كلام. تفوه حسين بطمأنينة: =توكلنا على الله. سأل جلال عن أحوال المعيشة في المستقبل القريب، إذ كان من الضروري بالنسبة له أن يتأكد من أن أخته ستكون هنية في معيشة مريحة تعكس مستوى من السخاء الذي يتمنى لها أن تحظى به: _وبالنسبة للشقة أخبارها ايه؟ أجاب زياد بوضوح، دون تزييف الحقائق أو تجميلها، متحدثًا بكل شفافية عن أحوال المعيشة والتفاصيل المتعلقة بمستقبلهم، حيث كان يسعى لتقديم صورة دقيقة عن الوضع كما هو: =أنا عندي شقة هنا، أكيد أنتوا عارفين يعني، بس أنا مش حابب أقعد هنا. بعدما عاش أحمد في شقة بحي الأثرياء، واعتاد على أسلوب حياتهم الفاخر التي توفرها تلك البيئة، قرر أن يضع أخته بنفس المستوى من الراحة التي اختبرها، حيث لم يكن قادرًا على تصورها تقضي بقية حياتها وسط الريف بكل ما يحمله من مشقة لا يمكن تجاهلها أو تحمّلها بسهولة، فكان من الواضح أن التباين بين أسلوب حياته وبين الحياة التي قد تُفرض على أخته في تلك البيئة الريفية، سيكون غير مقبول بالنسبة له، لذا، تقدم باقتراح يهدف إلى ضمان أن تعيش أخته بنفس مستوى الترف الذي تعوّد عليه، لذلك تلفظ: _لا بصوا فككم من الشقة اللي هنا...أنا هشوفلك شقة في المنطقة اللي أنا فيها، ولو شقة فضيت عندنا هعرفكم. ضحك زياد، وتعلّقت على وجهه ابتسامة ودودة تعكس إخاءه، وقد بدا في ضحكته مزيج من الإيجابية، وكأنه يجد في الموقف نوعًا من التفهم، وقال: =طب ياريت، هو أنا أكره أكون جارك؟ تلفظ جلال بوجه عابس، كاد أن ينثر أشعة سوداء محملة بالكثير من التهكم، حيث كانت ملامحه تعكس استياءً عميقًا: _وانت مش عاوز تقعد هنا ليه عدم اللا مؤاخذة؟ رد زياد ببساطة: =أنا عيشت مع الحاج برا فترة طويلة وشوفت الحلو والوحش، والصراحة حابب أعيش هايدي في مستوى حلو. قال أحمد باقتناع، معبرًا عن تأييده الكامل للفكرة، وتفهمه للموضوع.: _أنا عن نفسي موافق. رد جلال بموافقة: =وماله؟ هو أنا أكره الخير لأختي؟ تحدث المعلم حنفي بسرور، مشعًا بالرضا: _احنا مش هنلاقي أحسن من زياد ابنك! قال حسين بحبور، وقد عكست نبرته الفرح: =متحرمش منك يا حنفي ياخويا. تفوه جلال باستعداد، مظهرًا تفاؤله بالموقف: _نقرأ الفاتحة. رفع الجميع أيديهم ليقرؤوا الفاتحة بتأني في أجواء الغبطة التي ملأت المكان، بينما كانت هايدي برفقة ليالي، ونعمة في الغرفة، يفعلون مثلما يفعل الآخرون بالخارج، حيث تجلى المشهد في انسجام بينهن، وكان الصوت الصادر من الخارج يعبر عن أجواء الاحتفال، وبعدما انتهوا من قراءة الفاتحة، أطلقت نعمة، وليالي الزغاريد، معبرين عن قوة بهجتهن. لكن فجأة، دخلت أم الديب، محطمة للسرور، كقطار متهور عازم على هرس كل ما حوله، وصاحت بهن بكل قسوة، وقالت بشحناء: =ايهي بتزغردي على ايه يا بت منك ليها؟ ستكم لسه ميتة وأنتوا هنا عمالين تزغردوا ولا هاممكم حاجة؟ ردت نعمة بدهشة، تعبيرًا عن صدمتها من التصرف غير المتوقع: _ستي ايه اللي ميتة بقالها تسع شهور؟ ما تكبري دماغك ياما، الله يرحمها بقى! قلبت أم الديب وجهها، وقالت بانزعاج، مظهرة استياءها من الوضع: =ايهي شوف البت ولا فارق معاها ازاي؟ عانقت ليالي هايدي بفرح، وقدمت لها التهاني بقلوب مليئة بالسعادة، غير مصدقة أنها أخيرًا تخلت عن أفكارها السودوية بشأن الزواج، التي كانت تملأ ذهنها، وتؤثر على رؤيتها للمستقبل. فقد بدا وكأنها تودع فترة من التشاؤم، معبرة عن أملها في بداية مشرقة، واحتفلت مع هايدي باللحظة المميزة التي كان يملؤها التغيير الإيجابي، مما أضاف السعادة إلى الأجواء المحيطة، وقالت لها: _ألف مبروك يا هايدي عقبال الخطوبة، والفرح. ردت هايدي بسرور: =الله يبارك فيكي. اقتربت نعمة من هايدي بطولها المهيب، وعانقتها بحنان الأخت الذي يعكس عمق روابط الأسرة، بينما كان الجميع غير مقتنعين تمامًا بأن عقدة هايدي قد انفكت أخيرًا بفضل زياد الذي سرق قلبها وساهم في تغيير نظرتها للأمور. فقد بدا الأمر كتحول دراماتيكي يعكس مدى تأثير زياد في حياتها، فتحدثت نعمة ببهجة، تعبر عن سعادتها العميقة لنجاح زياد في تغيير مسار حياة هايدي: _مبروك يا هايدي ياختي، عقبال ما تلبسي دبلته. قالت هايدي باغتباط، وهي مسرورة بالتغيير الذي طرأ على حياتها: =الله يبارك فيكي يا نعمة. بالخارج في الصالة، بعدما تبادلوا العناق والتبريكات، قال زياد بلهفة عارمة، معبرًا عن حماسه بالمستقبل، وكأنه يشارك الجميع فرحته العميقة: _هنروح نجيب الشبكة امتى يا عمي؟ أجاب المعلم حنفي كأنه قد منح شخصيته لأبناءه، وترك لهم اتخاذ نهاية القرار دون تدخل منه، مما يعكس ثقته في قدرتهم على اتخاذ القرارات المناسبة بأنفسهم: =أخواتها هيقولولك. رد جلال بجرأة، متجاوزًا حدود التفكير في العواقب القادمة أو استحضار حكم العقل بطريقة صحيحة، كأنما اندفع بكلمات قوية لا تلين: _بكرا الضهر ننزل نجيب الشبكة. اعترض أحمد على موعدٍ يتسم بارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ، حيث كانت الشمس تلقي بأشعتها الحارقة، مما جعل هذا الوقت غير مناسب على الإطلاق. بدا وكأنه قد تفوق على جلال بفطنته الحاذقة، حينما علق بمرونة تفكير قائلًا: =الضهر ايه يا جلال؟ هتنزلهم في عز الحر علشان يجيبوا الشبكة؟ لم يكن جلال يصدق أن أخاه الأصغر يجرؤ على محاولة التدخل ولو بشكل بسيط، محاولًا استبداله في إصدار الأوامر. كان جلال، وهو يسعى لفرض سلطته ونفوذه بشكل مطلق، يرفض هذا التدخل بكل حزم، وكأنما أراد إثبات هيبته بشكل يذكر بتصرفات قط يتبول في المكان ليُثبِت وجوده بين بقية القطط. هكذا كان حديث جلال، الذي عبّر عنه بلسانه المتسم بالاحتقار، حيث نطق قائلًا: _مابقولك ايه أنا أخوك الكبير وأفهم عنك! أحرقه أحمد بردوده الحصيفة التي جاءت سريعة، وهو يقول بدهشة: =وايه علاقة الكبير والصغير بالفهم؟ وأردف لعمه حسين: _بُص يا عمي، احنا ان شاء الله نجيب الشبكة بكرا بالليل حتى تكونوا جهزتوا حالكم. قالت أم الديب بلهجة غليظة، محاولةً بكل السُبل أن تعقد الأمور وتزيد من تشابكها: _الشبكه يجيبوها دلوقتي! تلفظ حسين باستغراب، مُبديًا تعجبه البارز: =ده اللي هو ازاي يعني؟ نطقت أم الديب بعناد، وكلماتها تنسل من بين شفتيها الداكنتين بتصميم لا يُقهر: _هو كده يا إما مفيش شبكة ولا فرح! قال جلال بصياح، دون أن يأخذ في اعتباره مقام والدته ومكانتها، مستعرضًا سخطه بكل وقاحة: =ما تركحي على جنب ياما، وطلعي نفسك منها! مانا مش فاهم انتي حاشرة نفسك من ساعتها ليه؟ تفوه حسين باشمئزاز، وبدا على وجهه لمحة من الغرور الطفيف، رغم أن شخصيته تتسم بالتواضع، والود مع الجميع. لقد كان في نبرته مسحة من الكبرياء الخفيف، الذي لا يليق إلا بالأرواح العظيمة: _أنا مش هرد عليكي، كلامي مع الرجالة! وقفت أم الديب إزاءه، وقالت بكراهية جلية لا تتستر، وكأن كل كلمة تنبض بالبغضاء الذي يتفجر من أعماقها: =ايهي، انشالله ما رديت، هو انت تطول تتكلم معايا؟ جزّت نعمة على أنيابها وندمت على ترك الوالدة بمفردها، كما لو أنها أطلقت سراح فأر لعين من المصيدة، ليعود مجددًا إلى أكل الأخشاب وتدميرها، ثم قالت بقلق واسع: _تعالي معايا ياما عايزينك في حوار! وسحبت أم الديب بيدها وأدخلتها مرة أخرى، فتلفظ جلال بحسم، وكلماته تأتي كطعنات حادة تضع حدًا للجدل: =وبالنسبة للشبكة احنا هنجهزلكم حتة أرض بتاعة جارنا وهنظبطهالكم على الآخر... هتصلكم ببتاع الفراشة يروقها. بعدما تمنى أحمد أن ينظم حفل خطبة يتجاوز أحلامه في ضخامته، وجماله، فوجئ برد جلال الذي لا يتجاوز عقلية ضئيلة، إذ بدا وكأن آخر طموحاته في الحياة هو مجرد سن مطواة وتنظيفها. حينها، عبر أحمد عن انزعاجه بوضوح، قائلًا: _أرض ايه بس؟ احنا عايزين الخطوبة في قاعة كويسة! خرج جلال عن شعوره لكثرة تدخلات أخيه الذي كان يحاول فرض آرائه بقوة بين الحضور، مسببًا بذلك توترًا في الجو، وعندما تجاوز الأمر حده، لم يتمالك جلال نفسه، وصرخ بعصبية، قائلًا: =انت ياض حاطط راسك لفوق أوي وتعبتني معاك، وأنا وربنا ما عاوز أقل منك عشان انت أخويا فلمها كده، وخليها تمشي بالحب! دخلت ليالي إلى المطبخ بتفاؤل، وهي تتحرك بنشاط، وتحمل الأطباق لتجهيز الحلوى، بينما صبّت شربات الورد اللذيذ في الأكواب بأناملها المحبة، في أجواء مليئة بالسعادة بحلول حفل قادم في حياتهم، الذي يُعتبر حدثًا بارزًا منذ ليلة زفاف نعمة. كانوا في فترة استراحة من الابتهاج، وفي تلك اللحظة، رد زياد على حديث جلال بوضوح، قائلًا: _أنا هعمل الخطوبة في قاعة وعلى حسابي، الخطوبة هدية مني ليكم ولو إنها يعني المفروض عليكم مش علينا! تلفظ أحمد بدهشة: =لا ازاي؟ أنا الخطوبة هتكفل بكل حاجة فيها، أنا شايف إن المصاريف هتبقى كتير عليك يا زياد! تنهد زياد معبرًا عن صعوبة تكاليف الخطبة، وأعرب عن استصعابه بوضوح، قائلًا: _هي بصراحة هتبقى كتير أوي، بس كله يهون علشان هايدي... أنا بحاول أرضيكم بأي شكل. رد أحمد بابتسامة: =لا لا سيب موضوع الخطوبة ده عليا أنا...احنا إن شاء الله بعد ما نجيب الشبكة، نلف نشوف القاعات سوا. قال حسين ببشاشة، وهو يعبر عن سروره: _وماله؟ واللي فيه الخير يقدمه ربنا. وواصل لزياد بحنو: _مبروك يا زياد يابني. رد زياد بفرحة، وهو يشارك الآخرون بهجتهم: =الله يبارك فيك يا بابا. نادى أحمد العروس هايدي لتأتي وتصافح عريسها، وحماها، وكان صوته يملأ الصالة بنبرة حماسية. بدا وكأن أحمد أراد أن يخلق لحظة من السحر، حيث أن حضور هايدي وتبادل التحيات مع عريسها، وحماها كان يشكل جزءًا أساسيًا من الاحتفالية التي تجمع بين الأهل في هذا اليوم المميز. فقال بنبرة مغمورة بالحب: _يا هايدي تعالي سلمي على العريس! نطقت نعمة من داخل غرفة العروس، محاطة بأجواء من الهدوء، وهي تحث هايدي على التحلي بالجرأة، والتخلي عن الخجل. كانت الغرفة مزينة بالألوان الهادئة، بينما كانت نعمة تحرك يديها بتشجيع. جلست هايدي على الكرسي أمام المرآة، فستانها الأحمر اللامع ينعكس في الزجاج، وكانت عيناها تعكسان التوتر. لكن نعمة اقتربت منها بوجه مليء بالطمأنينة، ووضعت يدها على كتفها برفق، وقالت بصوت عذب: =يلا اطلعي يا هايدي! دخلت ليالي الغرفة، تاركة ما في يدها من أجل مساعدة هايدي، وشاركت نعمة في إزاحتها بلُطف نحو موقعها المخصص. كانتا تتعاونان كرجال يقودون سيارة نقل ثقيلة على الطريق، في محاولة لإزاحتها بأقصى جهد ممكن، ومع ذلك، لم تنجح محاولاتهما، إذ ظلت هايدي صامدة، تقاوم بشدة بتوتر ملحوظ. فقالت زوجة أخيها، في محاولة لتشجيعها، بحنكة: _اطلعي متتكسفيش! ردت هايدي بخجل : =استنوا بس، استنوا! توقفت نعمة عن محاولة إقصاء هايدي، وبدلًا من ذلك، قالت بترقب: _استنينا أهو... مش عايزة تطلعي ليه؟ تفوهت هايدي بإحراج عارم، وقد بدت علامات الاحمرار واضحة على وجهها، حيث عبرت عن مشاعرها بصوت خافت: =أنا أول مرة أتحط في الموقف ده، وبصراحة خايفة. ضحكت ليالي بلُطف، وعيناها تتلألآن بالمرح، ثم قالت: _كل اللي حصلك ده حصلي أيام ما جلال جه اتقدملي، هما شوية كسوف في الأول وبعدين هتتعودي... اطلعي بس! حينما تأخرت العروس عن الخروج، رفع المعلم حنفي صوته بنبرة حازمة، تتخللها لمحة من الإلحاح، بينما كان الجميع في الخارج يتطلع بشوق إلى ظهورها. نادى بوضوح، وصوته يملأ المكان، قائلًا: =يا هايدي... هايدي! أجابت نعمة، بالنيابة عن هايدي، بنبرة عالية، محاولةً أن تعكس موقف هايدي الواضح، وحماستها الكبيرة تجاه قراءة الفاتحة: _هايدي جاية أهو يابا. أزاحتها ليالي جانبًا بحركة دقيقة، ثم رفعت رأسها بشموخ، وقالت بشجاعة لا تقبل التردد: =يلا اطلعي متخافيش! نظرت هايدي إليهم بعينين متسعتين خوفًا، وكأن كل زاوية في جسدها تعكس توترًا لا يمكن إخفاؤه، ثم خطت خطوات مترددة نحو الصالة، وهما تبعاها بحذر، وهما يريدان أن يشاركاها كل لحظة من تلك التجربة المثيرة للأعصاب، وعندما وصلت إلى الصالة، اقتربت من عمها، والعريس زياد بخطوات خجولة، مبدية احترامًا وتقديرًا عميقين. كانت تحني رأسها نحو الأرض، وكأنها تبحث عن كلمات مناسبة تقولها في هذا الموقف المهم. أخيرًا، رفعت رأسها قليلًا وقالت بخجل: _ازيك يا عمي حسين؟ صافحها حسين بفخر ظاهر، إذ ابتسم لها ابتسامة عريضة مليئة بالاعتزاز، وقال بثقة: =الحمدلله، يا أهلًا وسهلًا، بدر منور. مدت هايدي يدها للعريس بحياء، وكانت وجنتاها تشتعلان حمرة كزهر الورد في ربيع الشباب، ونظراتها تهرب بخجل نحو الأرض كالفراشات التي تبحث عن مأمن في ظلال الزهور. بنبرة خجولة، تحدثت وكأن الكلمات تتسرب من بين شفتيها بتردد: _ازيك يا زياد؟ نظر زياد في عينيها بعشق يفيض من أعماق قلبه، وكأنما يرى فيها عالمًا من الأحلام، وأجاب بابتسامة مشرقة أضاءت وجهه كأشعة الشمس في صباح ربيعي، تعبر عن سعادة لا حدود لها: =الحمدلله. دخلت هايدي المطبخ بخطوات حذرة، وأحضرت صينية الشربات التي أعدتها ليالي بعناية فائقة، وخرجت بها إلى الضيوف، بينما كانت أناملها ترتجف بتوتر، وهي تحاول جاهدة أن تحافظ على توازن الصينية. كان الشربات يهتز في الكؤوس، وكاد يتساقط منها من شدة ارتباكها، ومع ذلك، استجمعت شجاعتها وتقدمت بخطى مترددة نحو الجميع لتوزع الشربات عليهم. جلست جانب العريس زياد وهي تشعر بالإحراج العارم، وكأن حرارة الخجل تتصاعد إلى وجنتيها. حينها، نطق حسين بفخر ظاهر نحو ليالي، مشيدًا بما قدمته من جهد في إعداد الشربات: _ماشاء الله، مراتك يا جلال محترمة. قال جلال بابتسامة: =الله يخليك يا حاج. ردت ليالي ببشاشة مشرقة تضيء وجهها: _انت محضرتش فرحنا بقى، فاتك كتير. تفوه حسين بلُطف، مبتسمًا بودّ وكلماته ملؤها الحنان، وكأنه يريد أن يعبر عن مشاعره الدافئة بطريقة تلامس القلوب: =معلش كنت مسافر برا، ده أنا لا حضرت فرحكم ولا فرح حد من عيال أخويا بس النصيب جابني أحضر فرح هايدي، وهايدي طيبة طالعة لأبوها. قال المعلم حنفي، وهو ينظر إليه بعينين مليئتين بالحكمة، وابتسامة خفيفة تلعب على شفتيه: _أه والله ده احنا ناس غلابة، ربنا العالم بينا. اقترب زياد من أذن هايدي، وهمس بنبرة حنونة، مشدودًا بتعابير وجهه التي تعكس استغرابًا لافتًا من خجلها، وهي تضم ساقيها وذراعيها نحو الأسفل كما لو أنها تبحث عن مأوى في أحضانها، سابغةً على لحظة التواصل، فحدثها بدهشة: =ايه يا هايدي؟ حاسك مكسوفة أوي! ردت هايدي بخجل، ووجهها قد تورد خجلًا كزهور الربيع، وعينيها تتجنبان النظر المباشر له، بينما ارتعش صوتها بأرقى درجات التردد، وكل كلمة تنبثق من بين شفتيها بحذر: _لا خالص، وأنا هتكسف ليه بس؟ ضحك زياد بلهفة، وهو ينغمس في جمال عينيها الساحرتين وكأنهما مرآة تعكس أعماق روحه، وفجأة، تجسد في صوته حيوية لا يمكن إنكارها، حينما تلفظ: =بس بصراحة أنا مش مصدق إننا هنتخطب! ردت هايدي بتلعثم، والكلمات تلتف حول لسانها، وتتعثر في محاولتها للترتيب، كانت تحاول جاهدة جمع حروفها الساقطة، وتجميع أفكارها المتناثرة مثل قطع اللغز: _ولا أنا...أدعي بس إن ماما ربنا يهديها عالطول، أنا لسه مقلقة منها. قال زياد بإصرار، وهو يسير كفيفًا وراء مشاعر قلبه المُحب التي لن تتغير تحت أي ظرف، كأنه يتبع نداءً داخليًا لا يمكنه مقاومته: =تعمل اللي تعمله! مفيش حاجة هتهزني، ولا هتغيرني من ناحيتك يا هايدي، لأن أنا شاري بجد! ابتسمت هايدي، وهي تشعر بالحرج الشديد ولا تدري ماذا تقول، في الوقت الذي كانت فيه مشاعرها تتصارع في صمت، ولكن أم الديب، التي كانت تراقب الموقف عن كثب، نطقت بحسرة واضحة في نبرتها، وكأن قلبها ينزف بمرارة كلماتها: _يا ألف بركة... يا عيني عليكي يا هايدي، هتتخطبي وتسيبي أمك. سأل المعلم حنفي أخيه حسين عن أهم سؤال، فتصاعدت نبرة فضوله بشكل واضح، كأنما كان يسعى بعمق لفهم جوهر الموضوع، وتفاصيله: =أما صحيح يا حسين احنا مقولناش الخطوبة تبقى قد ايه! كلما ازدادت فترة الخطبة، ازدادت درجة فهم الطرفين لبعضهما البعض، حيث بدأ كل منهما يتعرف على جوانب الشخصية الأخرى، ويدرك التفاصيل الدقيقة التي قد تكون غير واضحة في البداية، ولكن في الوقت ذاته، تتزايد المشاكل بينهما، ويبدأ الملل يتفاقم شيئًا فشيئًا، لأن كل طرف أصبح أكثر دراية بما يثير مشاعر الآخر، وأصبح من الصعب الحفاظ على عنصر المفاجأة في العلاقة. كلما تناقصت فترة الخطبة، واكتشاف الأسرار المكنونة في أعماق الآخر، ارتفعت احتمالية تلاشي الخلافات الجديدة، مما يؤدي إلى اضمحلال الضغوط النفسية على كلا الطرفين. كان حسين، بدوره، يدرك هذه الديناميكية المعقدة في العلاقات الإنسانية، ولذلك تفهم الوضع وبدأ في التعبير عن رأيه بوضوح، فقال: _سنة حلو يكون العيال جهزوا أمورهم. تدخل أحمد في الحوار، وهو يشارك برأيه المقنع بثقة واضحة، حيث بدأ يتحدث بصوت متوازن يعكس عمق تفكيره، وتجربته الشخصية، وبتعبير جاد، تلفظ بكلمات تصف رؤيته للموقف: =مع احترامي لكلامك يا عمي بس أنا شايف الخطوبة لما تبقى سنة ونص هيكون أحسن على الأقل يعرفوا بعض أكتر. نطق حسين بموافقة، وهو يعبّر عن تأييده الكامل لرأي أحمد: _وأنا معنديش أي مشكلة، شوفوا أنتوا عايزين ايه وأنا هعمله. من الواضح أن جلال يسعى بكل جهده ليثبت ذاته القوية، حيث كانت محاولاته بارزة في كل تصرفاته ، في هذا السياق، قال جلال بوضوح، وهو يعزز من مواقفه بحجج غير مقنعة: =لا وأنا الكلام ده ميعجبنيش... الخطوبة هتبقى تلات سنين! ردت ليالي بعقلانية: _لا يا جلال ده كده هيملوا من بعض! معلش خدوا رأيي برضة، الخطوبة خلوها سنتين تبقى تمام، على الأقل يفهموا بعض كويس ويلحقوا يجهزوا أمورهم. قالت أم الديب بكراهية، وكأنها لا تستطيع كبت مشاعرها العميقة تجاه ليالي: =وانتي مالك يا بت بتدخلي ليه؟ كان حد طلب رأيك؟ الخطوبة هتبقى خمس سنين! نطق الجميع بصدمة: _خمس سنين؟ أجابت أم الديب بابتسامة عارمة: =أمال ايه؟ آني بتي متبعدش عني بالسرعة دهي، وبعدين العيال لسه صغيرة، يكونوا كبروا شوية. تعجب المعلم حنفي من المدة الطويلة التي تقترحها أم الديب للخطبة، إذ أن أقصى مدة معقولة في رأيه لا تتجاوز ثلاث سنوات، واعتبر ذلك مسألة غير منطقية، خاصة وأنها دائمًا ما تضع عراقيل في طريق سعادتهم، وكأنها تنثر الأشواك بشكل متعمد لعرقلة سير الأمور بسلاسة. كان يراقب هذه التصرفات بذهول، متسائلًا عن سبب إصرارها على إطالة فترة الخطبة، فقال: _عيال ايه يا ولية اللي لسه صغيرة؟ هايدي بتك متخرجة بقالها سنة ونص وبتشتغل! تعمدت أم الديب استصعاب الأمور، وهي تتحدث بعناد شديد، وقد كانت نبرتها مليئة بالتحدي، كأنما تتبنى موقفًا ثابتًا دون أدنى مرونة: =مليش فيه يإما مفيش جواز بالكل! رد زياد بهدوء، محاولًا أن يقنعها بفكرتها الخاطئة، فقد اعتمد على أسلوبه الهادئ المتوازن ليفنّد حججها بأسلوب منطقي، مسلطًا الضوء على مزايا الحلول الأكثر مرونة. بدلًا من الرد بحدة: _يا مرات عمي أنا مينفعش أخطب كل المدة دي! ثم إن مفيش حد بيخطب خمس سنين! هما آخرهم بالكتير أوي سنتين. قالت نعمة باستغراب: =ياما حرام عليكي، سيبيها تفرح بقى! أجابت أم الديب بنبرة خشنة، وكأن كل كلمة تخرج من بين شفتيها كانت مشبعة بصلابة، تنم عن الإصرار على موقفها، وعدم استعدادها للتنازل: _حرمت عليكي عيشتك يا بت! تلفظ أحمد بثبات في رأيه، حيث لم يهتز لحديث أم الديب المستفز، بل ظل صامدًا في موقفه وقراره بشأن أخته. برزت قوة إرادته من خلال هدوءه الواثق: =خلاص زي ما اتفقنا، ان شاء الله الخطوبة سنة ونص. قال حسين بموافقة: _معنديش أي مشاكل، يلا على بركة الله. نطق جلال: =توكلنا على الله يا عمي. تحدث المعلم حنفي بابتسامة: _ربنا يتمم على خير. رد زياد بفرحة: =يارب. تناول الجميع المشروبات الباردة بكل شغف، وتناولوا الكيك بالكريمة البيضاء التي كانت تتلألأ كالنجوم في ضوء المساء، بينما كانت نعمة تلتقط بعض الصور لأختها والعريس بكل حب، محاولةً أن توثق لحظات السعادة، وفي صباح اليوم التالي، وعند تمام الساعة الحادية عشرة، جلست ليالي على سريرها المريح، وقد تركت شعرها الناعم ينحدر بحرية على ظهرها، وهي تتحدث مع أختها هبة. كانت تخبرها بأدق تفاصيل الليلة الماضية، حيث سردت كل لحظة من تلك اللحظات الرائعة، من تفاعلات الضيوف إلى تفاصيل المغادرة، مما جعل هبة تستمع إليها بانتباه شديد، وكأنها تعيش كل لحظة مجددًا من خلال رواية ليالي، فحدثتها: _أيوه بس الواد شكله نضيف كده ميبانش عليه، وشكله هو وهايدي دماغهم زي بعض، ده احنا كلنا مستغربين إن جالها واحد زي ده... سبحان الله فجأة طلعلنا من تحت الأرض، بس الصراحة لايق عليها. قالت هبة بكراهية: =أنا مبرتاحش لهايدي، حاساها منفوخة أوي على مفيش... ساعات بحس إنها بتقلد مرات أخوها، وبتحاول تبقى زيها. ردت ليالي ببغضاء نحو هايدي، وقد كانت نبرة صوتها تتخللها مشاعر المرارة، مما أعطى كلامها طابعًا جافًا: _لا هايدي كده من زمان، من قبل ما أحمد يعرف جميلة... طول عمرها راسها لفوق أوي، وإنفة أوي ياختي مبيعجبهاش العجب، مع إن تبصيلها تلاقي في الآخر إنها بت أم الديب يعني منفوخة نفخة كدابة. في الأسفل، عند أم الديب، قالت لابنتها بضيق، حيث كان صوتها محملًا بالإرهاق، وكأنها تبحث عن منفذ للتعبير عن مشاعرها المكبوتة. أضافت تعبيرات وجهها، ونبرة صوتها الطابع القاسي للكلمات التي كانت تخرج منها: =بقى آني يا بت أقولكم خطوبة خمس سنين وفي الآخر محدش يسمع كلامي؟ بقى أم الديب على آخر الزمن يتعمل فيها كدهو؟ ردت هايدي باختناق، وكأن الجدالات الفاشلة معها قد أخذت منها كل ما في جعبتها من قوة، فتسلل التعب إلى صوتها، وكل كلمة تخرج منها كانت تكافح للظهور عبر غيمة من الإحباط: _يا ماما مفيش حاجة اسمها خطوبة خمس سنين! يفرض فضلت مخطوباله خمس سنين، وفي الآخر محصلش نصيب؟ أعمل ايه ساعتها؟ ده مش هيكون ضاع من عمري سنة ولا اتنين هيكون ضاع خمسة، وانتي عايزاني أتجوز وأنا لسه صغيرة، ساعتها هتعملي ايه لما تلاقي بنتك عمرها ضاع على الفاضي؟ اقتنعت أم الديب بالحديث، رغم أن ملامحها أظهرت تأثير الانزعاج، ومع ذلك، استمرت في إبراز مظهر الكبرياء الذي تحاول الحفاظ عليه، كأنها ترفض تمامًا الاعتراف بكل ما قالته هايدي. تلعثمت في نبرتها، التي جاءت مليئة بالتردد، وتفوهت: =الكلام دهو مش داخل دماغي... يلا يا بت قومي اغسلي المواعين، عاوزاها بتبرق من النضافة! نهضت هايدي ودخلت المطبخ بالإكراه، وهي تسعى للتخلص من أذية أم الديب، وكلماتها المزعجة التي تسبب لها صداعًا مستمرًا، حيث أمسكت بالقدر وبدأت في تنظيفه بالقرب من الحوض، محاولةً أن تهدئ أعصابها، وتبتعد عن جوّ التوتر، وفي تلك اللحظة، بينما كانت تعمل بصمت، قالت أم الديب في نفسها بصوت غير مسموع، عاكسةً بداخلها مشاعر مختلطة من الاستياء: _ايهي خليني أمرمطها شوية قبل ما تتجوز وتسيبني، ده البيت هيفضى عليا من بعدها... هفضل قاعدة بوزي في بوز حنفي العرة؟ يا دي المصيبة، ده آني يجرالي حاجة منه! جوازة هايدي دهي آني مش مصدقاها! يعني هتمشي وتسيبني؟ طب وآني أتخانق مع مين بس؟ بينما في الليل في محل الصاغة، حيث كانت أجواء المكان تتسم بالأنوار المتلألئة، رحل الجميع باستثناء جميلة التي اختارت أن تبقي نفسها بعيدًا عن عائلة أحمد العشوائية، معتبرةً نفسها ابنة الأكابر المدللة. كانوا جميعًا منشغلين بتنقية الذهب، يفحصون القطع بعناية، وبعدما وجدت هايدي قطعة الذهب التي تلائم ذوقها الرفيع، قالت: =حلو ده. سأل زياد باهتمام: _بكام؟ أجاب الصائغ: = بخمسة آلاف. تحدث زياد بسخاء، وهو لا يستخسر فيها شيئًا: _اختاريلك كمان دبلة وسلسلة. ردت هايدي، وهي تختار الأشكال الحديثة من بين أنواع عديدة باهتمام: =ماشي. كانت ليالي، ونعمة، وأم الديب جالسات جنبًا إلى جنب على الكرسي، بينما كان الرجال واقفين. تلفظت ليالي بصوت منخفض: _ده غالي أوي، ولسه هيجيبلها كمان! خشيت نعمة من أن يسمعهم أحد، فلامست خصرها برفق، وقالت بنبرة خافتة: =هايدي تستاهل الأحسن من كده! قال جلال لوالده، وهو يتفحص الأسعار المرتفعة في محل الصاغة باستكبار: _الحاجة شكلها غالية أوي يابا. رد المعلم حنفي بحكمة: =هي غالية أه، لكن متغلاش على أختك. سعد حسين، كونه والد العريس، بعد سنوات طويلة من التربية الشاقة التي مرّت منذ أن كان زياد مجرد قطعة لحم حمراء صغيرة، حتى كبر ووصل إلى ريعان الشباب، لم يكن بإمكانه تصديق عينيه أنه قد حان الوقت ليرى ابنه يتزوج بعد أعوام، وأن يصبح أبًا، ويجعله هو جدًّا، فنظر إلى المعلم حنفي، بعقل مشغول، وغير قادر على استيعاب واقع هذه اللحظة التي يعيشونها، فقال: _عيشنا وشوفنا عيالنا عرسان يا حنفي. ضحك المعلم حنفي، ووضع يده برفق على كتف أخيه، مشعلًا ابتسامة دافئة على وجهه. ثم قال بحبور، وكأن صوته يحمل عبق الذكريات: =عقبال ما نجوز عيالهم. قهقه حسين بشدة، مما جذب الأنظار حوله بشكل لافت، ثم تلفظ قائلًا: _يا راجل واحنا هنبقى لسه عايشين؟ قال المعلم حنفي بتمني: =الأعمار بيد الله مين عارف؟ تفوهت أم الديب بطمع، حيث كانت تأمل في شراء كل قطع الذهب الموجودة في المتجر من أجل ابنتها، وكأنها تتطلع إلى استغلال كل فرصة للحصول على ما يليق بها، بينما في ذات الوقت، إذا كانت زوجة ابنها هي التي تستحق الهدايا، لكانت قد أهدتها بعصا خشبية فوق رأسها، تعبيرًا عن مدى استهزائها، ورفضها للانتقاص من قيمة ابنتها بالمقارنة مع الآخرين، لذلك قالت: _آني بتي هايدي يتجابلها أغلى حاجة في الدكان دهو. ثم نهضت بجشع، ووقفت على مقربة من سيف هايدي، وزياد، كأنها كاميرا راصدة تراقب اختياراتهم بدقة، حيث كانت عيناها تتنقلان بين القطع الذهبية المختلفة، وكأنها تبحث عن الأفضل، وسألت الصائغ بفضول شديد، متسائلة عن تفاصيل كل قطعة، وسعرها، لتتأكد من أنها ستنال أفضل ما يمكن الحصول عليه لابنتها: _ايه أغلى حاجة عندك هنا يا راجل انت؟ أجاب الصائغ، وهو يشير بإصبعه على القطع المتاحة: =عندي دهب ممتزج بالألماس، في خاتم عندي بأربعين ألف، والسلسلة، والأنسيال على بعض بستين ألف. تفوهت أم الديب بنبرة جلفة: _هاتهملنا! قالت هايدي بدهشة: =ايه يا ماما؟ ده مكنش اتفاقنا! ردت أم الديب بحدة بالغة، ووجهها مشدود إلى أقصى حد، وكأنما أعدت نفسها مسبقًا لصنع عاصفة من الفوضى من أبسط الأمور، مترقبة الفرصة لتصعيد الوضع إلى أقصى درجات النزاع: _متبقيش عبيطة يا بت! أمال يضحك عليكي، ويجيبلك أي حاجة؟ قالت هايدي باستغراب عميق، وقد علت وجهها ملامح الدهشة: =وهو هيضحك عليا ليه؟ مانا هجيب دبلة، وسلسلة، وأنسيال! انتي مستهونة بيهم؟ دول كتير أوي! تفوهت أم الديب بطمع جلي في أموالهم، وقد ظهر الجشع بوضوح، وكأنما سُحرَت بفكرة المال الذي كان يشكل لها مغريًا لا يمكن مقاومته: _ولا كتير ولا حاجة، يجيبهملك ويجيب عليهم الحاجات اللي طلبتها من الراجل، هو انتي كل يوم هتتجوزي؟ سأل جلال الصائغ بفضول حول الأسعار، وقد بدت على ملامحه علامات الاستفهام. كان يبدو وكأنه يبحر في عالم من التساؤلات: =احنا اتفاقنا مية جرام، يعملهم في حدود كام يا عم الحاج؟ أجاب الصائغ بوضوح، وكانت إجابته مدعمة بالحقائق: _في حدود مية وعشرين ألف كده. اعترى جلال صدمة هائلة حينما تلقى الجواب، وكأنما صُدم بحقيقة غير متوقعة قد قلبت كل توقعاته رأسًا على عقب. بدا وكأنه يجاهد لاستيعاب المعلومات الجديدة التي تهدد استقرار افتراضاته السابقة. فقال بذهول: =يا خبر أبيض! ده الجرام غالي أوي أوي! قال الصائغ بنظرات مليئة بالدهشة، وقد كان يشير إلى الجهل الذي يعاني منه الآخر، كمن يواجه فردًا يعيش في زمن مضى بعيدًا عن أحدث التطورات. كأنه يراقب شخصًا غافلًا عن التغيرات الجوهرية التي طرأت على العالم من حوله: _أمال ايه يا أستاذ؟ كل حاجة أسعارها زادت، هنعمل ايه بس؟ ماحنا بنستورد الخامات بالغالي فلازم نبيع بالغالي أمال التاجر يخسر؟ تلفظ أحمد باقتناع: =عندك حق، بس أنا شايف إن ده السعر المناسب. نظر زياد إلى هايدي بتتيم عميق، وقال بمحبة صادقة: _أنا هجيب أي حاجة هايدي تطلبها. أعوجت أم الديب فمها، وأظهرت سخرية واضحة في تعبير وجهها، بينما وضعت يدها على خصرها الممتلئ بطريقة متعمدة، وقالت باستهزاء: =يا كُهنه يا مُحنه... دهى مرارة واحدة يا ولا! قال المعلم حنفي بفظاظة، ساعيًَا لإنهاء مشكلاتها اللا نهائية: _اسكتي يا ولية، اطلعي انتي منها! خلي العريس، وعروسته ينقوا بمزاج، متشغليهمش! استقرت هايدي على خاتم نال إعجابها البالغ، فقالت بفرح: =ده كمان حلو أوي. تحدث زياد بغرام: _ميغلاش عليكي يا هايدي. تدخلت أم الديب في الحديث بينهم بغلاظة، وكأنها تنتظر خطأ صغيرًا لتفجير الموقف، وقالت بلهجة صارمة: =جيبت الحاجات اللي قولتهالك ولا لا؟ رد الصائغ باستجابة هادئة، محاولةً منه لتهدئة الأوضاع: _حاضر يا حاجة. قال جلال بدهشة: =انتي مش شايفة بيقولك سعرهم كام؟ انفجرت أم الديب في وجه جلال، وقالت بصياح حاد: _يكون زي ما يكون آني مليش فيه، بتي هايدي يجيبولها أغلى وأحسن حاجة، أمال يضحك علينا يا ولا؟ وكل اللي قاعدين آني بقولكم كلمة ومش هرجع فيها! لو هايدي مجالهاش أغلى حاجة في الدكان دهو أنسوا أنكوا تحطوا أيديكم في أيدينا! تحدث حسين بموافقة: =وماله؟ اللي تشوفيه يا أم العروسة! تلفظت أم الديب بهدوء بعد عاصفة من الاهتياج، وكأنها استعادت رباطة جأشها لتقول ببرود محسوب: _الله يسترك يا حاج. ثم هدأت روحها ورجعت إلى مكانها مجددًا، فقرب حسين من المعلم حنفي، وقال بصوت خافت: =مراتك واقفالنا زي اللقمة في الزور، واحنا مكنش اتفاقنا نجيب أزيد من مية ألف، هي كده بتحطلنا العقدة في المنشار، وبتعجزنا يا حنفي! كان المعلم حنفي حريصًا على ألا تسمعه أم الديب، فقال له بصوت غير مسموع: _أصبر بس ليها حل! ثم نادى جلال، وأحمد للاتفاق سرًا دون أن تعلم أم الديب، وقال: _تعالى يا جلال انت وأحمد، عايزكم! قدم جلال، وأحمد، فسأل جلال بفضول: =ايه يابا في ايه؟ أجاب المعلم حنفي بصوت خافت: _أمك مصعباها على عمك، وشكلها ناوية لا تخربلنا أم الجوازة... اتصرفوا! تحدث أحمد بنبرة منخفضة، تكاد تكون همسًا، خشية أن تسمعه أم الديب. كانت كلماته تتسلل بصعوبة بين الشفاه المتوترة، وهو يحاول جاهدًا أن ينقل ما يود قوله دون أن يلفت الانتباه: =طب بصوا احنا هنعمل إننا جيبنا اللي هي عايزاه، وهي كده كده مبتعرفش تقرأ ولا تكتب. قال جلال بثبات، متحليًا بالاطمئنان الذي ينبع من ثقته العميقة في نفسه: _عين العقل ده كلام مظبوط... روح عرف العريس ألا ينسى ويودينا في داهية! رد أحمد: =ماشي. وبالفعل، توجه نحو العريس بهدوء شديد، وهمس له بنبرة منخفضة لا تكاد تسمع، شارحًا له الأمور بإيجاز ولكن بوضوح تام. في تلك الأثناء، جلس جلال بجوار المعلم حنفي، ودار بينهما حديث طويل مع الصائغ، حيث شرحوا له بعناية كل ما يتعلق بالزواج، مؤكدين له أهمية تجاوز أي عقبات قد تعترض طريق إتمام هذا الزواج. بعد استماعه للتوضيحات المفصلة، نطق الصائغ: _خلاص يا حاج مفيش أي مشكلة... الحاجة شكلها صعبة، الله يكون في عونكم. قال المعلم حنفي باحتدام مكبوت، بينما كان يترقب نظراتها بحدة: =حسبنا الله ونعم الوكيل، أدعي عليها بإيه؟ تحدثت أم الديب بصوت عالٍ يحمل في طياته الصياح، مما جذب انتباه الجميع نحوها، وجعل الأنظار تتركز على ما كانت تقوله: =جيبتوا الحاجات ولا لسه؟ حدق المعلم حنفي فيها بنظرة مملوءة بالكراهية، ثم التفت إلى الصائغ بملامح متجهمة، وقال: _أه يا ولية، هيدفع تمنها أهو، روحوا أسبقونا على العربية عقبال ما زياد يدفع! تلفظت أم الديب بعجيج: =آني مش رايحة في حتة، أمال تسكعوني على قفايا ويتضحك عليا؟ ردّ المعلم حنفي بلهجة تعكس استسلامه للوضع، وكأنه مجبر على القبول بما لا يرغب فيه: _خلاص يا ولية خليكي... منك لله. قالت أم الديب بجلبة: =بتقول ايه ياللي تتشك في جنابك؟ أجاب المعلم حنفي بخوف: _وآني اتكلمت ولا فتحت بوقي؟ ده آني بدعيلك! نظرت أم الديب إليه بنظرة ممتلئة بالاشمئزاز، وبقيت واقفة في مكانها حتى دفعت الأموال وتأكدت من صدقهم بعد اتفاق الرجال على خداعها. بعد ذلك، استلموا ذهب العروس بفرح، وركبوا السيارات متجهين إلى القاعات ليختاروا المكان المناسب لإقامة حفل الخطبة، ولكن يبقى السؤال: هل ستتمكن أم الديب من الصمود؟ أم أنها ستعود للتدخل مرة أخرى؟ يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة