تحدثت أم الديب بحفيظة: _ قومي يا بت! ردت نعمة بصراخ بتأوه: =مين فينا اللي يقوم أنا ولا انتي؟ نطق جلال بشك: _ايه اللي وقعك فوقيها ياما؟ تلفظت أم الديب وهي تشرح له ما حدث، كلماتها تتلاطم كأمواج البحر، تحمل في طياتها روح التعبير عن الأحداث الدرامية التي شهدتها اللحظات الأخيرة: =ياخويا بعد مانتوا نزلتوا قولت أقعد مع نعمة نسلي بعضينا وانا بقعد روحت مكفيه على وشي نازلة عليها. تحدث جلال بارتياب: _انا مش داخل دماغي الحوارات دي! ردت أم الديب بصياح: =انشالله عنه مادخل...يلا امشي، وسع مكان! تلفظ جلال بامتعاض: _جرا ايه ياما هو انا قاعد على حجرك؟ أنا نسيت العوامة وجاي آخدها. بينما كانت ليالي جالسة على الكرسي الخشبي القديم على رمال الشاطئ، والبحر يلتف بأمواجه الهادئة حولها كأنه يستمع لكلماتها بانتباه، وهي تتحدث مع والدها في الهاتف، وصوتها يرن في خلجات الهواء المالح، كأنه ينقل لها أصداء الأمواج، وأحاسيس السكون: =جلال مسمعش كلامي قولتله بلاش نجيب حماتي وبرضه جابها، وكل ده علشان هي اللي تصرف ولحد دلوقتي مش عارفين نطلع منها بمليم. رد عم سلامة بعداوة ناحية أم الديب، بنبرة حادة تكشف عن انزعاج متأجج، كأنه يرسم بكلماته خطوطًا من الإساءة تجاهها، معبرًا عن عدم رضاه التام: _حماتك دي ست جلدة والجنية اللي بيطلع من جيبها بيتكتبله عمر جديد. ردت ليالي بتنهيده عميقة، كأنها تعبر عن إرهاقها، واستياءها من الوضع: =على رأيك...ده انا كان نفسي تيجوا انت وأمي وأخواتي، ده القاعدة كانت هتبقى فُل بدل القرف اللي انا فيه ده. رد عم سلامة بإشفاق: _المرة الجايه يابتي يكون ربك سهلها نطقت ليالي، وهي تحاول إقناع والدها بكلمات مؤثّرة ومنطق مقنع، مظهرةً اهتمامها الكبير بمصلحتهم، وبالحلول المناسبة للوضع الحالي: =ازاي بس يابا؟ اسمع مني انا هطفش حماتي وتيجوا تكملوا الكام يوم الباقيين. ضحك عم سلامة بسخرية، وقال باستهزاء: _تطفشيها؟ دي تطفش بلد بحالها، دي ست يتفاتلها بلاد. ردت ليالي بإصرار: =نحاول يابا احنا خسرانين ايه بس؟ في الجهة الأخرى كانت هايدي جالسة على شاطئ البحر، حيث ترتفع الأمواج ببطء متسارع وتتلاطم على الرمال، وهي تشعر بالاشمئزاز من منظر البحر الذي في اعتقادها يشبه الترعة المتلطخة المغمورة بالنفايات، وفي لحظة من الضجر، نطقت بصوت مليء بالتقزز: _ايه الملل ده؟ ده مصيف ولا ترعة؟ خلاص ضاقت عليهم الأماكن النضيفة مش لاقيين غير هنا؟ قدم حمود، وهو يتشبث بالعوامة في يده، وقد بدت على وجهه علامات الاستعداد للسباحة، وفي لحظة من الإصرار، نطق قائلًا: =عمتي... عمتي هايدي! ردت هايدي باحتدام: _قولتلك مليون مرة اسمها عمتو، عايز ايه؟ تلفظ حمود بحماس: =لبسيني العوامة. ردت هايدي بضيق: _وأنا كنت خلفتك ونسيتك؟ ده ايه الهم ده ياربي؟ وألبسته العوامة بينما كان المعلم حنفي يسبح في المياه، وقد قرر أن يستخدم قدراته المدفونة ويتعمق في البحر أكثر فأكثر، متسلحًا بالثقة، ليثبت لهم أنه سباح ماهر. فجاء جلال وهو يتابع الوضع بتوتر، وقال بصوت مليء بالتشويق: =رايح فين يابا؟ أجاب المعلم حنفي بنبرة مُستعدة: _هدخل جوا...ده الماية إنما ايه حلوة حلاوة! رد جلال برهبة: =استنى يابا هدخل معاك...انت محرمتش ده انت غرقان مرتين قبل كده. نطق المعلم حنفي بثقة، صوته يتردد في أرجاء البحر كصدى لقوته الداخلية المتجددة، معبرًا عن إيمانه الكامل بمهاراته في السباحة: _بسبب أمك، هي بس تسيبني في حالي وأنا هوريك العوام المحترف. ضحك جلال، وقال بدهشة: =محترف؟ لا ربنا يسترها. ذهبت تقى إلى والدتها، وهي ترغب في النزول إلى البحر، فقالت بصوت ينبض بالحماس: _ماما يلا ننزل! بينما كانت ليالي تتحدث مع عم سلامة في الهاتف، نطقت له بصوت مليء بالاهتمام: =طيب يابا هكلمك بعدين...المهم انت بس انوي، وانا هقول لجلال يشوفلنا شقة تانية. رد عم سلامة بود: _ماشي يا بتي خدي بالك من العيال. تفوهت ليالي بإحسان: =حاضر يابا... سلام. بعد أن انتهت المكالمة الهاتفية بينهم، قالت ليالي لابنتها بتأمل في عيونها الصغيرة، كأنها تحمل عبق الحنان: _عايزه ايه يا تقى؟ أجابت تقى بلهفة: =كلهم نزلوا إلا احنا...يلا ننزل يا ماما. وقفت ليالي مكانها، وكان الصمت يلفّها كالغمامة، ثم نطقت ببساطة، كأنها تنادي بعالم آخر: _تعالي. ثم أمسكت ليالي يد ابنتها بحنان ينبع من أعماق الأمومة، ودخلوا إلى البحر معًا، حيث انضم المعلم حنفي إلى جلال وبدأوا في السباحة. وفي لحظة ما، شعر المعلم حنفي بفزع لحظي كأنه شيء خفي توارى في أعماق المياه، ثم انبسطت على وجهه ابتسامة واسعة، وهو يقول بصوت مليء بالمرح: =أوعى ياض ألا هنتسحب...في عفريت تحت الماية. ضحك جلال، وقال بسخرية: _عفريت؟ أما انت عليك حاجات يابا. ضحك المعلم حنفي بصوت مرتفع، كموجة من الفرح تندفع في أعماق البحر، وفجأةً، أثناء سباحته، انعكست أمام عينيه صورة خيالية لأم الديب تحت الماء، فتجمّدت حركته وارتعشت أطرافه، وتملكه الخور، حتى انسكبت من عينيه دموعه، وهو يرتجف ويصرخ في وجه البحر الهائج: =يا نهاري عفريت تحت الماية، طلعوني يا ولاد الكلب، طلعني يا جلال طلعني! وتشب المعلم حنفي بعنق جلال، وفجأة جاءت ليالي من بعيد، وقالت بتعجب في صوت مليء بالتساؤل: _مالك يا حمايا؟ رد جلال بذهول: =انت كبرت وبدأت تخرف يابا. صاح المعلم حنفي فيه قائلًا بهياج: _أخرس ياض...انا كبرت أه بس مخرفتش! نشب جلال بالمعلم حنفي بقوة، وأخرجه على الشاطئ الرملي الذي كان يشهد عروض الأمواج اللامعة في ضوء الشمس الغروبية، وجلسوا على الرمال الناعمة التي تحكي قصص البحر وأسراره العميقة. وفي لحظة من الهدوء، نظرت ليالي إلى الثنائي بعيون ممتلئة بالدهشة، ونطقت بصوت متأمل: =أحسن حاجة إن أمك مش هنا. تلفظ جلال بكمد: _مالك يا ليالي؟ ماتطلعي أمي من دماغك بقى. تحدثت تقى بإلحاح: =بابا ودينا الملاهي بعد البحر! رد جلال برهبة بعدما حدث لأخته بالملاهي، بنبرة مليئة بالقلق، كأنه يحمل في صدره ثقل الواقع وتأثيراته العميقة: _وانتي محرمتيش من اللي حصل لعمتك؟ دي نايمة فوق متكسحة شوفوا بقى هتقعد كام يوم في الجبس ده. تفوهت ليالي بشحناإ: =كله من عمايل أمك...لو كانت قعدت ساكتة مكنش حصل كل ده. ارتجف المعلم حنفي بردًا، وهو يحسس بأطراف أصابعه على ذراعيه بحثًا عن دفء، وكأن الرعب يسري في عروقه مثل دم متجمد: _آه يا حنفي...آه يا بختك المايل يا حنفي... مش عارف تفرحلك يومين، آه يا حنفي آه. تحدثت هايدي بغرور: =حد قالكم تيجوا هنا؟ بقى سايبين شرم والساحل وجايين هنا؟ أجاب المعلم حنفي بصوت جلف: _طب ماتتشمللي ياختي، وتودينا هناك بدل عوجة الراس اللي انتي عايشه فيها دي. ردت هايدي بتلجلج: =انا مرتبي ميكفيش كل ده. تلفظ المعلم حنفي بحكمة، صوته ينبعث بثقة، كأنه ينقش بكلماته دروسًا من الحياة تتجلى فيها حكمة الخبرة: _ولا احنا فلوسنا تكفي اللي بتتكلمي عنه، يبقى تسكتي انا مش ناقص! ردت هايدي بندم، صوتها ينطلق بسخط، كأنها تعبر عن تأمل في أخطاء الماضي التي لا تستطيع تصحيحها الآن: =انا غلطانه إني جيت معاكم. صعدت هايدي للشقة، وعابت على هذا المكان الدنيء من وجهة نظرها. وأثناء مرورها في طرقة الشقة، استنشقت رائحة الرنجة الفاسدة، فدخلت المطبخ بانزعاج، وجدت أم الديب تسخن الرنجة على شعلة النار. فقالت بتقزز: _ايه ده يا ماما؟ نطقت أم الديب بشوق غريب، صوتها يتردد في الهواء باشتيهاء عارم: =ايهي دي رنجة. تلفظت هايدي باشمئزاز: _وجيبتيها منين؟ ردت أم الديب بوضوح، صوتها يتسلل إلى الغرفة كصدى لا يُمكن تجاهله، كأنها توجه رسالة مباشرة بدون أي تردد: =الراجل اللي في الشقة اللي جنبنا كان بيتخانق مع مراته وبيقولها الرنجة طلعت بايظة، قالتله دي زي الفل راح الراجل قايلها دي بايظة هو انا مختوم على قفايا ومبفهمش؟ وبعد نص ساعة خناق يا بت على بايظة ولا مش بايظة جه الراجل واخدها وراميها في الزبالة، قومت انا طالعة وجايباها قولت حرام نعمة ربنا تترمي في الزبالة. وضعت هايدي يدها على فمها من شدة الاشمئزاز، وقالت بصوت مكتوم: _يع انتي ازاي تاخدي حاجة من الزبالة؟ ردت أم الديب بسخرية: =ياختي ياختي...ماتعيشي عيشة أهلك يا بت! تفوهت هايدي بصياح: _ياريتني ماجيت معاكم في حتة. دخلت هايدي غرفتها، وصُدمت الباب بقوة، فصاحت أم الديب قائلة بصوت مرتفع: =مترزعيش الباب يا بت ألا أدخل أخرشمك! بدأت الرائحة الكريهة تتغلغل ببطء في كل أنحاء الشقة، معبرة عن طبيعتها القذرة والمثيرة للاشمئزاز، حتى وصلت إلى نعمة التي كانت تتواجد في الزاوية البعيدة. فحين شعرت نعمة بالرائحة، أدارت وجهها بانزعاج، وتعبير عميق عن الاستياء، ونطقت بصوت ممتلئ بالتقزز: _إف... ايه ريحة الكلب الميت دي؟ ونادت أم الديب بألم، صوتها يرتفع كلما زاد الضغط الذي تعاني منه، كأنها تطلب المساعدة: _ياما...ياما. دخلت أم الديب الغرفة على نداء نعمة لها، وقالت بصوت متوجس: =مالك يا بت؟ ردت نعمة بتقزز: _هي الريحة دي جايه منين؟ أجابت أم الديب بصراحة: =من عندنا أصل آني بشوي رنجة. ردت نعمة بتعجب: _وجيبتيها منين؟ نطقت أم الديب بكذب، صوتها يرتجف بالحيرة والتوتر، كأنها تضطر لإخفاء الحقيقة أو تغطية أحداث غامضة: =اشتريتها. لكن هايدي لم تستطع تحمل كذب أم الديب على نعمة، فاستجمعت شجاعتها، ودخلت الغرفة، وهي تقول بصوت محاولة التعبير عن الحقيقة: _ماما بتضحك عليكي دي جايباها من الزبالة اللي قدام الشقة. اغتاظت أم الديب من هايدي بعد أن كشفت سرها، فانطلقت كلماتها بصوت حاد يتدفق كالسيف القاطع، كأنها تنقل الانزعاج بلا تحفظ: =ايهي انتي بتكدبيني يا بت؟ طب تعاليلي. تشبثت أم الديب في رأس هايدي بعنف، وهي توطئها بكل قسوة. لكن هايدي حاولت بكل قوة الإفلات من ضربات أم الديب القاضية، وصرخت بصوت يعبر عن الألم: _سيبيني...بقولك سيبيني! تفوهت أم الديب بإعوال، وهي توطأها بقسوة: =عشان تبقي تكدبيني تاني...آني هعلمك الأدب! نعمة تحدثت بصراخ متألم، عاجزة عن الحركة بسبب عجزها: _أبوس ايديكم متعملوش مشاكل! كانت نعمة تحاول بكل جهدها الوقوف على قدميها، وتقاوم بكل إصرار تعبها، لكنها فشلت في ذلك، وزاد الألم مرارة وجودها. وفي الوقت نفسه، كانت أم الديب توطئ رأس هايدي بجبروت، معبرة عن أمراضها النفسية: =هعلمك الأدب يا بت! من شدة نواح هايدي، اهتزت المنطقة برمتها، حتى وصل صداها إلى باقي أفراد العائلة الذين كانوا على الشاطئ، فعبر المعلم حنفي عن دهشته من الوضع بتعبيرات ملموسة، ومفردات مُعبرة: _ايه الصويت ده؟ ونادى جلال بصوت مرتفع: _جلال... جلال! حضر جلال، وقال بفضول ملفت: =ايه يابا حاجة حصلت تاني؟ تحدث المعلم حنفي بتركيز عارم، وصوته ينطلق بارتياب مُلفت: _سامع اللي انا سامعه ده؟ بعد أن دقق جلال في الصوت، أدلى برأيه قائلًا: =ده صوت أمي! صاح حامد بجملة مُفاجئة قائلًا: _بينا على فوق بسرعة! صعد الجميع بسرعة، وكان جلال يجري في مقدمتهم بأقصى ما يملك من سرعة، لكن فجأةً، في منتصف هذا النزاع المثير، تذكرت أم الديب بلحظة مفاجئة أنها تركت الرنجة فوق النار المشتعلة، فوقفت مسرعة، وصرخت بصوت ملؤه الإنذار: =يا خرابي الرنجة اتحرقت! وصل المعلم حنفي الشقة، برفقة بقية العائلة، وتحدث بتعجب: _رنجة ايه يا ولية؟ تساءل جلال بفضول: =ايه اللي حصل؟ ردت هايدي بنواح: _ضربتني... كنت هموت على ايديها... حسبنا الله ونعم الوكيل في الظالم... أروح منكم فين؟ نطقت ليالي بسخط ملحوظ: =بقولك ايه يا جلال أمك زودتها...انت تاخدها وتوديها في أي داهية بعيد عننا! رد جلال بغية الانتقام، كلماته تنبعث منها رغبة قوية، وشغف متجذر: _انا عارف هعمل ايه كويس! اندفع جلال إلى المطبخ بخطوات مُتسارعة، وهناك وجد أم الديب تستمتع بأكل الرنجة المحروقة، فلم يتمالك نفسه وقال لها بصوت مغمور بالخديعة: =بقولك ايه ياما احنا زهقنا من المصيف وعايزين نرجع بيتنا كفاية علينا كده. تساءلت أم الديب بتعجب ملموس: _ايهي ايه اللي حصل؟ رد جلال بتمثيل: =لا مفيش حاجة بس زهقنا...يلا ياما البسي عبال ماحنا كمان نلبس. وخرج من المطبخ، ثم توجه إلى زوجته، وأردف بمكر: =يلا يا ليالي شطفي العيال والبسوا. ردت ليالي بتمثيل: _ماشي...يلا يا عيال! رد حمود بسعادة: =هيييه هنستحمى! اقتحم المعلم حنفي المطبخ، فوجد أم الديب مشغولة بأكل الرنجة الفاسدة، حيث كانت تتلذذ بها بلا مبالاة، وقالت، وهي تعبّر عن استمتاعها بها: _الرنجة زي السكر ياخويا. تلفظ المعلم حنفي بدهشة: =انتي جايباها منين يا ولية؟ ردت أم الديب بصراحة مُفرِطة: _من الزبالة. تفوه المعلم حنفي باشمئزاز: =هقول ايه هو انتي زينا؟ ده انتي شايله اللوز بتاكلي اللي يجي قدامك...ده انا خايف في يوم أصحى ألاقي ايد ولا رجل ناقصين. ردت أم الديب بصوت حاد: _ليه شايفني جاموسة ولا جاموسة؟ تلفظ المعلم حنفي بفزع: =هو حد اتكلم؟ بعد مرور ساعة، انتهى الجميع من ارتداء الملابس وتجهيز الحقائب، وفي هذا الوقت، بدأت التمثيلية عند أم الديب بمجرد دخول جلال إلى غرفتها. بدا جلال مؤكدًا، وهو يلقي نظرات مُريبة نحوها: _أوعوا تنسوا حاجة! واصل جلال حديثه لأم الديب بابتسامة شريرة تنبعث منها طابع التهكم، مما أضفى على كلامه لمسة من الانتقام: _وانتي ياما تعالي معايا نروح نشتري أكل عبال مايلموا اللي في الشقة. ردت أم الديب بطمع ملحوظ: =هتجيبلي فراخ؟ أجاب جلال بمكر: _أه ياما وطحينة واللذي منه. نطقت أم الديب بخوف: =متعرفش حد ألا أتحسد! رد جلال بتدليس: _متخافيش هعمل حسابك في فرخة لواحدك. نزل جلال مع أم الديب من الشقة، وركبوا السيارة بمفردهم، وفي منتصف الطريق، تعطلت السيارة فجأة عن السير، فبادر جلال بضرب يده بانزعاج على تارة القيادة، معبرًا عن إحباطه، في حين ألقت أم الديب بنبرة مندهشة: =ايهي هو ايه اللي حصل؟ رد جلال بإحباط وانزعاج واضحين في تعبيراته: _العربية شكلها اتعطلت...طب بقولك انا أعرف واحد صاحبي في الموقف هنا، تعالي معايا يوصلنا ونبقى نرجع للعربية تاني نشوف مالها. تفوهت أم الديب بفضول: =وانت عرفته منين؟ ده عمرنا ما سمعنا عنه. نطق جلال بابتسامة: _لا ده جدع أوي...تعالي بس. نزل جلال، وأم الديب من السيارة، واتجهوا إلى موقف السيارات، حيث عانق جلال زميله السائق بعنفوان، معبّرًا عن فرحته، ثم قال له بتعبيرات حميمة، وصداقية ممزوجة بالامتنان: =يا مساء الهنا...ازيك يابا؟ رد جلال بابتسامة: _ازيك يا معلم؟ وأردف لأم الديب قائلًا بابتسامة غامضة، وخداع متقن: _اركبي ياما عبال ما أتكلم معاه في كلمتين. صدقته أم الديب وسقطت فريسة في بئر خداعه، وهي تقول بكل ثقة: =ماشي متتأخرش...انا على لحم بطني. قال جلال بخبث: _لا متخافيش. ركبت أم الديب السيارة، حيث ابتدت السيارة تحمل الركاب، فاندمجت أم الديب مع إحدى السيدات في المقعد الخلفي. في الأثناء، عاد جلال إلى سيارته وأحضر حقيبة أم الديب، ثم رجع وسلمها بلحظة وداع مؤثرة لصديقه، وأعطاها له بحنان ممزوج بالوداع. ثم غادر بعد أن عانقه عناق الصداقة، وتأملت أم الديب باندهاش عندما رأت اختفاء جلال، وخرجت بصوت ممتلئ بالحيرة: =استنى يابن الكلب رايح فين؟ الواد جلال مركبش! ضحك السائق ضحكة ممتدة، تملأ الهواء ببهجة غامرة، ورد بابتسامة تنطق بالسرور، معبرًا بلهجة طريفة: _ومش هيركب...هو مقالكيش يا حاجة ولا ايه؟ ردت أم الديب بصدمة: =ايهي قال ايه؟ ضحك السائق ضحكًا شديدًا، امتدت نبراته في الهواء كموسيقى مفرحة، وبدا وجهه منيرًا بالسخرية، وفي لحظة، قال بصوت مليء بالترقب: _انتي راجعه على بلدكم يا حاجة...تصحبكم السلامة. ضربت أم الديب يدها بقوة على صدرها، وصرخت بلهجة مليئة بالاستياء: =يا مصيبتي! ونظرت أم الديب بنظرة شريرة مليئة بالانتقام نحو جلال، ثم واصلت حديثها بكلمات محملة بالقصاص: =ماشي يا جلال ورحمة أبويا لأوريك...بقى انا تعمل معايا كده؟ لم تترك أم الديب الركاب وشأنهم، بل قامت بوطء الجميع بحذائها، حيث استخدمت أيديها وأرجلها بشكل متهور، وحذائها المتسخ ارتطم بقسوة بأجساد الركاب، بدءًا من رأس السائق وصولًا إلى بقية الركاب الذين كانوا يحاولون الهروب من نوافذ السيارة، مستنجدين بالسيارات المارة على الطريق. بعد أن عاد جلال إلى الشقة وسرد لهم ما حدث في هذا الموقف الكوميدي، ضحكت ليالي بشدة، وأعربت بابتسامة مشوشة بين الدهشة، والتسلية من الوضع الفوضوي الذي حدث: _اديت أمك الصابونة يا جلال. ضحك جلال بشماتة، وهو يقول: =اعمل ايه طيب يا ليالي؟ ماهي كل شوية طالعالنا بمشكلة شكل وانا واحد جاي أستجم بيومين المصيف. ردت ليالي بتفكير: _طب والهدوم اللي لمناها دي هنعمل فيها ايه؟ أجاب جلال: =سيبيها زي ماهي، ويلا تعالوا انا عازمكم على أكلة كفتة إنما ايه...هتاكلوا صوابعكم وراها. نطقت هايدي باستياء: _انا هقعد مع نعمة مش هسيبها لواحدها. رد جلال بروح زاهية متفتحة للحياة، حيث انبعثت منه بسمة تنطق بالتفاؤل: =حلو الكلام، ومتقلقوش هنجيبلكم نصيبكم لما نرجع. تلفظ المعلم حنفي ببهجة: _ياه أخيرًا هاكل كفتة ياض؟ رد جلال بسعادة: =أمال ايه يابا؟ ده انا هدلعكم آخر دلع. نزلت العائلة برمتها عدا نعمة، وهايدي، وبدأوا يتجولون في شوارع البلدة، وسط أجواء مصيفية ساحرة تملأ الأنفس بالبهاء، حيث تعالت أصوات الأطفال المبتهجين ورنين الضحكات عبر الشوارع المزدحمة بالحياة. في هذا الإطار، أعربت ليالي بإعجاب عميق، مشددة على روعة هذه اللحظات التي تجمع بين الجمال الطبيعي، والنشاط الحيوي في البلدة: _الجو حلو أوي يا جلال...متتصورش انا ارتاحت قد ايه لما روحت أمك! ردَّ جلال بقلقٍ عميق مما قد تفعله بهم أمُّ الديب عند عودتهم من السفر، وكأنَّ في قلبه نذيرَ شؤمٍ يتربَّص بهم في الأفق: =انا مش شايل غير هم لما نرجع ده مش بعيد أمي تقتل قتيل على عتبة الشقة! نطق المعلم حنفي باطمئنان: _لا من ناحية الموضوع ده متقلقش ياض، انت مستهون بأبوك ولا ايه؟ ده أبوك أسد! ردَّ جلال برهبةٍ تتصاعد كأمواجٍ عاتية، تكسرت على صخور الخوف المكنون في أعماقه: =هو انت كده يابا دايمًا كلام على الفاضي، ووقت الجد تخلع. تفوه المعلم حنفي بثقة: _طب هتشوف، وهتقول أبوك قال. بينما كانت نعمة، وهايدي تجلسان جنبًا إلى جنب على السرير، مستندتين إلى الوسائد الناعمة التي كانت تستقر عليها أشعة الشمس المتسللة من النافذة، نظرت نعمة إلى هايدي بتعجب، مستفسرة بنبرة مفعمة بالتساؤل عن السبب الذي جعل هايدي تختار البقاء في الداخل وعدم مرافقتهم في النزهة الخارجية التي كانوا يتوقون إليها جميعًا: =منزلتيش معاهم ليه؟ ردت هايدي باستياء: _بصراحه صعبتي عليا نبقى كلنا برا، وانتي لواحدك هنا، ويفرض احتاجتي حاجة مين يجيبهالك؟ نطقت نعمة بابتسامة: = لا طمر فيكي. ردت هايدي بنبرة حزينة، ومكسورة، كأنها تحاول أن تخفي خلف كلماتها أحزانًا عميقة، وأسرارًا ثقيلة تثقل كاهلها، قائلة: _انتوا ليه شايفني وحشة؟ أنا بس عايزه اللي يفهمني وهديله عينيا! ردت نعمة بابتسامة: =مين قال انك وحشة؟ ده انتي ست الحسن والجمال، طب ده يا بخت اللي هيتجوزك! أجابت هايدي بإحباط: _يتجوزني؟ أنا مش عايزه أتكلم في الموضوع ده. ردت نعمة بدهشة واضحة في صوتها ونظرتها، كأنها لا تستطيع تصديق ما تسمعه، قائلة بصوت مفعم بالتعجب: =هتفضلي لحد امتى رافضه موضوع الجواز ولا انتي مش عايزه تتجوزي، وتخلفي، ويكون ليكي عزوة؟ أجابت هايدي بيأس: _مش عايزه أتجوز أي حد وخلاص، انا عايزه اللي هتجوزه يكون فاهمني، وفاهماه، وعايزاه رومانسي بيقول كلام حلو. ردت نعمة بإحباط واضح في صوتها ونظرتها المنكسرة، قائلة بصوت متهدج يكسوه خيبة الأمل: =ياختي الكلام ده في المسلسلات وبس. قالت هايدي بنبرة عقلانية هادئة، تحاول فيها أن تستند إلى المنطق وتفكر بعقل متزن، قائلة: _متبصيش لبابا وجلال انتي عارفة إن حياتهم صعبة و مفيش وقت للهزار والدلع. على ناحية أخرى، كان المعلم حنفي يرمق الفتيات المارين أمامه بنظرات ذات مغزى، ويغازلهنّ بكلمات مُنمقة، وأسلوب مغوي، قائلًا: =أموت أنا...ما جرا ايه ده انا راجل كبير وأعجبك! قال حامد بسخرية: _ماتهدى يا عمي انت مشوفتش حريم قبل كده؟ ردَّ المعلم حنفي بوجه عابس، تنعكس عليه ملامح الجدية، قائلاً بصوتٍ خالٍ من المزاح: =لا مشوفتش، وانا هشوف فين؟ نطق حامد بنصيحة محترمة، وخشية على مشاعر حماته، كأنه يحرص على ألا يؤذيها بأي فعل، قائلًا: _حماتي تزعل! رد المعلم حنفي بعجيج: =ماتزعل ولا تولع، وهي دي بيحوق في جتتها زعل؟ ده الخرتيت بيحس عنها. نطق حامد برد عقلاني، مُبديًا تفكيره الهادئ والمدروس، قائلًا: _يا حمايا دي ست وعندها مشاعر زي أي واحدة. ضحك المعلم حنفي، وقال باستهزاء: =ست مين؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. وغادر من حياله وهو يضرب كفًا على كف، وفي وجهه تعابير الاستغراب المتلاحقة كأمواج البحر، وكأن حامد يفكر في الأسباب الكامنة وراء هذا التصرف الغريب، مُتسائلًا بصوتٍ متمتمٍ، ومليء بالدهشة: _انا قولت ايه غلط طيب؟ في المطعم، وقف جلال أمام مدون الطلبات وهو يطلب الطعام بكل هدوء، تارة يطلب من القائمة الملونة المعلقة على الجدار، وتارة يتشاور مع النادل بلطف حول تفاصيل الوجبة التي يرغب فيها، متأكدًا من اختياره بدقة ليضمن تجربة طعام مُرضية: =هاتلي اتنين كيلو كفتة وظبط السلطات وحطلنا خمس أطباق رز. رد مدون الطلبات بسرعة، وهو يكتب الطلبات بأنامله النشيطة وعينيه المتألقتين على الحاسوب، كأنه يراعي كل تفصيل صغير لضمان تنفيذ الطلبات بدقة متناهية، ويبادل الابتسامات الوديّة مع الزبائن بين كل طلب وآخر: _حاجة تانية؟ أجاب جلال: =لا كده تمام التمام. تحدثت ليالي بتفكيرٍ عميق، كأنها تستنشق أفكارها بعناية كالزهور في فصل الربيع: _عايزين نحلي بعد الأكل يا جلال. غمز جلال عينه برومانسية نابضة بالشغف إلى ليالي، وقال بصوت ينبض بالعشق، والغموض في آن معًا: =وأحلي ليه والملبن كله قدامي؟ ضحكت ليالي، وقالت بخجل: _يخيبك الناس بتبص! بعد مرور نصف ساعة، وصلت أم الديب إلى منزلها في القرية، حيث كانت تتصاعد منها أعمدة الدخان كالتهديدات المظلمة. تحركت أصابعها المرتعشة نحو باب شقتها، والعزم على إلحاق الأذى به والانتقام منه، فوجَّهت لنفسها بصوتٍ غليظ ينبض بالانتقام: =ماشي يا جلال...بقى تضحك على أمك وتعمل عليها فيلم وفي الآخر ألاقيني راجعة بلدنا؟ ماشي يا جلال هتروح مني فين انا وراك والزمن طويل! دخلت أم الديب مطبخها بخطواتٍ ثقيلة، واستلت السكين بين أصابعها المرتجفة، وصعدت بخطوات مترددة نحو باب شقة جلال، تحاول فتحه بكل الطرق حتى تمكنت أخيرًا، بعد أن شوهت شكل الباب بمرارة. ثم توجهت بخطواتٍ ساخطة إلى المطبخ، حيث بدأت في استخراج كل محتويات ثلاجة ليالي بدقة فائقة، ونقلتها بعناية متناهية إلى ثلاجتها بالأسفل، كأنها تضع كل قطعة بفرضية الانتقام المحكمة. دخلت غرفة النوم بخطوات ثقيلة، وانغمست في تفكيك كل تفاصيلها، إذ أفرغت الخزانة من جميع الثياب بحركة واثقة، وبدأت بتمزيق المراتب، والستائر، والسجاجيد في غرف النوم والصالة، كأنها تعلن حربًا ضروسًا على كل جزء من شقة جلال. وفي لحظة من الغضب الجسيم، قالت بصوت يتجاوز حدود السكينة، والحزن الذي تملكته: _بقى أم الديب يتعمل فيها كده؟ ده آني هخلي اللي جاي كله سواد بس يصبروا عليا. بينما كانت العائلة مجتمعة على طاولة الطعام في المطعم بعد مرور نصف ساعة، كانوا يتناولون وجبة شهية محضرة بعناية، ولمعت البهجة في أعينهم مثل بريق النجوم في السماء الصافية. انعكست السعادة على وجوههم بكل تفاصيلها الدقيقة، وكانت الضحكات تعلو الأجواء كأنها أنغام موسيقية تعزفها أيادٍ خفية، وفي هذا الجو المليء بالحماس للحظات الجميلة، أعرب جلال بسعادة غامرة، بصوت يترنم بالاعتزاز، والرضا عن كل ما هو متاح أمامهم، قائلًا: =يلا يابا كل... ده كل واحد فينا له أربع صوابع كفتة، ومقولكمش بقى على الرز وحلاوته. رد المعلم حنفي باشتيهاء: _لا ياض ده الريحة جامدة أوي. بسط جلال يده برفق على علبة مغلقة، كأنه يمسك بكنزٍ يحتوي على أسرار السعادة، وقال بصوتٍ مليء بالترقب: =أمال؟ طب حزروا فزروا العلبة دي فيها ايه؟ ضحكت ليالي، وقالت بروح فكاهية: _فيها فيل. ضحك جلال بابتسامةٍ واسعة تملأ وجهه، وقال ببهجةٍ تنبعث من داخله كنهر من الفرح: =العلبة دي فيها فراخ مشوية...شوفتوا مدلعكم ازاي؟ رد حامد بتعجب: _أما انت جيبت كل ده منين؟ ضحك جلال بضحكة تنم عن دهاءه كالحرامي الماهر، وقال بصوت مليء بالذكاء: =أمي كانت مخبيه ٣٠٠ جنية تحت المخدة وفاكرة إن محدش عارف، بس انا شوفتهم وأول ماهي دخلت الحمام خدت اللي فيه النصيب....أصل جلال يضحك على الناس ميتضحكش عليه! ضحكت ليالي بابتسامة تعكس إعجابها العميق بقدراته، وقالت بصوت مفعم بالإعجاب، والتقدير لما أظهره: _يخربيت دماغك يا جلال. رن هاتف جلال بحيث تفاجأ من الجميع بسماعه، وبعد أن رد على النداء، تحدث بصوتٍ ينبض بالترقب: =ألو يا عم إسماعيل في ايه؟ تساءل عم إسماعيل: _انتوا هتعزلوا ولا ايه؟ رد جلال بتعجب: =هنعزل ايه؟ انا مش فاهم حاجة! أجاب عم إسماعيل: _أصل عدم الا مؤاخذة في عربية تحت بيتكم بتنقل التلاجة والبوتجاز. تلفظ جلال بفضول: =تلاجة وبوتجاز ايه؟ رد عم إسماعيل بعفوية: _شكلها حاجتك يا جلال، أصل الحاجات دي جديدة. نطق جلال بصوتٍ مليء بالصدمة، كأنه لم يصدق ما سمعه، وكأنه كان يأمل بشيء آخر تمامًا: =يا خبر منيل...طب اقفل دلوقتي. عندما اتصل جلال على أم الديب، وبمجرد أن ردت وسمعت صوته، انفجرت بضحكة خبيثة تمزج بين السخرية، والشماتة، وقالت بصوتٍ ينطلق من دواخلها بشكل مثير للانتقام: _شربتها يا حمار. وقف جلال مكانه، وبدأ يتحول ببطء من الهدوء الذي عرف به إلى عصبيةٍ مفرطة، حيث تغلغل الاحتدام في كل كلمة ينطق بها. بصوت مُتسارع ، فقال بجلبة: =كلام ايه ده ياما؟ انتي بتنقلي ايه؟ ردت أم الديب بلا مبالاة: _ايهي بنقل حاجتك يا ولا...أصلهم هيتباعوا وهاخد فلوسهم أجدد بيها شقتي، أصل قال ايه الحيطة قدمت فاحنا هنلونها. نطق جلال بعجيج حار: =كلام ايه ده ياما؟ بتبيعي حاجتي ياما؟ ماتردي عليا! التفت كل من في المطعم إلى صوت جلال، ووقف المعلم حنفي في الحال، وهو يحاول أن يفهم ما الأمر، وهمس بصوت مليء بالدهشة، والفضول: _في ايه ياض؟ تحدثت ليالي بخور: =يا نهار أسود ومنيل. ردت أم الديب بنبرةٍ حادة، وهي تحاول استفزاز جلال، كأنها تلعب بالنار بدون خوف أو تردد، تترنح بين الاستفزاز، والتحدي، قائلة بصوتٍ مليء بالثبات: _بقولك ايه اقفل متعطلنيش ده الرجالة لسه هيشيلوا الانترية، بس ياخويا مش عارفة هيطلعوه من الباب ازاي؟ رد جلال بصراخٍ عالٍ، وهو يضرب يده بقوة على الطاولة، كأنه يحاول بذلك إخراج كل ما في داخله من غضبٍ وانفعالات متقلبة، ممزوجة بالإحساس بالظلم: =جرا ايه ياما؟ انتي شايفاني راجل ولا عيل بشخه؟بتبيعي حاجتي ليه ياما؟ لطمت ليالي وجهها بقوة، وهي تصرخ بصوتٍ متعالٍ، كأنها تعبر عن غضبٍ عميق، وحزنٍ لا يمكن احتواؤه، قائلة: _يا لهوتي يا مصيبتي يا مصيبتي...هتبيع العفش اللي حيلتنا؟ يا لهوي يا لهوي! تحدث المعلم حنفي بصياح: =هات أمك أكلمها! وواصل حديثه في الهاتف بضجيج: =ألو يا ولية انتي اتجننتي ولا ايه؟ صكت أم الديب المكالمة في وجه المعلم حنفي دون احترام، فقال بتعجب، ودهشةٍ واضحة في صوته: =دي قفلت السكة! بعد أن وصل لقمة العصبية، وطأ جلال يده بقوة على الطاولة كصخب يهز الهواء حوله، كأنه يحاول إخراج كل سخطه، وإحباطه في ضربة واحدة. صوته اهتز مع كل كلمة، يحمل في طياتها الشعور بالظلم، وقال بصوت مليء بالانكسار: _يلا قدامي يا ليالي لمي الحاجة، وهننزل على البلد... انا هقتل قتيل، ويا أنا يا أمي النهاردة! خرجت العائلة من المطعم بخطواتٍ ثقيلة تنعكس عليها آثار القهر، واتجهوا إلى العمارة السكنية حيث انقسموا لاستكمال التحضيرات للرحيل، وقد جلس جلال، والمعلم حنفي في السيارة، يعانقهما الصمت الثقيل، والأفكار الملتبسة، في حين صعدت ليالي، وحامد لتعبئة بقية الملابس في الحقائب الكبيرة، وفي غرفة النوم، دخلت ليالي بدموعٍ تتساقط كالأمطار الغزيرة، ملامح الحزن تعلو وجهها المنكوب. فنادتها نعمة بصوت ينطلق من عمق الأسى، وهي تحاول تهدئتها ومساعدتها على تجاوز هذه اللحظات الصعبة، قائلة بكلمات فضولية: =في ايه يا ليالي؟ دخلت ليالي الغرفة، وهي تبكي بشدة، وعلى وجهها بادية علامات الحزن، والأسى العميق. بينما كانت تحتضن ثيابها بقوة، وقد تأثر صوتها بالبكاء، قالت بصوتٍ مكسورٍ، ومحملٍ بالألم: _أمك عملتها وعمالة تحول في عفشنا يا نعمة. ردت نعمة بصدمة: =يا ساتر يارب، ليه كده طيب؟ تحدثت هايدي بذهول: _كنت عارفة إنها مش هتسكت إلا لما تفش غلها. ردت ليالي بانتحاب: =ده احنا طلع عينا في الشقة، هو جلال كان حيلته مليم؟ مين هيجيبلنا العفش تاني لو اتباع ده ربنا عالم بحالنا. نطقت نعمة بتأثر: _اهدي طيب يا ليالي...ربك يسترها والنبي مانا عارفة ليه أمي مش عاقلة، وكل ماتتحرق من حد لازم تجيب أجله. تفوهت ليالي بنواح: =البسوا خلونا نمشي...ده جلال يا عيني قايد حريق ومتعفرت على آخره. ردت نعمة بفزع: _اسندوني طيب. أسندت هايدي، وحامد نعمة، وزيّنوها بثيابها، بينما دخلت ليالي الغرفة وبدأت في جمع بقية الملابس من الخزانة ووضعها في الحقيبة، وبعد جمع أشيائهم، نزلوا من الشقة وسلّموا المفتاح لصاحب العمارة المصيفية قبل أن يركبوا السيارة ويتوجهوا إلى قرية أبو حلاوة. طيلة الطريق، كان جلال ينفجر غضبًا ويصرخ على الجميع بسبب ما حدث له. وبعد ساعات، وصلوا أخيرًا إلى المنزل، ودخل جلال أولًا وهو يسير بخطوات مُسرعة نحو الشر، حتى انزلقت قدماه وسقط على ظهره، يصرخ بعذاب: =آه ضهري...ضهري... الحقوني! مالت ليالي نحو زوجها، وعبارة الفزع تلوح في عينيها، وهي تعول بصوت ملتهب قائلة: _يا لهوي يا لهوي يارب ارحمنا...انت كويس يا جلال؟ جرالك ايه؟ رد جلال بألم جسيم لا يُطاق: =الأرض مليانة صابون...آه. نظر الجميع تحت أرجلهم ووجدوا الأرض مغمورة بالماء والصابون، حتى نزلت أم الديب من بينهم وهي تمسك الممسحة بيدها، وفورًا أطلقت صيحة عالية: _وسعوا، مش كفاية سايبين الدار زريبة ورايحين تصيفوا؟ بقى داري يبقى منتن؟ ما هقول ايه مرات ابني مايلة وأهي محسوبة علينا واحدة. بمجرد أن سمعت ليالي هذا الحديث المستفز، خرجت سريعًا من المنزل، ووقفت في منتصف الشارع، حيث ارتفعت صرختها العالية التي ملأت الأجواء المظلمة، كأنها تحاول بصوتها المنفلت إخراج كل الإحباط الذي كان يتراكم في داخلها، وفي هذا الوقت الصاخب، تأرجح حجابها حول وجهها كاللوحة الفنية المتأرجحة في الهواء، وهي تعول: =يشهد ربنا إن الست دي قايدالها صوابعي العشرة شمع وبرضة مش عاجب، ومن يوم مادخلت البيت ده وهي بتحارب فيا انا وجوزي ومش سايبانا في حالنا...أروح منها فين حد يقولي؟ خرجت أم الديب لليالي، وأمسكت بها بقوة، تطحنها تحت يدها كأنما تكون حجر صلب، وزاد صراخ ليالي في طريقها للتفاقم. حينها، جاء عم سلامة، الذي يبدو أن الشر يفوح من عينيه، وفجأة، أطلقت أم الديب صياحًا عاليًا: _ايهي ده دباح الحمير جاي بنفسه يا ولاد. أمسك عم سلامة بابنته، وأسندها على ذراعه بقوة، وقال بصوت مرتفع: =انا جاي آخد بتي ليالي خليها تقعد في بيت أبوها معززة مكرمة بدل المرمطة اللي انتي معيشاها فيها ليل نهار. ردت أم الديب بامتعاض: _معززة مكرمة مين يا دباح الحمير يا بياعين البصل؟ يالي كنتوا بتقعدوا من صباحية ربنا على الأرض في السوق كل يوم عشان الخمسة جنية...ده انت يا راجل مبهدل عيالك كلهم واحد واحد. تحدث المعلم حنفي بصياح: =اكتمي يا ولية لا أجيب أجلك...انتي لا ليكي ظابط ولا رابط، وآني من النهاردة هطلع عليكي القديم والجديد كله! ردت أم الديب بصخب: _تطلعه على مين يا راجل يا عرة ده انت متسواش ربع جنية في سوق الرجالة ده آني جزمة أبويا بمية واحد منك. انصدم المعلم حنفي بما قالته أم الديب له، فزادت الدماء غليانًا في عروقه، وانعكست حرارة الامتعاض في وجهه بوضوح، كأنه يتصاعد مثل بركان جامح. لم يمهل نفسه إلا لحظات، حتى أمسك أم الديب من عنقها بقوة غير مسبوقة، واستند عليها بكل قسوة، مما جعلها تصرخ بشدة مختنقة تحت قبضته القاسية. وفي تلك اللحظة المشحونة بالشجار، جرت هايدي بسرعة نحوه، تحاول بكل ما أوتيت من قوة إبعاده عن أمها، لكنه ازداد إصرارًا وصلابة، يهمس بكلمات تنبض بالخطر، كأنما تترجم نبرات صوته المتأججة إرادته الشديدة في فعل الأذى، وهو يقول: =هقتلك يا بسمة! نطقت أم الديب بنواح: _يا خرابي حد يلحقني منه. تلفظ المعلم حنفي بنظرات إنتقامية: =هموتك يا بسمة! حاولت أم الديب بيأس إبعاد يد المعلم حنفي عنها، فقالت بصراخ متأجج: _وسع يا راجل يا عرة! تحدث عم سلامة بصوت حاد: =ارجعي معايا يا ليالي، ولما جوزك يبقى راجل في بيته بحق وحقيقي تبقي ترجعيله. رد جلال بصياح: _انا راجل غصب عن أي حد! تلفظت ليالي باعتراض: =وانا مش هرجع معاك يابا انا مع جوزي على الحلوة والمرة، وإن كان على حماتي فأنا هخلي جلال يجيبلي شقة برا. قال جلال بصراخ: _ارجعي معاه ارحملك انا على الحديدة يا ليالي. أمسكت ليالي بيد جلال، ورفعتها لأعلى كأنها تحمل قوة العالم بين أصابعها، وهي تنطق بصوت ملئ بالسخط: =قوم ياخويا قوم. صعدت ليالي مع زوجها إلى شقتهم، وخلفهم بقية العائلة، ولكن انصدمت بما رأته عينها أمامها، شقة خالية من الأثاث، والستائر، والسجاد مقطوع! فوطئت وجهها بطريقة متتالية، وهي تصرخ بصوت ينبع من عمق الأسى: =يا لهوي يا لهوي يا لهوي...تعبنا كله راح، راح يابا راح. ضرب عم سلامة كفًا على كفٍ، وهو متأثر بما حدث لابنته، بينما قال بصوت مليء بالتأثر: _لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نطقت ليالي بنواح، وهي توطأ رأسها بيدها بقوة: =شقانا اترمى على الأرض يابا...منك لله يا حماتي، ربنا ينتقم منك دنيا وآخره... انشالله تتذلي وتدوقي من اللي دوقتينا منه قادر يا كريم... يا لهوي. ومن شدة نواحها، فقدت وعيها في الحال، وسقطت على الأرض. فانقض الجميع حولها، بما فيهم جلال الذي قال بصوت يعبق بالقلق: _ليالي! استيقظ جلال من نومه على كابوس شرس، فوجد نفسه فوق السرير على سيف زوجته، يقول بتعجب: =ده حلم ولا حقيقة؟ شقة المصيف أهي...ايه ده ليالي انتي صاحية؟ ردت ليالي بدهشة: _مالك يا جلال فيك ايه؟ ده العيال بقالهم ساعة بيصحوا فيك عايزين ينزلوا البحر. تذكر جلال أن والدته في القرية الآن، فأطلق منه عبارة مشحونة بالفزع، قائلًا بخور: =أمي! نطقت ليالي بتعجب: _أمك؟ أمك ايه؟ وقف جلال، وعقله يسبح في عالم آخر، يبحث حوله بلا هدف عن أم الديب، كأنما يغوص في غمار الأحلام المتلاطمة، وقال بصوت متقطع، ومفعم بالقلق: =أمي فين؟ خرج جلال من الغرفة، وإذا بأم الديب تجلس مع نعمة في البلكونة، فلم يستطع إلا أن يعبر عن تعجبه بصوت مندهش: _ايه ده انتي مسافرتيش ياما؟ أجابت أم الديب بذهول: =أسافر فين؟ رد جلال بارتياح: _لا ولا حاجة...أمال أبويا وحمو فين؟ تفوهت نعمة بابتسامة: =لقوك نايم فانزلوا يجيبوا الفطار. تنفس جلال نفسًا عميقًا، فارتاحت نفسه بعدها، وقال بانطباع منعش: _يعني كل ده كان حلم؟ نطقت نعمة بتعجب: =حلم ايه؟ أنا مش فاهمة حاجة! رد جلال: _لا ولا حاجة انا داخل الحمام. دخل جلال المرحاض، وهو يتحدث مع نفسه بأفكار متداخلة: _لا ده انا أحرص أوي من أمي ألا تتجنن وتعملها بجد. تفوه حمود فجأة: =أبا! انفزع جلال من حديث ابنه بعد أن خرج من حواره مع نفسه، فأطلق تعبيرًا مليئًا بالدهشة: _ايه ده ياض انت هنا بتعمل ايه؟ ضحك حمود، وقال بسخرية: =بلعب في الترعة. ضحك جلال بابتهاج، وقال بصوت مفعم بالراحة: _ترعة ايه ياض؟ ده بانيو. رد حمود، وهو ينفض الماء بيده بلعب، وهو يضحك: =متبقاش قفل كده يابا. قال جلال بجلبة: _اطلع برا ياض عايز أعمل زي بقية الناس! رد حمود: =مابراحه...أللا! حمل جلال ابنه من البانيو برفق، وأخرجه من المرحاض، ثم بدأ في قضاء حاجته. في هذه الأثناء، عاد المعلم حنفي، وحامد من المطعم، ووضعوا الأكياس المليئة بالطعام على الطاولة، فابتسمت أم الديب وقالت بابتسامة مشرقة: _أوعوا تكونوا كترتوا ده هما يا دوبك أربع ساندوتشات كل اتنين في واحد. رد حامد بانزعاج: =لما تدفعي من جيبك ياحماتي ابقي اتكلمي نطقت أم الديب بامتعاض: _انت بتغلط فيا يا حمو؟ ماتشوفي جوزك يا نعمة. أجابت نعمة بخوف: =حامد ميقصدش ياما. خرجت ليالي من الغرفة بخطوات هادئة، وفتحت الأكياس بحذر، لتنظر في داخلها بفضول، قائلة: _جيبتوا الفول والطعمية؟ رد المعلم حنفي: =أه أمال ايه؟ كله في السليم. أخذت ليالي أكياس الطعام بيديها بحركة رشيقة، وقالت بنبرة مليئة بالحماس: _هدخل أعملكم فطار هتاكلوا صوابعكم وراه. تحدثت أم الديب بسخرية: =وهي المنيلة على عينها بتعرف تعمل حاجة؟ ردت نعمة بسعادة: _طبعًا ياما هو في حد زي ليالي في الأكل؟ دخلت هايدي المطبخ بخطوات واثقة، وقالت بنبرة مفعمة بالحيوية: =صباح الخير يا ليالي. قالت ليالي بابتسامة ودية: _صباح النور. وأعطت الطماطم، والخيار لهايدي بلطف، وواصلت حديثها بنبرة مشجعة: _خدي قطعيلي الطماطم والخيار. تفوهت هايدي بكلمات حماسية، وهي تستعد لتقطيع الخضار: =سهله مجاتش على دي، أمال ايه البروجرام النهاردة؟ تلفظت ليالي بجهل: _يعني ايه؟ ردت هايدي: =ناويين تعملوا ايه يعني؟ أجابت ليالي، وهي تبحث في الكيس عن الفلفل الأسود، بنبرة متفانية: _هنفطر وبعدين نشرب الشاي، وبعدين نلبس، وننزل البحر ونرجع العصر نستحمى، ونتغدا، ونلبس، وننزل نتمشى. ردت هايدي، وهي تقطع الطماطم بالسكين بمهارة، قائلة بنبرة جادة: =أه أوكي ، اسكتي مش أحمد وجميلة رايحين مع سامية وجوزها عشر أيام في الجونة؟ اشتعلت نار الغيرة في قلب ليالي في هذه اللحظة، فقالت بغيظ: _وهي ياختي الجونة دي تيجي ايه في جمصة هنا كفاية ياختي إن في لمة وكله بيساعد بعضه. نطقت هايدي بوضوح: =هما قالوا يلحقوا يصيفوا قبل ما سامية تولد. ردت ليالي بتعجب: _هي حامل ولا ايه؟ أجابت هايدي بصراحة، وهدوء: =أيوة وخلاص أخر شهر ليها، بس لعلمك الجونة مينفعش تدخل مقارنة مع المكان الحقير ده. ردت ليالي بإغتياظ، وهي تفرغ عبوة الفول في الطبق بحركات مُتسارعة: _ماتخلي أخوكي يعيش عيشة أهله، هو حاطط راسه في العالي ليه؟ وبعدين لا مؤاخذة يعني رايح يناسب واحده أعلى منه ليه؟ ضحكت هايدي بابتهاج، وقالت بحنكة: =أخويا بكالوريوس تجارة ودلوقتي شغال في أكبر الشركات وبياخد مرتب حلو أوي بيكفيه هو، وجميلة، وسيليا يعني الفرق بينهم بقى معدوم مش دبلوم زي ناس! ردت ليالي بضيق: _ماله الدبلوم ياختي وبعدين انا شايفة يعني إن ست جميلة مش معبرة حد فيكم ولا بتتصل تطمن عليكم. أفحمتها هايدي بردها، وهي تقول بثقة مطلقة: =مين قالك؟ أنا وجميلة كل يوم بنتكلم واتس واتحايلت عليا أول ما أرجع من السفر، وهما يرجعوا أروح أقعد معاهم أسبوع. نطقت ليالي باهتياج: _طب قطعي الطماطم قطعي... يا مراري يآني! بينما كانت أم الديب تقف في البلكونة المرتفعة، حيث تتأمل الأفق البعيد، قالت ببغضاء: =انا سامعاهم عمالين يرغوا في المطبخ. ردت نعمة: _وايه المشكلة ياما؟ خليهم يدردشوا مع بعض شوية. تلفظت أم الديب بصياح: =هو احنا جايين نتكلم يا بت ولا نطفح، وننزل البحر؟ قالت نعمة بذهول، وعيناها تتلألأ بالدهشة: _مالك يا حاجة ماتهدي على نفسك متعصبة ليه؟ ردت أم الديب بامتعاض: =هو كده أنا لما بكون جعانة بتخانق مع دبان وشي. دخل المعلم حنفي إلى البلكونة، حيث كانت حرارة الشمس تشتد فوق رؤوسهم، وقد بدا وكأنه يقول بجدية: _الشمس جامدة ماتدخلوا جوا لا يجيلكم ضربة شمس! ردت أم الديب بصوت حاد: =وانت مالك؟ ماتقعد وانت ساكت! نطقت نعمة بذهول، ووجهها يعكس التعجب العميق: _ماجرا ايه بدل ماتقوليله كلمة حلوة ياما؟ تلفظ المعلم حنفي بسخط: =هي كده طول عمرها لسانها أطول منها. اقتربت أم الديب متجهة نحوه، وكلماتها خرجت محملة بالاحتدام: _احترم نفسك يا راجل يا عرة! واشتبك الاثنان سويًا، واندلعت مشكلة جديدة كأنهم صوت عاصفة في الساحة. يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة