لم يكن في حسبان نعمة على الإطلاق أن تجد زوجها في منزل حماتها، فقد كانت متأكدة أنه لن يكون هناك، ولكن عندما رأت وجهه المألوف جالسًا في تلك الصالة المليئة بالذكريات، شعرت بصاعقة الدهشة تتخلل كيانها بالكامل. تملكتها شكوك خبيثة مُزعجة تسللت إلى قلبها لتؤرق هدوءه؛ إذ كيف يمكن له أن يكون هنا بعدما ادعى عليها بالكذب؟ كل هذه الأفكار تنازعت في ذهنها حين قالت له باستفهام: _انت اللي بتعمل ايه هنا؟ انت مش قولتلي إنك معزوم عند واحد صاحبك؟ أجاب حامد بتلعثم: =لا يا نعمة مانا بعد ماخلصت قولت أحود على أمي أسلم عليها. رفعت نعمة حاجبها في استنكار واضح، وعينيها تشعان بمزيج من الدهشة، والاستياء، وردت بصوت يحمل في طياته نبرة الارتياب: _أه ياخويا بحسب. اقتربت نعمة بخطوات وئيدة من حماتها، مدفوعة بالمودة، وعندما وصلت إليها، فتحت ذراعيها وعانقتها بحرارة. ثم قالت بصوت ناعم تغلب عليه نبرة حزن مكتوم: _ازيك يا حماتي؟ وحشاني! تفوهت أم أشرف بوجه متجهم يشع منه رفض واضح، وعينيها تتفادى التواصل المباشر مع نعمة، قائلة بنبرة جافة تفتقر إلى الدفء: =يا أهلًا. نظرت أم أشرف إلى حفيدها بعينين تفيض حنانًا، واقتربت منه بخطوات بطيئة لكنها مغمورة بالحب، ثم انحنت لتقبله على جبينه برفق قائلة: =ازيك يا محمد؟ حينما نزلت هبة من شقتها، لم تكن تتوقع أن ترى نعمة تنتظر عند الصالة، فتملكتها مفاجأة سارة دفعتها للإسراع نحوها. اقتربت منها وفتحت ذراعيها لتعانقها بود، قائلة بصوت مفعم بالاشتياق: _ازيك يا نعمة؟ ليكي واحشة... أنا مش مصدقة إنك جيتي. بادلتها نعمة العناق بحرارة، محاولة أن تخفي ما بداخلها من اضطراب، ثم قالت بحب: =أنا كنت رايحة أشتري شوية حاجات قولت أعدي أسلم عليكم. رد حامد بقلق واضح في عينيه، وصوته يخرج متوترًا: _طب ماتقعدي يا نعومي! جلست نعمة على الأريكة تحتضن ابنها بحنان، بينما جلست أم أشرف وهبة على الجهة المقابلة، تراقبان المشهد بصمت. شعرت هبة بضرورة التعبير عن مشاعرها، فنظرت إلى نعمة بعينين مملوءتين بالتقدير، وقالت بدفء: =عاملة ايه يا نعمة؟ طمنيني عليكي! ردت نعمة بابتسامة محبة، تعكس امتنانها لهبة، وللكلمات الرقيقة التي قالتها، معبرة برجاحة: _الحمدلله... انتي عاملة ايه؟ نطقت هبة ببشاشة: =بخير. فجأة دون أي مقدمات قالت أم أشرف بنبرة حادة: _هنفضل في وصلة السلامات دي كتير ولا ايه؟ ماتطلعي شقتك يا هبة ارتاحي ده انتي من الصبح وانتي تعبانة مرة في المطبخ، ومرة تمسحي، وتكنسي وأنا يا بتي مش عاوزة أتعبك كفاية عليكي كده النهاردة! رفعت نعمة حاجبها، وتفحصت حركات أم أشرف الاصطناعية عن قصد، وعبّرت بدهشة: =في ايه يا أم أشرف هي كانت اشتكيتلك ولا اتكلمت؟ ماهي قاعدة معايا شوية، ولا انتي بتعملي كده علشان أمشي؟ أجابت أم أشرف بصوت حاد، كأنها تنطلق بصاعقة: _انتي هتقوليني كلام مقولتوش ولا ايه؟ ردت هبة: =خلاص يا ماما أنا هطلع بس هاخد نعمة معايا. فجأة، تجمدت نعمة في مكانها، وخرج صوتها محملًا بالانزعاج: _لا اطلعي لواحدك أنا كده كده ماشية. ثم أمسكت بيد ابنها بثبات، وواصلت بقولها: _يلا يا محمد! خرجت نعمة من دارهم وهي تبكي، وكأن نهرًا من الدموع يتدفق من عينيها، وذلك بسبب كراهية حماتها الشديدة لها، وفي حين كانت تعاني من هذا الألم العميق، لم تتأثر أم أشرف بما قيل لها، بل ظلت صامدة كالصخرة أمام الصدمة التي تعرضت لها زوجة ابنها. وكان حامد، زوج نعمة، يتبعها بشكل متواصل، يصرخ باسمها، ولكنها لم تكترث لذلك بأي شكل: =اصبري يا نعمة هنروح مع بعض! وقفت أم أشرف مكانها، وهمست بسخرية: _مع ألف سلامة. بادر حامد بالجري نحو زوجته، وابنه، وأعلن بصوت مُتسارع: =ماتستني يا نعمة انتي بتجري ليه؟ لكن نعمة كانت تنتحب في صمت، حيث تكتفي بتذرعاتها الحزينة، وفي هذا الوقت، عاد حامد ليكرر حديثه من جديد، كما لو كان النهر الجاري يندفع من بين شفتيه، قائلًا: _الله...جرا ايه يا نعمة ماتصبري شوية! بقدر ما كان حامد يتحدث مع نعمة وهي تتجنبه، واصلت خطواتها حتى وصلت إلى شقة أم الديب، ودخلت بسُخط مشتعل. كانت أم الديب تتناول وجبة العشاء للمرة الثانية، وفجأة انفجرت في وجه والدتها بغضب متقد، قائلة بعتاب: =ليه كده ياما ليه؟ قالت أم الديب بتعجب: _هو ايه اللي ليه يا بت؟ انتي بتتكلمي عن ايه؟ حد فيكم يفهمني! ردت نعمة بعجيج: =ليه ياما متقتيش ربنا في ليالي وعاملتيها إنها بتك وواحدة مننا؟ عاجبك دلوقتي وبتك بتدفع التمن غالي؟ زي ماعملتي في ليالي أنا بيتعمل فيا... كنت صابرة، وساكتة وبقول بلاش تتكلمي يا نعمة ده انتي طيبة وقلبك أبيض متزعليش حد منك..لكن ليه؟ أنا عملتلها ايه عشان تعاملني المعاملة دي؟ ده أنا بقيت أشوف الكرة في عينيها، من كتر كرهها ليا مابقتش قادرة تخبي ولا حتى تجمل من نفسها شوية. استقويتي على الغريبة، وجيتي عليها، ونسيتي إن ربنا موجود وهيجيب حقها... بس جاب حقها من مين؟ من بتك أغلى الناس ليكي! نهضت أم الديب مكانها، وهمست بتعجب ملحوظ في صوتها: _ايهي مالك يا بت زي الحنفية اللي اتفتحت؟ ونظرت لحامد، ثم أردفت بذهول: _حصل ايه يا ولا؟ نطق حامد بملامح مُضطربة: =انتي فاهمة غلط يا نعمة، أنا أمي متقصدش هي بس كـ... بترت نعمة حديثه قبل أن يكمله، وصاحت بصوت مرتفع: _أسكت يا حامد، نقطنا بسكاتك ياخويا! وأردفت بجلبة لوالدتها، معبّرة عن امتعاضها: _أنا كرهت نفسي بسببك ياما...كل الناس بتكرهك، ومحدش بيحبك حتى عيالك بينفروا منك بسبب عمايلك، بقيت أتكسف أقول إنك أمي! صعدت نعمة إلى شقتها كالصاروخ المنطلق في الفضاء، وزوجها حامد خلفها يلاحقها بسرعة، ويناديها بنبرة حثيثة قائلًا: =استني يا نعمة! صدمت أم الديب بما قالته لها ابنتها، وعبرت عن دهشتها بتلك الكلمات، قائلة: _ايهي هو آني دخلت فيلم ولا مسلسل؟ ايه الكلام الكبير اللي البت بتقولهولي ده؟ البت بتستعر مني... يا مصيبتي! بعد أن دخلت نعمة، وابنها، وزوجها شقتهم بعجلة، انقضت نحو غرفتها، وما زال زوجها يلاحقها بنظرات متلهفة، مثلما يفعل الرحّال الشغوف أول يوم رؤيته لما يرغب في استكشافه: =وربنا أمي ماتقصد انتي فاهمة غلط! ردت نعمة بصياح: _امشي من وشي يا حامد! أوصدت نعمة باب الغرفة بقوة، وصدى بكائها الصاخب يملأ الأجواء، بينما كان زوجها يطرق الباب بحرارة، صوته يتسلل خلف الأبواب كالموسيقى التي تحاول إيصال دعوته إليها، كشغف مؤمن بقدرته على إعادة السلام إلى قلبها المضطرب، وهو يقول: =افتحي يا نعومي متعمليش في نفسك كده! كانت نعمة تحادث نفسها في داخلها، قائلة بحسرة: _أذيتينا زمان ولسه بتإذينا ياما...خليتي وشنا في الأرض من عمايلك...مخوفتيش من ربنا ولا خوفتي علينا من عقابه، وأهو جه اليوم اللي أنا دفعت فيه التمن غالي. عندما أدرك حامد أنه لا جدوى من رد زوجته عليه، قرر الذهاب إلى شقة ليالي المظلمة حيث طرق بابها بأصابع مرتعشة، كأنه ينقر على أوتار قلبه المتشتت. وعندما فتحت له، كانت تشعر بأن هناك شيئًا يحدث، كموجة متلاطمة من التوتر تتلاطم في أعماقها، فراحت تقول: =في ايه؟ رد حامد باستياء: _نعمة عمالة تعيط على آخرها يا ليالي، وقفلت على نفسها ومش عايزة تفتح. صعقت ليالي عندما علمت بشجن نعمة، فمرت الكلمات بشفتيها كسراجٍ ضعيفٍ يحاول إخفاء ليلٍ ساحقٍ، وقالت بخوف متردد: =ليه؟ ايه اللي جرا؟ أجاب حامد ببُهتان: _اتخانقت مع حماتي. نطقت ليالي برهبة: =يارب جيب العواقب سليمة. دخلت ليالي غرفة أبنائها، ووقفت لحظة تفكر فيما ستقوله، ثم بدأت تتحدث بنبرةٍ ترتجف قليلًا: =واد يا حمود خد بالك من أختك أنا هطلع أشوف عمتك مالها ونازلة! رد حمود: _ماشي. صعدت ليالي عقب حامد على درج المنزل، وكانت كل خطوة تجعلها تشعر بالثقل الذي يعتري قلبها المضطرب. وصلوا إلى شقة نعمة، ودخلوها بحذر، ووقفوا أمام باب غرفتها الذي كان يبدو كحاجز بينهم، وبين مشاعرها الداخلة. بعد لحظات من الصمت، قالت ليالي بهدوء مترقب: =افتحي يا نعمة افتحي...مالك ياختي ايه اللي حصل؟ وأردفت لحامد: =دي كانت نازلة كويسة، وزي الفل. تحدث حامد بصوت عالٍ وهو يطالب بإعادة انتباه زوجته نعمة: _افتحي يا نعمة...ليالي جاية تطمن عليكي. أطلقت نعمة الباب واحتضنت صديقتها ليالي بحرارة، فقالت ليالي بدهشة: =مالك يا نعمة؟ تحدثت نعمة بانتحاب، وصدى صوتها ينعكس في الغرفة كالنغمة المؤثرة في سيمفونية الألم، وهي تطلب مسامحة ليالي لهم، بكلمات مؤثرة تحمل في طياتها الندم: _حقك عليا يا ليالي...أمي لو عملت أي حاجة وحشة هاتيها فيا أنا، هي متقصدش أنا أمي طيبة بس ساعات بيطلع منها عمايل تخنق وتزعل...سامحيني يا ليالي! قالت ليالي بتساؤل: =طيب ماتفهميني ايه اللي حصل! تحدث حامد: _أمي بتحبك يا نعمة...انتي فاهمة غلط. تفوهت ليالي بدهشة: =ماتتكلموا يا جماعة بدل مانا زي الأطرش في الزفة كده! في منزل عم سلامة، عاد صابر إلى عائلته بعد يوم شاق، حيث كانوا يجلسون سويًا في بهو المنزل، يرتقبون عودته بشغف وانتظار. وفي لحظة لمعان الفرحة على وجه الوالدة، أرادت تباهي أن تطمئن على ولدها الوحيد، فقالت حديث ينبض بالهواجس، وكأنها تسرد قصة قلق عميقة من خلال كلماتها: _انت كويس يابني؟ تنهد صابر، وقال بهدوء: =الحمدلله... أنا كنت بكدب عينيا ياما لما شوفت جلال بشحمه، ولحمه واقف قدامي، وبيهجم على البيت هو وخاله...ده بيأكل أختي من فلوس حرام... ياما ضايع ده من ساعة مانا وعيت على الدنيا وبلدنا واللي حواليها عارفين إنه مسجل خطر، وقتال قتله. ثم واصل بصدمة: =أنا بعد ماشوفته قدامي قولت بس، أنا حاجة من الاتنين يا هتقتل في البيت، يا هتقتل في الشارع! ضربت تباهي يديها الاثنين على وجهها، وقالت بنواح يملأ الغرفة وكأنه يترنح بين جدرانها: _أسكت بعد الشر عليك...يارب اللي يكرهك يا ضنايا، كان يوم أغبر يوم ما ناسبناهم ومن يومها واحنا كل يوم في حرقة دم. قال عم سلامة بحكمة: =بتك مينفعش تطلق دي معاها عيلين. ردت أم ليالي بخوف: =بعد الشر يا سلامة...أنا بتي متطلقش وتشمت فينا الأعداء... جلال عايزله واقفة احنا عايزينه يمشي جنب الحيط. نطق عم سلامة باستسلام: _هنعمل ايه؟ آدي الله وآدي حكمته. في منزل أم قمر الدين، بعدما استمتعت بوجبة الإفطار المليئة بالحب مع ابنتيها اللتين تنثران الضحكات كالنسيم، وقمر الدين الذي كان ينظر إليهما بعيون ممتلئة بالفرح، وعلاء الدين الذي كان يتذوق كل لحظة بلهو الشباب، استدعت الخادمة التي دخلت بخطى خفيفة ووقفت أمامها، وقالت لها بصوت ينبض بالاهتمام: =توليناز جهزي المكسرات، والفاكهة في الجنينة! ردت الخادمة: _حاضر ست هانم. نهض باسم من على كرسي الطاولة بحركة سريعة، وعلى وجهه عبارة من الاستعداد للخطوة التالية، حيث تجلى في عينيه بريق القرار، وقال: =أنا مش هقدر آكل حاجة تاني. ردت أم قمر الدين بابتسامة: _خلاص يا حبيبي منين ماتحب. تلقى باسم مكالمة هاتفية فور جلوسه على الأريكة، وقد انعكس الانتباه على وجهه، واستجاب للمكالمة بسرعة، وقال باكتراث: =ألو يا حسام أخبارك ايه؟ رد حسام مدير أعماله: _الحمدلله يا باسم باشا خلاص ان شاء الله افتتاح القناه ليلة وقفة العيد. انبسطت الابتسامة على وجه باسم، ولمعت عيناه ببريق من السرور، ثم قال بلهجة متفائلة: =تمام يا حبيبي تسلملي...كل سنة وانت طيب. رد حسام بابتسامة: _وحضرتك طيب. استقام علاء الدين مكانه بنظرة متعجلة تعبر عن استعداده للانضمام إلى صُحبته، ثم قال بصوتٍ متحمسٍ: =مامي أنا خارج، عايزة حاجة؟ تفوهت أم قمر الدين بشجب: _يابني حرام عليك من أول يوم رمضان وانت كل يوم بعد الفطار بتخرج مبنلحقش نقعد مع بعض! رد علاء الدين بابتسامة: =خلاص يا حبيبتي أنا هقعد علشانك خصوصًا لو دي حاجه بتدايقك. نطقت أم قمر الدين بفطنة: _لا يا علاء أنا مش قصدي أقيد حريتك! أنا بس برتاح وأنتوا حواليا! أجاب علاء الدين ببشاشة: =لا خلاص أنا قاعد معاكي يا حبيبتي. تحدث باسم مع الجميع بحماس، مشاركًا أفكاره وآرائه بطريقة تنم عن تفاعله الإيجابي، واهتمامه العميق بالمحادثة: _عندي ليكم خبر حلو. رد الجميع في صوت واحد بتعبيرات متفاوتة من الاهتمام: =ايه هو؟ وقف باسم إزاء أفراد أسرته، ووجهه ينبض بالسعادة، متوقعًا ردود أفعالهم المبهجة، وقال: _افتتاح القناة ليلة وقفة العيد. عانقت أم قمر الدين زوجها من سعادتها بنجاحه، وبينما تستمتع بلحظة الفرح، قالت بصوت يحجبه الفخر: =ألف مبروك يا حبيبي. عانق قمر الدين والده، وقال بسرور: _مبروك يا بابا وعقبال ماتحقق نجاحات أكتر وأكتر. تحدثت منى، ونالا بفرح: =مبروك يا بابي. رد باسم بسعادة غامرة: _الله يبارك فيكم. في مسكن أم الديب، كانت جالسة على الأريكة، وما زالت تعانق الصدمة العميقة التي سببها لها حديث نعمة، حيث تجلى على وجهها مزيج من الحزن، والدهشة الشديدة. انطلقت كلماتها الكامدة بنبرة تتراقص كالبرق في السماء، تعبيرًا عن تلك العواطف المُتضاربة، قائلة بانزعاج: =البت بتتكسف مني بعد ماربيتها وكبرتها وبقيت عروسة، واتجوزت، وخلفت وأنا شايلاها على راسي، نسيت كل ده وبقيت تستعر مني؟ يا مصيبتي يآني، مين اللي لعب في دماغها؟ أيوه تلاقيها ليالي هي اللي لعبت في دماغها ماهي بتكرهني، وعاوزة تكره كل الناس فيا. صمتت أم الديب قليلًا، وواصلت بدهشة، حيث بدت عباراتها كما لو كانت تتساقط ببطء من شفتيها: =بس ازاي والبت نازلة قدام مني كويسة وراجعة متعفرتة ومش على بعضها؟ يبقى أم ليالي...أيوه هي أم ليالي مفيش غيرها. دخلت هايدي الشقة بعد أن استمعت لحديث أم الديب مع نفسها، ووقفت تتأمل في الغرفة كمن يقرأ قصة معقدة ومليئة بالتشويق. ثم قالت بتعجب يتخلله الدهشة، كأنها تتأمل لغزًا لم تكن تعرف الجواب عليه: _انتي بتكلمي نفسك؟ ردت أم الديب بحدة: =كنتي فين يا بت؟ قالت هايدي بترقب: _كنت على السطح بشم شوية هوا. لم تلتفت أم الديب لحديث هايدي، فقط كانت تتذكر حديث نعمة لها كموجات عاتية تجتاح شاطئ عقلها، كل كلمة منه كانت كعصا حديدية تغرز في خلايا مخها وتثير فيها عواصف من الشكوك، وصاحت بأعلى ما فيها، صوتها يعلو كالرعد، قائلة بلحن من الحزن المتزايد: =يا خرابي عليا العيال بيكرهوني حتى جوزي اللي مايتسمى مابيحبنيش، ومش طايقني...يا بختك المايل في عيالك يا أم الديب...يا خراب بيتك يا أم الديب! ضحكت هايدي على نواح أم الديب، وكانت ابتسامتها تنطلق كالشمس في صباح مشرق، ثم قالت بسخرية طافحة بالاستهجان: _أنا بجد مستغرباكي أوي يا ماما!. انتي مش هتبطلي تسمعي مسلسلات بقى؟ ده انتي كل يومين تطلعيلنا بفيلم شكل! غضبت أم الديب من استخفاف هايدي بمشاعرها فاندفعت إليها كالعاصفة، وتمسكت بشعرها بقوة مطحنة، وهي تهزمها بقوة قاهرة قائلة: =تعاليلي يا بت الكلب...بقى بتضحكي على أمك بدل ماتواسيها؟ صرخت هايدي صراخ حار، قائلة بألم: _آه شعري! دخل المعلم حنفي إلى ساحة معركة أم الديب، وهايدي الفتاكة، حيث اندلع الشجار كالنيران، وبينما كانت يد أم الديب تلتفّ حول شعر هايدي، استطاع معلم حنفي ببراعة فائقة أن يحرر شعر ابنته من قبضة يد أم الديب فقال بصياح: =ايه ده يا ولية؟ انتي اتعبطتي في مخك ولا ايه؟ نهضت هايدي، واختبأت خلف والدها بحذر. صوتها يعبّر بشكل تعبيري عن حاجتها الملحة إلى المساعدة. تطلب من والدها أن يمد لها يد العون في هذه اللحظة: _أنا كرهتك انتي مابترحميش حد، ولا عندك رحمة، ولا عمري حسيت معاكي بحنان الأم! دخلت هايدي غرفتها، وأغلقت الباب على نفسها، فانفجر صوت المعلم حنفي بصياح يحمل نبرة السخط: =عاجبك كده أهو محدش طايق خلقتك، لسانك زفر وايدك طويلة، مانتي ولية لبط هتطلعي عدلة لمين؟ خرج المعلم حنفي من المنزل وهو حانق أما في منزل أم أشرف كانت هبة تأنب سَريرة حماتها، وتلومها على ما فعلته مع نعمة حيث قالت بتأثر: _مكنش له لزوم تتكلمي معاها كده! ردت أم أشرف بقلب قاسٍ: =أنا لحد دلوقتي مش موافقة على الجوازة دي وياريت ابني يطلقها ونخلص! قالت هبة باستياء: _نعمة طيبة متاخديهاش بذنب أمها! نطقت أم أشرف، وقد تجمدت ملامحها وتصلبت نظراتها، بقلب يملؤه الجفاء، قائلة: =كفاية بس إنها من ريحتها. تنهدت هبة بعمق، وكأنها تحاول تنفيس ثقل الأفكار المتراكمة في ذهنها، ثم قالت بوضوح: _هو بصراحة محدش في أهل البلد بيحب أم الديب، بس نعمة بتها طيبة، ومخدتش منها أي حاجة...غيري معاملتك معاها يا ماما، أنا حاسة إن نعمة مجروحة من اللي حصل. ردت أم أشرف بفظاظة: =تتجرح، ولا تولع ولا يشغلني، احنا كنا خدنا منها ايه؟ وقفت هبة ببطء، وكأن وزن الجوى الذي يثقل قلبها انعكس على حركاتها، وقالت بنبرة حزينة مليئة بالشجن: _ربنا يهدي الجميع يا ماما. نطقت أم أشرف: =يارب. ردت هبة بابتسامة خافتة: _أنا هطلع...تصبحي على خير. أجابت أم أشرف، وعيناها تلمعان ببرود يخفي وراءه الكثير من المشاعر المكبوتة، قائلة: =وانتي من أهله. صعدت هبة إلى شقتها برفقة ابنتها في حين كانت ليالي تجلس مع نعمة على سرير غرفتها . بينما تواسيها، تتجلى ليالي بوصفها القلب الحنون، والطيب الذي ينبض بالرعاية تجاه نعمة. وفي تقاطع العواطف. حيث تظهر الصداقة بأرقى صورها، أعلنت بأنها أقرب إلى نعمة من هايدي. وبينما تصف معاملتها مع أم الديب بأنها كالتعامل مع الثعلب المكار، ظهرت قوة شخصيتها في التعامل العادل، والمنطقي حسب معاملة الآخرين لها، فقالت: _سيبك من أمك خالص، المهم انتي يا نعمة... ده أنا بعتبرك أختي ده انتي أقرب ليا منها على الأقل كل يوم في وش بعض... أنا لو هاخدك بذنب أمك يبقى مش هتعامل معاكي تاني، وبعدين أم أشرف طبعها صعب. ثم نظرت لحامد نظرة تعكس ارتباكها، وواصلت حديثها بصوت خافت يغمره الإحراج: _لا مؤاخذة يعني يا حامد. رد حامد بتفان: =أنا أمي طبعها ولا صعب ولا حاجة هي بس مكنتش موافقة على الجوازة فاحنا ناخدها براحة لحد ماترضى عننا. وضعت ليالي يدها برفق على فخذ نعمة، محاولة أن تبعث في قلبها بعضًا من الطمأنينة، ثم قالت بهدوء مفعم بالتعاطف: _اكسبيها يا نعمة، وخليها في صفك، وصدقيني هتحبك! تفوهت نعمة بأسى: =ولا هكسبها، ولا هخسرها، هي مابتحبنيش ومش عاوزاني يبقى ليه أخليها تشوف وشي؟ ده من خرج من داره اتقل مقداره... فخليني في بيتي معززة مكرمة يا ليالي. تحدثت ليالي بابتسامة: _ماتروح يا حامد تعملنا كوبايتين شاي حلوين من إيدك! رد حامد ببشاشة: =من عينيا... كام معلقة سكر؟ تحدثت ليالي بابتسامة دافئة، تتسلل منها مشاعر الود، قائلة بكلمات مليئة بالحيوية: _حطلي تلاتة. نطق حامد بابتسامة: =ده أنتوا تؤمروا. غادر حامد الغرفة بخطوات هادئة، متجهًا نحو المطبخ لصنع الشاي، وما إن اختفى حتى انفتحت أبواب الحوار على مصراعيها بين ليالي ونعمة، حيث بدأت ليالي تتحدث بحرية متزايدة، قائلة بنبرة حيوية: _صدقيني يا نعمة مهما الواحد يلف، ويشوف مش هيشوف أصعب من أمك...أمك ملهاش مثيل. ردت نعمة بامتعاض: =وأنا ذنبي ايه يطلع عليا اللي أمي بتعمله في الناس؟ ضحكت ليالي بمرح واضح، وتلألأت عيناها بلمعان السرور، ثم قالت بتفاؤل: _سيبك من أمك، وروقي دمك ده احنا في أيام مُفترجة... قومي ياختي صلي ركعتين وادعي ربنا يهديها، وبعدين ده جلال مجهزلنا بكرا خروجة جامدة. أجابت نعمة برفض: =مش عاوزة أروح في حتة...مليش نفس! ردت ليالي بحسم يصف قوة إصرارها، مما يبرز ثقتها في موقفها، وقناعتها العميقة: _لا هتروحي، هي الخروجة تبقى خروجة من غيرك؟ ازداد تعلق ليالي في قلب نعمة، وتيقنت من أن أخاها اختار الزوجة المثالية لها، فأجابت بكل حب: =ربنا يخليكي ليا يا ليالي ربنا العالم بحبك ازاي! عانقت ليالي نعمة، وقالت بصبابة: _ويخليكي ليا يا نعمة ياختي. في اليوم الثاني، وعند الساعة الثالثة عصرًا، جهزت العائلة تجهيزاتها للسفر بحماس، فقال جلال بنبرة مليئة بالقسوة لزوجته وأبنائه: =يلا خلصوا أنا هستناكم في العربية تحت محدش يتأخر ألا وربنا أطلع بالعربية، وماهستنى حد فيكم! ردت ليالي، وهي تلف الحجاب بحركات متأنية، تشرح تفانيها في تحضيراتها الشخصية: _لا متخافش عشر دقايق بالكتير ونخلص. تلفظ جلال بإسراع: =تمام... يلا سلامو عليكو. ردت ليالي بانشغال: _وعليكم السلام. نزلت نعمة وابنها من شقتهم بعد أن جهزوا، ودخلوا شقة ليالي. عندما رأتهم، أرادت ليالي أن توصيها ببعض النصائح، فبدأت بلُطف: =أمانة عليكي ماتشدي مع أمك وكبري دماغك منها! لكن نعمة لم تجرؤ على النظر في وجه أم الديب، فقالت بتحفظ: _أنا مقفولة منها، ومش قادرة أبص في وشها. ردت ليالي: =معلش هنقول ايه بقى؟ هي اللي اضطرتك لكده. بينما في الشارع، كان جلال جاهزًا برفقة المعلم حنفي، وحامد، وبعد دقائق نزلت أم الديب متبوعة بابنتها هايدي، وبعدهما اتبعتهم نعمة وليالي مع أطفالهما. اكتملت العائلة، وركبوا السيارة معًا، حيث أدار جلال مفتاح السيارة بسعادة متناغمة، معبرًا بابتسامة: _توكلنا على الله... ده أنا هوديكم في مكان الناس بتجيله من آخر الدنيا. قال حمود بفضول: =هنفطر ايه يابا؟ ضحك جلال بابتسامة واسعة تملأ وجهه، ثم قال بهزل: _فول، وطعمية. رد حامد بصدمة: =انت منزلنا مخصوص عشان ناكل فول، وطعمية؟ نطق جلال، وهو يقود السيارة بثقة: _معاك كام؟ أجاب حامد بشظف: =متين جنية بالتمام، والكمال. رد جلال بابتسامة عريضة، معبرًا عن فرحته بكلمات قليلة: =خلاص هتاكلوا أحلى كفتة مشوية. تحدثت هايدي بنفور: _أنا مبحبش الكفتة. رد جلال باختناق: =لا ده انتي كده سكتك غيرنا وهتتعبينا... ماتشوفي حل مع بتك ياما! نطقت أم الديب بإذعان: _أعملها ايه؟ أهي مش عاجبها حاجة. تفوهت هايدي بتمني: =أنا عايزة مكرونة، وهدفع من معايا. رد جلال: _إذا كان كده تمام. أضربت نعمة، وليالي عن الحديث مع أم الديب، وظلوا صامتين حتى وصلوا بعد مرور ساعتين ونصف. عندما توقف جلال عن القيادة، فصل محرك السيارة، وبينما يشعر باللهفة، قال بحماس: =يلا انزلوا! فتح المعلم حنفي باب السيارة بإقدام، وعبر عن تشوقه بكلماته: _يا مسهل الحال يارب. نزلت العائلة برمتها من السيارة، واستقروا في مطعم شعبي، حيث امتزجت رائحة الأكلات التقليدية لترسم لوحة تشويقية في الهواء. كانت هايدي تتخيّل مطعمًا معقولًا نوعًا ما، لكنها واجهت العصبان المعلقة، والكوارع أمام المطعم، وبينما هي تلمح هذا المشهد بصدمة، لاحظت باشمئزاز التشوهات التي لا تليق بالبيئة المحيطة: =ايه ده؟ أنا لا يمكن آكل هنا! لكن المعلم حنفي كان منبهرًا بذلك المشهد الذي يرضي ذوقه، فأعرب عن إعجابه قائلًا بانبهار: _الله يكرمك يا جلال ويرضى عنك. تحدثت ليالي مع نعمة بسعادة: =ايه رأيك يا نعمة؟ أجابت نعمة بإحباط: _انتي عارفة رأيي أهو أي حاجة وخلاص. تحدث جلال بسعادة بالغة خصوصًا لأنه كان من الأشخاص الذين اختاروا المكان بدقة، وتمحور: =ده مسمط إنما ايه بيعمل شوية حاجات عنب. تحدثت هايدي باشمئزاز: _أنا عايزة مكرونة مش القرف اللي بيتعمل ده. رد جلال بغلاظة صوت: =مابقولك ايه يا بت! اتهدي كده، وخلي اليوم يعدي! نظرت هايدي لوالدها بعبوس، وقالت بانزعاج: _ماتقول حاجة يا بابا...أنا مبحبش الأكل ده! رد المعلم حنفي بمُسالمة: =خلاص يا هايدي روحي اشتري اللي انتي عايزاه. ذهبت هايدي إلى نعمة، ونظرت إليها بابتسامة دافئة وقالت: _تعالي معايا يا نعمة. ردت نعمة بغم: =طيب. كانت نعمة ترى الحياة كشاشة سوداء منذ ليلة أمس، ولكنها قررت مرافقة هايدي لاختيار طعامها المفضل من مطعم آخر، بينما اجتمعت بقية العائلة حول الطاولة، وفي هذه اللحظة البهيجة، كان المعلم حنفي يستمتع بسحر الأجواء الرمضانية المليئة بالأنوار حولهم، فقال بابتسامة ود: _بس الأجواء جميلة... الواحد ميحسش بطعم رمضان غير لما يجي الأماكن دي. بينما كان جلال منشغلًا بتصفح قائمة الطعام، قال بتركيز: =أيوه يابا... هتاكل ايه؟ رد المعلم حنفي باشتيهاء: _هاتلي كوارع، وكرشة، ولحمة راس. قال جلال بابتسامة: =يا سلام يابا ده انت مزاجك عالي. وأردف لوالدته: =وانتي ياما عايزة ايه؟ تفوهت أم الديب بوجه عابس: _هات اللي تجيبه. رد جلال بتعجب: =غريبة يعني ياما ساكتة من ساعة ماركبنا العربية ودي مش عوايدك، ده احنا مش متعودين منك على كده! ضحك المعلم حنفي ضحكة عفوية، ثم قال بسخرية في صوته: _أمك عامله ريجيم من ناحية المشاكل ياض. ضحك جلال، وقال بمزاح: =طب يارب دايمًا. وأردف لحامد بفضول: =وانت يا حامد هتاكل ايه؟ رد حامد، وهو يلقي نظرة على قائمة الطعام، بتعبير هادئ وتفكير عميق: _هات كبدة، وممبار. تلفظ جلال بابتسامة: =حلو الكلام. وواصل لزوجته باكتراث: =وانتي يا ليالي تاكلي ايه انتي والعيال؟ أجابت ليالي بتأكيد: _هاتلنا زيهم. قال حمود باعتراض: =أنا مش عايز الأكل ده يابا...أنا عاوز محشي! رد جلال: _لا ده مسمط مفيهوش الكلام ده. ونادى كاتب الطلبات: _انت يا عمنا. جاء الرجل بالورقة والقلم، وبينما يمسك بهما في يديه، قال بثبات: =أؤمرني! قال جلال بتفكير: _نوعلنا يابا شوية كوارع على لحمة راس على كرشة على شوية ممبار، وكبدة. وبعد أن دَوَّنَ الرجل طلباتهم في الورقة، أعلن بصوت واثق قائلًا: =عايزين حاجة تاني؟ رد جلال بتأمل: _ادينا العصاير بقى، بيبسيهات على كانزات. كتب الرجل الطلبات بينما يتحدث قائلًا: =تمام. بعد مرور عشر دقائق، عادت نعمة وهايدي إلى المطعم، وهما يحملان طعام هايدي، وانضموا إلى العائلة في الجلوس، وفي هذه اللحظة المميزة، قالت نعمة ببساطة في صوتها: _طلبتوا ايه؟ رد جلال بابتسامة: =طلبنا كل اللي قلبك يحبه... ما أختك وش فقر حد يسيب حلويات المدبح، ويبص للمكرونة؟ نطقت هايدي باشمئزاز: _كل واحد ياكل الحاجة اللي تعجبه... أنا مستحيل أدوق من الأكل ده، ده كفاية ريحته بس! قال جلال ببغضاء: =ملكيش في الطيب نصيب. بعد نصف ساعة، فشا أذان الصلاة ووصل كل فرد بطعامه المفضل. وكالمعتاد، أدلى المعلم حنفي بتضرعه حينما قال بروح الإيمان: _اللهم لك صومت وعلى رزقك أفطرت. قالت ليالي لأبنائها بحنو: =قولوا بسم الله يا عيال. نطق حمود، وتقى: _بسم الله. نشب جلال بطبق العصبان المقلية، وعبّر عن شهيته بشغف قائلًا: =أوعى الجمدان... ده أنا هنط في الطبق ده دلوقتي. كادت هايدي أن تتقيأ من رائحة حلويات المذبح، وعبّرت عن اشمئزازها بكلماتها الصادقة: _ريحة قذرة! تحدثت نعمة: =معلش يا هايدي...احنا بناكل الأكل ده عادي انتي بس علشان ملكيش فيه فمش متعودة وقرفانة. نطقت أم الديب بتعجب وهي تتناول الكوارع، وقالت بدهشة: _حد يكره نعمة ربنا؟ تلفظ المعلم حنفي وهو يذوب في طبق الكرشة، وعبّر عن إعجابه به بكلام ملآن بالشهية: =يا سلام يا سلام. قرب جلال يده بقطعة من الكُرَاع بالقرب من فم والده، وابتسم ببهجة وقال بسعادة غامرة: _دوق الكوارع يابا. بينما المعلم حنفي يستمتع بالتذوق الفريد للكُرَاع، وهايدي تتأمل اللحظة المقززة من بعيد، صارت يدها الملتفة حول فمها حاجزةً لأنفاسها، ترسم لوحة من الاشمئزاز الذي طغى عليها هذه اللحظة، فقالت: =كفاية بجد أنا هرجع! رفع جلال ذراعه في الهواء، وهو يشير لها بيده بكل سخط معبر عن كمده منها قائلًا: _بلا دلع بنات ماسخ. ونظر لابنته، وواصل: _أوعي يا بت يا تقى تطلعي زي عمتك! ردت تقى بعفوية: =لا يا بابا أنا بحب الأكل المعفن ده. قالت ليالي بامتعاض: _إخص عليكي يا تقى متقوليش كده على نعمة ربنا لا تزول من وشك! تحدث جلال، وهو يغوص في لذاذة العصبان: =خلي العيال يبقوا مزاج زي أبوهم، وجدهم، طب ده أنا مجهزلكم أكلة فسيخ، ورنجة أول يوم العيد. بسطت هايدي يدها برهة على بطنها، وعبّرت بأسى، وألم شديدين، قائلة: _آه بطني! تفوه جلال بصياح: =ماجرا ايه يابا ماتشوف بتك الفافي دي! وقفت نعمة في مكانها، واتجهت نحو أختها بحنان، لتطمئن عليها وتعبر عن قلقها قائلة: _انتي كويسة يا هايدي؟ وضعت هايدي يدها على بطنها، وقالت بألم: =مش مستحملة بجد. بينما في منزل عم سلامة أثناء وقت الإفطار، كانت تباهي تتناول الطعام بتشتت، وتعجز عن نسيان ما جرى أمس، محاولةً في الوقت ذاته تجنب تحذير ابنتها من زوجها. لاحظ عم سلامة تقصيرها في الانتباه إلى الطعام، فوجّه إليها تذكيرًا حكيمًا: _ماتاكلي يا أم ليالي...مالك؟ حاولت تباهي بإخفاء مشاعرها الحزينة، وقالت بتماسك: =الكحة ماسكة في صدري مانت عارف يا سلامة دور البرد عامل فيا ايه. رد عم سلامة بحنان: _طب كلي يا أم ليالي ونبقى نشوفلك علاج. قالت تباهي باضطراب: =ماشي. في المطعم، بعد أن انتهت العائلة من تناول الطعام، واحتساء العصائر المثلجة التي زادت من انسجامهم، مرت نصف ساعة. في هذا السياق، حيث قال المعلم حنفي برزانة: _لا بس ايه أكلة متينة... بس تستاهل. رد جلال بابتسامة: =بالهنا والشفا يابا... ده أنا شوية وهجيبلكم كنافة هتاكلوا صوابعكم وراها. قال المعلم حنفي، وهو يشعر بثقل في جسده: _اتوصى، وزود شوية قطايف. نطق جلال بطاعة: =حاضر يابا ده انت تؤمر، واحنا ننفذ. فجأة، تلقت ليالي مكالمة هاتفية من والدتها، فأخذت هاتفها بسرور بالغ، وابتسمت وهي بعيدة عن العائلة، وقالت بفرحة: _ألو ياما وحشاني والله... ازيك وازي أبويا، وأخواتي؟ ردت تباهي بصوت هزيل: =كلنا بخير. لاحظت ليالي تغيّر نبرة والدتها، فعبّرت بدهشة: _مالك ياما صوتك متغير ليه؟ أجابت تباهي بشجن: =مفيش حاجة يا بتي أنا قولت أتطمن عليكي، وعلى العيال. ضحكت ليالي بابتهاج، وقالت بسرور: _بقى أنا أتوه عنك برضة؟ قوليلي بس مالك...أوعي يكون أبويا زعلك! تفوهت تباهي بحزن: =لا أبوكي حاططني جوا عيونه. ردت ليالي بقلق: _أمال في ايه بس؟ متخوفنيش! كانت تباهي تتردد في نار الحيرة بين القول والصمت، إلا أن الكلمات غلبت على صمتها في النهاية، فأدلت بتردد: =امبارح جلال وخاله ضايع...اتهجموا على بيت صحاب أخوكي، وأخوكي كان معزوم عندهم...كان داخل يسرقهم هو وخاله يا ليالي...جوزك حرامي، وايده طويلة! شعرت ليالي وكأنها عالقة في حلم مرسوم بألوان الخيبة، أو كأن والدتها تلعب بخيوط الوهم. في هذه اللحظة المدهشة، كانت تتمنى أن تكون قد سمعت شيئًا مختلفًا، وكلماتها خرجت بصدمة كالبرق فقالت: _انتي بتقولي ايه ياما؟ ردت تباهي بقلق: =زي مابقولك كده يا ليالي... بس أمانة عليكي ماتتكلمي قدام جوزك، ولا تعرفيه اللي قولتهولك. قالت ليالي بتعاسة: _ماشي ياما. لكن لدى المعلم حنفي قال لجلال: =روح يا جلال هاتلنا الكنافة...قاعد ليه؟ قال جلال: _أصبر يابا احنا هنروح مكان تاني نغير فيه جو، وهجيبلكم اللي انتوا عايزينه. ثم نهض، وأردف: =أنا هروح أحاسب. تحدث حامد بود: _خدني معاك. ذهب جلال، وحامد لدفع الحساب، أما ليالي، فعادت من المكالمة الصادمة، وبقيت واقفة كأنها شهدت عرضًا فنيًا غير متوقع. ظلت تحمل في عينيها تلك الدهشة الصامتة، وفي قلبها تتساءل كيف يمكن للزمن أن يقلب النوايا بسرعة مذهلة. رصدت نعمة وقوفها، ولم تستطع إلا أن تعبر بدهشة منقوشة بين كلماتها: =ايه يا ليالي ماتقعدي واقفه ليه؟ شبكت ليالي يديها في بعض، وقالت بصوت حاد: _ودوني بيت أبويا. أثناء الحديث، رفعت أم الديب صوتها بطريقة تدل على انفعال جسيم، حيث أعربت عن استيائها بوضوح، قائلة بصوت مرتفع مما جذب انتباه السامعين: =وانتي حد كان مانعك يا بت؟ ماتروحي احنا مالنا؟ ردت ليالي بعجيج: _انتي خلاص عيارك فلت، وأنا من النهارده معتش ساكتالك، وأنا يا انتي في البيت ده. عندما نهضت أم الديب، لاحظ الحضور فورًا ارتفاع أصواتهم المفاجئ، حيث بدأوا يتبادلون النظرات بينهم بتعبيرات مندهشة ومشاعر مختلطة من الاستغراب. بعد لحظات من الصمت المتوتر، خرجت أم الديب بذهول. انعكس على وجهها الملامح المشددة، والعيون المتسعة، فنطقت: =ايهي انتي بتكلميني آني يا بت؟ بلا تردد، ردت ليالي بقلب جريء، حيث تفاعلت مع الوضع بأسلوب ينم عن ثقة كبيرة بالنفس. واضحًا على وجهها التعبير القوي الذي يعكس حزمها وقوة إرادتها، مما جعل الحضور يتجاهلون التوتر المحيط ويترقبون كلامها بتركيز شديد: _أه بكلمك انتي، ولمي الدور! وقف الجميع، لا سيما هايدي التي بدت متأملة بعمق، حيث تركزت عيونها على ليالي بترقب واضح، تعبر عن استعدادها لاستقبال كلماتها بانتباه متميز،حيث قالت: =هو في ايه؟ تحدث المعلم حنفي بدهشة، حيث انبهر بالمشهد الغير متوقع الذي جرى أمام عينيه: _مالك يا ليالي؟ ايه اللي جرا؟ جاء جلال، وحامد إلى المكان حيث دفعوا الحساب بعد أن انتهوا من تناول طعامهم، وفجأة اشتبكا في شجار حاد، وفي لحظة الفوضى والصخب، أعرب جلال بتعجب واضح، حيث تجلى ذلك من لهجته المفاجئة والتعابير الفموية التي تكشف عن تفاجؤه العميق: =في ايه يا بت صوتك عالي ليه؟ هتفرجي علينا الناس! ردت ليالي بصياح: _الناس كده كده هتتفرج. قال جلال بصخب مفاجئ، صدحت كلماته في الهواء مثل صاعقة، حاملًا في صوته نبرة من التهديد: =ماتتلمي يا ليالي، وعدي ليلتك بدل ما أخليها سودة عليكي! صفعت ليالي وجهها بقوة، وصوتها العالي اخترق الصمت المحيط، فتلفظت بنواح: _صغرتني قدام أهلي، وخلتني في نص هدومي، يا لهوي يا ليالي...يا بختك المايل! نشب جلال في ذراع زوجته بعنف، وصوته العالي اخترق الهواء مع كلماته المليئة بالانزعاج، وكانت عباراته تنبعث منها غضبًا: =وطي صوتك يا بت...بقى على آخر الزمن تيجي واحدة تعمل فيا كده؟ نطقت أم الديب بصياح: _ايهي هو ده أخرك؟ بدل ماتلطشها قلمين؟ استقرت نعمة في المنتصف بينهم، وقالت بخوف: =الله يهديكم بلاش مشاكل...تعالي يا ليالي معايا! تشبثت نعمة بذراع ليالي بقوة وكأنها تسعى لمنع انفجار بركان قد بدأ بالثوران، محاولةً إبعادها عن جلال بكل ما أوتيت من قوة لتجنب تفاقم المشكلة وتضخمها إلى ما لا يُحمد عقباه. ومع ذلك، كانت ليالي مُصرّة على المواجهة، وصرخت بغضب دفين، وتصميما لا يتزعزع، قائلةً: =مش جاية في حتة...مانتوا متعرفوش ابنكم عمل ايه... البيه كان رايح يسرق مع خاله ضايع! صاحت أم الديب بنبرة جهورية تمزج بين القوة والدفاع، كأنما أرادت أن تسمعها الجبال وترددها الأودية، قائلةً: _انتي بت كدابة، وحوارتجية، آني أخويا ضايع ضوفره برقبة عيلتك! اجتمع الناس حولهم بشكل سريع، محاولين فض النزاع قبل أن يتفاقم ويتحول إلى مشهد درامي أمامهم، وفي تلك اللحظة المحتدمة، صرخ جلال في وجه زوجته بصوت يحمل في طياته الاستياء، قائلًا: =بقولك ايه لمي نفسك ألا وديني هرنك علقة! ردت ليالي بصياح: _انت ليك عين تتكلم يا حرامي؟ طب قولنا نسرق أمك علشان منشفاها علينا، ومبترضاش تدينا جنيه إنما الحوار وسع منك، وطلعت حرامي كبير! في لحظة اشتعلت فيها المشاعر وتصاعدت فيها حدة التوتر إلى أقصى درجاتها، فضحت ليالي زوجها أمام عائلته وجموع الناس، ممزقة بذلك ستار الاحترام والمودة الذي كان يخفي ما بينهما. لم يشعر جلال بنفسه حينها إلا وهو يهجم على زوجته بقوة غاضبة، وقد امتلأت عيناه بلهيب السخط المستعر، ووطأها بقدميه بوحشية، صارخًا بأعلى صوته حتى ترددت أصداؤه في كل زاوية، قائلًا: =انتي ملكيش قعاد في البيت ده تاني! بدأ جلال يكيل لها أعظم الشتائم، كلماته تفيض حقدًا، وتعكس فساد أخلاقه العميقة، حتى أن ألفاظه كانت تدينه أمام الجميع بلا رحمة، وبينما كانت ليالي تعول تحت وطأته، ممزقةً بين الألم والمهانة، واصل جلال حديثه المشين دون تردد، وكأنه يجد لذة مريضة في إهانتها، قائلًا بألفاظ جارحة تقطر سمًا، مما كشف عن سواد روحه، وعمق انحداره الأخلاقي: =وربنا ماهرحمك يا ليالي، ولا هسيبك! ردت ليالي بإعوال: _طلقني وريحني منك، ومن قرفك! كانت نعمة، وهايدي، وحامد، وحتى المعلم حنفي يسعون جاهدين لفض النزاع المشتعل، تتسابق خطواتهم وكلماتهم لتهدئة الوضع المتفاقم، بينما كانت الجموع تحتشد حولهم كالموج الضاج، تتدافع، وتتهامس، وتتعالى أصواتها، مضيفةً إلى المشهد مزيدًا من الصخب. في وسط هذا الضجيج البشري، وما زال صوت ليالي يرتفع بقوة، صرخت بصوت يهز أركان المكان، قائلة: _طلقني...بقولك طلقني! تلفظ جلال بصياح: =مش هطلقك هخليكي زي البيت الوقف يا ليالي! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة