أمسكت أم الديب الهاتف بيدها المرتجفة، ورفعته ببطء أمام وجهها كمن يرفع سيفًا في معركة، ثم قالت بصوت حاد: _انت مين يا ولا؟ وتعرف هايدي بتي منين؟ رد علاء الدين بابتسامة: =هايدي Just friend لا أكتر، ولا أقل! لكن أم الديب، وسط زخم الأفكار المتشابكة، شعرت وكأنها قد رأت هذا المشهد من قبل، فقالت بدهشة ممزوجة بالريبة: _ايهي انت هتعملهم عليا يا ولا؟ انت ابن مين؟ انت شبه علاء الدين ابن ست هانم...سبحان الله فوله، واتقسمت نصين. رد علاء الدين بابتسامة ساحرة، وهو يمرر أصابعه برفق بين خصلات شعره، كمن يعزف على أوتار طيش الشباب: =ياه، أنا ابنها فعلًا ماهو أنا علاء الدين! طرقت أم الديب باب المرحاض بعنف مرة أخرى، وصاحت بصوت يقطر سخطًا: _بت يا هايدي..افتحي يا بت! خرجت هايدي من المرحاض بخطوات مترددة، وهي تلتف بالمنشفة حول جسدها المرتجف، وقد بدت على وجهها علامات الخوف العارم، وقالت بصوت مرتعش: =ماما أنا هفهمك! صرخت أم الديب قائلة بامتعاض: _ايهي تفهمي مين يا بت؟ دلوقتي انده أبوكي، وأخوكي الكبير، ونشوف الحوار دهو، ولما أخوكي التاني يسافرلنا يبقى يشوف معانا مفيهاش حاجة برضة. ألقت هايدي بنفسها تحت أقدام أم الديب، وهي تترجاها بنبرة يائسة، وصوتها يعلو بالصياح الممزوج بالدموع، قائلة: =أبوس ايدك بلاش جلال...كله إلا جلال علشان خاطري يا ماما! تشبثت أم الديب بشعر هايدي بقوة، وكأنها تقبض على حبل النجاة في بحر هائج، ثم قالت بصوت حاد كالسيف: _مالك، ومال الواد ابن ست هانم عايزة منه ايه؟ أجابت هايدي بانتحاب: =وطي صوتك متخليش الناس تتفرج علينا! ردت أم الديب بجلبة: _وهما لسه شافوا حاجة يا بت؟ تفوهت هايدي بكلمات متقطعة وسط بكاء مرير: =علشان خاطري يا ماما. بعد جدال مرير وتذلل استمر لنصف ساعة، ألقت أم الديب ابنتها في الغرفة بعنف شديد، وصكت الباب في وجهها بقوة جعلت الجدران ترتج، ثم اتجهت إلى فراشها لتغرق في نوم عميق، وفي صباح اليوم التالي، استيقظت هايدي من نومها وهي تشعر بألم في المثانة، محصورة المياه، فبدأت تضرب الباب بقوة مفرطة، وكأنها تستجدي الرحمة من أحد ينقذها من محنتها، وقالت بصوت متحشرج من التألم: =حد يفتحلي أنا مزنوقة! جاء المعلم حنفي يسرع خطواته نحو الباب، ووجهه يعبس بالتعجب فقال بدهشة: _مين اللي قفل عليكي يا هايدي؟ لكن إذا علم المعلم حنفي الحقيقة، سترتسم خطوط الصدمة على وجهه، ربما يرتفع حاجباه ببطء، وقد تعلو عيناه بالقلق، ويصاب جسده بالجلطة؛ لأنها كانت تدرك أن تلك الحقيقة قد تؤثر بشكل سلبي على حياته وصحته، فأرادت هايدي أن تبتكر أي كذبة بريئة تساعدها في إخفاء الواقع المؤلم عنه، فنطقت بحيرة: =الباب شكله بايظ. رد المعلم حنفي: _طب اصطبري. دخل المعلم حنفي الغرفة بخطوات ثقيلة، كأنه يحمل عبءًا ثقيلًا على كتفيه، وعلى وجهه امتزج القلق، والترقب. لم يكن بحثه عن المفتاح مجرد تفتيش عادي، بل كان كشفًا عن أسرار غامضة في ركن مظلم من ذاكرته. وبعد لحظات من التأمل العميق، استعاد الأمل، وبدأ في تفتيش كل زاوية في الغرفة، بحثًا عن ماضٍ تائه، حتى وجد المفتاح مختبئًا تحت ركن منسي، فابتسم النصر بتكتم وهو يتحدث: =ده كان حد قافله عليكي. ردت هايدي بتفكير متأمل، كأنما تجتاز متاهات فكرها ببطء: _أه أنا افتكرت أصل ساعات بمشي، وأنا نايمة فقولت لماما تقفل عليا لحد ما أصحى. رد المعلم حنفي بتعجب: =أول مرة أعرف. اتجهت هايدي إلى المرحاض بخطوات سريعة ومتعجلة، وفي الوقت نفسه أخذ قمر الدين والده، ووالدته، وأخته سامية، حيث اتجهوا نحو منزل العروس سارة ليتقدمون إليها. كان مستوى تلك العائلة يعكس المستوى الاجتماعي والمادي لعائلة أم قمر الدين، مما جعل الزيارة مزيجًا من الفرح، والتوافق الذي يملأ الأجواء، وفي الطريق المؤدي إلى منزل العروس، كانت سامية تقود سيارتها ببراعة وثقة، متحاورة في الهاتف مع جميلة بشكل ملهم، حيث تبادلتا الأخبار والتفاصيل بشكل حميم، ومثير للاهتمام، فأجابت جميلة: _لا يا بنتي هاجي أكيد في الخطوبة...انتي عارفة الأيام دي مشغوله مع سيليا. كانت سامية تقود السيارة بكفاءة متناهية، حيث تسلّقت منحدرات الطريق بثقة، محاكيةً بها رؤية واضحة للطريق أمامها، بينما كانت ترد على جميلة بكلمات مفعمة بالحيوية، كمن ينقل براعة القيادة إلى النصوص الحوارية، معبرة عن تفاؤلها، واستعدادها للحظات القادمة بكل تفاصيلها: =أنا قولتلك تجيبي خدامة، وبيبي سيتر بس انتي ليه مصممة على التعب؟ تأملت جميلة الشاشة بتركيز عارم، وعيناها تتبع كل تفاصيل الفيلم بدقة، كمن يستنشق جمال اللحظة في كل مشهد يمر أمامه. وفيما تتلقف المشاهدة بالإثارة، كانت تتبادل التعليقات والأفكار مع سامية عبر الهاتف، كأنهما تجتمعان بين فرحة اللقاء إزاء ألوان الشاشة الزاهية: _مش حابة أدخل بيتي حد غريب أنا كده مرتاحة أكتر...صحيح لارا سيبتيها فين؟ تفوهت سامية بلُطف: =سيبتها مع طنط هي بتموت فيها بجد، وكل مرة بتتحايل عليا اسيبهالها، وأكيد هكون متطمنة عليها وهي معاها. تلفظت جميلة بإلحاح: _سامية أنا لسه مصممة أنا كمان إنك تيجي يوم نسهر سوا. ردت سامية بابتسامة تنبعث من داخلها كشعاع من الشمس، مشع بالبهجة: =أكيد يا حياتي بس أكون فاضية. نطقت جميلة بحُب: _منين ماتكوني فاضية هتيجي...وعد؟ ردت سامية ببشاشة تنبعث من وجهها كالوردة الفاتنة في فصل الربيع: =وعد. بينما في غرفة هايدي، كانت تجلس على سريرها بملامح متجهمة، وهي تحاول الاتصال بعلاء الدين لمرات عدة، لكنه لم يستجب لمكالماتها. غطى الاحتدام، والإحباط ملامح وجهها، وتجولت أفكارها بين القلق، والتساؤل حول سبب عدم ردّه، فقالت بصوت ملئ بالاستياء: _عملي مشكلة كبيرة امبارح، وكمان مش بيرد. هنا قررت هايدي أن ترسل رسالة إلى علاء الدين، مليئة بالعتاب، ظنت أنها ستجد ترحيبًا وتفهمًا. وبعد دخولها إلى المحادثة، تفاجأت بأنه قام بحظرها، فأصابتها صدمة بئيسة، غطت ملامح وجهها بالخيبة. ثم قالت بصوت حاد، مليئة بالإصرار، متوعدة له بعواقب أن يتحملها لقراره الساذج: _بتعملي بلوك؟ يوه ماشي، ماشي. دخلت هايدي المطبخ، وهي تنفث عن غضبها المكنون بأصوات حانقة، حيث ارتطمت خطواتها بالأرض بقوة، مرتبكة في هدير صوتها كالبركان الذي ينفجر من الداخل. ومجرد أن رأتها أم الديب، وقفت في طريقها بقوة، معبّرة عن حيرتها، حتى أنها سألتها بصوت حاد، ملأه الشك: =مالك، ومال علاء الدين يا بت؟ نطقت هايدي بتلجلج، كأنها تحاول تهدئة نفسها، وترتيب أفكارها في ضوضاء صاخبة، مما أعطى لحظة من التفكير فيما تقوله بعد ذلك: _مفيش حاجة ده أنا قابلته في المدرسة صدفة كان جاي يخلص أوراق فخد رقمي عشان لو في جديد. ردت أم الديب بصوت حاد: =مش مصدقاكي. وفي تلك اللحظة دخل جلال، مصحوبًا بزوجته وأولاده، إلى شقة أم الديب، ووقفوا في مدخلها الضيق، بينما تعالت أصوات الأطفال بفرحة لامعة في أعينهم. ثم قال جلال لها، بصوت ينبض بالود: _هنتغدا عندك النهاردة ياما. تلفظت أم الديب بصوت حاد: =آني معنديش حاجة تتعمل. جلس جلال على الأريكة بتأنٍ، وراحة، وألقى نظرة حوله بابتسامة دافئة، ثم قال بصوت هادئ: _لا احنا عاملين حسابنا، وجايبين فرخة ونص. انصدمت أم الديب، وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها، فهي تظن دومًا أن جلال مبعزق للأموال من تحت رأس زوجته، ما جعل الفزع يلتف حول قلبها كظلام ليلة عميقة. وفي هذا السياق المأساوي، خرج صوتها بتعبير عن الصدمة المؤلمة، حيث قالت بصوت مرتفع: =ايهي ده كتير أوي...ليه كل ده؟ ردت ليالي بسخرية: _كل ده ايه؟ ده احنا مكسوفين من نفسنا، ده يارب تكفى. نطقت أم الديب باستهزاء، كأنها تحاول تخفيف التوتر، والضغط الذي يلتف حولها: =وانتي اللي زيك بيختشي على دمه؟ أجابت ليالي بسخط: _مش عيب الكلام ده يا حماتي يطلع من ست كبيرة زيك؟ صاحت أم الديب في وجه ليالي بصوت مرتفع يتسم بالاستياء، كأنها تفرغ كل امتعاضها في تلك الكلمات، التي ترتد طاقة الغضب في الهواء كالرياح العاتية: =ست كبيرة ايه يا بت دباح الحمير؟ ده أنا لسه بشبابي وردة مفتحة! ضحكت ليالي، وقالت بسخرية: _أه ماهو باين عليكي. تحدث جلال بصوت حاد، كأن صوته ينطلق كصاعقة في الهواء، يحمل معه رسالة من القوة: =خشي يا ليالي جهزي الحاجة عقبال ما نعمة تنزلك. دخلت ليالي المطبخ، وفي يدها أكياس الدجاج، ثم جلست أم الديب على سيف جلال، وقالت له بتعجب، بينما تتأمل وجهه بعيون متسائلة بالدهشة: _هي نعمة نازلة هي التانية؟ رد جلال، وهو يتهرش أذنه بحركة خفيفة، معبرًا عن تفاعله مع ما قيل: =أمال ايه؟ ماحنا قولنا نتجمع عندك النهاردة. استغلت أم الديب الفرصة المتاحة، واستحوذ عليها الطمع، حيث أدركت فجأة أهمية استغلال زوجة ابنها لمصلحتها الشخصية. وبسعادة خفية تملأ قلبها، نظرت إلى الجلسة بتحسر محسوس، وقالت بترقب: _وماله خلي مراتك تنضفلي الشقة بالمرة. تلفظ جلال بصوت حاد: =عندك هايدي ياما تنضفهالك...أنا مراتي مش هتعملك حاجة لا مؤاخذة! وضعت أم الديب يدها بتبختر على خصرها، وأعوجت فمها بسخرية تنم عن غمزة ساخرة تتربص في زوايا عينيها، وتفوهت باستهزاء: _ليه على راسها ريشة ولا فاكرة نفسها بت بارم ديله؟ خرجت هايدي من الغرفة بخطوات هادئة، وقالت بثقة في صوتها: =علفكره أسمها بارون ديلون مش فاهمة ايه بارم ديله دي؟ صاحت أم الديب في هايدي قائلة بامتعاض: _اقعدي انتي يا بت لما نشوف أخوكي، والسنيورة مراته. خرجت ليالي من المطبخ بعد أن سمعت حديثهم، ووضعت يدها بهدوء على خصرها، وقالت بصوت مليء بالحدة: =مش كفاية هتاكلي على الجاهز يا حماتي، وكمان مش عاجبك؟ تلفظت أم الديب بعصبية: _وانتي هتأكليني من جيب أبوكي، ولا ايه يا بت؟ مش كل ده من فلوس ابني؟ ردت ليالي ببرود شديد، بدون أدنى اهتمام أو انزعاج واضح: =خلاص إبقي كلي الفراخ نية بدمها. صرخت أم الديب قائلة بنواح يخترق الأجواء: _يا خرابي ده البت بترد عليا كلمة بكلمة! رد جلال بعصبية، حيث تجلى الغضب واضحًا في تعابير وجهه وطريقة كلامه: =يلا ياما اركني في أي زاوية عايز أشرب شيشة أعدل مزاجي قبل الغدا. ضربت أم الديب يدها بقوة على صدرها، وصدحت بصوت مليء بالصدمة: _يا خرابي! دخل جلال البلكونة بخطوات ثقيلة، بينما حمود تحدث مع أم الديب بنبرة حادة هو الآخر، قائلًا بصوت مرتفع: =وسعي يا ستي هروح أشم الدخان بتاع الشيشة. وطأت أم الديب يدها بقوة على صدرها للمرة الثانية، وصرخت بصوت ينطلق من أعماقها: _ يا مصيبتي! خرج جلال من البلكونة ممسكًا بالنارجيلة، وقال بصوت مليء بالثبات: =عيب ياض انت لسه صغير على الكلام ده! بعد مرور ساعتين من الموافقة التي حصل عليها عائلة العريس على هذا الزواج، وبعد الاتفاق الذي تم بين العائلتين على تفاصيل حفل الخطبة، وجد باسم، وأم قمر الدين، وسامية، وأفراد عائلة العروس أنفسهم جالسين معًا في البهو، يتبادلون الحديث بينما يستمتعون بالعصائر ويتذوقون قطعة من الكيك. في تلك اللحظة، كان قمر الدين يتحدث بمشاعر عميقة مع جميلة عبر الهاتف في حديقة قصر والد العروس، حيث كانت كلماته تنطلق بحنان، تعكس الفرح المتوقع في المستقبل القريب: _معلش يا جميلة العزومة اتأجلت، والموضوع جه بسرعة...ده أنا كان نفسي تيجي تنوريني. تفوهت جميلة بابتهاج: =معلش يا حبيبي تتعوض في الخطوبة، وهكون أول الحاضرين...قولي بقى اتفقتوا على ايه؟ رد قمر الدين بابتسامة: _الشبكه بخمسة مليون، ولسه متفقناش الخطوبة امتى. تلفظت جميلة بصدمة، حيث خرجت الكلمات من فمها بتعبير واضح عن الدهشة، والإحساس بالذهول العميق: =خمسة مليون مرة واحدة؟ رد قمر الدين دون أي مقدمات، بكل جرأة، وصراحة عنيفة: _اه في ايه؟ مش أحسن ما يجيلها بمية ألف؟ شعرت جميلة أن أخاها يقصد شيئًا ما في هذا الحديث، فتحولت نبرة سعادتها المتواجدة إلى نبرة متوترة، حيث عبرت قائلة بصوت ينطلق بارتياب: =قصدك ايه يا قمر الدين؟ أجاب قمر الدين بإحراج: _مش قصدي يا جميلة!. أوعي تفهمي غلط! ردت جميلة بامتعاض: =ولا قصدك بقى مش فارقة...عمومًا مبروك. قال قمر الدين بقلق بعد أن شعر باستياء أخته، حيث أعطى إشارة واضحة لاهتمامه بالموقف: _جميلة انتي زعلتي ولا ايه؟ أنهت جميلة المكالمة الهاتفية، وألقت هاتفها على السرير بعيدًا، ونزلت دموعها حزنًا على نفسها فهي لم تتصور أن أخاها يستهزأ بها في يوم من الأيام، ولسوء الحظ عاد أحمد من عمله على بكاء جميلة، وسرعان ما اقترب منها، وسألها متعجبًا: =مالك يا جميلة ايه اللي حصل؟ صمتت جميلة، والدموع تنصب من عيناها، فواصل أحمد سؤاله مجددًا: =جميلة ردي! نظرت جميلة في وجه أحمد، وقالت بصوت مهزوز مختلط بالبكاء: _على آخر الزمن قمر الدين بيعايرني بالشبكة المية ألف قصاد شبكة عروسته اللي بخمسة مليون! رد أحمد بغضب: =ازاي قمر الدين يقول كلام زي ده؟ هو مكنش عارف ظروفي وقتها؟ ازداد بكاء جميلة، فحاول أحمد عناقها قائلًا: =جميلة اسمعيني كويس أنا هكتبلك الشقة، والعربية بإسمك، وانتي زي ماتحبي، تبيعيهم تخليهم دي حاجة ترجعلك في النهاية، وأنا هحاول على قدر الإمكان اثبتلهم إنك مش أقل منـ.... بترت جميلة حديثه، وقالت بصوت حاد: _إني ايه؟مش أقل منهم صح؟ أنا قليت من نفسي يوم ما أتجوزتك بقيت أستحمل كلام، ونظرات الناس الصعبة اللي بتقولي خلاص انتي مابقتيش مننا. لم تشعر جميلة بحديثها الشرس الذي كان كالسكين الحاد يغرز في قلب أحمد، فكانت مشاعر الحزن تغمر حديثها بعبثية مؤلمة. سرعان ما وقف أحمد، مدهوشًا وصدمته تعلوه، إدراكًا لما قالته، وبأنه قليل القيمة في عينيها، لا يمتلك مكانة مهمة. كان واضحًا أن زواجه من ابنة الأثرياء كان خطأً، خيبة أمل ضخمة. تسرع في اتخاذ القرار دون تفكير، حيث سيطر القلق على عقله، فكان قلبه يغلب على عقله في تلك اللحظة المؤلمة، فأعلن بصوت حاد: =جميلة انتي طـ.... قبل أن ينطق كلمة الطلاق، تلعثم أحمد، وتوقف عن نطقها حينما ذكر حبه لجميلة، والذكريات الجميلة التي عاشها معها، والأعوام التي قضوها معًا، والابنة التي ستنمو في أسرة مفككة. في تلك اللحظة، كانت جميلة تنظر إليه نظرات مصدومة، تنتظر بقية الجملة التي ستنهي كل شيء بينهم في لحظة واحدة، ولكنه صمت بحدة، وخرج من المنزل بأكمله، متوجهًا إلى منزل عائلته في القرية. بعد مرور ثلاث ساعات في منزل أم الديب، كانت تجلس على أرضية الصالة أمام التلفزيون، تأكل حبات اللب، وتنفرها من فمها فيتناثر قشرها على الأرض حولها. نظرت نعمة إليها بضيق، وقالت بصوت ينطلق من أعماقها بالتذمر: _ياما حرام عليكي بتبهدلي الدنيا حواليكي ليه؟ وفي الآخر تقوليلي نضفي يا نعمة، وأنا خلاص ياما مابقتش قادرة...أنا هلاحق على بيتي ولا عليكي؟ ردت أم الديب، وهي تأكل اللب، بتعبير من اللامبالاة في نبرة صوتها: =نضفي انتي، ومرات أخوكي انتوا اسم الله عليكوا لسه في العشرينات مش زي ست كبيرة، وغلبانة. ثم تركت حبات اللب من يدها، وانهمرت دموعها بينما قالت بصوت مكسور: =يا عيني عليكي يا أم الديب، وعلى بختك المايل. تعجبت نعمة من التحول المفاجئ الذي حدث في لحظة، وقالت بصوت ينطلق بالاستغراب: _الله ياما هو حد جه ناحيتك؟ خرجت ليالي من المطبخ، وعبّرت قائلة بصوت متألق، ومليء بالثقة: =سيبيها انتي أمك بتحب الدراما. دخل أحمد شقة أم الديب، وعلى وجهه القهر الواضح، لكن فرحت الوالدة برؤيته، وقالت بابتسامة: _ايهي تعالى يا حبيب أمك. وبعد أن تمعنت في ملامح وجه ابنها، صرخت قائلة بصوت مليء بالاهتمام: _مالك يا منيل وشك مخطوف كده ليه؟ وفين جميلة، والبت الصغيرة؟ رد أحمد بألم نفسي مَنين، حيث تجلت الحسرة في تعابير وجهه، ونبرة صوته: =أنا كنت هطلق جميلة. وطأت أم الديب يدها بعنف على صدرها، ووقفت في الحال، ثم صرخت قائلة بصوت مليء بالفزع: _يا لهوتي يا خرابي...يا وكستي السودة... يا مصيبتي المهببة بهباب أسود في ليلة زرقا! فرحت ليالي بما سمعته في أعماقها، لكنها اختارت أن تظهر حيال الجميع بمظهر الحزن، وقالت بصوت ينطلق بالاستياء المتنكر: =يا ساتر يارب ليه كده؟ رد جلال بصوت حاد: _في ايه ياض انت عبيط تخرب بيتك؟ تحدث المعلم حنفي بصياح: =في ايه؟ انطق! خرجت هايدي من غرفتها على هذا الخبر التعيس، ورد أحمد بحيرة ملحوظة، كأنه يتردد في كلماته ولا يجد ما يقوله: _جميله ندمانة إنها اتجوزتني عشان الفلوس، مش عاجبها المية ألف قصاد شبكة خطيبة أخوها اللي بخمسة مليون، وبتقطم فيا! تحدثت ليالي، وداخلها تملأه الفرحة، وأرادت إثارة الفتنة بينهم أكثر، فقالت بحماس واضح في صوتها: =انت لو راجل بحق، وحقيقي تطلقها، أه كله إلا كرامة الإنسان، وهي اسم الله عليها نافشة ريشها عليك. نهض جلال مكانه، وصاح في وجه زوجته بصوت ينبعث منه القسوة، قائلًا بكلمات تنطلق بحدة: _اطلعي منها انتي يا ليالي! صرخت أم الديب قائلة بنواح: =تطلق مين يابن العبيطة، والبت الصغيرة دي تروح فين؟ جلس أحمد، وقال باضطراب، كأنه يتردد في كلماته ولا يجد الكلمات المناسبة للتعبير: _معنديش مشكلة آخدها أربيها. تحدثت نعمة بحزن ملحوظ، وهي تحاول بكل تأثير أن تلطف الأمر: =استهدى بالله ياخويا شيطان، ودخل مابينكم، ده انت والله ماتلاقي زي جميلة...هي بس النسوان ساعات بيطلع منهم كلام ميقصدهوش، اسألني انا! شعرت هايدي أن كل ما حدث في الحقيقة هي وراء كواليسه، فرأت في أقوال أحمد مجرد أكاذيب ملفقة لتحجب الحقيقة المكنونة. فبينما تكبت في داخلها خيبتها، خرجت أم الديب عن صمتها، وقالت بصوت ينبعث منه الحنان: _احنا منحبش خراب البيوت ارجع لبيتك، ومراتك. تفوهت ليالي بسخرية: =أه فعلًا يا حماتي مبتحبيش خراب البيوت خالص. تحدث جلال بعقلانية، بينما كان يبدي وضوحًا في أفكاره، وثقة في كلامه: _اهدى ياض، ده لعلمك ليالي دي كانت واقفالي على الطلاق مرتين قبل كده! نطقت ليالي بجلبة: =يخيبك انت بتطلع أسرارنا ليه؟ رد جلال بوضوح: _بعرفه يا بت إن كل البيوت كده. وسط تجمع العائلة، وبينما كانوا يحاولون حل المشكلة، دخلت هايدي الغرفة، وأمسكت هاتفها بين يديها بكمد محتجز لداخلها. وبينما كانت تنظر إلى الهاتف، خرجت كلماتها بصوت مُتسارع، تعكس تضاعف الضغط الذي تعيشه داخليًا: =ماشي يا علاء مش البلوك هو اللي هيفرق بينا...أنا وراك كده لو هتروح فين. بمباركة القمر، وتوشيح النجوم، دخلت أم الديب برفقة نعمة إلى الغرفة الأخرى، وصدح صوتها كزقزقة العصافير في ربيعها، فاتصلت بجميلة من عمق المحبة الذي يرنو إلى السماء، قائلة بصوت يملأ الفضاء بأنغامه النقية، وكلماته الشفافة: _ألو يا جميلة عاملة ايه؟ ردت جميلة بنفور: =ازيك يا طنط؟ نطقت أم الديب بحنان: _بقى يصح اللي عملتيه مع جوزك ده؟ ورجعتيه مكسور الخاطر كده؟ أجابت جميلة بكلمات متعبة تنبعث منها الاستياء: =طنط من فضلك!. محدش فيكم حاسس باللي أنا بمر بيه كل يوم. تفوهت أم الديب بابتسامة: _بلاش الكلام الكبير ده...صالحي جوزك بلاش الشيطان يدخل بينكم، وخلي البت تتربى وسط أبوها، وأمها. كان رد جميلة استنكارًا غاضبًا: =يا طنط أنا مش أقل من أخواتي! تفوهت أم الديب بلين: _ايهي بت الأصول ميطلعش منها الكلام ده، وانتي واخداه وهو كده، متجيش تقوليله ليه، ومش ليه! تحدثت نعمة بعبارات مفعمة بالعمق: =هاتي ياما أكلمها أنا. بينما كانت نعمة تمسك بالهاتف، انطلقت من شفتيها الكلمات: =ألو يا جميلة بصي ياختي أنا مليش في الكلام المزوق ده...انتي لمي الدنيا متخليهاش تكبر، خراب البيوت مش سهل، ووقت الجد هتندمي! أدركت جميلة بعمق، وقالت بثبات: _عندك حق. تفوهت نعمة بكلمات مليئة بالحكمة: =ارجعي لعقلك يا مرات أخويا، ومتخليش بنتكم تتربى في وسط المشاكل، واللي ممعاهوش النهاردة بكرا يبقى معاه. هدأت جميلة من حديث أم الديب ونعمة معها، وأدركت فجأة أنها كانت على خطأ، وأن كل ما قالته لزوجها لم يكن سوى مصدر للمشكلات، فخيطت الكلمات بحزن مؤلم: _أنا فعلًا غلطانة...مش عارفة ازاي ده حصل بس كلام قمر الدين كسرني، وخلاني مش عارفة بقول ايه! ردت نعمة بنبرة عميقة تعبّر عن الود: =مهما يحصل يا جميلة ياختي متكسريش بخاطر جوزك...ربنا يهديكم، ويبعد عنكم المشاكل. تحدثت جميلة بكلمات مغمورة بالقلق: _نعمة أرجوكي متعرفيهوش إن أنا جاية...أنا لازم أصلح غلطتي، وكلامي اللي قولته! ردت نعمة بسعادة: =بس كده من عينيا، ده انتي هتنوري الدنيا. تفوهت جميلة بابتسامة: _منوره بيكي...باي. تبسمت نعمة وأعربت عن فرحتها: =مع ألف سلامة. دخلت أم الديب الغرفة مرة أخرى، وكانت الكلمات تنساب من شفتيها كأنها أنغام من الفضول تتسلل إلى الهواء: _ايه آخر الأخبار يا بت؟ أجابت نعمة: =هتيجي تصالحه، بس أوعي تعرفيه ياما! كان رد أم الديب ينبض بالأسى: _ ده شيطان، ودخل مابينهم...يا عيني عليك يابني كله من عين ليالي. كأن قول نعمة يتناغم مع حزنها العميق: =وليالي ايه دخلها بالموضوع؟ تلفظ أم الديب بسخط: _هو كده يا بت...يلا خلصوا أنا جعانة! خرجت أم الديب ونعمة من غرفة النوم، حيث دخلت نعمة عند ليالي في المطبخ لإعداد الطعام، واتجهت أم الديب إلى المرحاض بينما كان المعلم حنفي يوصي أحمد بتوجيهات دقيقة، مسترسلة عن مسار عاطفي في حياته: =احنا منحبش خراب البيوت...حافظ على بيتك! أجاب أحمد بجوى: _أنا محافظ عليه يا بابا بس جميلة كل اللي يهمها إنها متبقاش أقل من أخواتها! اصطدمت يد المعلم حنفي على ساق أحمد، وانبعثت ضحكته كأنها نسيم منعش يمتلأ بالمرح، قائلًا بصوت يتراقص في الهواء: =ياض هتبقوا زي السمنة على العسل...انت أدخل غَير ده نعمة، وليالي هيعملولنا حتة أكلة إنما ايه! ضحك أحمد بصوت خافت مليء الحيوية، ثم دخل الغرفة بخطوات واثقة، بينما كانت ليالي تجلس بالمطبخ معقدة، ومتمنية طلاقهم، وكانت تعبر عن استياءها بنبرة حادة تتخللها الغضب المكبوت: _ما كان طلقها، وريح نفسه ده ايه ياختي الهم ده؟ ردت نعمة، وهي تقطع الطماطم بحرفية فائقة، وانبثقت منها كلمات بسيطة كنغمة موسيقية تتدفق بين حبات الطماطم تعكس رونق الحياة اليومية: =حرام عليكي يا ليالي، والبت الصغيرة تروح لمين؟ قالت ليالي ببغضاء، وصوتها يرتجف مثل أوراق الشجر في الرياح العاتية: _تروح بيت جدها ده اسم الله عليهم عندهم فلل، وعربيات، وفلوس زي الهم على القلب...محسساني إنهم هيغلبوا يعني! ردت نعمة بعقلانية: =يا ليالي مش علي الفلوس أصل الواحد مننا برضة نفسيته بتتعب لما أبوه، وأمه بيتشاكلوا طول الوقت. تفوهت ليالي بضيق: _ياختي ايه الكلام الكبير ده؟ أنا مرارتي مش مستحملة! بعد مرور ساعتين ونصف انتهت نعمة وليالي من تحضير الطعام بدقة، واهتمام، وجلست العائلة سويًا حول الطاولة الريفية المزينة بأطباق الطعام الملونة، وفجأةً، انقطع الهدوء برنين هاتف هايدي الذي كان يرن بحثًا عن انتباه الجميع، فتعجب جلال، وقال بصوت يعبق بالفضول: =مين اللي بيتصل ده يا بت؟ أجابت هايدي بتوتر: _عادي يا جلال دي واحدة صاحبتي. رد جلال بعصبية: =ماتردي عليها يإما تشيلي المخروب ده بدل ما أكسره! وقف أحمد، وقال بصوت مليء بالتأمل والجدية، كأنه ينطق بأفكاره العميقة، وتوقعاته المستقبلية بشكل واضح: _تعالي معايا يا هايدي عايزك! تحدث المعلم حنفي بدهشة: =ياض، وده وقته؟ أقعدوا كملوا أكلكم! رد أحمد بامتعاض ملحوظ: _معلش دقيقة بس. دخل أحمد مع هايدي إلى الغرفة، وأمسك هاتفها بحركة حازمة، وتأكد من كون رقمه رقم علاء الدين، ثم انفجر بكمد، كأنه يتنفس نيران الاحتدام ويتناغم معها في تعبيره، وهو يقول بنبرة حادة: _ردي! تلفظت هايدي باضطراب: =هفهمك والله أنا من ساعتها، وقولتله الموضوع انتهى مش عارفة هو ليه مصمم يكلمني. تحدث أحمد بصوت حاد: _ردي يا هايدي! ردت هايدي بخوف مرئي على وجهها، كأنما تنبعث من عينيها الدموع وينطلق صوتها بقلق جسيم: =حاضر. استجابت هايدي للمكالمة الهاتفية، وفي صوتها الخافت ترتسم الحيرة، والتوتر: =هو أنا مش قولتلك متكلمنيش تاني؟ رد علاء الدين باشتياق: _الصراحه وحشتيني يا هايدي قولت لازم أكلمك أتطمن عليكي. تفوهت هايدي بتوتر: =أنا مضطرة أقفل أصل ورايا شغل. ضحك علاء الدين، وقال بدهشة: _ليه يا مزه؟ ده أنا متصل مخصوص أكلمك! دخل جلال الغرفة، وعبير الدهشة يتعانق مع ملامح وجهه، كمن يتأمل مشهدًا غير متوقعًا: =هو في ايه؟ في تلك اللحظة العصيبة، مثلت هايدي بسرعة وهي تعدل حجابها في كاميرا الهاتف، حيث انعكست على محياها تعابير الفزع. صدح صوتها بانعكاساته، وقالت بلهجة ناعمة تدخل في دوامة التلعثم: _بعدل الطرحة...هو في حاجة يا جلال؟ رد جلال بشك: =غريبة يعني دخلتوا هو في أسرار مابينكم ولا ايه؟ نطقت هايدي بخشية: _لا خالص. الحقيقة أن جلال لم يقتنع بحديث هايدي، فكان ينظر إليها بنظرات شك، وتساؤل. وبعد عودة أحمد إلى الطاولة وجلوسهم معًا، كانت أم الديب تتناول الطعام بينما الأجواء تكاد تكون متوترة، حيث كانت التساؤلات تلوح في أذهانهم حول ما إذا كان هناك شيء قد حدث بينهم، فقالت الوالدة بفضول: =في حاجة، ولا ايه يا ولا؟ أجاب أحمد: _لا يا ماما مفيش حاجة. ردت أم الديب، وهي تجلس على طاولة مستديرة مغطاة بفوطة متدنسة بالأوساخ، وأمامها طبقٌ منسوج بعناية، وكوبٌ من الشاي الساخن يتصاعد منه بخاره العطر، مستمتعة بكل لقمة تدخل فمها، وعينيها تتلألأ بسعادة مرتبطة بلحظات السكينة: =طب كمل أكلك انت، وأخوك. ثم نظرت حولها بابتسامة خفيفة تعكس تفاعلها مع الجو المحيط، وأردفت بصوتٍ ينبض بالحياة: =أمال هايدي فين؟ خرجت هايدي من الغرفة، وقالت بتلجلج: _كنت بعدل الطرحة يا ماما. وجلست على الأرض، وأردفت بابتسامة تنطلق كشعاع من القمر: _تسلم ايدك يا ليالي انتي، ونعمة. ردت ليالي بابتسامة تنم عن رضاها التام، وهي تتناول الأرز بخوضها في كل حبة كأنها تكشف عن أسرار عميقة، تمزج بين طعم الطعام، والسعادة الداخلية: =على ايه؟ دي حاجة بسيطة. تحدثت نعمة، وهي تتناول قطعة البطاطا بالصلصة، بتعابير وجهها تنم عن إعجابها بالنكهة الغنية، والمذاق المثالي: _لازم تتعلمي عشان لما تتجوزي تعرفي تسدي في بيتك. أجابت هايدي، وهي تتناول الطعام بتمهل، حيث اندمجت كلماتها مع مذاق كل لقمة: =لا مبفكرش في الجواز ده خالص. ردت أم الديب بصوت حاد: _هتفضلي قاعدة على قلبنا لحد امتى؟ تفوهت هايدي بسخط: =وأنا مزعلاكي في ايه بس يا ماما؟ بعد مرور خمس دقائق من الزمن، وبينما كانت الدقائق تتدرج ببطء في زمنها المحسوس، صعدت جميلة برفقة سيليا إلى الشقة المعتادة، حيث باتت اللحظات تتسم بالانتظار الملحوظ، وكأن الزمن يجري بسرعة ليعبر عن التوتر الذي انعكس على وجوههما المتلهفة. وفي هذا السياق رغم ما عصف بخوفها المتزايد، تمكنت بشجاعة لا تلين من التغلب على تلك المشاعر السلبية، وبابتسامة طافحة بالإيجابية قالت لهم: _ازيكم عاملين ايه؟ انصدم أحمد بمجرد أن رآها تظهر أمامه، حيث تجمد للحظات في مكانه، ترقبًا لما سيحدث بعد ذلك، وكأن الوقت توقف عن الجري لحظة ليستكشف هذا التغيير المفاجئ في حياته. بينما أم الديب، التي كانت تتفاجأ بظهورها وقفت في مكانها متأملة فيها بكل سعادة تخيم على محياها، وقالت: =حماتك بتحبك...تعالي كُلي معانا! تحدث المعلم حنفي بابتسامة: _خشي يا جميلة يا بتي..تعالي يا سوليا أدخلي. جريت سيليا بخطواتٍ خفيفة نحو جدها، وعانقته بقوة معبرة عن مشاعرها العميقة، وبينما كانت تضمه بحنان، قالت بصوتٍ ينطلق كنغمة موسيقية من القلب: =ازيك يا جدو؟ وحشتني أوي! بادلها المعلم حنفي نفس العناق، وقال بسعادة غامرة: _وانتي كمان يا سوليا يا حبيبة قلب جدك. نظرت جميلة بعينين مليئتين بالحنان، والشوق إلى أحمد، وفي لحظة من الإحراج الممتزج بالترقب، أطلقت كلماتها بخجل: =انا جاية أعتذر عن اللي حصل...بجد أنا غلطانة جدًا. تحدث المعلم حنفي بصوت حاد مع أحمد قائلًا بحزم: _قوم ياض سلم على مراتك، وبتك. نهض أحمد في لحظة مليئة بالمشاعر، وعانق ابنته الصغيرة سيليا بحنان يعبر عن الغياب، والشوق الطويلين، وقبّل جبينها برقة تنم عن الحنان الأبوي العميق. وفي تلك اللحظة الممزوجة بالمحبة، ألقت سيليا بكلماتها بشغف: =بابي انت روحت فين؟ أنا بدور عليك! ابتسم أحمد بلُطف، ولكنه لم يستطع إيجاد الرد المناسب الذي يُرضي عقل طفلته البريئة. وفي هذه اللحظة الصعبة، قالت أم الديب بصوت حاد ينطلق كبرق في السماء: _مراتك جاتلك لحد عندك يا منيل متكبرش الدنيا، وخلينا نطفح اللقمة بنفس. ثم نظرت لجميلة، وقالت بسعادة: _اقعدي يا جميلة كُلي! تحدثت ليالي بنبرة ساخرة: =يا أهلًا، وسهلًا. اقتربت جميلة من زوجها بخطواتٍ هادئة، وألقت بنظرةٍ مليئةٍ بالحب، وانطلقت بكلماتها برقة تعبيرًا عن مشاعرها العميقة: _ممكن ترجع البيت معانا؟ نظر أحمد لجميلة بتردد، وبعد ذلك أعاد النظر إلى والده، حيث اهتزت رأس المعلم حنفي بمعنى "اذهب معها". بفعل ذلك، عاد أحمد إلى المنزل مع زوجته وابنته، في حين انشغلت نعمة وليالي بتنظيف الأواني في المطبخ، ودخلت هايدي الغرفة بغرض صنع مظهر جديد لنفسها، معتمدة على ثقتها الكاملة بأنها ستنال إعجابه هذه المرة. وبينما ظلت أم الديب تلاحظ تأخر ابنتها داخل الغرفة، قررت أن تطرق الباب وتقول بصوت متسم بالمراقبة: =بتعملي ايه جوا يا بت؟ أجابت هايدي، وهي تتلعثم في حديثها: _بغير هدومي يا ماما. ردت أم الديب بدهشة: =ايهي بتغيريها ليه يا بت؟ نطقت هايدي بعصبية: _هو ايه اللي بتغيريها ليه؟ طرقت أم الديب الباب بقسوة، وقالت بصوت حاد: =افتحي الباب ألا اكسره على نفوخك، ولا تحبي أقول لجلال أخوكي على حوار ابن ست هانم؟ خرجت هايدي من الغرفة في حالة من الذعر، وصرخت بصوت مرتفع ينطلق كصاعقة: _لا...أوعي تتكلمي قصاد جلال في حاجة أنا مش ناقصة! ردت أم الديب بعجيج: =جاتكم ستين داهية أنا كان مالي، ومال الجواز؟ مش كان زماني قاعدة مع أمي، ولا كنت اتجوزت الراجل الفقري ده، ولا جيبت أربع عيال هيشلوني؟ الكبير، وبيجي على أمه، وبيحرض مراته العقربة عليا، والصغير مبيسألش في أمه إلا كل كام شهر مرة، ولا هاين عليه يقول لأمه تيجي تقعد عنده أسبوعين تلاتة، والبت الكبيرة مبتساعدش أمها، ولا بتنزل تخدمني، والصغيرة عمالة تكلملي الشباب وحاطه راسي في الطين...يا مصيبتي المنيلة. ثم لطمت وجهها بقوة، وزاد صراخها حدة: =راسك بقيت في الطين يا أم الديب، يا خرابي العدوين هيشمتوا فيا...يا لهوتي! دخل المعلم حنفي الشقة بعدما سمع نواح أم الديب العالي الذي كاد يصدع طبلة أذنيه، لكنه على وجهه ابتسامة عريضة تعكس مدى سعادته، فقال بصوت مرتفع يعبر عن فرحته بتعاستها: _في ايه يا ولية؟ مين اللي مات؟ أمك صح؟ اللهم لك الحمد، والشكر. ردت أم الديب بإعوال: =مالك، ومال أمي؟ بعد الشر عليها...دي بركتنا. نطقت هايدي بسخرية: _متقلقش يا بابا...الأسطوانة الدرامية اشتغلت مش أكتر. ردت أم الديب بصياحٍ مدوٍّ، كأنه صخب البحر في ليلة عاصفة، يتردد في أروقة الشقة ويتدحرج بين الجدران المتسعة، كموجٍ من الاحتدام الذي لم يجد متنفسًا: =انتي بتتريقي عليا يا بت؟ بتتريقي على أمك بعد ماكبرتك؟ ردت هايدي بفزع: _لا وهو أنا أقدر؟ يلا أنا هانام، تصبحوا على خير. دخلت هايدي غرفتها بخطوات سريعة تعكس انزعاجها، وأَوصدت الباب بسرعة كأنها تحاول إبعاد عالم الضجيج عنها. حينما تشبث المعلم حنفي بأم الديب، طغى صوته الحاد كصخب البرق يفجر السكون، كان يحاول إيقافها عن النواح: =خشي يا ولية اتخمدي خلينا نرتاح من زنك...انتي يا ولية كان نفسك تبقي ممثلة؟ تفوهت أم الديب بضجيج: _جاك خشونة في مفاصلك يا بعيد يابن البعداه! رد المعلم حنفي بصياح: =احترمي نفسك يا ولية، وإلا هتباتي في حجر أمك النهاردة! نطقت أم الديب بجلبة قوية كصدى لرعشة البرق في السماء، تملأ الصالة بكلمات حادة تكاد تقطع الهواء: _امي ضوفرها برقبة عيلتك يا راجل يا عرة. خرجت نعمة وليالي من المطبخ على صياحهم، فانبعثت صدمة واضحة على وجه المعلم حنفي، كأنه تعرض لصاعقة غير متوقعة في هدوء اللحظة، فأعرب عن دهشته بعجيج حار: =راجل عرة؟ قسمًا عظمًا لأوديكي عند أمك دلوقتي حالًا....يلا قدامي! وأزاحها أمامه نحو باب الشقة بعنف، فردت أم الديب بصياحٍ هائل، كأنه صدى الرعد في أفق السماء: _متزقش يالي تتزق عليك عربية نقل تجيب أجلك، وأجل عيلتك! كانت هايدي في الداخل تعاني من صدى نزاعهم الذي ملأ القرية بأكملها، فشعرت بالضيق وعدم القدرة على النوم، فنفثت هواءً من غضبها كأنها تحاول تهدئة عواصف البحر المتلاطمة، وقالت بصوت ينم عن تعبها من الوضع الذي وصلوا إليه: =أوف ياربي، ده لو متخانقوش، وفرجوا الدنيا علينا ميبقوش أهلي! بينما في منزل أحمد، بعد أن وصلوا إلى دارهم، عانقت جميلة ابنتها بحضن دافئ، ومليء بالحب. تملكتها مشاعر الأمومة الفياضة، فانحنت قليلًا لتقبل طفلتها الصغيرة، وكأنها تحاول أن تنقل إليها دفء الأمان. ثم رفعت رأسها برفق وهمست لها بنبرة حنونة مليئة بالعاطفة، وكأنها تغني لحن الأمان: _أدخلي يا سيليا غيري هدومك، ونامي. قبّلت سيليا خد والدتها بقبلة رقيقة كنسمة صباحٍ عذبة، ثم رفعت عينيها اللامعتين بابتسامة مشرقة كأشعة الشمس في يوم صيفي جميل، وقالت بنبرة طفولية عذبة: =حاضر يا مامي..تصبحي على خير. ردت جميلة بابتسامة: _وانتي من أهله يا روحي. دخلت سيليا غرفتها، وأغلقت الباب بلطف استعدادًا للنوم، حيث استسلمت أخيرًا لدفء فراشها وأحلامها الوردية. في تلك الأثناء، خطت جميلة بخطوات متثاقلة نحو غرفة النوم، وأوصدت الباب خلفها بهدوء يشوبه ثقل الأيام، ووضعت حقيبتها على الطاولة كأنما تودع حملًا ثقيلًا، ووقفت أمام زوجها وعينيها تفيض بالندم، والتردد، وكأنما كلماتها تحترق على شفتيها، وقالت بصوت يخنقه الحزن: =سوري أنا عارفة إن كلامي كان صعب...كلام قمر الدين ليا كان كله كلام جارح وأنا...أنا معرفش قولت كل الكلام ده ليه...بجد سوري مش هتتكرر تاني! رد أحمد باستياء: _أنا رجعت البيت عشان سيليا متحسش بغيابي ويكون ناقصها أي حاجة، وأنا بعيد عنها لكن كل حاجة زي ماهي، وكل واحد من النهاردة ينام على الجنب اللي يريحه! تلفظت جميلة بندم: =سوري أنا فعلًا زودتها كتير، ورد فعلي كان غير متوقع بس سيليا مينفعش تتربى في أسرة مفككه. رد أحمد بتعجب: _وكان فين ده وقت ماقولتي كلامك؟ أجابت جميلة بإحراج: =الشيطان حقيقي وحش، وبيخلي الانسان يعمل تصرفات هو نفسه هيستغربها بعدين...بس كل اللي أعرفه إن مش الخمسة مليون هما اللي هيعيشوني في حياة سعيدة إنما اللي هيعيشني في حياة سعيدة فعلًا إنك تفضل موجود دايمًا جنبنا دي أهم حاجة بالنسبالي! بعد أن وصل المعلم حنفي بزوجته إلى منزل والدتها، وهو يدفعها أمامه بقسوة، استجمعت أم الديب قواها المبعثرة وصرخت في وجهه بسخط مستعر، عيناها تقدحان شرًا، وقالت بصوت هزّ أركان المكان: _وسع يا راجل انت! صرخت خواطر قائلة بامتعاض: =مالك يا طور ساحب بتي بسمة وراك كده ليه، ولا كأنك ساحب جاموسة وراك في قلب الغيط؟ صاح المعلم حنفي فيها بصوت جهوري يمزق الصمت، وكأنه زئير أسد غاضب، وقال بموجدة لا تعرف الرحمة: _خلي بتك جنبك تحرسك... بتك متلزمنيش، ولية لسانها زفر، وغلاطة، ومن ساعة ماتجوزتها، وهي بتطلع سم من بؤها أكتر مابتستحمى. اقتربت خواطر من المعلم حنفي بخطوات واثقة تملؤها الشجاعة، وأزاحته من أمامها بقوة لا تعرف الخوف، عيناها تلمعان بتصميم لا يلين، ثم صرخت به بصوت ملؤه التحدي: =اطلع برا جاك الهم... بتي بسمة متلاقيش ضوفرها. عاونت أم الديب والدتها في طرد المعلم حنفي من المنزل، وكأنما تستعيد كرامتها المهدورة، وهي تصيح به بصوت يتدفق منه الكراهية، عيناها تفوحان شررًا: _اطلع برا بدل ما أفتحلك نفوخك! بعد أن طردوا المعلم حنفي من المنزل وصكوا الباب في وجهه بشراسة، وكأنما يلقون بكل عداوتهم، وإهانتهم في ضربة واحدة، ظلوا يواصلون سبه بأعظم المسبات، وكانت كلماتهم كالسياط تجلد كبرياءه. اشتعل المعلم حنفي نارًا من الغيظ، ووجهه يتلون بحمرة الغضب، فقال بصياح يشعل الأجواء حوله: =مانتي هتطلعي عدلة لمين، وانتي أمك العجوزة ذات نفسها لسانها أطول منها يا عيلة لَبط....اتفوه على دي جوازة، كانت جوازة الهم. عاد المعلم حنفي إلى منزله، وفي اليوم التالي، ذهبت هايدي لمراقبة علاء الدين كعادتها، فوجدته هذه المرة يقف مع فتاة جذابة من نفس مستواه الاجتماعي، والمادي، وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامات عريضة، وضحكات متبادلة، وكأنهما يسترجعان ذكريات قديمة، مما أوضح لهايدي أنهما على معرفة سابقة منذ سنوات. وعندما رأت هذا المشهد، شعرت بدمائها تغلي في رأسها كالبركان الثائر، فلم تتردد لحظة في التوجه نحوهما، وهي تبتسم ابتسامة خبيثة تحمل في طياتها الكثير من المعاني، ثم قالت بصوت يحمل بين طياته مزيجًا من السخرية، والتحدي: _ايه ده مش معقول ايه الصدفة دي؟ تفاجأ علاء الدين برؤية هايدي، وظهرت الدهشة واضحة على وجهه، فقال بصوت متعجب يعكس استغرابه العميق: =ايه ده هايدي؟ انتي هنا بتعملي ايه؟ ردت هايدي بابتسامة: _كنت في مشوار قريب من هنا. ثم نظرت هايدي لتلك الفتاة، ورفعت حاجبها بتعبير من التساؤل، والاستفهام، ثم واصلت بخبث ممزوج بالتحدي: _مش هتعرفنا ولا ايه؟ رد علاء الدين بابتسامة خفيفة، وهو يشير بيد متجهة نحو صديقته: =دي رودي ماي بيست فريند، بس مقولكيش خطيرة! التهبت نيران غيرة هايدي، واندلعت كلماتها بسخط مشتعل: _خطيرة ازاي يعني؟ تحدثت رودي بصوت مُدلل، ووضعت يدها بلطف على كتفه: =مين دي يا علاء؟ رد علاء الدين بابتسامة: _دي هايدي أخت جوز جميلة أختي. نطقت رودي بنبرة مُدللة، وهي تلقي نظرة من الاشمئزاز نحو هايدي: =معقول تعرف الأشكال دي؟ خرجت هايدي عن شعورها، وقالت بانفعال: _أشكال؟ أشكال ايه يا ماما؟ ماتبصي على نفسك الأول، وشوفي عاملة ازاي! ضحكت رودي، وقالت بسخرية: =أوه دي شبر ونص يا علاء..ولا حاسة الشبر ونص زيادة شوية! ضحك علاء الدين وأدلى بتعليقه قائلًا: _بلاش تنمر يا سُو! ردت هايدي باحتدام عارم: =سو؟ تمام يا علاء الدين. غادرت هايدي المكان، وهي تتوعد بسخط ملتهب، وصرخت قائلة بصوت ينبض بالتحدي: =هنشوف مين اللي هيضحك في الآخر! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة