الفصل التاسع

الفصل التاسع

13 0

ردت نعمة بصوت ينضح بالحزن، وكل كلمة تتساقط منها كنغمة عميقة من أوتار قلب مكسور: _استهدوا بالله يا جماعة، وبعدين انت مش كل ماتحصل مشكلة تلم هدومك وتجري على هنا...احنا عايزينك يوم ماتيجي هنا ياخويا تيجي مع مراتك وبتك، وانتوا الابتسامة من الخد ده للخد ده. تحدث المعلم حنفي باستياء، وكلماته تخترق الهواء بحدة، تحمل في طياتها أسىً عميقًا، تصدح في الأرجاء كتنهيدة طويلة تثقل كاهل المكان: =ربك هيحلها...كان مستخبي كل ده فين بس؟ نطقت هايدي بصوت يملؤه الإحراج، وجسدها يرتعش كأوراق شجرة في مهب الريح، تنساب بحسرة وتحمل في طياتها وجعًا صامتًا: _أنا آسفة. في منزل جميلة، كانت جالسة على الأريكة كأنها محاطة بهالة من التوتر، تتحدث مع أختها سامية في الهاتف، وصوتها يتخلله سخط واضح: =أنا خلاص مابقتش قادرة أستحمل يا سامية، دي تاني مرة يحصل خلاف مابينا فياخد حاجته، ويمشي، تصوري إنه بيطلب مني أقطع علاقتي بعلاء الدين؟، ولما رفضت سابني ومشى...طب وبنته مش عامل حسابها ليه؟ تنهدت سامية تنهيدة عميقة، كأنها تحاول إخراج أثقال الزمن من صدرها، وقالت باعتراض ينبض في صوتها: _الجوازة دي من بدايتها كانت غلط يا جميلة، وكلنا كنا رافضين...عاجبك دلوقتي، وهو مش سائل فيكي، ولا في بنتك؟ تفوهت جميلة بعيون باكية: =لا طبعًا أكيد مش عاجبني، ودي حاجة مش مريحاني. نطقت سامية بتأثر: _مش هقدر أقول حاجة غير إن ربنا يحلها...المهم يا حبيبتي خطوبة قمر الدين بعد بكرا إن شاء الله، تعالى انتي، وسيليا، ومتستسلميش للي انتي فيه! ردت جميلة، محاولة أن تبتسم على الرغم من الصعوبة التي تجتاحها، فكلماتها خرجت ممزوجة بمرارة الصبر، وشفتاها ترتسمان على وجهها بنغمة من الحنان، تعكس إرادتها القوية في تجاوز الصعاب: =هحاول. في فيلا علاء الدين الفاخرة، جلس مع صديقته رودي في بَهو المنزل المزدان بالفخامة، حيث تجتمع الأرواح في خضم مؤامرة غارقة في الظلال. كان الاثنان يخططون سويًا للانتقام من هايدي، وأحمد، وكأن الضلال يتراقص في أعينهما. فقالت رودي برغبة ملتهبة في الشر، وكلماتها تنساب كسمٍ زعاف: _متسكتش بقى حتة بنت زبالة زي دي تعمل فينا ده كله؟ نطق علاء الدين بنظرات انتقامية حادة، كانت عينيه تشعان بلهيب الاغتياظ، وكأن نارًا مستعرة تتأجج في أعماق روحه، تفصح عن عزم لا يلين وعن إرادة لا تنكسر: =سواء هي أو اخوها فأنا خلاص حطتهم في دماغي أوي! ردت رودي بفضول: _ناوي على ايه؟ أجاب علاء الدين بابتسامة شريرة، كانت تلك الابتسامة كالقمر الغائم يتلألأ في ليلة مظلمة، تكشف عن أسنانه البيضاء كأنها أنياب الذئب الجائع: =هتبقى مفاجأة من العيار التقيل بس الصبر. في منزل أم الديب، بعد أن علمت بما حدث بين أحمد وجميلة، صاحت بصوت يملأ الصالة كالرعد في أفق السماء المظلمة: _هو انت كل يومين ناططلنا هنا؟ ماتركح في بيتك احنا مش قد ست بسملة، ولا مشاكلهم...انت لو ضيعت جميلة مش هتلاقي ربعها دي كتيرة أوي عليك! رد أحمد بصوت حاد: =انتي بتقللي مني ليه يا ماما؟ مانا الحمدلله بقيت آخد مرتبات عالية، واشتريت شقة، وبقى عندي عربية تمليك ده غير إن أنا مؤهل عالي... ده أنا، وهايدي الوحيدين فيكم اللي معانا كليات! نطقت أم الديب بنبرة جلفة: _هو انت يوم ماتتشطر ياخويا تتشطر على اللي جابوك؟ ثم إن يا ولا كل ده برضة ميجيش حاجة في اللي عندهم...يا ولا ده عندهم فلل، وقصور في كل حتة ده غير الشركات، والعربيات، والحرس اللي برا، وجوا، ولا الخدامين اللي عندهم. تحدث المعلم حنفي بقلق: =ربنا يستر زمان الحريقة بدأت. صرخت أم الديب في وجهه، كلماتها كانت كالصاعقة الرعدية تنفجر في الهواء: _ايهي قصدك ايه يا راجل انت؟ أجاب المعلم حنفي برهبة: =ولا حاجة في الغرفة، كانت هايدي جالسة على سريرها، تتأمل في الظلام الذي يغمر الزوايا وتجلد ذاتها بكل ما تسببت فيه من مشاكل لأخيها وزوجته، تتداعى أفكارها التي سببت لها همومًا عميقة تحتقر فيها نفسها، مُرَدِّدة كلماتها بحزنٍ واسع، كمن يحاول استيعاب الأسى الذي خلفته تلك الأفعال الخاطئة: _عملتلهم مشاكل كتير أوي...ما كان كله عايش، ومبسوط ايه اللي خلاني اتجننت؟ وبعدين ده مش حب، ده إعجاب، والإعجاب حاجة، والحب حاجة تانية... الإعجاب مجرد انبهار بشكل أو شخصية الطرف التاني إنما الحب عِشرة، ومواقف كتير حلوة، ومواقف صعبة، وضغوطات، وتضحية، ومليون حاجة في بعض...أنا عمري ما مريت بأي حاجة من دي مع علاء الدين، وده اللي مخليني متأكدة إنه إعجاب، وبس! بينما في الصالة تلفظت أم الديب بفضول: =مجيبتش سوليا معاك ليه؟ رد أحمد بنبرة حزينة، ووجه يملؤه التعاسة: _مكنش في مزاج يا ماما، وبعدين هو أنا جاي أتفسح؟ نطق المعلم حنفي بتمني: =دي لو كانت جات كان زمانها فرحت أوي بولاد عمها جلال، وعمتهم نعمة، ولعبوا مع بعض أصل البت زمانها حاسة بوحده اكمنها لواحدها...لكن العيال هنا كل يوم ينزلوا لستهم، ويلعبوا مع بعض. تحدثت أم الديب بتطفل، تنساب كلماتها بحذر كأنها تبحث عن أصغر التفاصيل في حياة الآخرين: _وجميلة مش عاوزة تخاوي سوليا ولا ايه؟ رد المعلم حنفي بدهشة: =تخاويها ايه يا ولية هي البعيدة مفيش فهم؟ يا ولية مانتي عارفه إن بسبب هايدي بتك عاملة مشاكل هما في ايه ولا ايه؟ تلفظت أم الديب بنبرة عنيفة: _جرا ايه يا راجل انت بترد ليه يالي جاك ضربه في مصارينك هو آني بكلم ابني، ولا بكلمك انت؟ بتحشر نفسك في اللي ملكش فيه ليه؟ أجاب المعلم حنفي بامتعاض: =طلاق تلاتة، ووقتي يا ولية إن ماعدلتي لسانك لا على بيت أمك عدل، وعلى الله أشوف وشك، ولا وشها! دخل جلال وسط هذا النزاع، ومعه اثنان من الرجال الذين تألقت أزياؤهم بلمعة السيادة، كأنهما رمز للنجاة المنتظرة في زمن الفوضى. وجه جلال كان ينبعث منه الهدوء، وعيناه تلمعان ببريق يوحي بالاستعداد لحل الخلافات، فقال لهم بصوت يتسم بالسلطة: _خش يا عمهم يا أهلًا، وسهلًا. نهض المعلم حنفي بسرعة، وقال بدهشة: =مين دول ياض؟ دخل الرجال إلى المنزل بخطوات ثابتة، وكانت أبصارهم تجوب كل زاوية بحذر متقدمين في مشهد ينطوي على الغموض، فقال جلال بأسلوب يعبق بالقوة: _ده عريس هايدي. خرجت هايدي من غرفتها بعد أن سمعت ما جرى، وقلبها ينتفض غيظًا كالبركان المتفجر، حيث اندلعت بصراخ: =انت بتقول ايه؟ رد جلال، وهو يحاول إقناعها بذلك العريس بكلمات بسيطة، وصريحة، تعبر عن إيمانه بأن هذا العريس يمكن أن يكون شريكًا موثوقًا، ومناسبًا لها: _عريسك ممدوح عنده ٣٢ سنة بس إنما ايه ناس مبسوطين، وزي الفل عندهم مصنع، وعايشين في فيلا، وحواليها أراضي زراعية بتاعتهم برضة...مش بقولك أغنيا؟ صرخت هايدي بصوت عالٍ، قائلة باعتراض: =وأنا مش هتجوز...مش هتجوز! دخلت هايدي غرفتها وصكت الباب في وجوههم، وفوقف أحمد بوجه عابس، وعينيه ينبعث منها حرارة الانفعال: _ايه يا جلال اللي بتعمله ده؟ نطق المعلم حنفي بصدمة: =عريس ايه ياض؟ صاحت أم الديب بصوت غليظ: _ايهي خد الرجالة اللي معاك، وشقوا طريقكم بدل ما أشق دماغك انت وهما! صرخ جلال بصوت يدوي في الهواء، كأنه صدى لانفجار سخط دفين: =جرا ايه ياما انتي شايفاني راس كرنبة؟ ده الراجل جاهز، وشاري هايدي. خرجت هايدي من غرفتها، وقالت بنواح: _اطلع برا مش عايزة أتجوز...مش عايزة بقولكم! نطق جلال بجلبة: =اقعدي يا بت أنا قولت كلمة، وتتسمع! اقتربت أم الديب من جلال، وصاحت به بصوتٍ مرتفعٍ: _كلمتك دي تبلها، وتشرب مايتها يا ولا...يلا خد الرجالة اللي معاك، والسكة اللي تودي. وطأت أم الديب الرجلين بضربات موجعة، وأزاحتهم أمامها كالزوابع الجارفة تتلاطم في مسارها، حتى خرج الجميع من الشقة باضطراب. وعندما وصلت إلى الباب، صكته بقسوة لتُغلقه بوجوههم بلا رحمة، مما أثار دهشة المعلم حنفي الذي وقف ينظر حوله بتعجب، وقال بصوتٍ مليء بالدهشة: =هو الواد فاكرني مت ولا ايه؟ مرت الأيام حتى وصلت إلى يوم حفل خِطبة قمر الدين، وبما أن أم قمر الدين تفقه في الأصول جيدًا، دعت عائلة أم الديب إلى ذلك الحفل. لكن، نظرًا لسوء الظروف التي ألمت ببقية العائلة، اكتفت أم الديب بالحضور مع أحمد فقط. وبعد أن نزلت جميلة بابنتها من المنزل وركبوا السيارة، كانت سيليا تلاحظ غياب والدها المستمر الذي كان يعد رمزًا للقوة في حياتها، فتكلمت بحزنٍ عميق، كأنها تنطق بأسرار الحنين، والألم المكبوتين في قلبها: _مامي! ردت جميلة بلُطف: =نعم؟ تساءلت سيليا بتأثر، وعيناها تعبران عن الحيرة، وهي تبحث عن إجابات على أسئلة حاضرة محيرة: _ليه بابي مش معانا هنا؟ ردت جميلة بابتسامة، وهي تُدير ماتور السيارة: =معلش يا حبيبتي عنده شغل، ومسافر برا، ولما يخلص هيرجع. تفوهت سيليا بلهفة: _يعني بابي هيرجع قريب؟ أجابت جميلة بابتسامة متفائلة، وهي تقود السيارة، ووجهها ينبعث منه بريق الثقة، معبرة عن استعدادها لمواجهة التحديات بكل إيمان بالمستقبل المشرق: =أكيد يا روحي. بعد مرور عشر دقائق، وصلت جميلة، وسيليا إلى الحفل، وكانت المناسبة ضخمة، ومضيئة بحضور أناس من ذوي المستويات الرفيعة، يرتدون أرقى الثياب ويحملون أغلى الهواتف، والساعات الذكية، مما أضفى على الجو بهجة وتألقًا لافتًا. كانت الموسيقى الأجنبية الهادئة تعزف في الخلفية، فامتلأت الأجواء بالضحكات، والحديث بين الضيوف المتباينين في همهماتهم وتفاعلاتهم، مما جعل الحفل ينبض بالحيوية والنشاط. وعندما رأت أم قمر الدين ابنتها وحفيدتها وهما يقتربان من بعيد، ابتسمت بسعادة غامرة تتدفق من قلبها، فقالت بصوتٍ يمتزج فيه الحنين، والبهجة، ينطق بتفاؤلها بالمستقبل: _حياتي تعالي. عانقت جميلة والدتها بحنان، وفي عبير اللحظة الرائعة، قالت بصوتٍ ينبض بالمحبة: =ألف مبروك يا مامي عقبال ماتجوزي منى، ونالا. ردت أم قمر الدين بسعادة: _الله يبارك فيكي يا روحي، ازيك يا روح نانا؟ عانقت سيليا جدتها بحنان، وفي لحظة الاحتفال، والفرح، قالت بسعادة طفولية متلألئة: =ازيك انتي يا نانا بسملة؟ ردت أم قمر الدين ببهجة غامرة: _بخير يا روحي طول مانتي بخير. جاءت نرمين وعانقت جميلة بحميمية، وقالت بابتسامة ودية: =وحشاني موت! أجابت جميلة ببشاشة: _وانتي أكتر! تعجبت نرمين من غياب أحمد. فكانت تلوح بيدها تعبيرًا عن رغبتها لمعرفة عذره، وبينما تبتسم بلطف، قالت بصوتٍ ينطلق من بين شفتيها كنغمة من الاهتمام: =جوزك مجاش ليه؟ كانت جميلة في حيرة ما بين أن تقول الحقيقة التي تثقل كاهلها بالأسى، أم أن تخفيها في أعماقها، مرتعبة من تداعيات إفشاء تلك الحقيقة المخفية على الآخرين. لكنها بينما تعصف بها دوامات التفكير، قررت أخيرًا أن تنطق بالكلمات الجريحة، وتقول بصوت هامس يرتجف من التردد: _مسافر في شغل مهم. ردت نرمين بود: =يرجعلكم بألف سلامة. تفوهت جميلة بابتسامة: _الله يسلمك. عانقت نرمين سيليا بحنان، وفي تلك اللحظة الدافئة، قالت أم قمر الدين بحماس ملؤه التشوق: =زمان العريس وصل، بجد متحمسة لليوم ده من زمان أوي. تحدثت نرمين بسعادة: _كلنا يا مامي كان نفسنا نشوف قمر الدين، وهو عريس. عانقت سامية والدتها بغرام، وفي تلك اللحظة المميزة، قالت بفرحة مفعمة: =أيوة بقى كبرنا، وبقينا groom's mother. ضحكت أم قمر الدين، وقالت بذهول: _كده يا سامية بقى أنا كبرت؟ ضحكت سامية بفكاهة، وكأنها نقشت لوحة بالضحك، وقالت: =بهزر يا ماما مبتهزريش؟ ضحك الجميع بفرح، ثم ذهبوا سويًا إلى الطاولة وجلسوا، وبعد نصف ساعة وصل العريس والعروس إلى الحفل في جو ممتلئ بزغاريد النساء وهتاف الحضور. كانت تلك اللحظة التي انتظرتها أم قمر الدين لسنوات طويلة، فكان قلبها يهتف بالسرور لمجرد رؤية ابنها الأكبر وهو يرتدي البدل ويمسك بيد عروسته الخلابة، والابتسامة تغمر وجوههم. بعد أن جلس العريس والعروس على الكوشة، ذهبت والدته وأخواته ليعانقوه، ويصافحوه، وقالت جميلة بسعادة بالغة: _مبروك يا قمر الدين... مبروك يا سارة. رد قمر الدين، وسارة في آنٍ واحد: =الله يبارك فيكي. تحدثت أم قمر الدين بسعادة غامرة، وقد حلّقت أفراحها كأنها ألفت لحنًا من السعادة، وهي تعانق سارة بقلب ينبض بالفرح المتوهج: _ماشاء الله عروستك زي القمر. ردّت سارة بسعادة لا توصف، وهي تقبل خدّ والدتها بإحسان ينبع من أعماق القلب: =ميرسي يا حياتي انتي اللي قمر. عاد الجميع لأماكنهم بعد أن صافحوا العريس والعروس، فكانت جميلة تقف مع والدتها، والسعادة تغمر شفتاهم بهذه المناسبة البديعة. وفجأة، تفاجأت جميلة بدخول أم الديب وأحمد لحفل الخِطبة، فلم تكن تعلم أنهم تلقوا دعوة من والدتها، فأصابتها الصدمة، وانتابها الارتباك. ووسط الحاضرين، كانت أم الديب تسير بينهم، وهي تزغرد قائلة: _ يا ألف مبروك عقبال ياختي ماتجوزي بقية عيالك، وتشيلي أحفادك. ردت أم قمر الدين ببهجة، وهي تعانقها: =ميرسي يا أم الديب. ثم نظرت لأحمد، وواصلت بلُطف: =هاي أحمد ازيك؟ مدّ أحمد يده وصافح والدة زوجته باحترام، وقال بابتسامة تعبق بالود: _ازيك يا طنط بسملة؟ أجابت أم قمر الدين بتبسم: =أنا كويسة...اتفضلوا. تحدثت جميلة بصوت خافت معبرة عن دهشتها: _ايه ده؟ جرت سيليا بسرعة متناغمة نحو والدها، وصدحت بصوت ينبع من أعماق العشق: =بابي...بابي... بابي! عانق أحمد ابنته وقُبِّلها من وجنتيها، أما أم قمر الدين فقالت لابنتها بصوتٍ خافتٍ، تعبر عن الأصول الواجبة: _مينفعش يا جميلة كان لازم نعزمهم. ردت جميلة بتعجب: =بس انتي مقولتيش. اقتربت أم الديب من جميلة، وهي تعبر عن نيتها لعناقها، وقالت بحنان: _ايهي مش تيجي تسلمي على حماتك؟ ردت جميلة باشمئزاز: =ازيك يا طنط بسمة؟ حاولت أم الديب عناق جميلة، لكنها ابتعدت بحذر، واكتفت بملامسة وجهها من بعيد، حيث رسمت لمحة من التقزز على محياها. فقالت أم الديب بسعادة مفعمة بالرضا: _نحمد، ونشكر ربنا. تحدثت أم قمر الدين باحترام شديد، حيث انبثقت كلماتها كأنغام هادئة، تعبر عن وجدانها بأعذب العبارات: =هسيبكم مع بعض. ثم تشبثت بيد سيليا، وأردفت لها: =تعالي يا سيليا نسلم على خالو. غادرت أم قمر الدين المكان برفقة حفيدتها، واتجهوا إلى مقعد قمر الدين، حيث امتزجت الذكريات بالأمل في أيام قادمة مشرقة. نظرت أم الديب حولها، كأنها تبحث عن شيء ما مجهول، متسائلة عن شيءٍ ربما يخفي الكثير من الأسرار التي قد تكون في انتظارها: _هو دار الراحة فين؟ أجابت جميلة بفضول: =يعني ايه؟ ردت أم الديب، وهي تجز على أسنانها، وتتألم بشدة، حيث انعكست ملامح الازدراء على وجهها: _الكوبانية. تفوهت جميلة بتقزز: =كوبانية ايه يا طنط؟ أشار أحمد بيده نحو المرحاض، وقال بإحراج: _الحمام هناك أهو. ردت أم الديب، وهي تتألم: =معلش يا عيال أصل آني محصورة من ساعتها، وقولت لجوزك يوقفنا في أي حتة أفك زنقتي بس مرضاش. نطق أحمد بكلمات تعبر عن إحساسه بالإحراج، حيث انتابته ملامح الخجل، وكأنه حاول أن يخفي تلك الأحاسيس خلف بسمة ملتوية: _طيب روحي يا ماما قبل ماحد تاني يروح! تحدثت جميلة بابتسامة: =طيب هستأذن أنا. أتجهت أم الديب إلى المرحاض، بينما ذهبت جميلة لتلتقي بأخواتها، متجنبة التعامل مع زوجها بعد الموقف الأخير الذي حدث بينهما، حيث كانت يغمرها الاستياء. لقد تركهم دون أن يسأل عنهم لمدة يومين، دون أن يعرض عليهم أي خدمة، مما جعلها تشعر بأن جرح مشاعرها لم يكن صعبًا عليه. ومع ذلك، شعر بالندم على تصرفه، وكان بداخله النية الصادقة لإصلاح ما أفسده. في غرفة المرحاض، كانت أم الديب تبحث عن القاعدة البلدي، ومن شدة فقدان صبرها، صرخت بصوت مليء بالتألم، وقالت: _هو السوفون اللي بيشدوا بيه الماية فين؟ لا بقولكم ايه آني على أخري، وشوية، وهفجرلكم المكان. خرجت أم الديب من المرحاض بعد أن أنهت مهمتها بأعجوبة، فوجدت نرمين واقفة إزاءها، تبتسم بابتسامة تنطق بالود، حيث بادرت نرمين لتقول بلُطف: =هاي يا طنط، عاملة ايه؟ نطقت أم الديب بتبجيل: _ازيك يا نرمين؟ حينما نظرت أم الديب، لاحظت أن حجم بطنها كان أكبر من المعتاد، فأردفت بدهشة: _ايه ده ياختي اسم الله عليكي مال بطنك عندك انتفاخ ولا ايه؟ ضحكت نرمين، وهي تلاحق أنفاسها، قائلة بين ضحكاتها الصافية، والمرحة: =لا خالص يا طنط، ده أنا هجيب بيبي قريب إن شاء الله. ردت أم الديب بسخرية: _ماتقولي عيل، وبعدين محدش قالنا ليه، ومالكم زي النافورة اللي اتفتحت، وشغالين واحدة ورا التانية... دي تولد من هنا التانية تحمل من هنا. وضعت نرمين يدها برقة فوق بطنها، وهي تتألم، وخرج صوت منها يعبّر عن ألمها الشديد، كأنها تحاول تهدئة نفسها في الوقت نفسه: =آه بطني! انفزعت أم الديب في الحال، واقتربت منها بحذر، قائلة بترقب: _ألف سلامة يا ست نرمين...ارتاحي طب. ردت نرمين، وهي تتألم بكلمات بسيطة تعبر عن مدى شدة الألم الذي تعاني منه: =مانا كنت كويسة. دخلت سامية المرحاض ولاحظت تعب أختها، فقالت بخوف ملتصق بصوتها: _مالك يا نرمين؟ نطقت نرمين بإرهاق: =في عين رشقت فيا تعبتني أوي. تشبثت سامية بيد أختها برفق، وخرجوا من المرحاض وهم يمشون بجانب بعضهم البعض. فقالت أم الديب بتعجب، وهي تحاول فهم مقصدها، بينما كانت تحاول قراءة ملامح وجهها المشدودة: _مش يمكن قصدها إن آني عيني وحشة؟ ها قد جاءت لحظة تبادل ارتداء خواتم العروسين، وكان الحاضرون مجتمعين حولهم، كل وجه يعبر عن ترقب لهذه اللحظة الحاسمة. أمسك قمر الدين بيد عروسته بأنامل مغمورة بالحنان، وببراعة أدخل الخاتم في إصبعها، فانطلقت زغاريد النساء كفراشات مهاجرة نحو النور، تعبيرًا عن الفرحة العارمة التي انتابتهن. ثم أمسكت العروس بيد قمر الدين، وقامت بنفس الفعل، مكملةً لمسلسل الحب، والتآلف الذي يخيم على هذه اللحظات العظيمة، وبعد أن انتهوا من ارتداء الخواتم وتمت عملية التبادل بكل شرف، ورسمية، عانقهم الحاضرون بما فيهم أخواتهم، كل منهم يعبر عن سعادته، واحتفاله بهذه اللحظة الفريدة. فقالت نالا بسعادة غامرة، بينما تتساقط الورود من حولهم كأنها تحتفل بما يحدث في هذا الزمان المبارك: =مبروك يا روح أختك. رد قمر الدين بسرور: _الله يبارك فيكي يا نالا، وعقبالك. في الوقت الذي كانت جميلة تشاهد هذا الحدث العظيم، وقف أحمد جانبها، حيث كانت المشاعر تتقاطع في دواخلهما، والكلمات تبحث عن مخرج للتعبير عن ما يدور في أعماقهما. كانت نظراتهما تتبادل مع الحكايات الصامتة. بينما أحمد كان يتردد في البدء بحديثه معها، نطق بنبرة هادئة تعكس توتره الخفي، وحرصه على تقديم كلماته بأبجديات الإعتذار: =جميلة أنا راجعت نفسي، واكتشفت إن اللي قولته مش صح و.... بترت جميلة حديثه في الحال، وقالت بقلة ذوق بينما تتقاطع الأفكار في عقلها، كأنها تبحث عن طريقة للفرار: _بليز مش وقت الكلام ده! تنحنح أحمد بصوته، وهو محرج من زوجته، وقبل أن يتحدث بكلمة جديدة، وقف علاء الدين حيالهم من بعيد، محملًا في قبضته مسدسًا. دون سابق إنذار، أطلق النار، وبدلًا من أن تصيب أحمد، أصابت الرصاصة جميلة، فسقطت مصابة، تصرخ بينما تنغمر الدماء من جسدها الهزيل. في لحظات، توقفت الموسيقى المبهجة، والحاضرون التفتوا جميعًا نحو صراخها المؤلم. جرى نحوها باقي أفراد عائلتها، وهم يصرخون بالفزع. قالت جميلة بصراخ ينبع من عمق الألم: _آه. صرخت أم قمر الدين بصوت يملأ الفضاء، معبرةً عن فزعها: =جميلة! صاح باسم، وقد احتضن يد ابنته بقوة، كأنما يناجي القدر ليمنحها لحظة أخرى بالحياة: _جميلة! صرخ أخوات جميلة بصراخٍ مُنهكٍ، وجلس باسم على الأرض، يتشبث في جسد ابنته بينما يندفع الإعوال القهري من حنجرته، وفيما أمامهم يقف أحمد مصدومًا لا ينطق حرفًا، ولا يستوعب ما حدث لزوجته، وبعد دقائق، كانت العائلة بأكملها في المستشفى إزاء باب غرفة العمليات، في انتظار جميلة، فكانت أم قمر الدين، بلا وعي، تُرسى لها حزنًا، وصراخًا مُتكدِّسًا، وبكاءً مستمرًا، وحولها بناتها يبكين ويحاولن مواساتها، وفي لحظة من الضعف، همست بصراخ مكسور، تستنجد بزوجها: =بنتي يا باسم... بنتي هاتوها...بنتي... منك لله يا علاء الدين...منك لله ضيعت أختك...بنتي هتروح من ايدي... بنتي جميلة... آه! نطق قمر الدين بصياح: _ابنك ده لازم يتربى من أول وجديد، وأنا مش هسيبه إلا لما أعرف مكانه فين، وليه عمل كده! تحدث باسم في هاتفه بصياح متوتر، يعبّر عن مشاعر القلق، حيث ترنحت الكلمات على لسانه كالأمواج المتلاطمة في بحر من الضياع: =تطلعولي علاء الدين من تحت الأرض...لو مجاش النهاردة أنا هرفدكم كلكم، وملكوش شغل عندي تاني فاهمين؟ نطقت سامية، وهي في حالة صدمة عميقة، بكلمات متقطعة تنبع من داخلها نبضات قلب ُمتسارعة، حيث اهتز صوتها بينما تحاول التعبير عن التفاجؤ الشديد الذي ألمّ بهم: _أكيد علاء الدين اتجنن...ازاي هان عليه يعمل حاجة زي دي؟ وعلشان ايه؟ ردت نرمين بانتحاب: =يارب، ايه اللي بيحصلنا ده بس؟ صرخت أم قمر الدين، وهي تخبط يدها على صدرها بقوة، تعبيرًا عن الألم، وصراخها ينطلق كالرعد في ليل مظلم: _بنتي جميلة...آه يا بنتي...آه! عانقت منى والدتها بحنان، وفي عينيها بريق من الدموع، وقالت بصوت مكسور بالبكاء: =حاولي تهدي أعصابك يا مامي! سيليا، الطفلة التي لا تفهم شيئًا من هذا الضجيج العاصف، كانت تشبه الأصم في حفل زفاف مزدحم، حيث لا تستطيع فهم أو تفسير الأحداث المحيطة بها. تنظر إلى والدها وهو يتألم، وتشعر بالفزع مما يحدث لوالدتها جميلة. فاقتربت منه، وتشبثت ببنطاله بينما تقول بصوتٍ هامس ممزوج بالجوى: _مامي حصلها ايه؟ مامي ماتت؟ أنا مش هقدر أعيش من غيرها، أنا بحبها أوي! وازداد بكاء سيليا، فأثنى أحمد ركبتيه وجلس عليهما، وعانق ابنته بحنان، ومرر يده بلطف على رأسها، وقال بنبرة مستاءة: =بعد الشر، متقوليش عليها كده! تلفظت سيليا ببكاء: _خلي جدو يجيبلي مامي. بعد أن نزلت دموع أحمد حزنًا على زوجته، وعانق ابنته بقلق يملأ صدره، حاول أن يطمئنها. لم يكن يعرف ما هي نهاية جميلة داخل هذا المبنى المُريب، الذي يبدو كأنه يحمل بين جنباته الحياة والموت، وكان يخشى بشدة فقدانها، وهي تنزف داخل الغرفة. شاجنها منه، تاركة لهما وحيدان في هذه المحنة. كان يتمنى لو يستطيع إعادة الزمن للوراء، ليعيد النظر في كل ما حدث والتفكير في خلافهم، فكان يعتبر نفسه على خطأ، لكنه تيقن بأنه قد أضل. ولم يكن يريد أن يشعر لوهلة واحدة أن حزن زوجته كان السبب في كل ما حدث. وبعد مرور نصف ساعة طويلة، خرج الطبيب أخيرًا من غرفة العمليات، وعندما رأته العائلة، فروا نحوه مُسرعين، وكانت أم قمر الدين تتأوه بخوفٍ جسيم، وهي تستنجد به بترقب: =بنتي مالها؟ رد الطبيب بأمل: _الحمدلله بفضل الله لحقناها، ومتقلقوش الجنين بخير. نطق الجميع في آنٍ واحد بصدمة: =جميلة حامل؟ أجاب الطبيب بتأكيد: _طبعًا بس محتاجة راحة لأن الجرح كان عميق. رد باسم براحة قلب، وطمأنينة متناسقة قائلًا: =الحمدلله...متشكر يا دكتور. تلفظ الطبيب بابتسامة خافتة: _حمدالله على السلامة. ضمت أم قمر الدين أيديها إلى صدرها، ونظرت إلى السماء بعيون تنم عن فرحة عميقة، وكأنما كانت تتوسل للسماء بأن تظل مشاعرها العظيمة آمنة، وهي تقول بفرحة: =الحمدلله يارب. رد باسم بنية الإنتقام: _ابنك لازم يتعاقب عقاب كبير على اللي عمله! بعد خروج الممرضين بجميلة من غرفة العمليات ونقلها إلى غرفتها، وبينما خلفها بقية العائلة، اقترب أحمد بخطوات هادئة ومتعثرة من إحدى الممرضات الذين تركوا الغرفة، وألقى بنظرة متوترة، يحاول تماسك أعصابه، وقد تدفقت الأفكار في عقله كالأمواج في عاصفة ليلية، لينطق بتساؤله المرتجف: =لو سمحتي أنا عايز أدخل! اعترضت الممرضة، وقالت برفض: _مينفعش يا فندم...الحالة محتاجة راحة، وأقل حاجة هتإذيها. نطق أحمد بإلحاح: =معلش أنا مش هطول، وصدقيني مش هتتأذي في أي حاجة! تفوهت الممرضة برفض قاطع، مما جعل القلق يتعاظم في قلب أحمد، فقد تعجب من تلك الردة: _صدقني يا فندم مينفعش. رد أحمد بإصرار: =أرجوكي ساعديني، أنا محتاج أطمن! وبعد تفكير من الممرضة، قالت بتردد: _طيب متطولش من فضلك كل ده خطر عليا! نطق أحمد بلهفة، وتسللت كلماته خارج حدود الزمان والمكان، تحمل عباراته القلق المتناغم مع نبضات قلبه المُتسارعة: =متقلقيش. دخل أحمد، وأم قمر الدين، وسامية إلى غرفة جميلة بعد أن فاقت من العملية الجراحية، فوجدتهم يجلسون على الأريكة أمامها، وهي مستلقية على السرير بينما زوجها يجلس بجانبها، يشبك يده في يدها بتعبير من التضامن، والدعم العميق. وفي تلك اللحظة المؤثرة، نطقت أم قمر الدين ببكاء هامس يعكس الحب الصادق التي تشعر به تجاه حالة جميلة العليلة: _حمدالله على سلامتك يا روح مامي. قالت سامية بتأثر: =شدي حيلك يا جميلة علشان ترجعي لبيتك، وولادك. ردت جميلة بصوت خافت، تعبيرًا عن الاستغراب من حديثها، محاولةً استيعاب ما يحدث في زمن الانكسار، والتعب: _ولادي؟ قَبّل أحمد يد جميلة بحُب، وقال بابتسامة: =مبروك يا جميلة. ردت جميلة بتعجب، وهمس الألم يتراقص على أطراف كلماتها: _مبروك؟ مبروك على ايه؟ جففت أم قمر الدين دموعها، وصوتها يتمزق بين حبات البكاء، كأنها تحاول استعادة هدوءها في عتمة الحسرة، وقالت ببكاء مؤثر يكشف عن سعادتها المكنونة: =هتبقي مامي لتاني مرة! ثم ضحكت، وتماسكت، وواصلت بصوت متقطع ومليء بالعواطف المتناقضة: =كده عندنا اتنين محتاجين اهتمام، ورعاية... شدي حيلك انتي، وأختك عايزين نفرح بيكم. تلفظت جميلة بانتحاب، وهي مندهشة: _بجد يا مامي؟ أجابت أم قمر الدين بسرور: =طبعًا يا روح مامي...جه اليوم اللي أشوفك فيه أم لطفلين....عمري ما هنسى انتي، وأخواتك لما كنتوا صغيرين وبتجروا حواليا...فاكرة لما كنتي دايمًا بتتخانقي مع منى، ونالا؟ ضحكت سامية بابتسامة ينبعث منها الدفء: _وأنا اللي كنت بصالحكم على بعض! دخلت سيليا الغرفة، ويدها متشابكة بيد قمر الدين كالأفق الذي يجمع بين الأرواح المترابطة: =مامي، مامي هو بجد انتي هتجيبيلي أخ؟ ضحك أحمد، وقال ببهجة: _ايه رأيك إنك انتي اللي هتسميه على مزاجك؟ ضحكت سيليا بابتسامة تنبعث منها السعادة، ونطقت: =هييه، أنا هختار اسم جميل أوي يا بابي. ضحكت سامية بابتسامة تملؤها الحيوية، وتفوهت بكلمات مشبعة بالتتيم: _وهو في حاجة في الدنيا أحلي منك يا سيليا؟ غادر قمر الدين المستشفى، واتجه نحو باسم بعد أن استدعى الحراس علاء الدين وربطوه في إحدى العمدان الموجودة بالمبنى المهجور، ولأن باسم رجل قوي الشخصية وعادل لا يقبل الظلم، قرر أن يلقن ابنه درسًا لن ينساه طوال حياته، فوقف أمام ابنه، حيث بدأ بنبرة حادة تنبعث منها صراحة الأب الذي يحمل في قلبه خيبات، وألم الخيانة: =عندك حل من الاتنين يا تتربط هنا شهرين تلاتة، وأعاملك معاملة الكلاب، يإما أسلمك للشرطة، وتاخدلك كام سنة سجن... ماهو أصل ده شروع في قتل! صرخ علاء الدين قائلًا بهلع: _بقى تعمل كده في ابنك علشان شوية ناس زبالة؟ مش ده اللي انت كنت رافضه زمان؟ دلوقتي بقى حبيبك، وبتيجي على اللي منك علشانه؟ رد باسم بصياح: =جوز أختك مأذناش في حاجة، ولا عمره طلعت منه العيبة...سبع سنين مشوفناش منه غلطة لكن الدور ، والباقي على اللي أنا معرفتش أربيه...مش كفاية إنك صايع، وكل يومين بايت مع واحدة شكل؟ فاكرني غافل عن مصايبك؟ ثم ارتفعت نبرة صوته لدرجة كبيرة، وأردف بكلمات ينبعث منها امتعاض واضح: =ده أنا عيني في وسط راسي كويس أوي، ومصحصح لكل واحد فيكم...عايز تقتل جوز أختك ليه؟ علشان اعترض إنك تصاحب أخته؟ ما حقه بس شكل دلع والدتك فيك هو اللي وصلنا لكل ده! تأوه علاء الدين حينما وجد أنه ليس هناك جدوى من تعاطف والده معه، فكان يستعجبه في هذه اللحظة، حيث اعتاد دومًا من والده على المعاملة الطيبة والحنو، ولأول مرة يقسو عليه بهذه الدرجة الجارفة، وعلى وجهه بادرة من الاستفهام المتسائل عن سبب هذا التغير الكبير في سلوك والده، وفي هذا الوقت العصيب، أخذ يتأمل في معنى الحدث، وتأثيره العميق على علاقتهما، وهو يتلفظ بتوسل: _طب فكني، وأوعدك مش هيحصل مني حاجة تاني! تلفظ باسم بعجيج: =ولا هيحصل...لو كنت غلطت زمان، ومعرفتش أربيك فأنا دلوقتي لازم أربيك، وكويس أوي...ذنبها ايه أختك؟ أختك كانت هتموت، كنت هتدمر أسرة علشان طيشك، وتخلفك. كان قمر الدين يسمع كل شيء في صمت، فهو مؤيد بشدة رد فعل والده اتجاه أخيه الطائش، وعلى وجهه تعبير من الاستحسان الصامت، يعكس تفهمه العميق للظروف، والأسباب وراء هذا العقاب القاسي. وفي هذا السياق العاطفي، اندمجت الدموع في عيني علاء الدين، وبدأ ينطق بكلمات ممزوجة بالأسى: _فكني يا بابا ده انا ابنك...حتة منك! تفوه باسم بموجدة: =تتربى الأول، وبعدين هفكر. غادر باسم، وخلفه البقية، فزاد صراخ علاء الدين بشدة، وهو يحاول بكل جهده فك قيده، كانت كلماته تتدفق مع كل ضربة تحاول فك الرباط المشدود حول يديه، حيث نطق بضجيج: _يا بابا، متسيبنيش هنا... يا بابا! في اليوم التالي، داخل غرفة المستشفى التي امتلأت بأجواء هادئة تملؤها رائحة الأدوية، وسكون المكان، كان أحمد مستغرقًا في نوم عميق على الأريكة التي بدت كأنها ملاذه الوحيد من تعب الأيام، بينما ليلة أمس عادت سيليا برفقة خالاتها إلى منزل جدتها أم قمر الدين حيث دفء العائلة، وذكريات الطفولة. دخلت الممرضة بعد أن طرقت الباب برفق وكأنها تحاول ألا تزعج من في الداخل، حاملة صينية الطعام التي تحتوي على وجبة صحية مُعدة بعناية، اتجهت بخطواتها الواثقة نحو سرير جميلة التي كانت مستلقية بسلام، ووضعت الصينية بعناية على الطاولة المجاورة لسريرها، ثم قالت بنبرة هادئة مملوءة بالعطف، وكأنها تواسي جميلة، وتطمئنها في آن واحد: =الأكل. نهض أحمد من على الأريكة بخفة، محاولًا ألا يصدر أي ضجيج قد يزعج زوجته، واقترب ببطء من سرير جميلة، حيث كانت تتأمل السقف بعيون مليئة بالتساؤلات، ثم قال بصوت منخفض، وهادئ، يعبر عن مشاعر دفينة ومشوبة بالاهتمام: _سيبيه أنا اللي هأكلها. ردت الممرضة بتبجيل: =اتفضل. بعد أن خرجت الممرضة من الغرفة وأوصدت الباب بهدوء، جلس أحمد بجانب زوجته الرقيقة على سريرها، وهو يحاول بعناية، وحب أن يطعمها الطعام، ولكنها أزاحت الطعام بيدها المتعبة، ونظرت إليه بعينين مرهقتين، وقالت بصوت خافت ينبض بالإرهاق: _لا لا مش هقدر. قرب أحمد يده من فمها بلطف وهو يحمل الملعقة برفق، وقال بصوت حنون يتدفق منه الحب: =طيب لو مش علشانك فعلشان البيبي...مينفعش نقعد كل ده من امبارح، ومن غير أكل...يلا يا جميلة علشان خاطري! نزلت دموع جميلة، وقالت باستياء: _أنا مش مصدقة إن علاء الدين يفكر يإذينا بالشكل ده!. معملش حساب ليا، ومفكرش إنه كان هيدمر حياتنا! رد أحمد بحصافة، وهدوء، وكأن كلماته كانت تحمل الحكمة: =علاء الدين من أول يوم شوفته عرفت إنه مش متحمل أي مسئولية. هو كل اللي يهمه ازاي يستمتع بحياته حتى لو على حساب غيره. تفوهت جميلة بجوى: _أكيد بابي مسكتش...أكيد حبسه...أنا عارفة بابي كويس مستحيل يظلم حد...مامي دايمًا كانت مدلعة علاء الدين، وبتديله كل حاجة من غير حساب غير قمر الدين خالص. ثم تنهدت، وأردفت: _تعرف كان نفسي علاء الدين يكون زي قمر الدين! طُرق الباب برفق، وفي تلك اللحظة، انفتح ليكشفوا عن دخول قمر الدين، ووالدته، وأخته سامية، وسيليا حاملين بين أيديهم علبة الحلوى التي تملأ الغرفة برائحة السكر، والفانيليا. تقدم قمر الدين بخطوات واثقة، وابتسامة عريضة على وجهه، وقال وهو يضحك بصوت مليء بالمرح: =أنا سمعت حاجة فيها قمر الدين كنتوا بتتكلموا عني صح؟ ضحك أحمد من قلبه، وقال بابتسامة مشرقة: _احنا كنا جايبين سيرتك بالخير. اقتربت أم قمر الدين من جميلة بخطوات ملؤها الحنان، وعانقتها بحرارة، ثم قبلت رأسها برفق، وقالت بابتسامة دافئة: =صباح الخير يا روحي...عاملة ايه دلوقتي؟ ردت جميلة بابتسامة: _الحمدلله يا حبيبتي. عانقت سامية جميلة بشدة، وقالت بصوت مليء بالحنان: =ها شدي حيلك كده عايزينك أقوى من الأول، ومتقلقيش خالص علاء الدين بابا عمل معاه الصح، وهيعاقبه عقاب شديد مكنش يتخيله! في منزل أم الديب، كانت جالسة على سريرها في غرفتها المعتادة، وهي تتصل بأحمد بينما يخيم القلق على وجهها المتعب، مشدوهة بالخوف العميق على حالة جميلة، فقالت لنفسها بصوت مسموع، وبرهبة تنبض بالانتظار: _يا ساتر يارب...يا مصيبتي يآني. بعد أن استجاب أحمد للمكالمة، تحدثت أم الديب بصوت مغمور بالتوتر: _مراتك عاملة ايه دلوقتي؟ حصلها حاجة؟ ماتطمنا ياخويا! تلفظ أحمد بدهشة: =وهو انتي مدياني فرصة أتكلم؟ خرج أحمد من غرفة جميلة، تاركًا إياها بين أيدي والدتها، وأخواتها في منزلية الاحتضان والدعم. ووقف وحيدًا في طريقة المستشفى، وهو يتنهد بحزن عميق يعكس حالة من التأمل، ومع ذلك، واصل حديثه بابتسامة خافتة تعكس التفاؤل المستمر: =اتطمني جميلة بقيت أحسن، وعندي ليكي خبر حلو. نطقت أم الديب بخوف: _استرها يارب...اتكلم خبر ايه؟ رد أحمد بابتسامة واسعة، وهو يمرر أصابعه برقة في شعره، كأنه يحاول تهدئة نفسه: =أحفادك كام؟ طغى الغباء على عقل أم الديب، وبسبب فهمها الخاطئ للوضع، ظنت أن ابنها يختبر ثقافتها ويستهزئ بها بسبب؛ كونها أمية، فانفجرت به باهتياج، محاولةً الدفاع عن ذاتها، وإظهار قوتها أمام ما اعتبرتها إساءة واضحة: _ايهي هو احنا في درس حساب ولا ايه؟ انت يا ولا بتصعبها عليا اكمني ست جاهلة؟ بقى بتعاير أمك بعد ماكبرتك؟ ده أبوك دفع دم قلبه عشان يعلمك، ويخليك تاخد الشهادة الكبيرة تقوم تعاير أمك عشان عارفها مابتفهمش في الكلام دهو؟ خرج أحمد عن شعوره بعد أن أفسدت والدته هذه المفاجأة البهيجة، فقال بصوت مليء بالإحباط: =ايه يا ماما كل ده؟ أنا بسألك سؤال عملتيلي مسلسل دراما! نطقت أم الديب بانزعاج: _ايهي أما انت عيل مش متربي، وناقص تربية...بقى يطلعلك صوت يا ولا؟ آني واخدة بالي إنك بعد مااتجوزت، وبقى صوتك يطلع ليه فاكر محدش اتجوز غيرك ولا ايه، و..... بتر أحمد حديثها، وهو يشعر بالاختناق من ثرثرتها اللامتناهية، فانفجر بسخط، قائلًا بصوت حاد: =يا ماما...يا ماما ارحميني! نشب المعلم حنفي الهاتف بدلًا من زوجته، وقال بفضول: _أمك ولية زنانة، ووجعتلي نفوخي...في ايه ياض طمنا؟ أجاب أحمد بابتسامة: =هتبقى جد لخامس مرة! رد المعلم حنفي بغباء، بتعبير يعكس عدم فهمه الوضع أو بسبب نقص في التعبير: _يا ألف بركة بس نعمة أختك مش ناوية على خلفة دلوقتي...ده الواد ابنها متعفرت كأن لابسه جنية. تلفظ أحمد بعصبية: =أنا بتكلم على جميلة مش على نعمة أختي! أمسكت هايدي الهاتف، وردت بدلًا من المعلم حنفي، محاولة إصلاح كل ما حدث لتخفف من النزاع الذي طال جميلة وأحمد، متسلحة بالرغبة في استعادة هدوء الأمور وإنهاء الصورة الجريرة التي انطبعت في عقولهما: _أنا عارفة إنك مش عايز تسمع صوتي بس سامحني ده أنا أختك حبيبتك، وعارفة كل اللي حصل ده بسببي بس، والله ماهيحصل تاني أنا عقلت، وعرفت إن اللي عملته أكبر غلط. رد أحمد بعتاب وهو يبدو متأثرًا بالأحداث: =انتي اتسببتيلنا في مشاكل كتيرة يا هايدي...جميلة كانت هتروح مني بسببك انتي، والزبالة اللي مش قادر أنطق اسمه! نطقت هايدي بخوف: _في حاجة حصلت تاني، ولا ايه؟ تنهد أحمد، وقال بإرهاق: =هحكيلك بعدين ده إن كنتي ناوية تعقلي! ردت هايدي بحماس واضح في عينيها، وهي مليئة بالعزم أن الوقت قد حان للتغيير نحو الأفضل، قائلة بنبرة مليئة بالأمل: _لا ده أنا عقلت، وعقلت أوي كمان المهم بس متدخلش انت وجميلة في مشاكل تاني، وطلعوا نفسكم برا اللي حصل... انتوا حياتكم كانت هادية قبل مانا أعمل كل ده. نطق أحمد بتأكيد: =وعد يا هايدي إنك متتعامليش معاه تاني؟ ردت هايدي بابتسامة: _وعد. تفوه أحمد بكلمات تحمل معها ابتسامة عريضة كأنها شمس مشرقة تنثر دفئها في الأرجاء: =أبقي تعالي عندي ليكي خبر حلو. نطقت هايدي بفضول: _خبر ايه طمني؟ في المستشفى، كانت أم قمر الدين تجلس على الأريكة الموجودة في زاوية الغرفة، ودموعها تتساقط على خديها كحبات المطر، وهي تمسك هاتفها المحمول بيد مرتجفة، تتحدث بصوت خافت مملوء بالرجاء مع زوجها الذي كان على الطرف الآخر من الخط، متوسلة إليه بدموعها وأملها الأخير، أن يمنح ابنهما فرصة أخيرة، قائلة بصوت مرتعش: =لا يا باسم ده ابننا مينفعش نإذيه هو غلط غلطة كبيرة أنا عارفة بس في الأول، والآخر ده ابنك! تلفظ باسم بانفعال: _ابنك مش متربي يا هانم...ابنك كان هيضيع أخته، أنا مش فاهم هو ليه مطلعش زي قمر الدين؟ ردت أم قمر الدين بتوسلٍ مغمور باليأس، ودموعها تنساب على وجهها، قائلة بصوتٍ متهدجٍ مليء بالرجاء: =لا يا باسم أرجوك أوعى تإذيه...أنا مش هستحمل أشوف فيه حاجة وحشة...عاقبه بأي حاجة تانية! تلفظ باسم باستياء: _وانتي فكرك إن أنا مرتاح، وأنا بعمل كل ده؟ أنا أب، وعارف قيمة الولاد، وبكون متحسر بس مغلوب على أمري...يا بسملة أنا لو معملتش كده يبقى هيجي يوم، ويحصل فيه الأسود من كده! نطقت أم قمر الدين بحزنٍ عميق، وصوتها يشوبه الأسى، كأن كل كلمة تخرج من شفتيها تثقل قلبها المثقل بالأوجاع، قائلة: =خرج علاء الدين، وخليه يعتذر لأخته، وجوزها، ويوعدنا إنه ميتهورش تاني مهما حصل! في شقة ليالي، كانت تجلس مع زوجها على الأريكة في الصالة المضيئة بضوء المصابيح الخافت، وهما يتحدثان بجدية بعد أن علموا بكل ما حدث مع أحمد، وجميلة، وكانت العيون تتبادل نظرات مليئة بالتعاطف، ثم تنهدت ليالي بعمق، وقالت بتأثر: _يا حول الله يارب كله من هايدي لو ست هايدي مكنتش عرفت اللي ما يتسمى مكنش راح، وضرب نار على أحمد، وجميلة. رد جلال بسخط: =هايدي دي ناقصة رباية، ودايرة على حل شعرها، واللي أنا عملته فيها يوم المشكلة مكنش كفاية...أمي هي اللي لاغيه شخصيتنا، وعايزة تعمل راجل البيت ده حتى أبويا بيخاف منها. تفوهت ليالي بدهاء: _بصراحة يا جلال أختك متمردة أوي، وطول عمرها عايزة تعمل نفسها زي الناس بتوع مصر اللي دايرين على حل شعرهم. تلفظ جلال بامتعاض: =دي آخر فرصة ليها، وأنا بعد كده مش هسكت، وأنا يا أمي في البيت ده! ردت ليالي بابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيها بينما عيناها تتلألآن ببريق من التخطيط، قائلة بنبرة تحمل في طياتها مزيجًا من الدهاء: _عندك حق ده انت أخوهم الكبير، والأخ الكبير له كلمته، والمفروض كله يسمع كلامه بس أمك مابتحبناش ياخويا، ومش طايقالي، ولا طايقالك نص كلمة. نطق جلال بعصبية: =هي أمي فاكراني عيل بشخة عدم اللا مؤاخذة ولا ايه؟ أرادت ليالي أن تشحن جلال ناحية والدته كي يتشاجر معها، ويسترجع جزءًا بسيطًا من حقوقها التي سلبتها وتعدت عليها، فقالت بدهاءٍ: _أه أمك شايفاك كده، والمفروض تاخد موقف ياخويا. بعد ربع ساعة من مشاحنة ليالي لزوجها بالأحاديث الثعبانية اللادغة، امتلأ جلال بجرعة الشجار، واستعد للمواجهة، نزل من الشقة، والسخط يتطاير من عينيه بسبب والدته المتسلطة، وفي تلك الأثناء، قالت أم الديب بسعادة غامرة وكأنها انتصرت في معركة صغيرة: =مش تبارك لأخوك؟ رد جلال بتعجب: _أباركله على ايه؟ أجابت أم الديب بسعادة: =جميلة حبلة، والمرة دي هتجيب الواد. يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة