انكمش المعلم حنفي كالسهم المتجه للوراء، وانزاح هاربًا إلى محرابه. بينما في منزل أحمد، حيث عاد بعد غياب، فوجد زوجته جميلة تحضر الطعام بمهارة فائقة، جنبًا إلى جنب مع ابنتهما الصغيرة سيليا التي كانت تلهو في الصالة. فاستغرب وأصابته دهشة عميقة من ذلك المشهد الذي رسمته اللحظة أمامه. قبل أن يتقدم نحو المطبخ ليسلم على زوجته بعد الإياب، انقضت سيليا نحوه بشوق، فرحة لعودة والدها بعد وقت طويل في العمل، فقالت بضجة: _بابي اقفل عينيك، انت كده هتبوظ المفاجأة! صك أحمد جفنيه، وضحك قائلًا: =حاضر...مفاجأة ايه دي يا سيليا؟ تحدثت جميلة بنبرة ضاحكة: _سيليا عاملالك مفاجأة..مش هتصدق عاملة ايه! كانت سيليا تجذب والدها نحو المائدة المليئة بالبيتزا الشهية، والبطاطا المقرمشة، حتى جلسوا معًا لتناول الطعام. ثم قالت بابتسامة تعبق بالبراءة: =فتح. فتح أحمد جفنيه، وتفاجأ بالمفاجأة التي صنعتها له زوجته وابنته. ثم قال بدهشة ملموسة في صوته: _ايه ده مش معقول يا سيليا. وقبل رأس ابنته بحنان، وأردف بصوت مليء بالمحبة: _تسلم ايديكي...انتي اللي عملتيها لواحدك؟ ضحكت سيليا، وقالت بخفة: =أه...بس هقولك حاجة سر. اقتربت سيليا من أذن والدها، وهمست برفق، قائلة: =مامي ساعدتني. عانق أحمد ابنته، ورد بابتهاج: _تسلم ايديكي يا حبيبتي. ضحكت جميلة، وقالت بفخر: =سيليا طلعت شاطرة أوي. ردت سيليا بسعادة: _انتي أشطر مني يا مامي! وقف أحمد مكانه، وعانق زوجته، وقبل رأسها مثلما فعل مع ابنته. ضحكت جميلة، وبادلته نفس العناق، ثم توجه إلى الغرفة ليغير ملابسه، ويستعد لتناول الطعام. في هذه الأثناء في قرية أبو حلاوة، وقف المؤذن على المنبر وأطلق تكبيراته، وبدأ صوته يصل إلى جميع أهل القرية الذين بدأوا في تناول الإفطار، بما في ذلك عائلة أم الديب التي كانت تجتمع على الأرض في الصالة حول الطاولة. مالت خواطر رأسها نحو طبق المعلم حنفي الممتلئ بأشهى أنواع الطعام، والذي كانت تتصاعد منه روائح تجذب الأنفاس، وصوبت نظرها نحو ذلك الطبق البراق بنظرة طويلة ومليئة بالتأمل، وفي تلك الأثناء، لاحظ المعلم حنفي بحدسه المرهف تركيز خواطر المتواصل عليه دون غيره من الجالسين حول المائدة الكبيرة، فانفعل بشكل مفاجئ وقال بغضب: =في حاجة، ولا ايه يا حاجة؟ ردت خواطر بنبرة متحيرة: _أنتوا مدينله طبق كبير ليه يا نعمة؟ نطقت نعمة بدهشة: =في ايه يا ستي؟ ما كله واخد زي بعضه! تفوهت خواطر بشح: _فضيله الطبق... كفاية عليه معلقتين. قالت أم الديب بلا مبالاة، وهي تلتهم لحم البط بشهية واضحة: =سيبك منه ياما...كملي أكلك! خرج المعلم حنفي عن صمته المفاجئ، وصرخ بصوت يملؤه الانفعال: _ماتحترمي سنك يا ولية!. مش كفاية قاعدة في بيتي وكمان باصالي في لقمتي؟ ده أنا راجل تعبان، وشقيان، وطول النهار قاعد في الدكان أجيب لبتك الطفح اللي بتطفحه، وياريته عاجب! ردت أم الديب بضجيج، وهي تمضغ لحم البط بنهم: =احترم نفسك يا راجل يا قليل الرباية بدل ما أقلع اللي في رجلي، وأنزل بيه على نفوخك! برزت عروق عنق المعلم حنفي بشكل أبلج، وتلون وجهه بلون الدماء الحمراء، مما أضفى على ملامحه تعبيرًا مخيفًا، ثم قال بنبرة عالية تحمل في طياتها توبيخًا واضحًا: _تنزلي بيه على دماغ مين؟ هي حصلت يا ولية تضربي جوزك بالشبشب؟ ضحك حامد ضحكة مَنينة، وأطلق سراح ضحكاته البلهاء التي تردد صداها في المكان، قائلًا بسخرية واضحة: =لا إله إلا الله...اهدى يا حمايا...اهدي يا حماتي! ردت نعمة بانفعال: _ياما ميصحش اللي بتقوليه ده!. انتي شايفة أبويا شاب؟ ده راجل كبير...ده جد، وعنده أحفاد! قال المعلم حنفي بصياح، وقد اشتد توتر أعصابه: =يعني لو مكنتش جد كان عادي؟ صاحت أم الديب قائلة بضغينة: _ايهي لم نفسك متسوقش فيها! انهمرت دموع التماسيح من عيون خواطر بغزارة، ووقفت في الحال وسط الجموع، وهي تنحب بصوت متهدج، بعدما كسر المعلم حنفي قلبها الثعباني، الذي كان يخفي في أعماقه لدغات مميتة خلف مظهره الوديع. وبعينين تلمعان بالدموع، وبصوت يرتجف من الحزن، قالت: =منكوا لله يا كفرة...أنتوا ناس معندكوش دم كسرتوا بنفس ست عجوزة منكوا لله. اتجهت العجوز إلى باب الشقة، وفي تلك اللحظة نادتها أم الديب باعتناء، قائلة: _استني ياما، والله مانتي ماشية من هنا! تحدث المعلم حنفي بصياح عالٍ، مما أثار التوتر في الجو حوله: =طلاق تلاتة لا أمك تمشي من هنا، وماهي طافحة معانا! وقفت نعمة، وصرخت قائلة: _يا لهوي ياما...ماتقولي حاجة يا هايدي! نطقت هايدي بلا مبالاة على الأمر الموجه لها، وهي تجلس على طاولة مزدحمة بأطباق الطعام المتنوعة: =هقول ايه؟ ده خلاص بقى العادي عندنا. خرجت نعمة خلف جدتها بخطواتٍ واسعة، وهي تناديها بصوتٍ واضح يحمل بين الكلمات بريق من الاحترام: _استني يا ستي متمشيش زعلانة! تحدث المعلم حنفي بصخب قوي، وصوته يرتفع مع كل كلمة كان يعبر عنها، محاولًا جذب انتباه أخصامه: =سيبوها تمشي...كنا خدنا منها ايه؟ وقفت أم الديب في مكانها، وهي تحمل طبق الطعام الخاص بها، وخرجت خلف والدتها، وهي تناديها بنبرةٍ ملآنة بالاهتمام. على الرغم من نشوب المشاكل، إلا أن أم الديب ما زالت متمسكة بطعامها بثبات. حين وجدت نعمة أنه لا جدوى من نداء الجدة، جلست على الطاولة مجددًا، وخرجت عبارة ساخطة منها: _وأنا اللي قولت ليالي مشيت، ومش هتحصل مشاكل. ضحكت هايدي، وقالت بسخرية: =ليه هي المشكلة في ليالي؟ المشكلة في ماما نفسها! خرج المعلم حنفي من المنزل، وكانت ملامح وجهه تعكس عدم استقراره النفسي، ثم ذهب إلى متجره لمواصلة عمله، بينما استمرت هايدي، ونعمة، وحامد في تناول طعامهم برغم الجزع الذي يخيم على الجو. أما جلال، فقد غادر منزل عم سلامة بعد الإفطار، وفي طريقه وهو يقود التوكتوك الخاص به بالقرب من المنزل، فاجأته الصدمة حين شاهد خاله بمظهر غير عادي، يمسك المسدس ويتجه نحو منزل أم الديب بنية ثأرية. وقف جلال على الفور، ونزل من التوكتوك بخطواتٍ سريعة، وجرى باتجاه خاله بأسرع ما يمكن، حيث أمسك به بقوة وحاول إيقافه عن فعلته المتهورة. بينما كانت عباراته تنطلق بصدمة حيث حاول أن يقنع خاله بخطورة ما ينوي القيام به، معبرًا استنكاره لما يحدث: _ايه يا خالي مالك في ايه؟ رد ضايع بضجيج: =مش أمي اللي يتعمل فيها كده، وهي ست كبيرة، وفي آخر أيامها...بقى أنا أمي تيجي، وتمشي مكسورة الخاطر؟ نطق جلال بتعجب: _أنا مش فاهم حاجة...انت بتتكلم عن ايه؟ أزاح ضايع يد جلال من أمامه بقسوة، وصعد بسرعة على درج المنزل حتى دخل وهو يحمل المسدس في يده. خلفه، كان جلال يتبعه بقلق. صرخت نعمة بصوتٍ مرتفع حين رأت خالها في هذا الشكل المروع، وقالت بذعر: =استهدى بالله يا خالي ضايع...أقعد بس اشربلك أي حاجة تروق دمك، واحنا هنفهمك اللي حصل! قال ضايع بعجيج: _أنا مش جاي أتضايف عندكم يا بت أختي... أبوكوا حنفي فين؟ أجابت نعمة برهبة: =أبويا مشى منعرفش راح فين. رد جلال بصياحٍ: _انت عاوز ايه من أبويا يا خالي؟ تلفظ ضايع بصياح عاتب محاط بالتهديد: =وسع ياض أنا دلوقتي مش شايف قدامي ، فابعد من وشي يا جلال لحد مانشوف أبوك راح فين عشان أنا النهاردة مش ساكت على حق أمي! نطق جلال بجلبة: _جرا ايه يا خالي ماتتكلم عدل... هو انت شايفني من العيال التوتو؟ ده أنا جلال ابن أختك يعني تلميذك يا جدع! تحدثت نعمة بتلجلج: =أقعد بس يا خالي أحب على رجلك، وأنا هفهمك كل حاجة. صوب ضايع المسدس نحو رأس نعمة، وصدح صوته بصياحٍ يحمل في طياته رعب متزايد: _مش قاعد يا نعمة...انطقي أبوكوا فين؟ ردت نعمة برهبة: =الله يسترك يا خالي أقعد بس...ده هما كلمتين، ورد غطاهم مش هناخد من وقتك كتير. وأردفت بصوتٍ مرتعش، وهي تناشد زوجها المرتجف: =أدخل يا حمو ولع على الشاي. رد حامد، وهو يرتجف بقوة: _أحلى كوباية شاي لخال مراتي. دخل حامد المطبخ ليظهر براعته في صنع الشاي، الممتزج بقطرات الذعر التي تراوحت بين الأواني. كان كلما وضع مكونًا، نظر إلى ضايع برهبة، وهو يجلس بجانب جلال، ونعمة على الأريكة. قالت نعمة بصوت ينبض بالحذر: =يا خالي انت فاهم غلط، وجاي على الحامي، وانت مش فاهم الحقيقة! رد ضايع بنبرة حادة: _فهميني يا بت أختي لما نشوف أخرتها معاكم ايه! في منزل عم سلامة، كانت العائلة تجلس سويًا في الصالة الدافئة، وتباهي تحضر الشاي ببراعة، ممزوجة بالطمأنينة. قالت ليالي بصوتٍ ينطلق بسلاسة: =كل سنة، وانتي طيبة ياما... تنعاد عليكي الأيام بالخير. ردت تباهي بحبور، وهي تضع السكر في الشاي: _وانتي طيبة، وبخير يا ليالي يا بتي. تحدثت هبة بصوت خافت: =قلبي عندك يا ليالي...ده انتي مستحملة كتير. تنهدت ليالي باستياءٍ عميق من فقدان حيلتها، ونظرت إلى أصابعها التي كانت تلعب بها بتأنٍ، وقالت بصوتٍ تَعِس: _أه وحياتك يا هبة ياختي، قايدالها صوابعي العشرة شمع، وبرضة مش عاجب. ردت هبة باستشاطة: =ده من أول يوم جواز، وهي دابحالك القطة. تفوهت ليالي باستياء: _أعمل ايه بس يا هبة؟ أنا أول ما اتجوزت كنت زي القطة المغمضة مش فاهماها...بس لما عاشرتها عرفت معدنها الواطي، حماتي دي زي القطط تاكل وتنكر، مفيش حاجة بتطمر فيها. ردت هبة بذكاء: =مادام عملتي زي معملتيش يبقى متعمليش خالص، والأيام الجاية اقلبي عليها الترابيزة، ورديلها كل اللي عملته...عرفيها غلطها...خليها تخاف منك، وتعملك حساب يا خايبة! قالت ليالي بأزمة: _عندك حق يا هبة أنا خلاص مش هسكتلها، وهلبسلها الوش الخشب خليها تخاف مني شوية بدل ماهي مطلعه عيني، ومش راحماني! ردت هبة بابتسامة طالحة: =يبقى اعملي اللي هقولك عليه! بعدما شرحت نعمة لخالها ما حدث أمام عينيها، قال ضايع بصوتٍ ملتهب بالانفعال: _أنا أمي مبتكدبش...دي ست طاهرة. رد جلال بنبرة جلفة: =يا خالي تلاقيها ناسية، ولا حلمت حلم، وفكرته حقيقة مانت عارف دماغ الناس العواجيز. وقف ضايع، وأطلق نبرةً من التأمل: _ممكن برضة...على العموم أنا همشي ورايا مصلحة مهمة بس ايه هتخليني مليونير. نهض جلال، وعبر عن تعجبه بصوتٍ مليء بالفضول: =مصلحة ايه يا خالي؟ ماتشاركني فيها مانا عاوز أبقى مليونير برضة...ده أنا مراتي ليالي كل يوم تزن عليا عاوزة شقة جديدة، وانت عارف الحال عامل ازاي! ابتسم ضايع ابتسامة مربكة، وتلفظ: _خلاص تعالى يا جلجل مش خسارة فيك. عانق جلال خاله بحنانٍ عميق، وعبّر بصوت خامل بالسعادة: =تسلملي يا خالي. اتجه الاثنان سويًا نحو الباب بخطى ثابتة، وفي تلك اللحظة، وقفت نعمة مشدوهة: _طب والشاي يا خالي؟ رد ضايع بنبرة وضيعة: =مرة تانية...يلا سلامو عليكو. تفوهت نعمة بقلق: _وعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته. خرج ضايع، وجلال من المنزل برمته، وبهذا انتهى الضجيج الذي أثر على وجدان نعمة، حيث استقبلت نفسًا عميقًا لتهدأ. خرجت هايدي من غرفتها بعد أن استمعت إلى كل ما دار بينهم، وعبرت نعمة بابتسامةٍ من الارتياح: =أوف ده أنا جتتي اتلبشت من دخلته. قالت هايدي بتعجب: _هو كان عايز ايه من بابا؟ ردت نعمة، وهي تضع يدها بلُطف على قلبها المتناغم مع نبضات الذعر، حيث ارتسمت على محياها ابتسامة تعبق بالسلام: =خالك كان جاي وناوي على خناقة، وأنا مقولكيش على خناقات خالك ضايع بتكون عامله ازاي. تفوهت هايدي: _انتي هتقوليلي؟ مانا عارفة. في منزل خواطر، كانت أم الديب تواسي والدتها بكلمات تنبع من القلب المتألم، حيث أخذت تروي لها ببساطة كيف أنها ستظل بجانبها، كالجبل الصامد في وجه العواصف: =خلاص بقى ياما... آني لما أرجع البيت هطين عيشته. ردت خواطر باستياء: _زمان ضايع قلب أمه راح يجيبلي حقي. قالت أم الديب بصدمة، وقد انعكست تعابير وجهها بتساؤل، كما لو أنها لم تتوقع هذا الرد: =ايهي هو انتي قولتيله؟ ردت خواطر بشؤم: _أمال ايه ده مش هيسيب جوزك إلا، وهو جثة! قالت أم الديب بلا اكتراث: =ياختي كبروا دماغكم منه ده راجل عبيط، ولاسع. ردت خواطر بتعجب، وهي تبدي استغرابها بتعابير وجهها التي تعكس مدى دهشتها: _انتي مستحملاه على ايه يا بسمة؟ أجابت أم الديب: =ومين قالك يا حاجة إن آني مستحملاه؟ هو ده حد يطيقه؟ ثم نهضت مكانها، وواصلت: =هبعتلك نابك مع حمو. ردت خواطر، وهي تشتهي الطعام بشوق واضح، حيث بدت عيناها تلمعان بالرغبة، مظهرة رغبتها الجارفة في تذوق طعم الأطباق اللذيذة: _مستنية يا بسمة متتأخريش عليا! عادت أم الديب منزلها فكانت نعمة تغسل الآواني في المطبخ، حيث قالت أم الديب بفضول: =أبوكي راح فين يا بت؟ ردت نعمة بضيق: _مشى ياما...والنبي ولا داق لقمة من اللي على الطبلية. قالت أم الديب بحدة: =انشالله عنه ماطفح...املي طبق لستك، وابعتيه مع حمو. ردت نعمة بخوف: _حاضر ياما. تلاقى انتهاء حديث أم الديب مع نعمة، وهي تغسل الأواني في المطبخ بمكالمة هاتفية صادرة من أحمد. دخلت أم الديب غرفتها بخطوات متأنية، حيث استجابت لنغمات الهاتف بابتسامة خفية تعكس الفضول، ورفعت السماعة، وقالت: =ألو. رد أحمد بابتسامة تنطلق من عمق قلبه، تعكس سروره بالحديث مع أم الديب: _ازيك يا ماما عاملة ايه؟ تلفظت أم الديب بسعادة، وهي تعبق بابتسامة تملأ وجهها بالبهجة: =نحمد ونشكر ربنا...البتين عاملين ايه؟ رد أحمد ببشاشة: _كويسين...بقولك انتوا فاضيين بكرا؟ أجابت أم الديب: =أمال ايه يا ولا؟ ولو مش فاضيين نفضى. رد أحمد بابتسامة: _خلاص أنتوا ان شاء الله معزومين عندنا بكرا. قالت أم الديب بسعادة مشرقة تعبق بالرضا، وكأنها تنعكس على وجهها أشعة الشمس في صباح مشرق: =يا حلاوة يا ولاد...طب رن على أخواتك عرفهم. نطق أحمد: _ماشي...مستنيكم بكرا متتأخروش! قالت أم الديب: =وماله ياخويا مع ألف سلامة. رد أحمد: _سلام. دخلت أم الديب المطبخ الضئيل، الممتلئ برائحة الصابون الذي يبرز حب نعمة الكبير للنظافة، وقالت: =أحمد أخوكي عازمنا كلنا بكرا عنده. ردت نعمة: _طب مقولتوش من بدري ليه ياما؟ تلفظت أم الديب: =ده لسه مكلمني دلوقتي يا بت. قالت نعمة بانشغال: _طيب أنا هخلص المواعين، وهطلع أغسل الهدوم. تفوهت أم الديب بتوصية: =ماشي ياختي متنسيش الأكل بتاع ستك...آني داخلة أنام! ردت نعمة ببشاشة: _ماشي ياما تصبحي على خير. دخلت أم الديب غرفتها بعد يوم حافل، وانغمست في أعماق النوم العميق. في الوقت نفسه، كان جلال، وضايع يجلسان في إحدى الملاهي الليلية، حيث كانت الأغاني تعلو والأضواء تلمع، والراقصات تملأ الأجواء بإثارتهن، ولكي يتمكن جلال من الاستماع بوضوح للمكالمة الهاتفية التي تلقاها، خرج من الملهى إلى الهواء الطلق، حيث استمع بانتباه إلى كل كلمة وصوت في الهاتف، موفرًا لنفسه الهدوء اللازم للتركيز: =ألو...ازيك ياض؟ رد أحمد بابتسامة: _الحمدلله...ليالي، والعيال عاملين ايه؟ أجاب جلال بابتسامة واسعة توضح سعادته الغامرة: =فل الفل. تحدث أحمد بتساؤل: _انت فاضي بكرا، ولا عندك حاجة؟ وقف جلال أمام إحدى السيارات المستقرة، مشدوهًا بابتسامة متفائلة تصف طابعه الحيوي: =والله على حسب ايه الكلام... بس احنا مورناش حاجة غير الشغل. انتهز أحمد الفرصة ليبلغ جلال خبر دعوتهم لزيارة منزلهم غدًا، فابتسم بفرح، وقال: _أنا مستنيكم كلكم بكرا...عازمكم عندي على الفطار. رد جلال: =اشطا هتلاقينا عندك بكرا من النجمة. حضر الخال ضايع عقب ظهره، وعبر عن تعجبه قائلًا: _انت روحت فين يا جلال؟ أردف جلال في الهاتف: =طيب أشوفك بكرا...سلام. ووضع هاتفه في جيب بنطاله بابتسامة خفيفة على شفتيه، ثم قال بصوت واثق: =ايه يا خالي؟ رد ضايع بنظرة حادة، كأنه يعبر عن استياءه: _بقى بتخلع مني يا جلال يابن أختي؟ أجاب جلال بتعجب، وعبّر عن ذلك بتعبير ملامحه المندهشة: =وأنا خلعت منك فين؟ أنا كنت بتكلم في التلافون. قال ضايع بتشوش: _طب قدامي ده المصلحة هتضيع. رد جلال: =يلا بينا. دخل جلال، وضايع إلى الملهى مجددًا، حيث استمتعا بأجواء الحياة الليلية والموسيقى الصاخبة. وبعدما دقت الساعة العاشرة، عادت ليالي بأبنائها إلى المنزل، مغمورة بشعور الراحة بعد يوم طويل. وفي صدفة غير متوقعة، تقابلت مع نعمة على الدرج، فعانقتها بحنان ينبع من القلب، وقالت بصوتٍ مفعم بالحب: _حظك إن أنا لسه مخلصة، وطالعة...ليكي واحشة ياختي. عانقتها ليالي بسعادة غامرة، وأبدت فرحتها قائلة: =وربنا وانتي كمان يا نعمة...عملتي ايه من غيري النهاردة؟ تفوهت نعمة بهزل: _مقولكيش على اللي حصل ده انتي فاتك نص عمرك. ضحكت ليالي بابتسامة تغمر المكان بالدفء، وقالت بتطفل: =اطلعي اطلعي... أنا مش نايمة غير لما تحكيلي كل حاجة! صعدت نعمة، وليالي إلى الشقة بخطوات هادئة، حيث كانت الأضواء الدافئة تضفي جوًا من السكينة في كل زاوية. دخلوا الشقة وجلسوا على الأريكة، متأملين المنظر الجميل للريف من خلال نوافذ الصالة، في حين اندمج الأطفال في غرفة النوم، يتفاعلون مع بعضهم البعض بنشاط. فتحت نعمة فمها بابتسامة، وقالت بصوتٍ ينبع من القلب: _ستي الله يسامحها اتخانقت مع أبويا خناقة لرب السما وقت الفطار. ردت ليالي بذهول، وعبّرت عن ذلك بتعبيرات وجهها المتلألئة بالدهشة السارة: =هي ستكم كانت بتفطر معاكم النهارده؟ أجابت نعمة: _أيوه أمال ايه؟ ما أمي جابتها، وشدوا مع بعض، راحت ستي ماشية، وحلفت ماهي واكلة، وأبويا مشى مرضاش ياكل، وخدي الكبيرة بقى يا ليالي. ضحكت ليالي، وقالت بنبرة شامتة: =ايه يا نعمة؟ ضحكيني! ردت نعمة وهي تضحك من الغموض الذي يحيط بهم، مستدلة على المثل الشائع الذي يصف التناقضات في الحياة (هم يُضحك، وهم يُبكي): _ خالي ضايع جه بالسلاح، وكان جاي متعبي على آخره، وحالف لأبويا، وناويله نية سودة بس جلال جه لحقه، وقعدناه بالعافية، وحكيناله لحد ماصدق وشوية، وخد جلال في ايده ومشى. قهقهت ليالي بقوة، وقالت بسخرية: =سبحان الله ماهي حماتي طالعة لستكم، وأنا أقول طالعة كده لمين؟ ده أقلب القدرة على فمها تطلع بسمة لأمها. ضحكت نعمة، وهي تعبر عن استغرابها بالموقف، وقالت بصوتٍ يركض من بين شفتيها بكل حماس: _أه والله يا ليالي ده الاتنين دول ربنا يهديهم...المهم احنا معزومين بكرا كلنا بربطة المعلم عند أحمد أخويا. تلفظت ليالي بتعجب: =وجلال مقاليش ليه؟ ردت نعمة: _أنا معرفش هو كلمه ولا لا...بس أهو كلم أمي وعرفنا. نهضت ليالي مكانها، ودخلت الغرفة، وقالت لأبنائها: =قوموا يا عيال عشان هتستحموا يلا! أجاب حمود بعناد: _مش مستحمي! نشبت ليالي في ذراع ابنها، وبينما كان يتوجه للابتعاد، أمسكت به بقوة عارمة، وخرجت كلماتها بحدة: =قوم أنا قولت كلمة، ومش هعيدها...أمال تخلي مرات عمكم تشوف نفسها علينا، وتبصلنا بقرف؟ يلا منك له. وأمسكت بأبنائها الاثنين، ودخلت بهم في المرحاض بالإجبار، حيث حاولوا الهروب والصراخ ولكنها ظلت تصر على إنهاء مهمتها بأي ثمن. وفي تمام الساعة الثانية عشر من منتصف الليل، عاد المعلم حنفي للمنزل، وهو ساخط من أم الديب، ودخل غرفة ابنته هايدي أثناء نومها، وقال بنبرة خافتة، كأنه يحاول التعامل مع الوضع برفق: _وسعي يا هايدي. استيقظت هايدي من نومها، وعلى وجهها بادرة القلق التي لاحظها المعلم حنفي فور دخوله إلى الغرفة، ورفعت عينيها بحيرة نحوه، وقالت بصوت مرتجف: =ايه ده بابا؟ رد المعلم حنفي بنعاس: _وسعي...آني مش طايق خلقة الولية البومة دي! شعرت هايدي بالإحراج أمام والدها، فالتفت نحو الجدار، وفتحت فمها لتقول بتردد، وهي تبحث عن الكلمات المناسبة في اللحظة: =طب يا بابا أنا هانام برا على الكنبة. تلفظ المعلم حنفي باستغراب: _جرا ايه يا هايدي هو آني هاكلك؟ ده آني أبوكي، ولا انتي كبرتي على أبوكي، وبتتكسفي منه؟ ردت هايدي بإحراج: =لا يا بابا تعالى نام في حتة أهو. أساعت هايدي مكانًا في السرير لوالدها حيث استلقى بجانبها، وكأن العالم بأسره قد نام، وصوت شخير أم الديب يتردد في كل ركن من أركان المنزل. وفي اليوم التالي في تمام الساعة الحادية عشر قبل الظهيرة، استفاقت جميلة من سباتها، لتجد أحمد متربعًا أمام شاشة التلفاز، وهو يحمل أسيل بين يديه، حيث كان قد أخذ إجازة في ذلك اليوم المشرق. فابتسمت جميلة وقالت بلطف: _صباح الخير. رد أحمد بابتسامة: =صباح النور. جلست جميلة جانب زوجها، ونظرت إليه بتعجب، حيث بدت علامات الدهشة واضحة على وجهها، وقالت: _معقول أسيل لسه نايمة؟ رد أحمد: =لا صحيت، وأكلتها، ونامت تاني. نظرت جميلة حولها، وعبرت عن شعورها بالتساؤل، حيث بدت عيناها تتجولان في كل زاوية من الصالة، وتساءلت بصوتٍ هادئ: _طب وسيليا فين صحيح؟ أجاب أحمد بسكينة: =سيليا بترتب الألعاب في أوضتها...أصلها فرحانة أوي. ضحكت جميلة، وقالت: _كل يوم لازم تسألني على طنط بسمة، وأونكل حنفي. خرجت سيليا من غرفتها، محملةً الدمية في يدها، وبدا عليها الإرهاق الواضح. وهي تلتفت حولها بحذر، وقالت بصوتٍ متعب: =تعبت أوي يا مامي...انا برتب الألعاب من بدري! وقفت جميلة، وقالت بتبرم: _خلاص يا سيليا كفاية كده...يلا علشان تاخدي شاور. دخلت جميلة بابنتها سيليا إلى المرحاض استعدادًا للتحمم، وعلى وجه الصغيرة التي تحمل دميتها الحبيبة، بدت علامات الإرهاق تتسلل إلى ملامحها البريئة. في الوقت نفسه، في شقة جلال، كان يجلس على الأريكة، وكانت أمواله تمتد أمامه كموجات البحر في الساحة المرصوفة بالرخام. وفيما هو ينظر إليها بتأمل عميق، تساءلت ليالي بغرابة: =ايه الفلوس دي يا جلال جيبتها منين؟ أجاب جلال بتبذخ: _دخلت مع خالي ضايع في مصلحة بس إنما ايه حاجة جامدة آخر جمدان يا ليالي. سلم جلال الأموال لزوجته في يدها، وقال بفخر، وكأنه يعلن عن إنجاز عظيم في حياتهما المشتركة: _بصي الفلوس قد ايه! لكن ليالي كانت تقلق من مصدر تلك الأموال، فأبدت بتعبيرٍ يعكس حيرتها، وقلقها، قائلة بصوت مغمور التأملات: =أوعى ياخويا تكون عملت حاجة غلط! رد جلال: _لا وأنا أقدر؟ متخافيش يا ليالي كله في السليم. استخرج جلال ثلثمائة جنية من وسط بقية المال، وواصل بحزم: _يلا البسي انتي، والعيال. وقفت ليالي مكانها، ونظرت إلى جلال بنظرات شك، ثم دخلت غرفة أبنائها، وقالت بصوتٍ ينطوي على مزيج من الاستعجال: =يلا يا عيال اصحوا! دخل جلال المرحاض بينما كانت ليالي تحاول إيقاظ حمود، وتقى، حيث كانت ترجرج حمود تارة بيدها، وترجرج تقى تارة أخرى، وواصلت منادية، محاولةً جلب انتباههما: =اصحوا يلا...اصحى يا حمود... اصحي يا تقى...اصحوا! في الطابق الأدنى، كان المعلم حنفي جالسًا على كرسي في مدخل المنزل، وكانت أم الديب في المرحاض، بينما كانت هايدي تقوم بارتداء ملابسها وتضع ماكياجها. بعد ساعة ونصف تقريبًا، وفي تمام الساعة الثانية عشر ونصف، كانوا قد انتهوا جميعًا من التجهيزات. ثم ركبوا السيارة، وفي هذه اللحظة، قال جلال بينما يدير مفتاح السيارة: _توكلنا على الله. تحدث المعلم حنفي، وكان حديثه ينطلق بتساؤل: =هتجيب ايه لأخوك، واحنا داخلين؟ رد جلال بابتسامة: _كنافة، وبسبوسة يابا...بقى ده سؤال ده احنا في رمضان حتى. نطق المعلم حنفي: =اختار حلواني حلو...انت عارف مرات أخوك مش أي حاجة بتعجبها. غاصت ليالي في الحوار، وحاولت إبراز نارها من خلال تلك الردود القاسية، فقالت بصوتٍ ينطلق بقوة: _هو ده اللي عندنا يا حمايا إن كان عاجب، وكل واحد بيجيب على قده...مش أحسن ماندخل إيدينا فاضية؟ ردت أم الديب بصوت حاد: =ايهي وانتي مالك يابت؟ احنا بنجيب اللي يناسب مقامها، وهي اسم الله عليها مقامها عالي مش زي ناس. قالت ليالي بسخُط: _انتي أدرى بنفسك يا حماتي...ماهو كل واحد عارف مقامه كويس أوي! ردت نعمة: =معلش احنا بندخل بمقامنا برضة. بعد مرور ثلاث ساعات من الانتظار المحموم، وصلت العائلة أخيرًا إلى المنزل الذي يقطن فيه أحمد، هو وأسرته الصغيرة المحبة. بدأت العائلة بتبادل العناقات والمصافحات، وسط أجواء من الفرح بعد فترة الغياب الطويلة. وفي لحظة من الود، أطلق أحمد ابتسامته البراقة، معبرًا عن مشاعر التقدير للحظة الجميلة التي جمعتهم مجددًا: _يا أهلًا، وسهلًا منورين الدنيا كلها والله. عانقت جميلة نعمة، وقالت بإعزاز: =هاي يا نعمة أخبارك ايه؟ ردت نعمة بسرور: _الحمدلله. عانقت جميلة ليالي بكل دفء، وقالت بقلب مفتوح: =هاي يا ليالي ازيك؟ بينما ردت ليالي بنبرة سوداء حاقدة، قائلة بلسان حاد وعينين تشعان بالغيرة: _كويسة. عانقت أم الديب زوجة ابنها بحنان مليء بالمشاعر الصادقة، وقالت بسعادة غامرة، تعبر عن فرحتها الكبيرة بلقاءها، وتجدد روابط العائلة: =اسم الله عليها مرات ابني الغالية زي البدر المنور. رجت زغاريد أم الديب جدران منزل أحمد، فقالت هايدي لنفسها بدهشة ممزوجة بالإعجاب: _هي بتزغرد ليه؟ عانق أحمد هايدي بكل اشتياق، وقال بحنين في كلماته: =وحشاني يا هايدي. ردت هايدي بسعادة: _وانت أكتر. تبادل الجميع المصافحات بود وترحاب، ثم جلسوا معًا ليسترخوا ويتبادلوا الأحاديث. وفي تلك اللحظة الهادئة، دخلت سيليا وأخذت أولاد عمها، وعمتها لتريهم غرفتها، وهناك كانت جميلة تحمل ابنتها الصغيرة أسيل، بينما كان المعلم حنفي يلوح عينيه بدهشة نحو التفاصيل الفنية الرائعة في منزل أحمد، متأملًا جمال الديكور، والترتيب بشغف ممزوج بالإعجاب، فقال: =المكان فخم أوي...ماتجيب شقة هنا يا جلال. رد جلال: _لا يابا أنا مقدرش على تمنها...لما ربنا يكرم بقى. قال المعلم حنفي برجاء: =ربنا يديك انت، وكل أخواتك. نهضت جميلة، وهي تبتسم بود، وقالت للجميع بلباقة: _طيب عن إذنكم. دخلت جميلة إلى المطبخ، حاملةً ابنتها الصغيرة أسيل، بينما شعرت هايدي بالخجل في تلك اللحظة إذا ما استمرت في الجلوس في مكانها، فقررت أن تعرض المساعدة على زوجة أخيها. وقفت هايدي بتصميم، وكانت كلماتها تتسلل برقة: =أنا داخلة جوا. دخلت المطبخ هي الأخرى، وفي هذه الأثناء، قالت نعمة لليالي بصوت خافت، ينم عن الإحراج: _قومي يا ليالي نساعدها بدل ماحنا قاعدين كده! ردت ليالي بغيظ: =هو احنا منعرفش نرتاح يوم؟ لازم نعمل أي حاجة، وخلاص؟ أجابت نعمة بعدالة: _ماهي لما جات عندنا قامت، وساعدت...قومي بس! دخل الاثنان إلى المطبخ، وعرضوا المساعدة على جميلة بكل إخلاص. في تلك اللحظة، قالت ليالي بصوت متردد، وهي مضطرة لذلك: =مش عايزة أي مساعدة يا جميلة؟ ردت جميلة: _لا ميرسي...الأكل هيجي جاهز من برا. نطقت ليالي بصدمة: =جاهز؟ هو انتي مبتعرفيش تعملي حاجة خالص؟ نظرت نعمة لليالي بنظرة جلفة، وتحدثت بدلًا منها، بينما تحدثت بابتسامة خجولة: _كتر ألف خيركم يا جميلة يا حبيبتي... ده احنا كلفناكم كده. ردت جميلة بابتسامة: =لا ولا أي حاجة احنا أهل يعني مفيش فرق بينا. تحدثت ليالي بابتسامة ماكرة: _يعني مش عاوزة مساعدة خالص؟ أجابت جميلة باستغناء: =لا أقعدوا أنتوا ارتاحوا. اقتربت ليالي من نعمة، وهمست في أذنها برفق: _أهو مش عايزة مساعدة أمال قومتينا ليه؟ تلفظت نعمة بصوت واهن: =اسكتي يا ليالي أهو الأسم عزمنا عليها! أطلقت أم الديب الزغاريد من فرحتها بتواجدها في منزل أحمد. حيث جميلة في عيون أم الديب، تظل شخصًا غير عادي، فهي ليست مجرد زوجة لابنها، بل هي كالنجمة الساطعة في السماء، لا يستطيع أحد الوصول إليها، ولو حاول الآخرون مرارًا وتكرارًا. كيف يمكن لامرأة بهذا المستوى العالي من الجمال، والتعليم، والثقافة، والمستوى المادي الرفيع أن تتساوى بأي امرأة أخرى في العالم؟. تعجب المعلم حنفي من زغاريد أم الديب، فترددت كلماته بالتعجب: _جرا ايه يا ولية حد قالك إننا في فرح؟ تحدث جلال بسخط، وهو يضع يديه فوق أذنيه بانزعاج: =براحه ياما أنا وداني اتخرمت...انتي بتزغردي على ايه؟ أجابت أم الديب بابتهاج: _بقى ده سؤال؟ آني فرحانة ببيت ابني. خرجت ليالي، ونعمة على حديثهم، فرفعت ليالي حاجبيها اعتراضًا على مدحها لأحمد، وزوجته، وقالت بكلمات تنبع من عمق الغيرة: =ربنا يباركلهم يا حماتي، ويديهم كمان وكمان. تحدثت أم الديب بسعادة، وهي تتفاخر بابنها: _ده الوحيد اللي فلح في أخواته...طب تعرف يا ولا آني حاسة إن محدش من عيالي اتجوز غيرك...ده آني مفرحتش غير يوم جوازك من جميلة. رد أحمد بسرور: =ربنا يخليكي لينا يا ماما، ويباركلك في عمرك. اشتعلت نار ليالي في التو والحال، وهي تقول بحرارة: _ليه ان شاء الله يا حماتي...أمال جلال راح فين؟ هزت أم الديب فمها باستهزاء، ونظرت نظرات مليئة بالكراهية نحو ليالي، وقالت بكلمات تنم عن امتعاضها: =جلال؟ حوسة على جلال وسنينه. رد جلال بصخب: _جرا ايه ياما؟ ماتلمي الدور مش على الملأ كده! قالت أم الديب بسخط: =كان يوم أسود، ومهبب بستين قطران. نهض جلال، وتفوه بعجيج حار: _هو ايه ياما؟ ضحك المعلم حنفي، وهو يستشعر بدء المشكلة، وقال بدهاء: =هيكون ايه يعني ياض؟ أكيد يوم ما اتجوزتها. وقف أحمد، وأجلس جلال مكانه بالإكراه، ثم قال بثبات: _لا بقولكم ايه اهدوا، خدوا بريك شوية من المشاكل! رد جلال بنظرات متأججة: =أنا هسكت عشانك انت. جلس أحمد بصفاء في قلبه حين دخلت زوجته وسلمته أسيل، واحتضنها بدفء، فتوقفت كل المشاكل التي نشأت بين العائلة، وعند اقتراب وقت الإفطار، دخلت ليالي، ونعمة، وهايدي المطبخ للمساعدة في وضع الأطباق على المائدة، بينما كان الأطفال يلهون في الغرفة ويتشاجرون على لعبة سيليا المفضلة، فأعرب حموده عن عدم إعجابه: _اللعبة دي مش عاجباني. كسر حمود لعبة سيليا المفضلة، فانكسر قلبها معها من الحزن، فصاحت بكلمات تعبيرية: =عروستي! اكتفت سيليا بإطلاق نظراتها نحو تلك الأجزاء المهشمة أمامها. في كل نظرة على كل جزء مكسور كان يلاحقها دمعة منهمرة حتى تحدثت بنبرة باكية: =انت كسرت عروستي، صلحها... أنا بحبها أوي! ونادت والدتها بأعلى صوت: =يا مامي! لم تلتفت جميلة لنداء ابنتها لكن من التفت للأمر كانت أم الديب، وهايدي، وهم يلاحقون خطواتهم مندفعين للأمام اتجاه غرفة سيليا، فقالت أم الديب بتعجب: _ايه اللي جرا يا عيال؟ تشبثت سيليا في جلباب أم الديب، وهي تنتحب قائلة: =يا نانا...حمود كسرلي عروستي! رد حمود بلا مبالاة: _وايه يعني؟ مش عاجباني! تشبثت أم الديب في رأس حمود، وهي توطئه بيدها فوق رأسه بقسوة، قائلة بصخب: =تعالى يا كلب يابن الكلب آني هربيك، وهعلمك الأدب مانت أمك معرفتش تربيك. فرت تقى هاربة في المطبخ، وصدحت بصوتها تنادي والدتها بصراخ ملتهب، كأن صوتها يتراقص على أوتار الخوف المترعة: _يا ماما...يا ماما...ستي بتضرب أخويا. تركت النساء ما في أيديهن، وتوجهن إلى غرفة سيليا ليشاهدن ما حدث. كان المشهد عرضًا مبهمًا، حينما كانت أم الديب تستعمل يديها وأرجلها وهي توطأ حمود بقوة، ناطقة بإعوال: =بدل ماتقعد في مكانك عمال تتشاقى، وتكسر، وتعمل مانت أبوك مش تعبان فيها، ولا دافع فيها ساغ! تصارعت ليالي مع أم الديب كصراع الدببة، وهي تدفعها بعيدًا عن ابنها لتحميه وتفاديه أذيتها. فصرخت في وجهها بقوة، كلماتها تنبعث منها كالبرق في ليلة مظلمة، تحمل في طياتها نبرة من الاهتياج: _أوعي ايدك يا حماتي...ايدك دي متتمدش على عيالي، ولا ليكي دعوة بيهم! تشبثت جميلة بيد ابنتها، ووجهت لها تساؤلًا بفزع: =في ايه؟ أجابت سيليا بانتحاب: _كسرلي لعبتي يا مامي. عانقت جميلة ابنتها، وقالت بلُطف: =معلش يا حبيبتي هخلي باباكي يجيبلك واحدة غيرها. صاحت أم الديب في وجه ليالي، متحدثة بصخب: _تتمد ونص لما تربي عيالك كويس مبقاش أمد ايدي عليهم...إنما انتي مدلعاهم، وسايباهم يعملوا مابدالهم! ضاق صدر جميلة من صياحهم، حتى أنها لم تتحمل نصف كلمة واحدة من حديثهم الفظ. فاندلعت بكل سخطها، تتماثل كلماتها مع ارتفاع نبرة صوتها، كأنما تعزف سيمفونية من الانزعاج المتراكم على أوتار الحنجرة: =لو سمحتوا اتفضلوا معايا في الريسيبشن. خرج الجميع، وأوصدت جميلة الغرفة خلفهم، ثم ذهبت بابنتها إلى المطبخ، بينما جلست ليالي على الأريكة، وحملت ابنها فوق ساقيها، وهي تشحنه بجرعة من حنان الأم، وكأنها تنقله إلى عالم آخر مليء بالأمان: _متزعلش يا قلب أمك. نطق حمود بانتحاب: =بكرهك يا ستي! عانقت ليالي ابنها، وقالت بهدوء: _خلاص اهدى! دخل المعلم حنفي، وجلال، وأحمد، وحامد من البلكونة، وهم مندهشون. فعبر المعلم حنفي بتعجب: =في ايه؟ نطق جلال بتساؤل: _الواد مفتوح في العياط ليه؟ أجابت ليالي بسخط: =سته ضربته يا جلال. تحدثت أم الديب بصوت شكس: _عيل قليل الرباية. رفعت ليالي حاجبها، وظهر على وجهها عبوس وتعبير جاد، قائلة بصوت ملآن بالضيق: =أنا ابني متربي كويس يا حماتي. اقترب المعلم حنفي من حفيده، وقال بحنان: _معلش ياض، تعالى لجدك! وقف حمود إزاء جده، فأحنى المعلم حنفي جسده بلُطف نحو حفيده، وابتسم وجهه بدفء، وقال له: =سيبك من ستك دي خالص...آني هراضيك، وهجيبلك عربية لعبة تركب فيها انت، وأختك، وابن عمتك. بينما في المطبخ، كانت جميلة تحاول إرضاء ابنتها، وهي تعانقها بعشق، وتهمس في أذنها الصغيرة بصوتها الناعم، قائلة بكل حنانها: _خلاص يا سيليا حقك عليا أنا...هجيبلك واحدة أحسن منها بكتير بس متزعليش نفسك! تحدثت هايدي بابتسامة: =معلش يا لولي حقك علينا احنا! نطقت نعمة: _العيال بيتشاكلوا، وفي ساعتها بيتصالحوا مش عايزين ناخد على عمايلهم دول عيال صغيرة مش فاهمين حاجة! تحدثت هايدي بابتسامة: =معلش يا جميلة أنا عارفة إنك مدايقة... هو بصراحة حمود شقي أوي حتى مغلب ليالي معاه. ردت جميلة بجسارة: _أوكي يا هايدي. خطى أحمد إلى المطبخ بخطوات هادئة، وعندما رأى ابنته، انفتحت أذرعه ليعانقها بلطف، وفي لحظة من الهدوء، قال بصوتٍ هادئٍ: =مالك يا سيليا بتعيطي ليه؟ أجابت سيليا بانتحاب: _كسرلي عروستي يا بابي! عانقها أحمد، وقال بحنو: =طيب ايه رأيك تيجي معايا، وأنا بجيب الأكل، وبالمرة نعدي نجيبلك عروسة زيها؟ مسحت سيليا دموعها الدافئة بيديها الصغيرتين، وأخذت تنظر إلى والدها بعينين مليئتين بالحب، ثم قالت: _ماشي يا بابي. حمل أحمد ابنته، وقال: =أنا هاخد سيليا، وهنروح نجيب الأكل. ردت جميلة: _أوكي خد بالك منها! خرج أحمد من المنزل مع ابنته، واتجهوا نحو المطعم لاستلام الطعام وشراء عروسة جديدة لسيليا، وفي طريقهم، بدت هايدي تعبر عن تفاؤلها باللحظات القادمة، وقالت: =خلاص بقى يا جميلة روقي شوية! في الصالة الواسعة بالهواء الطلق، صاح جلال في أم الديب بصوت يملأ الفضاء، كأنه ينادي بكلماته على أرض الواقع بين الناس، وهم منتبهون لسماعه، فجاء صوته كالصخب الذي يمزج بين الأصوات المتفاعلة: _على الله تمدي ايدك على عيل من عيالي تاني! ردت أم الديب بصياح: =اسيبهم يعملوا الغلط، واسكت، ولا ايه يا ولا؟ نطق جلال بصخب: _أنا قولت كلمة، ومش هتنيها ياما! تحدث حامد بأسلوبٍ ينبعث منه الحكمة، وهو يبذل جهده في تلطيف المشكلة المعقدة التي تواجههم، كأنه ينسج خيوط الأمل، محاولًا استعادة الهدوء للوضع الحالي: =معلش يا جماعة دول عيال صغيرة...هو حد ياخد على حركات العيال؟ ده شوية وهيبقوا زي السمنة على العسل. جلست نعمة بجانب زوجها، وابتسمت ببراءة تعكس سعادتها الدائمة، كأنها ترسم لوحة من الألوان الزاهية في الجو، ثم قالت: _قولهم ياخويا، وبعدين عدوها على خير متخلوش الناس تدايق مننا. نطقت أم الديب بصوت حاد: =ناس مين يا بت؟ ابني ومراته بقوا ناس؟ ايهي لو ابني ميستحملنيش أمال مين هيستحملني؟ ردت نعمة بجزالة: _ياما ده ابنك منك وعليكي، وكل حاجة لكن مراته مش بتك، ومش هتستحملكم! نظرت ليالي بعبوسية لزوجها، وكأنما ترسم الغيوم المظلمة في سماء اللحظة، وهي تتلعثم في كلماتها بعض الشيء، وفي لحظة من الانقسام، قالت: =أنا دمي اتعكر يا جلال! رد جلال بلا مبالاة: _خلاص يا ليالي اللي حصل حصل عدوا اليوم بقى. ذهب أحمد وابنته إلى المطعم لاستلام الطلبات، وكان عليه دفع مبلغٍ ضخمٍ بالنسبة لمستواه المادي، فأخرج أربعة آلاف جنيه من محفظته بحذر. ثم توجها إلى محل ألعاب الأطفال، حيث تجولا بداخله وهو يحمل ابنته الصغيرة على ذراعيه، ونظر حوله بعين مشرقة تبحث عن لعبة تناسب ذوقها. بعد لحظاتٍ من البحث الملهم، وجدوا أخيرًا اللعبة المثالية التي كانوا يبحثون عنها. فابتهج أحمد، وقال ببهجة تغمره: =ايه رأيك يا لولي؟ ردت سيليا بفرحة: _جميلة أوي دي أحسن من العروسة القديمة يا بابي! نطق أحمد بسعادة: =خلاص هناخد دي ليكي. على الرغم من صغر سن سيليا، إلا أنها تظهر وعيًا، وعقلًا متفتحين، مما يعكس جودة التربية الإيجابية التي يمنحها أحمد لابنته، وفي لحظة تعبر فيها عن تلك الحكمة البالغة، قالت: _بابي ممكن تجيب لتقى عروسة هي كمان علشان متزعلش! قبل أحمد جنة ابنته بحنان، وفي لحظة من الانسجام العميق بينهما، قال: =أنا هعمل كده من غير ماتقولي بس براڨو عليكي إنك عايزة تفرحيها! ردت سيليا بنبرة رقيقة: _أنا بحبها، هي طيبة لكن أخوها لا. نطق أحمد بحصافة: =هو أكيد مش قصده...بس احنا ملناش دعوة بيه. تفوهت سيليا: _أوكي. عاد أحمد وابنته إلى المنزل عندما دقت الساعة الخامسة قبل المغرب، وبينما كانا يخطوان داخل الشقة، أبدى المعلم حنفي فرحته الكبيرة بوجودهما، حيث انعكست سعادته على محياه، فقال بصبابة: =حمدالله على السلامة... تعالي يا حبيبة جدك! اقترب المعلم حنفي من سيليا بعطفٍ بالغ، وحملها برفق على ذراعه الأشيب، فابتسمت له ببراءة، ثم أمسكت دميتها المحببة إلى قلبها، وأرتها لجدها الذي كان يراقبها بعينين مليئتين بالحب، وقالت بصوت طفولي، مغمور بالفرحة: _جدو جدو...شوف بابي جابلي ايه؟ رد المعلم حنفي بانبهار: =يا سلام دي لعبة عال العال. نزلت سيليا برشاقة من على ذراع جدها العجوز، الذي كانت عيناه تلمعان برثاء، وحب لا حدود لهما، وقالت بصوتها الناعم الذي يحمل في طياته مزيجًا من البراءة، وكأنها تهمس بأسرارٍ لا يفشيها إلا قلب طفل صغير لا يعرف إلا الصدق: _تقى تعالي معايا! دخلت الفتيات غرفة سيليا بخطوات متحمسة، تتحدثن وتضحكن بأصوات مرحة، بينما كانت أم الديب تقف في الصالة، تراقب بعينيها الفضوليتين أكياس الطعام المكدسة على الطاولة، والتي تنبعث منها روائح شهية، ثم قالت بتعجب لا يخلو من التساؤل، وعيناها تتسعان بالدهشة: =ايه يا ولا كل الأكياس دي؟ ضحك أحمد، وقال بتفانٍ: _ده الفطار يا ماما...ده احنا ماشاء الله عددنا كبير. ردت أم الديب بسعادة: =انشالله تتستر ياخويا، ويكرمك. دخل أحمد المطبخ بخطوات واثقة، يحمل في يديه أكياس المشتريات المليئة بالأطعمة، وأعطاها لزوجته التي استقبلته بابتسامة دافئة، وواضحة في عينيها، ثم خرج من المطبخ متوجهًا إلى غرفة المعيشة، حيث جلس على الأريكة ليأخذ قسطًا من الراحة، فارتفع صوت نعمة بسعادة غامرة، تقول وهي تملأها الحيوية: _كل سنة، وانت طيب ياخويا، والسنين الجاية نفضل متجمعين زي ماحنا. رد أحمد بوداد: =وانتي طيبة يا نعمة، وبخير. دخلت أم الديب المطبخ بخطوات مسرعة، تجتاحها رغبة قوية لاكتشاف ما تحويه المشتريات، وبدأت تبحث بفضول عارم بين الأكياس، تلتقط كل غرض بعناية وتفحصه بعين خبيرة، ثم قالت بتلقائية وعفوية، يملؤها الحماس: _ده ريحة الأكل مفحفحة بشكل يا عيال! تعجبت جميلة لسماعها كلام أم الديب البغيض الذي اخترق أذنيها كخنجر مسموم، فتجمدت في مكانها للحظة، ثم قالت باشمئزاز، وملامح وجهها تعبر عن صدمة عميقة، ونفور شديد: =مفحفحة؟ يتبع.....
الكاتبة رانيا عمارة