في مكان شاسع وفاخر يفيض بالجمال والروعة، حيث تألقت الزينة بألوانها الزاهية والأنوار المتلألئة، جرى افتتاح القناة الجديدة، وهو الحدث الذي جلب معه الفرح والتوقعات الكبيرة. تجمع أفراد العائلة بأكملهم في هذا الحدث البهيج، حيث كانت وجوههم تشرق بالفخر. اقتربت سامية من والدها، مستعرضة ابتسامتها الواسعة التي تصف فرحها العميق، وعانقته بحنان يشع من قلبها. ثم نطقت، وقد تخلل كلماتها سرور لا يوصف: _ألف مبروك يا حبيبي. نطق باسم بفرحة عارمة، وقد تجسدت سعادته في كل حرف من كلماته، حيث أضاف إلى الكلمات نغمة من الحماس: =الله يبارك فيكي يا سامية. تحدثت أم قمر الدين بسعادة غامرة، فاتسمت نبرات صوتها بالافتخار ، مما أضفى عليها لمسة من السرور. قالت، وهي تلوح بيدها برفق كما لو كانت تداعب لحظات الفرح: _بجد أخبار تفرح خصوصًا إن بكرا العيد... كل سنة وأنتوا طيبين يا ولاد! رد الجميع بابتسامة مشرقة، تُعبر عن عمق سرورهم للحظة المميزة. كانت الابتسامات تتبادل بين الحضور كأنها رسالة صامتة من الفرح، تعكس السعادة التي ملأت القلوب: =وحضرتك طيبة. باستخدام المقص بمهارة، قام باسم بفتح الشريط الأحمر، وسط هتافات حماسية وتصفيق حار من الحضور الذين كانوا يعبرون عن دعمهم للحدث، وفيما اجتمع الجميع على الكراسي المرتبة بشكل أنيق، وقف باسم بثقة، وألقى كلمته بحضور قوي، وشخصية جذابة، قائلًا: _الحقيقه أنا سعيد جدًا بوجودكم حواليا النهاردة ودي قولتها وهفضل أقولها كل ما نتجمع، لأن وجودكم جنبي دي الحاجة الوحيدة اللي بتفرحني، والنهاردة الفرحة تلاتة مش اتنين، فرحة افتتاح القناة، فرحة وجودكم جنبي، فرحة العيد، كل عام وأنتم بألف خير أتمنالكم دايمًا أفضل حال، وأحب أرحب بمدير القناة اللي هيكون ماسك كل حاجة بعد مني وهو اللي هيتابع كل حاجة أول بأول، هو حد مش غريب إطلاقًا، بالعكس هو حد قريب جدًا. ثم ارتفعت نبرة صوته بحماس متقد، تعبيرًا عن الامتنان الذي يشعر به. وهو يواصل حديثه، أضاف: _زوج بنتي جميلة...اتفضل يا أستاذ أحمد! بينما كان الجميع متأثرين بالمشهد، دخل أحمد ببساطة، كمن يتنقل بين ألوان الربيع في هدوءٍ مهيب. صافح باسم بحرارة، ثم توجه إلى الميكروفون بثقة، وبابتسامة مشرقة تتلألأ على وجهه، أعلن أحمد قائلًا: =شكرًا ليكم جدًا...أنا اللي مبسوط بجد إن أنا مع أستاذ باسم، أنا بعتبره في مقام والدي حتى بقيت أستشيره في كل حاجة وليا الشرف إن أنا بستفيد من خبرات حد في المقام الكبير ده وهو فعلًا مثلي الأعلى اللي بتمني أكون زيه في يوم من الأيام، وإن شاء الله هنكون عيلة واحدة، وإيد واحدة في القناة محدش أبدًا هيحس بالغربة... أشكركم! استمر الجميع في التأمل، مستغرقين في الأجواء الاحتفالية واللحظة السعيدة. ثم عاد باسم ليخاطبهم من جديد، معبرًا عن سعادته العميقة، وبيد ممتدة برفق على كتف أحمد، أشار إليه ياعتزاز، وقال بفخر: _حقيقي ولد محترم، وكل يوم بيثبتلي إنه قد الأمانة، والأمانة هنا مش القناة لا خالص... الأمانة هي وجود بنتي معاه. عانق أحمد والد جميلة مرة أخرى عناق قوي، محملًا إياه بمشاعر الاحترام والتقدير. ثم جلس في مكانه وسط الحضور، حيث كانت الأضواء تلقي بريقها على وجهه المضيء. ومع ابتسامة مشرقة، واصل خطابه قائلًا: _أحب أعرفكم بمذيعة المستقبل اللي هتنورنا هنا، وهتكون معانا كل يوم بإستمرار...ألف مبروك يا جميلة. بفرحة غامرة، دخلت جميلة إلى المكان، حيث عانقت والدها بشغف، وسط هتافات الحضور المتجمعين حولهم، الذين عبروا عن تقديرهم للمناسبة، وعندما وقفت لتلقى كلمتها، شعرت بنبض الفرح يملأ قلبها، وأعربت بسعادة قائلة: =ميرسي يا بابي... إن شاء الله هكون متواجدة معاكم كل يوم هنتكلم في قضايا عامة... الفاشون، المشاكل بأنواعها، وأنا متأكدة إننا دايمًا هنوصل للقمة طول ما بابي في ضهرنا... ربنا يخليك ليا يا حبيبي. عندما انتهت جميلة من حديثها، عانقت والدها مرة أخرى بشغف، وسط التهاني والتبريكات التي انطلقت بينهم من كل حدب وصوب، مما أعطى اللحظة طابعًا من السرور. في منزل أم الديب، في تمام الساعة التاسعة مساءً، وبعد أن انتهت العائلة من وجبة الإفطار التي كانت مليئة بالمحبة، بدأت نعمة في التحضير لأول أيام العيد. جلست بتركيز، وبدأت بكتابة طلبات الكعك، والبسكويت، والبيتيفور، محاطة بروائح التوابل التي تملأ الصالة. ثم التفتت إلى حمود، وقالت بحرص: _انزل يا حمود هاتلنا تسعة كيلو دقيق، وخمسة كيلو سمنة، وأربع أكياس بيكينج باودر، وسبع أكياس فانيليا، وكرتونة بيض، وأربعة كيلو لبن، وكيسين خميرة، وريحة كحك، وكيلو سمسم، واتنين كيلو ملبن، وأه متنساش ريحة البرتقان عشان البسكوت. صرخت أم الديب من كثرة الطلبات، وقد بدا الاستياء على وجهها، قائلةً: =يا لهوتي، كل ده يا بت؟ ردت نعمة بدهشة: _ايه ياما بس؟ ماحنا هنعمل كحك، وبسكوت وبيتيفور. نطقت أم الديب بعجيج: =يخيبك يا بت، ده كتير أوي! وواصلت لحفيدها: =هات نص كيلو دقيق يا ولا، ونص لبن متزودش! خرجت نعمة عن شعورها، وارتفع صوتها بشكل غير متوقع، وكأنها تدفع بكل ما تختزنه من مشاعر مكبوتة. حيث صاحت في أم الديب بحدة، قائلةً: _جرا ايه ياما؟ ده ميعملش كيلو كحك! وقفت أم الديب في وجه نعمة، ووجهها يشتعل بالامتعاض، كأنها جدار صامد يواجه العاصفة. تبادلت معها نفس الصياح، قائلةً: =بس يا بت يا قليلة الرباية وطي صوتك مآني اللي معرفتش أربيكي انتي وأخواتك! تحول وجه نعمة إلى بركان يغلي من الضيق، وارتفعت نبرتها كالصاعقة التي تخترق السكون، وصاحت قائلةً: _سيبك منها يا حمود، وانزل هاتلنا الطلبات دي. صاح حمود بصوت مهيب، كأنما يقطع سكون الليل بصرخة حازمة، قائلًا: =أنتوا وجعتوا دماغي يا عمتي! مدت نعمة يدها إلى حمود، وهي تقدم له مفاتيح كل التحديات، حيث كانت الورقة الصغيرة المحملة بالطلبات والمال تتلألأ بين أصابعها. قالت، وهي تعبر عن رغبتها القوية: _خد بس، أنا كتبتهملك أهو علشان متنساش وأوعى تضيع الفلوس...امسكها كويس! استلم حمود الورقة، والمال من عمته، وهو يتلقى بين يديه رمز التطلعات، وألقى نظرة عميقة على ما في يديه، ثم قال بإحسان: =ماشي يا عمتي. بينما خرج حمود من المنزل لشراء الطلبات، نزلت ليالي مع ابنتها، حاملةً صواني كثيرة من أجل صنع الكعك، والبسكويت، كأنها تحمل كنوزًا من الاحتفالات. ضحكت نعمة، وقد شعرت بفيض من الفرح، وعلقت قائلةً: _أيوه بقى على الطقم الجديد يا تقى. ضحكت ليالي بغبطة، كأن ضحكتها تملأ الأجواء بنغمة من الحبور، وقالت: =قولت أفرحها يا نعمة، ده الود ودي أجيبلهم الدنيا كلها. تحدثت نعمة بابتسامة: _ربنا يخليكي ليهم يا ليالي. خرجت هايدي من البلكونة بخفة، وكأنها راقصة تستعرض مهارتها على أنغام نغمة رنين الهاتف المتردد في الأفق. بتأنٍّ وأناقة لافتين، أمسكته بيدها برشاقة وانسلت به إلى الصالة، بينما كان صوتها يتعالى في المكان، ينادي بحماس: =الموبايل بيرن يا ماما. ردت أم الديب وهي جالسة على الأريكة. كانت محاطة بقيود مرئية تكبل جسدها، فتمنعها من الحركة، وتعوقها عن النهوض: _هاتيه يا بت آني مش قادرة أتحرك. استلمت أم الديب الهاتف بحركة هادئة، ورفعت سماعته إلى أذنها، لترد بترقب. على الجانب الآخر، تعالى صوت أحمد بسعادة واضحة، حيث قال بانشراح: =ازيك يا ماما؟ أجابت أم الديب بسعادة: _ألو آني كويسة... ازيك انت يا ولا عامل ايه؟ رد أحمد بتهلل: =الحمدلله... أنا النهارده كنت في افتتاح القناة. قالت أم الديب بفضول: _قناة ايه؟ دخلت أم الديب إلى الغرفة الثانية بحذر بالغ، متجنبةً أي صوت قد يُسمع في الصالة المجاورة حيث كانت ليالي تتواجد. وعندما تأكدت من عدم وجود أي آذان للتجسس، ارتسمت ابتسامة على وجهها. في هذه الأثناء، انفجر أحمد في فرحة عارمة، قائلًا بسعادة: =عمي اشترى قناة تليفزيون وعّيني مدير القناة، ده حتى جميلة خلاص اتعينت مذيعة، وبقينا شغالين مع بعض! تفوهت أم الديب بفرحة عارمة: _يا ألف بركة، مبروك ياخويا... يعني هشوفك على التلافزيون يا ولا؟ ضحك أحمد، وقال: =لا مش بالظبط كده... بس هتشوفي جميلة. أطلقت أم الديب زغاريد ملؤها الجذل، وكان صدى أصواتها يغمر الأجواء بنغمة احتفالية. ثم قالت: _فرحتني ياخويا. في الخارج، تعجبت ليالي عندما سرت في الأفق نغمات الزغاريد العالية التي أطلقتها أم الديب، ما أثار في نفسها شكوكًا وتكهنات حول السبب وراء هذا الاحتفال. اعتقدت ببراءة أن جميلة قد تكون في طريقها لاستقبال مولود جديد. فتوجهت إلى نعمة، وسألتها بدهشة ملحوظة: =هي أمك بتزغرد ليه؟ ردت نعمة ببلاهة: _وأنا ايه عرفني؟ تحدثت هايدي بتعجب: =هو في ايه بجد؟ بعد لحظات من الانتظار المشحون بالفضول، خرجت أم الديب إلى الخارج، حيث تجمعت العائلة، لتعلن لهم بخبر هائل يسرد الكثير من التوقعات بأن تم تعيين أحمد مديرًا للقناة، وجميلة مذيعة رئيسية، وبينما كانت الأجواء تعج بالتهاني، اشتعلت نار الغيرة في قلب ليالي، التي شعرت بأن جميلة قد أصبحت تتقدم بخطوات ثابتة نحو الازدهار، في حين أنها هي نفسها بدأت تشعر بأن حياتها تأخذ مسارًا عكسيًا، وأنها تئن تحت وطأة تأثير أم الديب. وفي خضم هذه الغيرة المتصاعدة، انفجرت ليالي قائلة بحدة: _مذيعة مرة واحدة؟ وابنك سبحان الله بعد ما كان مش لاقي يتجوز بقى دلوقتي مدير قناة مرة واحدة. الواقع هو أن أم الديب تحمل في قلبها كراهية عميقة حتى لأبسط الإشارات التي قد تشير إلى أحمد، وجميلة يعتبران بالنسبة لها الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال، ومع تصاعد مشاعر الغل في داخلها، قالت باندفاع: =حصوة ملح في عينك يا ليالي. دخلت أم الديب المطبخ بخطوات مُتسارعة، ووجهها يعبر عن العبوس، بينما كانت تبحث بعصبية عن جرة الملح. كانت تبحث باندفاع، وفي لحظة من الانفعال، صاحت قائلة: _راح فين؟ ماهو كان هنا. دخلت نعمة إلى المطبخ، وقد تجلت على وجهها ملامح التعجب من المشهد المتوتر الذي كانت تشهده، وقالت باندهاش: =بتدوري على ايه ياما؟ أجابت أم الديب وهي تتفحص المطبخ بحثًا عن الجرة، يتناغم صداها مع سخط اللحظة: _مرات أخوكي عينها صفرا تندب فيها رصاصة...آني هحشرلها الملح في عينها! ردت ليالي بصياح: =ملح ايه اللي تحشريهولي في عيني يا حماتي؟ انتي اتجننتي ولا ايه؟ بدأت أم الديب بالتحدث بصوت مرتفع، وهي لا تزال تفتش في كل زاوية من أركان المطبخ، صوتها يصدح في الهواء مع كل كلمة تنطلق من شفتيها، وهي تواصل البحث عن الجرة قائلة: _هو فين يا بت؟ ضحكت نعمة، وقالت بهزل: =مش قادرة منكم...أقعدي ياما الله يهديكي! عندما عثرت أم الديب أخيرًا على جرة الملح، صرخت ليالي فجأة، وسارعت الحماة بالاقتراب منها بسرعة، وكأنها تسعى لاسترداد الموقف قبل أن يزداد تعقيدًا. في تلك اللحظة، اعتقدت أم الديب، بلهجة شديدة اليأس، أن عيون ليالي كالسمك المملح أو ما يعرف في اللهجة المصرية بالفسيخ، الأمر الذي زاد من توترها. وفي عُباب هذا الصراع، صاحت ليالي بخوف: _الحقي يا نعمة! نشبت أم الديب في رأس ليالي، في مشهد درامي يعكس شدة انفعالها، وهي تصرخ في نعمة، وهايدي بتسرع، قائلة: =امسكيها يا بت منك ليها! صخبت ليالي بصوت عالٍ، وابتعدت عن أم الديب، تحاول الهروب من قبضتها الساخطة، وكأن صوتها يحمل نداء الحرية من إمساك المواجهة، فقالت: _هتبوظلي عيني يا ناس، الحقوني! تشبثت أم الديب بها بقوة وبشكل مُلْح، رشت ملحًا في عينها. وفجأة، استفاقت ليالي من النوم وهي تعاني، وكانت مخضوضة في أثناء تكبيرات العيد. فقال جلال بدهشة: =مالك يا ليالي؟ يبدو أن إرهاق ليالي كان نتيجة؛ صنع حلويات العيد بمساعدة نعمة، وهايدي حيث تسبب لها في كابوس قوي أتلف أعصابها، وفي حالة من التعب، كانت تلاحق أنفاسها وهي متعبة، وتمرر يدها على قلبها، ثم قالت بنبرة متعبة: _كابوس كاتم على نفسي... هي الساعة كام؟ نزل جلال من على السرير، وقد بدا عليه الارتباك من الفوضى التي اجتاحت الغرفة، وقال بقلق: =الساعة خمسة وربع... يلا قومي البسي ولبسي العيال نلحق الصلاة. في الواقع، نسقت الأسرة ملابسهم، ثم خرجوا من المنزل، وهم يتوجهون جميعًا لأداء صلاة العيد في جو ديني بهيج، يخترقه صدى تكبيرات العيد، وكان أهل القرية يرتدون الإسدال والقفطان، يتجهون ببهجة لمشاركتهم في هذه اللحظة المميزة التي تجمع أفراد الأسرة. أما جلال، فاستخرج هاتفه المحمول ليوثق هذه اللحظة الجميلة بين أفراد العائلة، وعبّر عن سعادته بكلمات مفعمة بالبهجة، قائلًا: =يلا يا عيال مدوا شوية عايزين نلحق. نشبت ليالي بيد ابنتها برفق، بينما كانت تتحدث بحنان، وقالت: _حاضر ياخويا... ده امبارح كان يوم صعب يا نعمة ده احنا منمناش غير ساعتين. ردت نعمة بحبور: =معلش بس أهو فرحنا العيال بحلويات العيد. نطقت ليالي، بينما كانوا يتوجهون نحو المسجد بخطوات سريعة، وقد سكنت على وجهها ملامح التأمل، قائلة: _على رأيك. نظرًا لعدم فهم جلال لكيفية استخدام الهواتف بشكل صحيح، حيث لم يكن يفهم سوى كيفية فتح الكاميرا فقط، لامس إصبعه خيار المشاركة على اليوتيوب بطريقة غير مقصودة، ونتيجة لذلك، انتشر الفيديو عن طريق الخطأ، وبعد خمس دقائق تلقى جلال إشعارًا يفيد بأن الفيديو الذي قام برفعه قد حصد ثلثمائة مشاهدة. نظر بدهشة، وقال: =الحقوا! أجاب الجميع بترقب: _ايه؟ ردت ليالي بدهشة واضحة، بينما كانت عيناها تتسعان من الاستغراب: =طب والعمل ايه يا جلال؟ تلفظ جلال بحيرة: _مش عارف. تحدثت نعمة، وهي تسير بخطوات متعجلة، وكأنها تسعى للوصول إلى هدف محدد قبل أن يتأخروا على صلاة العيد: =مدوا بس خلونا نلحق الصلاة. تلفظت أم الديب بغبطة: _كل سنة، وأنتوا طيبين يا عيال. ردت ابنة أختها سعاد: =وانتي طيبة يا خالة أم الديب...ينعاد عليكي العيد وانتي بالصحة والسلامة. بعد وصولهم إلى المسجد، دخل الرجال والنساء كلٌ إلى مسجده الخاص، حيث قاموا بأداء صلاة العيد في أجواء ملؤها الإيمان، وسط أهل القرية الذين تجمعوا بأعداد غفيرة. أضفى الحشد الجميل رونقًا على المشهد، حيث كانت البالونات تتناثر في السماء كرموز للفرح، بينما كانت النساء يوزعن الشوكولاتة على الحضور بسخاء، وعند عودتهم من الصلاة، كان جلال وأسرته يحملون بالونات ملونة بأيديهم، بينما كان الجميع يرتدي القفطانات، والإسدالات، والعباءات التي تعكس أجواء العيد وتقاليده. أما جلال، فقد اختار الاحتفاظ بمظهره السرسجي التقليدي، الذي ميزه عن باقي الحضور، وعندما دخلوا المنزل، نظرت نعمة إلى العائلة بابتسامة ملآنة بالهدوء، وقالت: _كل سنة وأنتوا طيبين وبألف خير. ردت أم الديب بسرور: =وانتي طيبة يا نعمة... مش ناوية يا بت تخاوي ابنك؟ قالت نعمة بانفعال: _يوه ياما، احنا مش هنخلص من الحوار ده بقى؟ تفوهت أم الديب بإلحاح: =وهنفضل نعيد ونزيد فيه لحد ماتسمعي الكلام... مفيش حد غيرك في أخواتك اللي معاه حتة واد واحد. ردت نعمة بضيق: _ربنا يخليله ولاد خاله... بيلعب معاهم ومبسوط، مكنش اشتكالك! تلفظت ليالي بنبرة خبيثة، مشبعة بالسخرية، قائلة: =سيبيها براحتها يا حماتي، ومش من أولها كده طيب افتكريلنا حاجة عدلة! ردت أم الديب بجلبة: _وانتي فاكراني هسيبك انتي كمان يا بت؟ هاتي حتة واد كمان بدل مانتي معاكي واد وبت بس! قالت ليالي باعتراض، وقد تجلت على وجهها ملامح الدهشة: =هو انتي خلصتي من نعمة، ومسكتي فيا أنا؟ تلات عيال كتير عليا يا حماتي ومش هقدر عليهم! ردت أم الديب ببغضاء: _مستخسرة في ابني حتة عيل كمان؟ ضحكت نعمة، وقالت بهزل: =ياما ياما...ناقص جميلة مقولتيلهاش هي كمان! تفوهت أم الديب بشجن: _ايهي مآني هكلمها وأقولها، يا عيني عليك يابني، بدل ما مراتك تجيبلك الواد جايبالك بتين...طب كفاية واحدة إنما اتنين ليه؟ تحدثت هايدي بسخط: =أنتوا صدعتوني وكرهتوني في الجواز وسيرته. بعد أن وصلت العائلة إلى شقة أم الديب، حيث استقبلتهم أجواء المنزل التي كانت تعكس التقاليد، قال المعلم حنفي بصوت ملؤه الرجاء: _يلا يا نسوان جهزولنا الفطار. تحدث جلال بحماس، وقد ارتسمت على وجهه علامات الإشراق، قائلًا: =طلعوه فوق السطح... خلينا ناكل ونشم شوية هوا. جلست أم الديب على الأريكة بجانب زوجها، وابنها، وقد تظاهرت بالهدوء، ووجهت حديثها بتوجيه، قائلة: _اتشمللي يا بت منك ليها واعملولنا أكلة ترم عضمنا. دخلت نعمة، وليالي المطبخ لتحضير فطور أول أيام العيد. كانت كل واحدة منهن تبرز براعتها في تقشير الفسيخ، والرنجة، فكانت ليالي تتألق في إزالة القشور، وتنظيف باطن السمك، وبراعة تقطيع الليمون. أما نعمة، فكانت تتألق في شواء الرنجة، حيث تعبق رائحتها وتملأ المنزل بأكمله. ثم يقومون بتقطيع البصل الأخضر، والطماطم إلى حلقات، يضفونها إلى الأطعمة ببراعة، مما أضاف على الجو طابعًا لذيذًا، وبعد ربع ساعة، خرجت هايدي من غرفتها وانغمست في رائحة كريهة تدب في أنفها. فوضعت يدها فوق أنفها بانزعاج، وقالت بتعبير يعكس اشمئزازها: =ايه الريحة المنتنة دي؟ كان جلال مستلقي على الكنبة، يستمتع بمشاهدة المسرحية الشهيرة لأول أيام العيد بعنوان "العيال كبرت"، وبينما يشاهد، ينطق قائلًا: _دي أكلة مزاج فسيخ، ورنجة. ونادى أخته بصوت عالٍ: _زودي بصل يا نعمة. تحدثت هايدي باشمئزاز: =أنا بطني هتقلب، أنتوا ازاي بتاكلوا الأكل ده؟ ده أنتوا ريحتكم هتبقى مُقرفة كمان شوية...أروح فين أنا دلوقتي؟ رد جلال بلا مبالاة حينما حجبت هايدي رؤيته لشاشة التلفاز: _طب وسعي ياما بس كده عشان مش شايف المسرحية! في هذه اللحظة، كانت هايدي مُنزعجة للغاية بسبب تصرفات جلال وعدم اكتراثه، مما زاد من استياءها. دخلت المطبخ حيث كانت نعمة، وليالي يواصلون تجهيز الطعام، وقامت بحجب أنفها بيديها وكأنها تحاول منع تأثير الروائح التي تعكر مزاجها. عبّرت عن استيائها من تصرفات جلال بتعبير وجهها الممتعض، قائلة: =طب أنتوا هتاكلوا من الأكل ده...أنا هاكل ايه بقى؟ ردت نعمة بحدب: _خدي مفتاح شقتي واطلعي سخنيلك كوباية لبن، وخدي شوية كحك، وبسكوت وافطري. قالت هايدي برفض: =لا طبعًا ده ميعتبرش فطار، انتي عندك بطاطس فوق؟ أجابت نعمة، وهي تطهر الخص تحت المياه، وقد كانت مشغولة بحركة اليدين التي تدل على التركيز، قائلة: _أه عندي. أخذت هايدي مفتاح شقة أختها نعمة وصعدت إلى هناك لتقوم بإعداد البطاطا لنفسها، في محاولة للابتعاد عن الأجواء المُزعجة التي كانت تحيط بها. في هذا السياق، قالت أم الديب باهتمام: =أحمد وجميلة جايين النهاردة. تحدث المعلم حنفي بإرشاد: _طب روقوا الصالة يا ولية، دي مليانة عفرة من كحك امبارح. وأردف حديثه لجلال، الذي كان مستلقيًا فوق ذرات الدقيق دون أن يشعر بما حوله، بنبرة تنم عن التوجيه: _قوم يا جلال انت دايس على الدقيق! نهض جلال من مكانه على الفور، وقد بدت عليه علامات الكمد، وقال بصوت منزعج: =ايه ده ياما؟ أنا بنطلوني اتبهدل! ردت أم الديب بغلاظة: _ايهي لوم مراتك متلومنيش آني...هو آني اللي كنت بعجن هنا ولا مراتك، وأخواتك اللي كانوا بيعجنوا؟ خرجت ليالي من المطبخ بسرعة، وكأنها تتعقب شبح القلق الذي يراودها، وعلت على وجهها ملامح الفزع، والتوتر، وقالت: =خلاص يا جلال نفض هدومك مش حوار هو. نطقت أم الديب بامتعاض: _أمال، مانتي مش دافعة حق البنطلون من جيبك. ردت ليالي ببرود يشبه قسوة الصخر، وقلبها كالجليد المتجمد، فأطلقت كلماتها بموجة برود تملأ الجو بالصقيع: =مش دافعة حقه أه...لكن أنا اللي بغسل الهدوم على إيديا وبيتقطع نفسي. وأردفت لزوجها ببرود، وهي ترغب في مضايقة أم الديب: =ماتجيبلنا غسالة أوتوماتيك يا جلال! ردت أم الديب بسخرية: _هيجيبلك منين هو حيلته حاجة؟ ده انتي مقششاه أول بأول. قال جلال برصانة: =اهدي ياما! وأردف لزوجته بهدوء: =ربك يسهلها يا ليالي، وهجيبلك واحدة. اطلعت ليالي على إشعارات هاتفها المحمول، وأمسكت به بين يديها بيدين ترتجفان من الدهشة، عندما اكتشفت أن الفيديو الذي تم رفعه بالخطأ قد حقق نسب مشاهدة عالية بشكل غير متوقع. وقد عبّرت عن صدمتها بوضوح، قائلة: _يالهوي يا جلال الحق احنا نسينا موضوع الفيديو. وجهت ليالي الشاشة نحو وجه زوجها، وهي تحمل في عينيها نظرات من الاستفهام، كأنها تعتقد أن هذا المشهد سيفاجئه تمامًا كما فاجأها، وواصلت حديثها بدهشة، قائلة: _بص جايب كام مشاهدة! قرأ جلال نسب المشاهدة المرتفعة على الشاشة بتمعن، وقد تجلت على وجهه ملامح الدهشة، وكأنما يرى أمرًا غير متوقع. ثم قال بتفاجؤ: =يالهوي يا بت ده جايب ألف مشاهدة مرة واحدة! تحدث المعلم حنفي بفضول: _فيديو ايه يا جلال؟ رد جلال، وهو غارق في قراءة التعليقات التي تتوالى على الشاشة، كانت عيناه تتنقلان بين السطور بسرعة، وكأنه يبحث عن تفسير لهذا الاهتمام المفاجئ: =استني هقولك...ده في واحد بيقولي ينفع تعملولنا مقالب، وتحديات...هي هايدي راحت فين؟ قالت ليالي: _هايدي في شقة نعمة. رد جلال ببلاهة: =أنا مبفهمش في حوار النت والكلام ده حد يفهمنا. سحبت ليالي الهاتف من يد جلال بقوة، وكانت تحاول بتركيز فائق قراءة الآراء. في هذا السياق، قالت وهي تقرأ أحد التعليقات بتعبيرٍ مليء بالفضول: _أنتوا مسخرة...احنا مسخرة يا جلال؟ نطق جلال بعصبية واضحة، وقد ارتسمت على وجهه تجاعيد الغضب: =مين ابن الجزمة اللي قال كده؟ ردت ليالي بانزعاج: _مش عارفة مش مكتوبله اسم...سيبك من الكلام ده دلوقتي. دخلت ليالي إلى المطبخ لاستكمال عملية الطهي، ومع مرور نصف ساعة، أنهوا جميع التحضيرات بنجاح. ثم صعدوا إلى السطح لفرش السجادة، حيث أضفى المكان لمسة من الروحانية. في هذه الأثناء، دخلت نعمة إلى شقتها، حيث وجدت هايدي منهمكة في ترتيب بعض الأشياء، وقالت بلهجة ملؤها الحماس: =خلصتي يا هايدي ولا لسه؟ وضعت هايدي البطاطا المقلية برفق داخل الخبز، وقد بدت يديها وهي تنفذ الحركة كأنها تُحضّر وجبة مميزة بنكهة الحب. ثم قالت برضا: _أه خلصت. بينما في الأسفل على درج المنزل كانت أم الديب تقاوم ثقل جسدها، متسندة على جلال. فقالت بإرهاق، كأن نغمات الكلمات ترسم لحنًا من الشقاء: =اسندني يا جلال آني مش قادرة أطلع. رد جلال وهو يعاونها، وقد بدت عليه علامات التألم: _مانتي لو تبطلي أكل ياما مكنش كل ده حصلك. قالت أم الديب، وهي تلاحق أنفاسها بصعوبة بعد الجهد الذي بذلته، وقد برزت على وجهها ملامح التعب: =ده آني أكلتي خفيفة... هو آني باكل حاجة يا ولا؟ رد جلال بسخرية: _لا ده انتي تتحسدي من قلة أكلك... أصل أنا اللي مخلص على أكل البيت أول بأول. تفوهت أم الديب بصوت منهك: =لا وانت الصادق، مراتك ليالي هي اللي بتحش كتير شكلها مكنتش بتاكل في بيت أهلها...جايالنا جعانة من عندهم! على سطح المنزل، بعد أن صعدت العائلة وهم يحملون الطعام بأيديهم وضعوا الطعام بعناية على السجادة، حيث جلسوا بشغف لتناوله. أما أم الديب، وهي تشير إلى البصل بابتسامة، أضافت لمسة من الفكاهة: _ناوليني البصل اللي قدامك يا نعمة. وضعت نعمة البصل أمام والدتها، وقالت: =خدي ياما بألف هنا وشفا. كان جلال يسبح في ذوبان قطعة لحم السمكة المملحة، ويتلذذ بتناولها، وهو غارق في جمالها، حيث عبّر قائلًا: _الفسيخ زي الزبدة! وضعت ليالي قطعة من الرنجة أمام أطفالها، بعد أن قامت بتنظيفها بعناية، وأزالت الشوك منها بدقة، قائلة بلهجة محاطة العناية: =دوقوا الرنجة يا عيال. لكن هايدي كانت تقف بعيدًا، حرصًا على تجنب الرائحة، ورغم بُعدها، إلا أن الرائحة استمرت في التسلل إلى أنفها. فعبّرت بتعبير يعكس انزعاجها قائلة بتقزز: _الريحة دي قذرة... مش مستحملاها! أرادت أم الديب إثارة اشمئزاز هايدي أكثر من الأول، فأمسكت بقطعة من الرنجة مع البصل الأخضر، وبنبرة مستفزة، وابتسامة شريرة تنظر إليها كأنها تلعب بمشاعرها، قالت: =تاخدي حتة الرنجة على حتة البصل وتاكلي. طفى المعلم حنفي في أعماق غمرة السمك المملح، ويشعر بأنه قد أطل في عالم آخر، ممتلئ بالسعادة، وبابتسامة كبيرة تملأ شفتيه، يغلق عينيه، وينطق بكلمات تتدفق كالنسيم: _أكله تعدل المزاج. ثم فتح عينيه ببطء، وكأنما يستعيد وعيه من حالة من التأمل، وقال بابتهاج: _أبقوا جهزولنا عصير لموناتا أصل الأكلة دي تحب عصير الليمون. أشارت ليالي إلى موضع المشروب المثلج، بيدين تشيران بتفاصيل دقيقة، ووجهها مليء بالحرص، قائلة بدفء: =ماحنا عاملين في الشفشق أهو يا حمايا! رد المعلم حنفي باسترضاء: _لا أنتوا الصراحة بتفهموا... ياه على الحلاوة. قربت نعمة يدها من فم زوجها بقطعة من لحم السمكة الذائبة، فرفض بابتسامة خفيفة، وقال بلطف: =أنا مبحبش الفسيخ... هو ايه اللي هناك ده؟ ردت نعمة، وهي تأكل: _دي سلطة رنجة ليالي هي اللي عاملاها. قال حامد باشتهاء: =ناوليني الطبق! أعطت نعمة الطبق لزوجها، وقالت: _خد أهو! كان أفراد العائلة مستمتعين تمامًا، ومندمجين بشدة في لحظات تناول الطعام، حيث تعالت ضحكاتهم واحتدم الحديث بينهم، في أجواء من الانسجام. بينما كانت هايدي تقف على بُعد، تتناول ساندويتش البطاطا الخاص بها ببطء، وقد غمرها إحساس عميق بالوحدة، والفجوة التي تفرقها عن اللحظات الاجتماعية المحيطة بها، وبدون مقدمات، خرج صوت المعلم حنفي من بين حواراتهم المفعمة بالحياة، قائلًا: =وأنتوا هتقابلوا أحمد وجميلة بالريحة دي؟ ردت أم الديب، وهي تأكل ببطء وتستمتع بكل قضمة، وقد ارتسم على وجهها الهدوء، والرضا، قائلة باستمتاع مَنين بالوجبة: _لا ياخويا أبقوا اتشطفوا بس متكتروش في الماية عشان الفاتورة. قالت نعمة لزوجها بينما كانت تتناول الطعام بتأني: =جرب يا حمو الفسيخ هيعجبك أوي. تلفظ حامد برفض: _لا مليش فيه يا نعومي...سلطة الرنجة متظبطة! تحدثت ليالي بابتسامة: =بالهنا والشفا. في منزل أم قمر الدين، اجتمعت مع زوجها، وأبنائها حول الطاولة المزينّة بألوان العيد الزاهية، والتي كانت تتلألأ بحلوى العيد الفاخرة، والمشروبات الساخنة التي تعبق برائحة الثراء. كان الجو مفعمًا بالسعادة، والتجمع الأسري، وقد نُقشت ابتسامة مشرقة على وجهها، وهي تستمتع باللحظة وتحتفل بفرحة العيد. وفي لحظة من السرور العميق، قالت برقة: _كل سنة وأنتوا طيبين. رد باسم بابتسامة: =وانتي طيبة يا بسملة. نطقت منى، ونالا ببشاشة: _وحضرتك طيب. تلفظ قمر الدين، وعلاء الدين بحُب: =وانتي طيبة. تحدث باسم، وهو يتناول الكوكيز الشهية ببطء، وكأن كل قضمة هي لحظة من الاستمتاع الخالص: _متتصوريش يا بسملة قد ايه الفطار ده خفيف. ردت أم قمر الدين بابتسامة حارة، بينما كانت ترفع كوب القهوة إلى شفتيها، وتستمتع بنكهتها الغنية: =طبعًا ده بيدي باور رهيبة! تحدث قمر الدين بسكينة، وهو يحتسي النسكافية: _بصراحة أنا الأكل ده مش عاجبني... أنا نفسي أجرب أكل الناس الغلابة... عالطول أسمع عن الفول، والفلافل والبطاطس المقلية، والمخلل، والباذنجان... ماتعزمنا مرة على الأكلة دي يا بابا! ضحك باسم، وقال بانجلاء: =يابني الأكل ده تقيل جدًا على معدتك وكمان غير صحي... كله زيوت، بس أنا عارف إن الأكل بيحب التجديد وأوعدك إن أنا هعزمك على أكلة مصرية أصيلة قريب أوي! تضاحك قمر الدين، وقال بلهفة: _شكرًا يا بابا... وأنا مستنيك توفي بوعدك. قهقهت أم قمر الدين بضحكة عذبة، تنم عن الانسجام، ثم قالت بمودة: =بتموتوا في الفقر. تحدث باسم، وهو يشرب الحليب الساخن ببطء، وقد بدت عليه علامات الاستمتاع من كل رشفة دافئة، قائلًا: _إطلاقًا يا بسملة، بس مرة من نفسنا. نطقت منى بفضول: =صحيح يا مامي سامية، ونرمين، وجميلة هيجوا امتى؟ ردت أم قمر الدين بدلال: _جميلة، وسامية جايين النهاردة... يا دوب أعمل شعري. صعدت أم قمر الدين إلى الطابق العلوي لتأخذ حمامًا، وتستخدم السشوار لتصفيف شعرها، كانت تنغمس في لحظات من العناية الذاتية. أما في المقابل في منزل أم الديب بعد الانتهاء من وجبة الطعام، طرح جلال سؤالًا حول موضوع اليوتيوب على هايدي، فقال: =أما صحيح يا بت يا هايدي، احنا مش عارفين نمسح الفيديو اللي نزل بالغلط، والناس عمالة تتريق علينا، وأنا وربنا لو أطول واحد منهم لأكسره هو وعيلته كلهم! ردت هايدي باكتراث: _وريني كده. حينما أمسكت هايدي هاتف ليالي وراجعت التعليقات، صُدِمَت بشدة عندما اكتشفت العدد الهائل من التفاعلات والإعجابات، وكأنما تواجه سيلًا غير متوقع من الاهتمام. قالت بدهشة واضحة: =ده جايب ألفين مشاهدة، وميتين لايك! قال جلال، وهو يجترع الليمون المثلج، مستمتع بكل قطرة من نكهته المنعشة، وقد تجلى على وجهه مزيج من الاسترخاء: _امسحيه، وده هيفيدنا بإيه؟ أنا كنت بجرب أتصور معرفش ايه اللي نزله على البورنامج ده! نطقت هايدي حروف تعكس الترغيب: =انت متعرفش إن اليوتيوب ممكن تاخد منه فلوس كتير أوي؟ رد جلال وليالي في آنٍ واحد: _ازاي؟ أجابت هايدي، وهي تشرب المشروب المثلج بانتعاش: =كل ما تنزل فيديوهات كل ما هيجيلك فلوس أكتر وأكتر بس اختاروا حاجة حلوة تعجب الناس... يعني ممكن ليالي تنزل وصفات طبخ، وانت تعمل مقالب. رد جلال بصوت حاد: _لا أنا مراتي متظهرش في البتاع ده، وأخلي كل من هب ودب يشوفها...ليه شايفاني ***؟ فقد انزلقت كلمات غير لائقة من لسان جلال، مما أثار توترًا غير مبرر في الأجواء، بينما كانت ليالي مُصممة على إيجاد حلول فعّالة لزيادة دخلهم المادي. رغم كل التحديات، كانت عازمة على استكشاف المزيد من الفرص والإمكانات لتحقيق استقرار مالي أفضل. وبحماس متقد وإصرار لا يلين، قالت بعزيمة: =ماتصبر يا جلال ومتتسرعش ياخويا، دي بتقولك بيجيب فلوس، وبعدين هو أنا هظهر لواحدي؟ مانت كمان هتظهر معايا، ثم إن انت جلال وكل الناس بتخاف منك وبتعملك ألف حساب يعني محدش هيستجرأ يتكلم معايا ربع كلمة! تحدثت نعمة، وهي ترتشف المشروب المثلج بجمام: _ياختي أي حاجة فيها فلوس امشوا فيها، مش عايزة تغيري شقتك وتجيبي شقة تانية؟ جربوا ويا تصيب يا تخيب. قال جلال بحدة: =وأنا ايه ضمني إن أنا مش هيتضحك عليا مع إن محدش يقدر يضحك عليا؟ أجابت هايدي: _اللي ماسكين اليوتيوب دول شركة كبيرة مش شوية ناس من البلد عندنا، وبعدين ده في ناس غيرت بيوتها واشترت فلل من دخل اليوتيوب! بدأت عيون جلال تلمع بالتفكير العميق، وهو يتأمل الفكرة التي طرحتها هايدي، فتسللت إليه إشارات الأمل، مما جعله يشعر بأن هذه الفكرة قد تكون هي الحل المنشود. بعد لحظات من التأمل، قال بتفاؤل: =استعنا على الشقا بالله. سعدت ليالي بعمق عندما وافق زوجها على هذه الفكرة، حيث ارتسمت على وجهها ملامح الارتياح، وشعرت بطمأنينة تدفئ قلبها تجاه هايدي، وكأن عبئًا ثقيلًا قد زال. بابتسامة مليئة بالامتنان، قالت: _مش عارفة أشكرك ازاي يا هايدي، ده انتي نجدتينا من وقعتنا... ده يارب كلامك يطلع صح وساعتها أغير الشقة، ومحدش يبقى أحسن مني وأجيب كل اللي نفسي فيه! تحدثت نعمة بابتسامة: =أوعوا لما تتشهروا تنسوني! ضحكت ليالي، وقالت بمزاح: _يا عبيطة حد ينسى أخته! مانا معتبراكي أختي مش أخت جوزي، وبعدين لو الحوار نفع، امشي انتي كمان فيه. رد حامد باعتراض قاطع: =لا أنا مراتي متدخلش في الحوارات دي... بيتها وابنها أولالها من الناس الغريبة! قالت نعمة بحسرة عميقة، وقد تجلت على وجهها ملامح الاستياء: _ليه كده يا حمو مانجرب احنا كمان هو احنا خسرانين ايه؟ نطق حامد بممانعة: =لا يا نعمة... أنا الكلام ده مش داخل دماغي. نهض جلال، وقال بحماس: _يلا يا ليالي نجرب. وأردف لهايدي: _تعالي يا بت يا هايدي شغليلنا التلافون ده نعمل مقلب في أمك. لكن هايدي كانت تخشى رد فعل أم الديب العنيف، مما جعلها تتحدث بتردد، وقد بدت على ملامحها علامات الاضطراب، قائلة بنبرة ملؤها الحذر: =بس ماما هتعملنا مشكلة وهتفضل تصوت! رد جلال بلا مبالاة تامة، وقد برز على وجهه البرود، وكأن الأمر لا يعنيه بشكل كبير، قائلًا بجشع: _بس في الآخر هيجيلنا فلوس... يلا يا هايدي! نزل جلال، وهايدي، وليالي إلى شقة أم الديب، حيث كانت أم الديب مشغولة بمرافقة والدتها العجوز لقضاء اليوم الأول من العيد، وتفاصيل الاحتفال بهذا اليوم المبارك. قاموا بتثبيت الكاميرا في مكان خفي وغير ملحوظ، لا يمكن لأحد أن يلاحظ وجودها، بحيث تلتقط الأحداث دون أن تثير الانتباه، وبعد لحظات، نزل المعلم حنفي، الذي كان يقف بعيدًا أثناء المحادثات، ولم يكن على دراية بأي من التفاصيل التي دارت، وقد أطلّ عليهم بسؤاله: =أمك لسه مجاتش هي، وستك؟ أجاب جلال بترقب: _لا يابا. رد المعلم حنفي: =طيب. ودخل المرحاض، ثم بعد لحظات قليلة، بدأ جلال في تنفيذ المقلب بحذر، فأطلق صرخات بصوت حزين، وكأنه يؤدي دورًا دراميًا يتطلب إقناعًا كاملًا، وقد برز على وجهه الشجن، كأنما يعيش اللحظة بكل تفاصيلها، قائلًا بصراخ: _خالي ضايع مات؟ لا إله إلا الله...لا إله إلا الله... يا حول الله يارب. اشتركت ليالي في العرض المسرحي، حيث اندلعت صيحاتها بقوة، وتوجهت بضربة قوية إلى وجهها، معبرة بكلمات مشحونة بالحزن: =يا لهوي... يا لهوي! صخب جلال بقهر: _لا إله إلا الله، يا حول الله أنا مش مصدق! خرج المعلم حنفي على نواح ليالي، وقد بدت عليه الصدمة من الفوضى التي أحدثها الصوت، فقال بقلق: =في ايه ياض؟ أجاب جلال باستياء: _خالي ضايع مات يابا! رد المعلم حنفي باستغراب عميق: =مات ازاي؟ قال جلال بصياح: _مات مقتول يابا... يا عيني عليك يا خالي ده انت اللي كنت شايلني...ده أنا كنت بتعلم منك كل حاجة. دخلت أم الديب، والجدة العجوز الشقة، وهي تشعر بدفء رعايتها، وقالت لها بحنان: =خشي ياما! وواصلت لأبنائها: =سلموا على ستكم. عندما لاحظت أم الديب نواح أبنائها، عبّرت بصياح مؤثر عن قلقها، ورغبتها في مساعدتهم، فقالت: =ايهي مالكم في ايه؟ أجاب جلال بضجيج: _خالي ضايع مات ياما! صرخت أم الديب بقوة، ووجهها كالزهرة التي تنكسر تحت ثقل الأمطار، وقفزت في الهواء كطائر شارد يبحث عن وطنه المفقود، قائلة: =يا لهوي أخويا ضايع....يا خرابي! وطأت خواطر وجهها بيدها، وتلفظت بتأوه: _ابني ضايع... هاتولي ضايع... ده آني ملحقتش أفرح بيه... هاتي الصبارة وادفنيني يا بسمة... ادفنيني معاه... أه يا ضايع أه. الوحيد الذي سعد بهذا الخبر كان المعلم حنفي، الذي صبر سنوات طويلة على ضغوط وأذى كبير من شخص كان يعتقد أنه قد غاب إلى الأبد، فرغم كل المعاناة، كان المعلم حنفي يشعر بشعور من الفرح العميق، حتى وإن كان الواقع الصادم في انتظار أن ينكشف، حيث ستدركه الصدمة الحقيقية عندما يكتشف أن الشخص الذي اعتقد أنه قد فارق الحياة لا يزال على قيد الحياة. فقال بسعادة عارمة: =أهو مات وريحنا منه... أخيرًا هخلص من الجوازة اللي متدبس فيها بقالي تلاتين سنة؟ صرخت خواطر قائلة بألم: _يا ضايع يابني...يابني يا ضايع! تلفظت أم الديب بصراخ، وقد تجلى على وجهها الفزع: =روحت وسيبتنا يا ضايع ياخويا! تحدث جلال بترح ساحق: _اجهزي ياما عشان النسوان اللي جاية تعزي! سقطت أم الديب فوق والدتها وهي تصفع ذاتها، وكانت هايدي مفتونة بالضحك، حتى أصبحت عاجزة عن السيطرة على نفسها عندما دخلت الغرفة. انبعث صوت خواطر بإعوال، يحمل معه ألمًا من ثقل أم الديب: =ضهري يا بسمة... أخوكي ضايع مات... مات في عز شبابه... ضهري يا بت الكلب! صرخت أم الديب، وقد اختلط في صوتها نبرة الصدمة، وهي تقول: _يا حبيبي يا ضايع... يا كبد أختك. تفوه جلال بتمثيل: =هتوحشني يا خالي. تحدثت ليالي بحزن عميق، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الخيبة، وصوتها يعنت الحنين: _البقاء لله... يلا ميعزش على اللي خلقه. خرجت هايدي من الغرفة وانهارت على الأرض من شدة الضحك بسبب رد فعلهم. وسرعان ما أمسكت أم الديب هايدي وقامت بوطأها، وصرخت فيها، قائلة: =شمتانه في خالك يا بت الخسع؟ ضحك جلال، وأشار ناحية الكاميرا التي كانت تخفي التفاصيل وراءها، قائلًا بمرح: _بصي للكاميرا ياما! نظرت أم الديب حولها بتعجب واضح، وكأنها تحاول فهم ما يجري حولها، وقالت باستفهام: =كاميرا ايه؟ نهضت أم الديب ووالدتها، وقد انقشعت على وجهيهما ملامح الاستفهام، بينما كان جلال يراقب الموقف بضحك عالٍ، فقال بلهجة مفعمة بالتسلية: _أنا عامل فيكي مقلب ياما... يلا بالهنا والشفا على قلبكم. الوحيد الذي انبهر بخبر تمثيلية جلال هو المعلم حنفي، فأراد أن تكون الأمور حقيقية، فعبّر عن ذلك بانزعاج قائلًا: =كده تفرحني وبعدين تقفلني؟ ضحك جلال، وقال بمرح: _اضحكوا للكاميرا! طارت أم الديب نحو جلال، وقد امتلأ وجهها بالانتقام، وأمسكت برقبته بقوة، وكأنما تسعى لتأكيد هيمنتها، ثم وطأته بشدة، ملمحة إلى أنها ليست في مزاج يسمح بالتساهل. ثم نطقت بحنق: =بتضحك عليا يا واطي يابن الواطي؟ يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة