الفصل الحادي والثلاثون

الفصل الحادي والثلاثون

12 0

أبدت أم قمر الدين دهشتها البالغة وهي تفتح عينيها على اتساعهما وكأنها لم تصدق ما سمعت، متسائلة بنبرة تملؤها الحيرة: _سوري مش فاهمة، هي ايه علاقتها بمامت ليالي أصلًا؟ ردت أم الديب بصوت هادئ يخفي وراءه حكمة السنين: =مآني هفهمك بس ركزي معايا وصحصحي! أعربت أم قمر الدين بكلمات رقيقة نابعة من قلبها، وقد حرصت على أن يكون صوتها مغمورًا بالحنان: _أوكي فهميني. استرسلت أم الديب في شرح العلاقة التي تربط بين أم أشرف، وتباهي، متوخية الدقة في كل كلمة نطقتها، محاولة أن تنقل لأم قمر الدين الصورة بكل تفاصيلها المعقدة، فقالت بهدوء: =أم أشرف اللي هي حماة نعمة بتي، ابنها الكبير أشرف اللي هو أخو الواد حامد جوز نعمة، متجوز بتها هبة اللي هي أخت ليالي العقربة! في تلك اللحظة، كانت أم قمر الدين غارقة في بحر من الحيرة، حيث تشابكت الأفكار في ذهنها كخيوط متداخلة يصعب فصلها، مما جعلها تشعر وكأنها تائهة في متاهة من عدم الفهم، ومع هذا الاضطراب الذي هيمن على عقلها، نطقت أم قمر الدين بنبرة استغراب: _مش فاهمة، مين جوز مين؟ بدت أم الديب وكأنها تروي حكاية طويلة مليئة بالتفاصيل التي قد تكون ضاعت في سردها الأول، لكنها أدركت أن أم قمر الدين لم تستوعب ما قيل، فتوقفت، ثم بدأت بإعادة الشرح مجددًا: =أم ليالي عندها بتين، الكبيرة ليالي اللي تتشك في جنابها مرات ابني جلال، والصغيرة هبة اللي هي مرات أخو حامد جوز بتي، سلفة نعمة يعني. لكن أم قمر الدين، ورغم محاولاتها الجادة لفهم ما تقوله أم الديب، شعرت وكأن رأسها قد أصيب بتشويش شديد، حتى أن الكلمات بدأت تتلاشى من ذاكرتها قبل أن تتمكن من إدراك معناها، ومع ذلك، تظاهرت بأنها استوعبت كل ما قيل، فتململت قليلًا في مكانها، ونطقت بكلمات يغلفها الحيرة: _أه أوكي، ألف مبروك، ربنا يتمم على خير. تلفظت أم الديب بسعادة: =الله يباركلك يا ست بسملة ويسترك، مستنياكي يوم السبت متتأخريش! ردت أم قمر الدين بابتسامة هادئة: _أوكي إن شاء الله، باي. ودعت أم الديب أم قمر الدين في نهاية المكالمة الهاتفية بكلمات مفعمة بالود، وقد حرصت على أن يظهر حنانها في نبرة صوتها، حيث قالت بإخلاص، وكأنها تحاول أن ترسل عبر الأثير دفء مشاعرها: =سلام، سلامو عليكو، سلام. أنهت أم الديب حديثها مع أم قمر الدين، ثم أخذت بيدها الهاتف لتتصل بأختها سعاد، عازمة على إبلاغها بأخبار هامة، ومع كل كلمة كانت تنطقها، كانت تعبر عن اهتمامها، فقالت بسلاسة، ناقلة تفاصيل الموعد: _ألو ياختي، عاملة ايه؟ بينما كانوا في منزل نعمة، ومع وجود هايدي، وزياد هناك، تحقق أخيرًا الهدف المنتظر بالعثور على الفستان المثالي. ارتدت هايدي الفستان، وكان من الواضح أن الاختيار كان موفقًا للغاية، إذ كان الفستان يبدو رائعًا بشكل يلفت الأنظار، وعندما رأى زياد هايدي ترتدي الفستان، لم يتمكن من إخفاء إعجابه، فتلفظ بكلمات حارة تعبر عن تقديره لجمال فستانها: =تحفة عليكي يا هايدي، هياكل منك حتة! سألت هايدي أختها بلهفة، وقد أشرق وجهها بابتسامة مشرقة تبين مدى ترقبها لرد فعلها، حيث كانت مشاعرها مزيجًا من الحماس: _ايه رأيك يا نعمة؟ أجابت نعمة بسرور، وقد شعرت بحبور كبير وهي ترى أختها الأصغر تتألق كعروس، متألقة بجمالها بعد سنوات من الرفض، والمقاومة لفكرة الزواج. كان ابتسامتها تنبض بالفخر: =ده مفيش كلام يوصف حلاوته، مبروك عليكي يا هايدي. اطمأنت هايدي بعد أن تأكدت من موافقة خطيبها، وأختها، فشعرت بسكينة تغمر قلبها، ومع هذا الاطمئنان الذي أزال عنها أي بقايا من التوتر، نطقت بكلمات هادئة: _الله يبارك فيكي، طب أنا هدخل أغيره بقى. تلفظت نعمة بكلمات مفعمة بالبهجة، تجسد السعادة التي ملأت قلبها: =ماشي يا هايدي، ربنا يسعدك يا حبيبة أختك. دخلت هايدي لتغيير الفستان المذهل الذي ارتدته، ثم عادت إليهم وهي ترتدي ملابسها، لتجد الجميع متجمعين في حالة من الفرح. بعدما استقروا على الحل الأفضل، توجهوا إلى البائعة لإتمام عملية الشراء، وحين جاء وقت الدفع، استخرج زياد المال من جيب بنطاله، وهو في حالة من الترقب، فعبّر بنبرة مليئة بالجدية: _الحساب كام؟ أجابت البائعة: =أربع آلاف يا فندم. استخرج زياد المال من جيب بنطاله وسدد المبلغ للبائعة، ثم خرجوا جميعًا إلى الشارع حيث كانت أصوات السيارات تصدح في الخلفية، ملئًا المكان بالحركة والضجيج. بينما كانت هايدي تحمل الفستان بين ذراعيها بحذر، وتلتف حوله بابتسامة رضا، نطقت بكلمات سعيدة: _أنا حاسة أنه غالي أوي. قال زياد برومانسية: =مفيش حاجة تغلى عليكي يا هايدي، انتي لو طلبتي نجمة من السما هجيبهالك لحد عندك! ابتسمت هايدي بخجل، حيث ارتسمت على وجهها تعبيرات مختلطة من السعادة، والخجل، وأدارت رأسها للأسفل بحياء. ثم نطقت بكلمات رقيقة، تحمل في طياتها فرحتها، وهي تتحدث بصوت خافت: _شكرًا بجد يا زياد، ربنا يخليك ليا. رد زياد بصوت يعبق بالغرام، حيث كانت كلماته مفعمة بالحب، وتحتوي على لمسة من الشاعرية، تعكس مشاعره تجاه هايدي: =حبيبتي يا هايدي. تنحنحت نعمة بصوتها لتلفت انتباههم، وكأنها تذكّرهم بوجودها بينهم، بعدما لاحظت أن الحديث كان موجهًا بشكل خاص بين هايدي وزياد. بعبارة تنبثق منها لفتة انتباه خفيفة لكنها واضحة، قالت بتنبيه مدروس: _هتقضوها غراميات كتير ولا ايه؟ ايه الجاي؟ تلفظت هايدي بخجل، وقد بان على وجهها مشاعر من الحياء: =هنروح نجيب الطرحة والشوز، والبدلة. سألت نعمة بفضول، وهي تتطلع إلى هايدي محاولة فهم المقصد وراء كلماتها، فسألت ببراءة تعكس جهلها بالنية الحقيقية التي تحملها هايدي: _شوز؟ يعني ايه؟ أجابت هايدي، وهي تعبر عن أفكارها بشفافية تامة، وكأنها تسعى إلى إزالة أي لبس أو غموض قد يكون قد نشأ. كانت نبرتها حازمة: =يعني الجزمة! تغيرت معالم وجه نعمة إلى تعبيرات سلبية، حيث تجلت السخرية في ملامحها، بينما أطلقت ضحكة خفيفة تنم عن استهزاء خفي تجاه أختها التي اختارت استخدام كلمات إنجليزية في حديثها، كأنها تقتبس أسلوب الأثرياء، وأبناء الطبقة الراقية، وبنبرة حادة، والتي تحمل في طياتها نوعًا من الاستياء، ذكرت نعمة أختها بوضوح أنهم نشأوا في بيئة ريفية حيث لا يُتوقع أن يتحدثوا بتلك الطريقة التي قد تبدو غير مناسبة لمستوى حياتهم البسيط، قائلة: _يا بت بطلي وعيشي عيشة أهلك، ده انتي لو أمك تسمعك بس. خرجت هايدي عن شعورها وكأنها أصيبت بالدهشة عند إدراكها أن المتحدثة لم تكن نعمة كما ظنت، بل كانت أم الديب التي تتحدث بنفس الأسلوب، مما زاد من إحساسها بالإرتباك: =وهو فيها ايه لما الواحد يعدل من نفسه؟ أيد زياد قول هايدي، مشيرًا إلى موافقته التامة على ما قالت، حيث كان صوته مليئًا بالثقة. أضاف إلى تأكيده كلمات تحمل في طياتها دعمًا قويًا لوجهة نظر هايدي، وقال: _عادي يا نعمة هو احنا لازم نتكلم زيكم يعني علشان نبقى حلوين؟ تلفظت نعمة بضيق: =عيشوا عيشة أهاليكم، ده احنا في الأول والآخر من الفلاحين، مش من الناس إياهم بتوع بابي ومامي! أشارت هايدي بيدها نحو الطريق الذي يمتد أمامهم، وعكست إيماءتها حجم الاستياء الذي يكنه قلبها. وبنبرة مفعمة بالكمد، التي تعكس الألم العاطفي الذي كانت تعاني منه، قالت لنعمة بخيبة: _طب اتفضلي قدامي! وأزاحت نعمة أمامها بعنف، وكأنها كانت تحاول إخراج طاقتها السلبية من خلال هذه الحركة القوية، مما أعطى انطباعًا عن مدى غضبها الداخلي. ثم بلهجة حادة، قالت نعمة: =الله ما براحة، هو أنا قولت ايه غلط طيب؟ حمل زياد الفستان بدلًا من هايدي، وأخذوا يمرون بين الشوارع المزدحمة، حيث كان الضجيج يحيط بهم من كل جانب، بينما كان زياد يوجههم نحو التاكسي الذي أشار إليه بيده، وعندما استقلوا السيارة، اتجهوا بها إلى متجر متخصص في بيع الأحجبة، والأحذية، وبعد مرور خمس دقائق في طريقهم، توقفت السيارة في وجه المتجر، حيث نزلوا منها وسددوا الحساب. ثم دخلوا المتجر، وداخل أجوائه المشحونة بالحركة، والألوان، نطقت نعمة بفظاظة: _خشي ياختي! كانت أم قمر الدين جالسة في حديقة القصر الواسعة، حيث نسيم الهواء العليل يلطف الأجواء، وهي تتناول فنجان القهوة بيدها، عابثة بلمسات من التفاؤل، وكأنها خالية من هموم الدنيا وأعبائها. إلى جانبها، كانت ابنتها نرمين تجلس براحة، تتناول عصير البرتقال المنعش، حيث تجسد هذه اللحظة تجاذبًا هادئًا بين الأم وابنتها، مع حوار يتناول أمورًا هامة، ومع مرور السنوات، ظل سؤال واحد يراود ذهن نرمين، لا تجد له جوابًا مقنعًا، وتوجّهت إلي أم قمر الدين بذهول واضح، قائلة بمرارة: =بصراحة أنا مستغرباهم جدًا، ازاي جميلة تتجوز من الناس دي؟ أنا خايفة عليها فيما بعد تتحول وتبقى شبههم! لم تجد أم قمر الدين أي جدوى من هذا الحديث سوى أنه يعزز تفكك البيوت وانهيارها، خاصةً في ظل ما شهدته من تحول في حياة ابنتها الخاصة، حيث أنجبت جميلة من أحمد اثنين من الفتيات الرائعات، مما أضاف إلى الوضع تعقيدًا إضافيًا. فقد كانت ترى أن المشكلات العائلية قد تساهم فقط في زعزعة الاستقرار العائلي، بدلًا من أن توفر حلولًا فعالة، حيث قالت باستياء: _مالوش داعي الكلام ده يا نرمين، كل شئ في الدنيا ده نصيب، وأكيد مش كلامنا هو اللي هيغير اللي ربنا كاتبه... الولد أهله كويسين وهو ذات نفسه كويس، بعد ما وافقنا عليه بصعوبة اتأكدت إن الانسان عمره ما كان بالشكل ولا بالفلوس... ناس كتير معاها فلوس ولكن أخلاقهم سيئة وطباعهم وحشة أوي، كفاية إن أختك مبتنامش معيطة! كان الاشمئزاز واضحًا على وجه نرمين، حيث كانت مشاعرها تتجسد في كل كلمة تنطق بها، وكأنها تعبر عن استياء من شخصية أم الديب التي كانت تتحدث عنها بطريقة متعجرفة: =حتى لو هو كويس، أنا شوفت حماتها بجد مستغرباها جدًا، مش عارفة هل هي طبيعية زينا ولا عقلها فيه مشكلة! ردت أم قمر الدين بثبات، مظهرة دعمها الكامل، وتقديرها لابنتها جميلة. كانت نبرتها تعكس يقينها الكامل بقدرات ابنتها، بينما أكدت على حسن سلوكها، وتفانيها في جميع جوانب حياتها: _أم الديب بتيجي عند جميلة وبتعمل ستوب، كفاية بس هي عارفة بتتعامل مع مين، المهم أنا هروح الخطوبة وهباركلها وهعمل اللي عليا، كفاية أنها قدرتني وجات خطوبة قمر الدين! قالت نرمين بصدمة: =ازاي هتروحي يا مامي بعد ما حصل مشكلة بين علاء الدين وهايدي؟ انتي نسيتي الفترة دي حصل فيها ايه؟ ولا المشاكل اللي حصلت لجميلة وجوزها بسببهم؟ أجابت أم قمر الدين برصانة، حيث حرصت على أن تصف كلماتها توازنها العاطفي، وعقلانيتها. كان صوتها يعبق بالسكينة: _علاء الدين وهايدي مالهمش نصيب مع بعض، ومستحيل ينفعوا لبعض أبدًا... غلطة وعدت يا نرمين يا حبيبتي. لم تجد نرمين فائدة في نصح والدتها بعدم حضور هذا الحفل، الذي كان من المحتمل أن يعزز العلاقة بين أم الديب، وأم قمر الدين بشكل أكبر، الأمر الذي قد يعقد الأمور أكثر. شعرت بالإحباط لأنها أدركت أن كلماتها لم تكن لها تأثير يذكر في إقناع والدتها بوجهة نظرها، وعندما عبرت عن مشاعرها، قالت بإحباط: =خلاص يا مامي زي ما تحبي. نهضت نرمين بسخط من رفض والدتها لرأيها، وقررت أن تعود إلى عملها بدلًا من قضاء معظم الوقت معها، مما بدا وكأنه تصرف مفاجئ، وغير متوقع. مع تحول موقف نرمين، عبرت أم قمر الدين عن استغرابها من هذا التغير، فسألت باستفهام: _رايحه فين يا نرمين؟ أحنت نرمين رأسها في حركة مليئة بالحنان، وعانقت والدتها بشغف، رغم مشاعر النيران المتقدة التي كانت تتدفق في عروقها، وبينما كانت تعانقها، حاولت أن تُخفف من وطأة مشاعرها الداخلية، فتكلمت برقة: =همشي بقى يا مامي، أنا ورايا شغل كتير. قبلتها أم قمر الدين على خدها بحنان، مشيرةً إلى عاطفتها الرحيبة، وحرصها على تعميق العلاقة بينهما. ثم تلفظت بلُطف، وهي تحاول أن تهدئ من مشاعر ابنتها وتبعث فيها الطمأنينة: _أوكي يا روحي ربنا معاكي. قالت نرمين بابتسامة خفيفة، محاولةً أن تعكس على وجهها تلطيف الأجواء، بينما كانت نبرتها تنم عن الأمل في تجاوز التوتر: =يارب. عند هايدي، وزياد، ونعمة، وقد انتهوا أخيرًا من شراء جميع مستلزمات هايدي، بما في ذلك الاكسسوارات التي تناسب لون الفستان، حان الدور الآن لزيارة المتاجر الخاصة بزياد. توجهوا إلى المحلات لشراء البدل المناسبة، والحذاء الذي يليق بالمناسبة، وساعة اليد التي تكمل أناقته، وبعد ساعتين من السير المستمر، والبحث الدقيق في المتاجر، تمكنوا أخيرًا من العثور على كل ما يحتاجونه، مع العلم بأنهم ضغطوا على أنفسهم وفرضوا مزيدًا من الجهد تحسبًا للأيام المتبقية قبل الحفل. بينما كان زياد يجرب القميص في حجرة القياس، نطقت نعمة بإرهاق واضح، وهي تتحسس ساقيها بألم شديد، تعبيرًا عن التعب الذي نال منها جراء هذه الرحلة الشاقة: _آه يا رجلي آه، مابقتش قادرة. استحت هايدي من رؤية إرهاق نعمة، فتوجهت إليها بحديث لِين، محاولةً أن تعبّر عن تقديرها لجهودها، وقالت لها بلهجة دافئة: =خلاص يا نعمة هانت أهو، زياد قرب يخلص! ردت نعمة بإنهاك، حيث كان صوتها يعبّر عن التعب الذي كانت تشعر به، بينما كانت ملامح وجهها تصف مدى الإجهاد الذي نال منها: _مابقاش فيا حيل يا هايدي، رجلي اتكسحت... ده أنا لسه هرجع وأعمل شغل البيت، ده لو أمك مستلمتنيش. قالت هايدي بهدوء: =متعمليش حاجة، ليالي تبقى هي اللي تعمل، مجاتش من يوم. تلفظت نعمة بحصافة، وهي تدرك تمامًا عواقب تجمع أم الديب، وليالي في مكان واحد، حيث كان واضحًا لها أن هذا الاجتماع قد يؤدي إلى تصاعد المشاكل بينهما، وبنبرة مليئة بالوعي، عبرت عن مخاوفها من تداعيات هذا التجمع: _وهي ليالي وأمك يتلموا على بعض أبدًا؟ الاتنين دول كل ما يتلموا في مكان واحد لازم تحصل خناقة، وليالي الأيام الأخيرة بقيت تدي أمك كلام زي الكرابيج، مابقتش تسكتلها! قالت هايدي بإنصاف، محاولةً أن تقدم تقييمًا متوازنًا، ومنصفًا للوضع: =حقها. نظرت نعمة إلى هايدي بدهشة، متفاجئة من تأييدها لليالي في هذه اللحظة الحساسة، وتفوهت: =أه حقها بصراحة، دي من ساعة ما دخلت بيتنا وماما مش بترحمها وكل يوم خناقة شكل، ماهي لازم يفيض بيها، أنا لو منها مسكتش. تراجعت نعمة عن نظراتها الحادة، وقد خففت من تعبيراتها القاسية بعد أن رأت هايدي تنصف ليالي بعدالة. حيث كانت مشاعرها متقلبة بين الإحباط، والتفهم، وقالت بوجه مستاء، يعبر عن حيرتها: _هي الصراحة معذورة، بس أنا بعرفك إن مينفعش ليالي تنزل لواحدها... أنا لما بكون موجودة بلطف الدنيا شوية. نقشت ابتسامة بسيطة على وجنتي هايدي، وهي تعكس امتنانها لأختها التي أسهمت في تخفيف العديد من الأوجاع، والضغوطات التي عانت منها في ذلك المنزل البائس. كانت الابتسامة تعبيرًا صادقًا عن شكرها، لذلك قالت بحنو: =مانا عارفة، ده انتي بلسم البيت، انتي الوحيدة يا نعمة اللي مهونة عليا حاجات كتير في البيت ده. ردت نعمة بقلب طيب، وصافي، كالسحابة البيضاء التي ترفرف في سماء صافية، حيث لم يكن في قلبها مكان لأي نوع من العداوة: _أعمل ايه طيب؟ ما الدنيا بتبقى والعة حريق، لازم حد فينا يتنازل ويلم الجو... والنبي احنا ما بقينا ناقصين مشاكل، إن كان عليا نفسي أهرب من البيت ده وأرتاح بقى! سكنت نفس هايدي حينما تذكرت أنها ستتمكن قريبًا من الإفلات من قبضة أم الديب الطاغية التي كانت تسيطر على حياتها. ارتاحت إلى فكرة التحرر من تلك الضغوط، مما منحها شعورًا بالسلام الداخلي، وعندما عبرت عن هذا الشعور، قالت براحة: =الحمدلله إن أنا ههرب منه، بس اللي مريحني إن ههرب لمكان أحسن... اللي كان مخوفني إن أهرب على مكان زيه! بس الحمدلله محصلش. قالت نعمة بسرور، معبرة عن فرحها الحقيقي، حيث كانت نبرتها تنبض بالحيوية: _ربنا بيحبك يا هايدي، وأهو باعتلك واحد ابن حلال. ردت هايدي بابتسامة: =أيوه الحمدلله. خرج زياد ببهجة، متأنقًا في بدلة أنيقة تبرز جاذبيته، وبأسلوب يعكس ثقته بنفسه، واهتمامه برأي الآخرين، توجه إليهم ليسألهم بوضوح عن آرائهم حول اختياره هذا: _ايه رأيك؟ نال زياد إعجاب هايدي، التي تجلت على وجهها علامات الحماس تجاه ليلة الخطبة المرتقبة. فاندفعت، ووقفت في الحال، تتجه نحوه بخطوات متسارعة، عينيها تلتقطان كل تفصيل من تفاصيل أناقته بدقة. ثم، بفيض من الانبهار، نطقت بكلماتها، تعبيرًا عن تقديرها لإطلالته الرفيعة: =حلو أوي، تحفة بجد. اكتفت نعمة بالبقاء جالسة في مكانها، برفقة ابنها، حيث بدا عليها الإرهاق من عناء اليوم. ورغم ذلك، لم تستطع أن تخفي إعجابها ببدلة زياد البهيّة، فطالما كانت تتطلع إليها نظراتها المتعبة، وهي تعبر عن إشادة واضحة بجمال، وأناقة الزي الذي اختاره، قائلة: _ماشاء الله عليكم، ربنا يحرسكم من العين. سأل زياد بترقب، متطلعًا إلى ردود الأفعال المحيطة به، وكأن كل نظرة، وكل تعبير يحمل له دلالة على مدى نجاح اختياره: =يعني خلاص أستقر على ده؟ أجابت هايدي بفرح: _أه حلو أوي، وشيك جدًا. قالت نعمة بحبور، وهي تعبر عن مشاعرها بثقة: =اتكل على الله يا زياد وخلص فيه. رد زياد ببشاشة: _ماشي. دخل زياد إلى الداخل لتغيير ثيابه، ثم عاد سريعًا إلى الخارج بعد أن أتم مهمته، ليقوم بعدها بدفع الحساب بابتسامة رضا، قبل أن يغادروا أخيرًا بعد يوم طويل، وشاق مليء بالمشاغل والأنشطة، وعندما استقروا في الشارع، منتظرين وصول سيارة التاكسي التي ستقلهم إلى موقف السيارات، انتابت نعمة نوبة من الإرهاق البدني، فتنفست بصعوبة، وتلفظت بتعب، معبرة عن مدى الإجهاد الذي أصابها بعد هذا اليوم المضني: =خلاص كده؟ أجابت هايدي بصراحة: _لا طبعًا لسه في حاجات. قالت نعمة بصدمة، وقد بدا عليها الألم المبرح في سيقانها، وهي تكافح بكل جهدها لمقاومة الألم الذي أثقل كاهلها بعد يوم طويل: =حاجات ايه؟ هو مش جاب البدلة والجزمة؟ وبعدين انتي مش قولتي إن دول آخر حاجة؟ يبدو أنهم قد أغفلوا عن أهم نقطة، فقالت هايدي بوضوح، دون أي محاولة للتلاعب بالحقائق: _احنا محجزناش الميك أب ارتيست ولا الفوتوغرافير. كادت نعمة أن تصفع وجهها تعبيرًا عن صدمتها بعد ما سمعته من هايدي، حيث اندلعت داخلها صرخات غير مسموعة، لكنها حاولت أن تعبر عن مشاعرها للعروسين، من خلال كلماتها التي كانت تنطوي على مزيج من الاستغراب، والضيق: =يادي الحوسة اللي جات على دماغك يا نعمة، كان مالك ومال كل ده بس؟ كان زمانك روحتي السوق جيبتي طلبات البيت ورجعتي... أنا رجليا دول اتكسحوا، ده أنا مجيبتش الكوافيرة ولا اتصورت في الأستوديو غير يوم فرحي، ده حتى الخطوبة معملتهاش! تلفظ زياد بضيق بالغ كلما تذكر أم الديب، التي كانت سببًا رئيسيًا في إفساد سعادتهم، وعرقلة فرحتهم، حيث تسببت تصرفاتها في إحداث خيبة أمل كبيرة: _انتي مكنتيش جاية أصلًا لولا مرات عمي هي اللي أصرت أنك تيجي معانا، يعني هي السبب في كل ده! قالت نعمة بوجه متجهم، وقد ارتسمت على ملامحها تجاعيد الاستياء: =أعمل ايه؟ أمي موسوسة والشيطان راكب دماغها ومكنتش هترتاح غير لما أنا آجي معاكم، ده أحمدوا ربنا أنها هي اللي مجاتش ده كان زمانها مورياكم الويل! صرخت هايدي في الحال، وقد ارتفعت نبرة صوتها تعبيرًا عن رفضها الراسخ، بينما ظهر على وجهها الاحتجاج: _لا لا لا يا ساتر، ماما تيجي؟ ماهي حاجة من الإتنين يإما كنت هتشل بسببها، يإما هنتحر. قضاء أخف من قضاء، فوجود نعمة المنهكة يبدو أرحم بكثير من وجود أم الديب، التي كان من المتوقع أن تجلب معها العديد من الكوارث. في هذا السياق، قال زياد بخوف، تعبيرًا عن قلقه العميق من العواقب المحتملة: =لا وعلى ايه؟ انتي أرحم منها... ده كفاية الكلمتين اللي هي سمعتهملي. ردت هايدي بإحراج، مما أضفى على حديثها طابعًا من التردد: _أنا أسفه يا زياد، هاتها فيا! لم ينسَ زياد ما قالته حماته له في السابق، حيث ظلت كلماتها الجارحة تتردد في ذهنه، مما أثر بشكل ملموس على مزاجه في يوم منعش كان من المفترض أن يكون مفعمًا بالفرح. إلا أن تلك الكلمات حولت أجواءه من الانتعاش إلى حالة من الكآبة، حيث أسهم لسانها الباتر في تقويض كل لمسة من البهجة التي كان يشعر بها. في هذا السياق، قال زياد: =لا يا هايدي متقوليش كده، انتي ملكيش ذنب! قالت نعمة بألم بدني، بعد أن استنفدت طاقة كبيرة من روحها: _طيب يلا بينا، خلونا نخلص. ثم توجهوا لحجز خبيرة التجميل، والمصور، وهو آخر ما كان يتعين عليهم فعله في هذا اليوم المتعب، حيث ركبوا التاكسي وأبلغوه بالعنوان المطلوب، وفي هذه الأثناء، كانت ليالي جالسة في الصالة على الأريكة، تستمتع بالهدوء بعد أن نزل أطفالها للهو عند الجدة، بينما توجه زوجها إلى عمله كسائق توكتوك. خلال هذه اللحظة من السكون، كانت ليالي تتحدث مع والدتها عبر الهاتف، وتروي تفاصيل أحداث العائلة. قالت تباهي بضيق: =دي لا عبرتنا، ولا بصت في وشنا حتى! حاولت ليالي تهدئة الأمور بينهما، فقالت بروح نظيفة، تعبيرًا عن نيتها الصافية في تهدئة الأجواء: _اصبري بس، أكيد حمايا هيكلم أبويا ويعزمكم. عبرت تباهي عن ضيقها من عدم اكتراث أم الديب بهم، بعدم طلبهم بالحضور إلى الحفل مثل باقي أفراد العائلة، حيث نطقت بكلمات تنم عن امتعاضها، مشيرة إلى إحساسها بالإحباط بسبب تجاهل أم الديب المتعمد: =كان الواجب عليهم هما الإتنين يتصلوا ويقدرونا. قالت ليالي بسخرية: _مانتي عارفة أنها مابتفهمش في الأصول، زمانها عزمت ست بسملة ماهي أصلها غالية عليها أوي. ردت تباهي باستهزاء، مستعرضة مشاعرها تجاه حماة ابنتها المتسلطة، حيث عبرت عن تبرمها من تصرفاتها: =لازم تكون غالية، مش بتبعتلها كميات أكل؟ حماتك تحب اللي يدهنلها بطنها، حطي ايديكي في بؤها وهي تحبك. تفوهت ليالي بكراهية، تشع من عينيها نحو حماتها، وكأن كل كلمة كانت تحمل في طياتها مشاعر السخط: _مين قالك؟ وهي دي بيطمر فيها حاجة؟ ده بالعكس ده ممكن تجرصني في قلب المنطقة، وتقولهم يا ناس مرات ابني بتدفسلي العمل وسط الأكل علشان تخلص عليا. قالت تباهي بصوتٍ مرتجف يخفي في طياته خوفًا من ذكر سيرة أم الديب، تلك المرأة التي تثير الرعب في قلوب الجميع. كانت تقطع اللحم بحذرٍ شديد على فرشة موضوعة بعناية على أرضية صالتها، بينما تثبت هاتفها في حجابها بمهارة فائقة، وكأنها تتحدى الموقف بكل ما أوتيت من احترافية: =يا ساتر يارب دي ست يتفاتلها بلاد، ربنا يبعدها عن سكتنا، ويغورها في داهية بعيد، ويكفينا شرها. ردّت ليالي بنبرةٍ تخفي أمنية قاتمة، وهي تتمنى الخلاص من حماتها بالموت، وكأنها ترى في ذلك النهاية الوحيدة لمعاناتها، والفكاك من تلك القيود التي أثقلت كاهلها: _يارب. بعدما دعت أم الديب الأقارب جميعًا، خرجت من الغرفة بخطوات ثقيلة، محملة بتلك الأسرار الدفينة. في تلك اللحظة، انطلق صوت حمود وهو ينادي الجدة، بلهفة تخفي وراءها شيئًا أكبر من مجرد استدعاء عادي: =ستي! سألت أم الديب بصوتٍ غليظ خالٍ من أي شعور بالرحمة، دون أن تعير أدنى اهتمام لبراءة الأطفال أو ضعفهم، وكأن قسوتها كانت جبلًا راسخًا لا يتأثر بطفولتهم العذبة: _عاوز ايه؟ ردَّ حمود بصوتٍ مرتعش تختلط فيه أنَّات الألم، وهو يكاد يعجز عن إخفاء شدة جوعه، وكلماته خرجت محملة بمرارة الجوع الذي ينهش أحشاءه: =جعانين. صاحت أم الديب في وجهه بلهجة قاسية لا تعرف للرحمة سبيلًا، رافضةً بوضوحٍ إطعامه. في تلك اللحظة تجلت قسوتها بأبشع صورها، وهي تقول بحدة جارحة: _جرا ايه؟ هو انت كل ما تشوف خلقتي تقولي نفس الكلمة؟ بقى أمكم سايباكم ومتلقحة فوق مرتاحة، وبلياني بيكم هناهو؟ عيني على النسوان دلوقتي أمهات بالاسم! قال حمود بتساؤل: =وايه المشكلة لما تأكلينا؟ تفوهت تقى بكلمات مغموسة في بحر الانتحاب، بعدما مزقت الجدة مشاعرها الرقيقة بحدة لسانها، وكأن قلبها الصغير لم يحتمل قسوة الكلمات، فانهارت دموعها كالمطر: =اشمعنا احنا؟ ما محمد لما كان بيطلب كانت بتعمله! دخلت أم الديب المرحاض، تاركةً خلفها جوًا مشحونًا بالجبروت، فاشتد غيظ حمود من جدته، وتراكمت مشاعره المكبوتة حتى انفجرت في هيئة دموع غزيرة، وببكاء يملؤه القهر قال: _ستي بتكرهنا، وربنا لأقول لأمي! ثم ذهب حمود بأخته الصغيرة، وصعدا سويًا إلى الطابق الأعلى حيث كانت ليالي، عازمين على إخبارها بعنف الجدة التي لم تترك في قلبها ذرة رحمة تتأثر ببكاء الصغار. كان حمود يضرب الباب بقوة تعكس مشاعره المضطربة حتى فتحت لهم والدته ليالي، واستقبلتهما بقلق وهي تقرأ في وجوههم الحكاية التي لم تُروَ بعد. دخلا إلى الداخل بخطوات جلفة تحمل في طياتها ثقل الموقف الذي مرّا به، وفي هذه الأثناء، كانت هايدي، وزياد، ونعمة قد انتهوا أخيرًا من حجز كل ما يلزم، وبعد ساعات طويلة من التخطيط، كانت الساعة تشير إلى السابعة من مساء ذلك اليوم الذي بدا وكأن نصفه قد ضاع في التحضير، وما إن وصلوا إلى القرية، حتى قام زياد بنقلهم إلى المنزل، ليكون لهم حصنًا منيعًا ضد أي خطر قد يهددهم من المختلين الذين يجوبون المكان، فالتفت زياد إليهم وقال، وكأن كلماته كانت واحة أمان في وسط صحراء الخوف: =حمدالله على السلامة. ردت نعمة، وهايدي في آنٍ واحد: _الله يسلمك. تفوه زياد بمحبة، وابتسامة رقيقة: =أنا كده اتطمنت أنكوا وصلتوا... همشي بقى عايزين حاجة؟ ابتسمت هايدي بابتسامة دافئة تنم عن طمأنينة، وقالت بسكينة تهدئ القلوب: _لا سلامتك. ختم زياد هذا اللقاء بكلمات طيبة تحمل في طياتها الأمل، قائلًا: =سلام. ردت هايدي، وهي تتنقل بصعوبة تحت ثقل فستانها: _باي. تحركت نعمة بصحبة هايدي، وصعدا إلى الطابق الأعلى، بعد يوم طويل شاقٍ قضياه في التنقل، والتجوال، وكان التعب يثقل خطواتهما. كانت كل واحدة منهما تحمل شيئًا، فيما كانت نعمة قد استغلت الفرصة وابتاعت لنفسها جلبابين فاخرين، وحذاءً ثمينًا، مما زاد من عبء حمولتها، وبإرهاق واضح على وجهها، وهي تسير على درج المنزل الضيق، بدأت تتلفظ كلماتها بشكل متقطع، وكأن كل خطوة تأخذ منها جهدًا مضاعفًا، قائلة: =يوم كان متعب بشكل يا هايدي... ده أنا متعبتش بالشكل ده في فرحي! ردت هايدي بتنهد، وكأنها تحاول إخفاء التعب الذي يعتصرها: _معلش يا نعمة أنا عارفة أنك تعبتي أوي، بس الموضوع جه خبط رزع كله ورا بعض فملحقناش، ومكنش في وقت. قالت نعمه بابتسامة: =كله يهون علشانك يا هايدي، ربنا يتمملك على خير. ردت هايدي بأمل: _يارب يا نعمة. وحينما وصلوا إلى شقة أم الديب ودخلوا، وجدوا الوالدة واقفة في منتصف الصالة، واضعة يديها على خصرها في وضعٍ يوحي بأنها تستعد لشجار لا مفر منه. قالت نعمة بترقب، وهي تراقب الوضع بتوتر، متوقعةً أن المواجهة ستكون حتمية: _ده احنا تعبنا تعب ياما، بس الحمدلله جيبنا كل حاجة. تفوهت أم الديب بملامح حادة تعكس صرامة لا تقبل الجدل: =انسوا الجوازة دهي، وطلعوها من دماغكم! كأن هايدي سقطت من شلال القهر حينما استمعت لحديث والدتها الذي عبر عن رفضها القاطع لإتمام هذا الزواج، مما جعل قلبها يتفطر من الألم. دخلت غرفتها بسرعة، ووضعت الفستان على سريرها، ثم خرجت من الغرفة، وجهها مغطى بظلال الصدمة، لتقول بوضوحٍ: _انتي بتقولي ايه؟ أجابت أم الديب بنبرة متشددة، عكست عنادها: =هو كدهو يا بت، مفيش جواز من ابن عمك، ده لو آخر واحد في الدنيا عمري ما هوافق عليه! قالت هايدي بعصبية، وقد ارتفعت نبرة صوتها لتعبر عن استيائها: _هو كلام عيال؟ انتي جاية تقولي الكلام ده بعد مانا اشتريت الفستان؟ وأردفت لأختها بصياح: _شوفتي يا نعمة مش قولتلك هتغير كلامها؟ بعدما أهلكت أبدانهم في رحلة طويلة ومضنية إلى مكان بعيد، وسيرٍ استمر لساعات بين المتاجر التجارية، تفاجأت نعمة بمشكلة لم تكن في حسبانها، مما جعلها تنظر إلى والدتها باندهاش، قائلةً باستغراب: =مالك ياما ايه اللي جرالك؟ هو مرة موافقة، ومرة مش موافقة؟ هو احنا شخشيخة في ايدك تحركيها على مزاجك؟ حاولت أم الديب بكل ما أوتيت من جهد أن تجد أي عيوب في زياد بشتى الطرق، وبدأت تشكك في نواياه بقلق. حيث نطقت، وهي تتحدث بخوفٍ عميق من أن يتسبب في أذية ابنتها: _الواد دهو آني مش مرتحاله، وقلبي مقبوض من ناحيته، الواد دهو مش كويس! قالت هايدي لنعمة بعصبية، وكأن الحياة قد تحولت إلى شاشة سوداء أمام عينيها: =مش قولتلك يا نعمة؟ عرفتي إن كلامي صح؟ في ظل الأجواء البائسة التي أحاطت بهم، هدأت نعمة، وأخفضت من صوتها، محاولة إقناع والدتها بأن تلك الأفكار ليست صحيحة، ولا مبرر لها. فتفوهت بإلحاح: _الله يكرمك ويسترك ما تكسري فرحتها، ده انتي أصلك مشوفتيهمش النهارده وهما فرحانين، دول كانوا طايرين من الفرحة! قالت أم الديب بعناد: =ولا يشغلني، ما يفرحوا ولا يزعلوا، آني كل اللي يهمني بتي تتجوز واحد عليه القيمة، ويكون على مزاجي. ردت هايدي بعصبية، إذ لم تستطع تحمل سماع حديث أم الديب، الذي جاء مفعمًا بالجهل: _وأنا أتجوزه على مزاجك ليه؟ هو مين فينا اللي هيعيش معاه أنا ولا انتي؟ نطقت نعمه بنبرة هادئة، ترافقها سكينة تامة، كأن كلماتها كانت تتدفق من قلب هادئ، مطمئن: =خشي جوا دلوقتي يا هايدي، وأنا هتصرف مع أمك! نظرت هايدي إلى نعمه بنظرات مليئة بالعصبية، كأنما مشاعرها المتأججة تنفجر من عينيها، ثم هرولت إلى غرفتها، ودفعت الباب خلفها بعنف، لتبدأ في انتحابها مجددًا بصوت مكتوم يتخلله الألم. في تلك الأثناء، جذبت نعمه أم الديب برفق إلى الأريكة، حيث جلستا معًا في هدوء، وواصلت نعمه حديثها بصوت مليء بالحنان: =خليها تفرح ياما، احنا اتفقنا على كل حاجة خلاص، بقى بعد ما اتفقنا تقومي تغيري كلامك؟ منظرنا ايه قدام الناس؟ ردت أم الديب بنبرة قاسية، متسلحة بالكلمات الجافة التي تنم عن صعوبة الظروف: _لا منظرنا ولا ممنظرناش يا بت... مش كفاية أخوكي اتجوز واحدة من غير رضايا؟ هيبقى هو وهايدي؟ يا خراب بيتك يا أم الديب ملكيش حظ في عيالك، مانتي لو ربتيهم صح مكنوش خرجوا عن طوعك، لكن انتي اللي دلعتيهم. قالت نعمة باستغراب، وقد بدت على وجهها علامات الدهشة، كأنها تواجه أمرًا غير متوقع قد زعزع يقينها: =بعد كل المرار الطافح ده ياما ومدلعانا؟ يا نهار أسود، أمال لو مش مدلعانا كان حصلنا ايه؟ تفوهت أم الديب بكلمات عدوانية، كأنها تقذف سهامها نحو أبنائها وكل من حولها، فتبدو غير مسالمة ولا تأبه بمشاعر الآخرين، فتترجم تصرفاتها حالة من الغضب المكبوت: _مانتوا زي القطط تاكلوا وتنكروا، طالعين لأبوكم. ألحت نعمة على والدتها، مصممة على ألا تترك مجالًا لرؤية أختها في صورة بائسة أو سماع أي خبر غير سار عنها في أي لحظة، إذ كانت تخشى أن يؤثر ذلك سلبًا على نفسية أختها، ويزيد من معاناتها، فتوجّهت إليها بكلمات ملؤها القلق: =علشان خاطري ياما سيبيها تفرح، أبوس ايديكي! أخيرًا، وبعد تردد طويل وبفضل ليونة كلمات نعمة، استجابت أم الديب، وأذعنت لمطالبها، متخلية عن إصرارها السابق، ومقدمة فرصة جديدة للموافقة. فتحدثت بتردد: _حاضر يا نعمة عشانك انتي بس. لم تثق نعمة في حديث أم الديب، إذ كانت تدرك تمامًا أنه من الممكن أن يتغير رأيها فجأة كما حدث في الماضي، وبشعور من الارتياب، قالت نعمه بنبرة تحمل الكثير من الشك: =بجد ولا بتضحكي علينا زي المرة اللي فاتت؟ أجابت أم الديب بحدة: _بتكلم بجد، أمال بهزر يا بت؟ قالت نعمة بخوف، يختلط بشعور من القلق، خشية أن يتغير كلام أم الديب بين لحظة وأخرى، كما اعتادت على تقلبات المواقف في الماضي: =انتي ملكيش أمان ياما! صاحت أم الديب في وجه نعمة، محدثة جلبة صاخبة، وكأنها تعبر عن الامتعاض داخلها بكل قوة: _احترمي نفسك يا قليلة الرباية. نهضت نعمه بسرعة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الفزع، وقالت بصوت متهدج: =ماشي ياما، خليكي عند كلامك متغيريهوش! ثم جلبت نعمة ابنها، وصعدت إلى شقتها، وهي تحمل مشترياتها، بينما في الأعلى، حيث كانت ليالي قد استمعت إلى ما رواه أطفالها عن ما دار بينها وبين الجدة، ازداد احتدامها بشكل كبير، وباهتياج متصاعد، قالت ليالي: _يعني ايه مجوعاكم؟ بقى حماتي سايباكم أنتوا تتلووا من الجوع؟ تفوه حمود بسخط، وكأن كلماته تنبض بالاحتقان: =أه هي بتكرهنا. قالت ليالي باغتياظ، وقد تملكتها نوبات من الغضب العنيف، وكلماتها خرجت محملة بكل ما يجول في صدرها من استياء: _ماشي يا حماتي، أصبري عليا بس! تحدثت تقى بصوت مملوء بالأنين، وقد غلفتها مشاعر الأسى، وهي تعبر عن رغبتها العميقة في الانتقام من الجدة: =اضربيها يا ماما! ردت ليالي بكراهية عارمة، تتوقد في عينيها كالجمر المتأجج، وهي تعبر عن تمنياتها القوية بموت أم الديب، لكن دون أن تتورط في فعل خسيس بحق امرأة بلهاء حقيرة: _مينفعش كان على عيني، ده أنا إن كان عليا نفسي أدوس عليها بالعربية رايح جاي لحد ما تتبطط. ضحك حمود بقوة، متصنعًا سخرية لاذعة، وهو يتنمر عليها بأسلوبه المشين، وأخلاقه الوضيعة: =دي هتبقى فطيرة كبيرة أَوي ياما! ضحكت ليالي بعد حديث ابنها، وكان ضحكها يتسم بالاستهزاء: _ضحكتني، متعايبش لا تبقى زيها يا ولا! قال حمود وهو يقهقه بضحك ساخر، كأن ضحكته كانت تتردد في أرجاء المكان، تعبيرًا عن استهزائه: =أعوذ بالله، ده أنا لو زيها أنط من الشباك وأخلص. ظلت ليالي تضحك مع أطفالها بسعادة عارمة، تتخللها نوبات من الضحك المتواصل، حتى جاء جلال، وقد عادت ألوان ملابسه متسخة إثر يوم طويل، وشاق قضاه بين سائقين التكاتك، يتنقل هنا وهناك في متاهات العمل المضني، وعندما سمع ضحكاتهم العالية التي تملأ المكان، أبدى فضوله، وسأل بلهجة تحمل بين طياتها استفسارًا عميقًا، محاولًا فهم سر هذه الأجواء المليئة بالمرح: _بتضحكوا على ايه؟ قالت ليالي لابنها بخوف، يعلوه قلق واضح، وكلماتها تتسرب من بين شفتين مرتجفتين: =أوعى تقوله وألا هنفخك! أوصد جلال الباب خلفه بهدوء، ثم تحدث بدهشة، وقد ظهرت عليه علامات الاستغراب: _هو أنتوا بينكم أسرار ولا ايه يا ليالي؟ ردت ليالي بضحكة واسعة: =أه أنا وعيالي بينا أسرار، اطلع منها انت... أما قولي مش هتدينا فلوس نشبرق نفسنا يوم شبكة أختك؟ جلس جلال على كرسي الأريكة، ممددًا ساقيه بتعب، ثم وضع يده فوق رأسه بحركة منهكة، كأنما كان يحاول تخفيف ضغوط يوم طويل، وقال بإحباط: _وأنا هجيب منين ده الحال مايل. دائمًا ما كانت ليالي مشغولة الفكر بأمر جميلة، متخيلة كيف أن الأخيرة ستبدو أكثر جاذبية في ليلة الحفل، برفقة فتياتها، وهذا ما لم تكن ليالي ترغب فيه على الإطلاق، إذ كانت تتوق لأن تكون وحدها محط الأنظار، تاركة الجميع يشاهدون بريقها المتفرد. كان لديها إصرار كبير على أن تحضر الحفل بأبهى صورة ممكنة، فتخيلت كل تفاصيل إطلالتها بدقة، وسعت لتحقيق هذا الهدف بكل ما لديها من قوة، وقالت: =لا بقولك ايه! أنا مش هحضر المناسبة دي إلا وأنا على سنجة عشرة، ليه عاوز الناس التانية تبقى أحسن مني؟ كان جلال يعلم مقصدها جيدًا، وكان يعرف خبايا نواياها ويحفظها عن ظهر قلب أكثر من معرفته باسمه، مما جعله يشعر بغيرتها الواضحة من جميلة، وعندما لامس جلال هذه النقطة بدقة، أطلق كلماته بدهاء: _الناس التانية برضك، ولا قصدك جميلة؟ ردت ليالي بخبث، متمسكة بتظاهرها بالثقة، وكأنها تحاول إخفاء مشاعرها الحقيقية وراء قناع من الهدوء المصطنع: =وأنا كنت جيبت سيرتها ولا اتكلمت؟ ثم انت مالك، ومال ست جميلة وكل ما أتكلم كلمة تفهمها أنها عليها؟ قال جلال بحصافة: _لا مانا قولتلك بيبان عليكي يا ليالي، انتي فاضحة نفسك أول بأول. تفوهت ليالي بشحناء، تحمل كل مشاعر الاستياء، كأنها تطلق كلماتها كسهام مسمومة، تعبيرًا عن احتقانها: =ليه أحسن مني ولا أحسن مني؟ رد جلال بدهشة: _وأنا كنت اتكلمت يا بت؟ انتي هتقوليني كلام مقولتوش؟ نطقت ليالي بعصبية، مصحوبة بعناد كبير، تأكيدًا على إصرارها ألا يكون أحد أفضل منها بأي شكل من الأشكال. كان في نبرتها مشاعر من المنافسة: =بقولك ايه يا جلال! انت هتديني فلوس علشان أظبط نفسي أنا وعيالك، وإلا الخطوبة دي أنا مش حضراها! رد جلال بسكينة: _ماتصبري يمكن ربنا يسهل الحال ويرزقنا. قالت ليالي بعصبية، وهي تبرم بشدة من الموقف الذي لا تحتمله ثانية، مضيفة أن كلما مر الوقت، تقترب أكثر للحظة الخطبة، مما يجعلها تشعر بضغط مضاعف. فهي تدرك أنها لن تتمكن من متابعة شراء احتياجاتها الضرورية، وأطفالها في الوقت المتبقي، مما يضاعف من إحساسها بالتوتر: =أصبر ايه أكتر من كده؟ ده خلاص مش باقي غير يومين! حاول جلال أن يهدئ من عصبيتها، فبادر بتقديم كلمات مفعمة بالأمل، عارضًا عليها بوادر طمأنينة حول مساعيها، وقال: _ربك يسهلها في اليومين دول، جهزتي الأكل؟ أجابت ليالي بضيق: =أه. نهض جلال، واتجه نحو المرحاض ليغسل يديه بالماء والصابون، محاولًا تجنب أي ملامسة غير ضرورية، ثم قال بهدوء يعكس رغبته في الاسترخاء: _قومي حضريه عقبال ما أغسل ايدي. ردت ليالي باستجابة سريعة، دون أن تتأخر في تلبية طلبه، وكأنها حرصت على تلبية حاجته بأقصى سرعة: =ماشي ياخويا. نهضت ليالي، منشغلة بتجهيز الطعام الذي أعدته ببراعة فائقة، حيث بدأت في تسخين قدر الأرز على عين الموقد اليسرى، بينما وضعت قدر الفاصوليا الخضراء باللحم، والصلصة على العين اليمنى، فأخذت تتحرك بمهارة بين الموقد والمكونات الأخرى. في ذات الوقت، استخرجت المخلل من المبرد، لتضيف لمسة من النكهة إلى الوجبة. بينما كان جلال يقف بالقرب من الحوض، فتح صنبور المياه ليغسل يديه، محاولًا التخفيف من آثار يومه الطويل، وفي الأسفل، في غرفة هايدي، كانت مشغولة في الدردشة مع خطيبها عبر الواتساب، غارقة في الحديث حتى انشغال ذهنها، وفجأة، دخلت أم الديب إلى الغرفة بدون استئذان، مما جعل هايدي تشعر بالذعر. وقالت أم الديب بشك واضح، معبرة عن عدم ارتياحها تجاه الموقف: _مالك يا بت اتخضيتي كده ليه؟ أجابت هايدي بفزع: =ده طبيعي لأنك دخلتي على فجأة! أظهرت أم الديب ريبتها تجاه هايدي، متسائلة في ذهنها عما إذا كانت الأخيرة قد تكون في حديث غير أخلاقي مع زياد، مما زاد من حدتها وجعلها تعبر عن استيائها بغلاظة شديدة. وقالت لها بلهجة حادة، تنم عن استهجان واضح: _ماسكة المخروب دهو بتهببي عليه ايه؟ أوعي يا بت تكوني بتبعتيله صور بشعرك وإلا هخلي ليلتك سودة! احنا مش بتوع الكلام دهو، يا خراب بيتك يا أم الديب بتك فضحتك، وخلت راسك في الطين! وضعت هايدي هاتفها على الفراش بجانبها، ثم ردت باستغراب من الاتهام الذي لم، ولن يحدث أبدًا، وهي تحاول تصحيح المفهوم الخاطئ بشكل قاطع، وتأكيد براءتها من أي سوء فهم: =هو انتي بتتكلمي وبتردي على نفسك؟ مين قالك أصلًا إن أنا ببعتله صوري؟ وبعدين أبعتله صوري ليه وهو بيشوفني على الطبيعة؟ كانت أم الديب تسعى لاختلاق النزاع من الهواء، فقالت بلهجة متصاعدة: _قومي يا بت نضفي الصالة، آني مش هعتقك لحد ما تتجوزي، أمال قاعدالي على الفاضي كدهو من غير شغلة ولا مشغلة؟ ردت هايدي بدهشة، متسائلة كيف يمكن لوالدتها أن تطلب منها تنظيف المنزل بعد يوم شاق قضته في الشوارع، دون أدنى إحساس أو رحمة لما مرت به؟. كانت كلماتها تعكس إحساسها بالظلم، وهي تنتظر من والدتها تفهم حالتها: =ماتسيبيني أرتاح، هو ايه مفيش فهم؟ أنا مشيت مشي النهارده لحد ما رجلي اتكسحت! قالت أم الديب بصوت غليظ: _غاوي العسل ياكله بمعلقة يا بت، يلا قومي! نهضت هايدي، مجبرة على الاستجابة لمطالب والدتها، بدلًا من أن تتعرض لضغوطها القاسية، وكأنها تتجنب الخضوع لضغوط شديدة قد تؤدي إلى استنزاف طاقتها. كان في تصرفها تعبير عن استسلامها للأمر الواقع، في محاولة لتفادي المزيد من النزاع، فقالت: =طيب، أهو قايمة، أهو! ثم دخلت المطبخ، محاولة فهم ما تريده أم الديب في هذا الوقت المتأخر، رغم أنها كانت تشعر بإرهاق شديد، وجسدها الهزيل يناديها للراحة، حيث كانت لا تزال تتوق إلى الاستلقاء على السرير، وقد زفرت بعمق، بينما اصطدمت الصحون ببعضها البعض بفعل انفعالها، مما أضفى على المشهد المزيد من التوتر. في تلك اللحظة، جاءت أم الديب خلفها، وكأنها تنوي إثارة مشكلة جديدة، مضيفة مزيدًا من الضغط إلى حياتها مما جعل الأمور تزداد سوءًا. يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة