الفصل الثامن

الفصل الثامن

12 0

غادرت هايدي المكان، مترنحة بين غيرة تتسلل إلى قلبها من سخرية علاء الدين وصديقته، وبعد عودتها للمنزل، غمرتها حماقة حديثة للبحث عن الملهى الليلي في أرجاء الإنترنت، وأجرت تقديمًا لطلب توظيفها هناك. ولم يمر يومان حتى أتتها أنباء بقبول طلبها، فاخترعت مبرر كاذب، ثم أتت بحجة واهية حينما كانت في زيارة لجدتها خواطر بالمنزل، حيث كذبت بأنها ستشارك في رحلة مدرسية إلى شرم الشيخ. وعندما فهمت أم الديب بأن هايدي ستغادر، هتفت بصوت ملؤه الاعتراض: _انسي يا بت إن ده يحصل معندناش بنات تبات برا! ردت هايدي بإلحاح: =يا ماما صدقيني احنا هنكون تحت إشراف المدرسة، ومعانا مدرسين، والمدير، والأخصائي يعني متقلقيش من حاجة! نطقت أم الديب بكلمات تحمل في طياتها رفضًا قاطعًا، كأنها صدى لتمثيل حياةٍ بلا تمويهات: _وأخوكي جلال لما يعرف يقولي سايبة بتك ماشية على حل شعرها، ونقوم ماسكين في بعض، والناس تتفرج علينا؟ خرجت خواطر من ممر الاستحمام بخطوات متأنية، وكأنها ترتدي ثوب الحكمة وتعبث بأشعة الضوء المتسللة من النافذة، وقالت لها بصوت يحمل لون التحذير العميق: = هتخلي الخلق تاكل وشنا، ووش أمك. ردت هايدي بانزعاج: _اطلعي منها انتي يا تيتة! وأردفت لأم الديب بإصرار: _يا ماما هما تلات أيام، وليكي حق تخافي لو أنا رايحة لواحدي إنما بقولك معانا المدير، والمدرسين يعني محدش هيحصله أي حاجة، وأوعدك هبقى أجيبلك حاجة حلوة معايا، وأنا جاية! جلست خواطر على الأريكة الريفية، حيث تناغمت راحتها مع ألوان الأقمشة التراثية، والرائحة الزكية للزهور المُرتبة بعناية. وفي لحظة من السكينة، اخترقت صيحات أم الديب المكثفة كل زاوية من المنزل، وكأنها عاصفة تهبط بلا هوادة: =حاجة حلوة ايه يالي تتشكي في جنابك هو انتي فاكرانا يا بت زي ست هانم وبناتها؟ احنا فلاحين، والكلام ده ميصحش عندنا، والبت من هنا متخرجش من بيت أبوها إلا على بيت جوزها عدل! أجابت هايدي بانفعال: _هو أنا رايحة أبات عند صاحبتي؟ أنا بقولك إنها رحلة مدرسية! ثم هدأت نبرة صوتها، وأردفت ببساطة تضمنت وعيًا عميقًا: _يا ماما اسمعي كلامي، وشوفي انتي عايزة ايه، وهجيبهولك معايا. نظرت أم الديب لها بتردد، وكأن عينيها تتساءل عن كلماتها المقبلة، ثم صمتت للحظات قليلة تنقل فيها أفكارها كالسحب الهادئة، وأخيرًا، انطلقت بكلمات مشروطة من شفتيها: =تروحي بس بشرط تجيبيلي معاكي عبايتين، وطرحتين، وشنطة! ردت هايدي بدهشة: _أنا رايحة رحلة مدرسية مش طالعة أعمل عمره! تحدثت خواطر بلغة الطمع، كأنها تستشعر رغبات مكبوتة، وكلماتها تنبض بشغف يخترق الهواء المترنم بالسكون: =وتجيبي لستك عكاز يسندها، واتنين كيلو كنافة بالقشطة. تفوهت هايدي بذهول: _هو انتوا جايين تحققوا أحلامكم على قفايا؟ ردت أم الديب بصوت حاد: =يإما تعملي كده يإما مفيش مرواح! قالت هايدي، وكانت تغلبها حالة من الاستسلام، كأنها تحمل عبءًا ثقيلًا من التحكمات الجبارة: _خلاص حاضر...أمري لله. في اليوم التالي، انطلقت هايدي في تجهيز حقيبتها بكل دقة، حملتها خلف ظهرها كأنها تحمل وزرًا من القرارات السرية، واتجهت نحو الملهى الليلي بخطوات مترددة، تنطبق عيناها بالبحث الحذر عن أي علامة تكشف سرّها المدفون، مرتعشة من خوفٍ لاذع من كشف الغطاء. هناك، وجدت نفسها أمام العامل الذي كان بانتظارها، وبينما كانت تتأمل الخطوات المقبلة، لامست كلماته المتوجّهة إليها بنبرة لطيفة: =هايدي؟ ردت هايدي بقلق ملموس، حيث علت عيناها بحذر متزايد، كأنها تتفحص كل زاوية من حولها بدقة شديدة، متخوفة من أن يكتشف أحد خطتها السرية: _أيوه أنا اللي كنت مقدمه على شغل، واتقبلت. تحدث العامل بحزم، كأنه يسلط الضوء على الواقع بعيون تتجاوز الظلال إلى الجوانب الحساسة: =تعالي أوريكي أوضتك. ذهبت هايدي برفقة العامل إلى غرفتها، وطوال الطريق الطويل في تلك الطرقة المظلمة، كانت تعصف بخيالها مخاوف لا تنتهي، تخشى في كل لحظة أن يخونها أو يفضح سرّها المُدفون. وبمجرد وصولهم، كان العامل ينتظر، وخرجت كلماته من بين شفتيه بثقة تامة، وكأنها تعلن عن بداية رحلة جديدة لكلاهما: _هى دي أوضتك، واجهزي علشان فاضل ساعة، ونبدأ شغل. ردت هايدي بتوتر: =حاضر. غادر العامل الغرفة، فبدأت هايدي بالتجوّل في الفضاء الخاص بها، مُعجَبةً بكل زاويةٍ تمسك عيناها بها، وكانت أمنيتها السرية أن تجعل غرفتها يومًا ما تتألق بالمثل. ثم انغمست في عملية وضع المكياج بأسلوبٍ جديدٍ، ومثير، وأرتدت ملابسًا جريئةً، وجذابة، ووضعت شعرًا اصطناعيًا بلون أصفر. وفي النهاية، نظرت إلى نفسها في المرآة وهي تعبّر عن إعجابها العميق بالتغيّرات التي طرأت على ملامحها، وإطلالتها، مُستبشرةً بالتحول الجديد الذي حققته، فقالت بذهول: =مش معقول دي أنا؟ ده أنا هعجبه أوي...المهم ميعرفنيش، ولا حتى يحس إن اللي قدامه دي هايدي. خرجت هايدي ووقفت إزاء الصالة الكحولية، وبدأت تجهز المشروبات بحرفية فائقة، وفي ذلك الوقت، اقترب شابٌ منها بخطوات ثابتة، وطلب منها بصوتٍ ينبض بالغموض: _اديني واحد موخيتو ليمون. ردت هايدي: =أوكي. أثناء عملها كبارتندر، كانت عينا هايدي تلتف حولها في الصالة الكحولية، تنتظر بفارغ الصبر ظهور علاء الدين، إذ كانت تعلم جيدًا أنه يسهر كل ليلة في هذا المكان. لم تجد سوى هذه المهنة التي تليق بها في هذه البيئة الخاصة، حيث كانت تحتاج إلى أن يبقى علاء الدين تحت رقابتها دون أن يلاحظها. وفي منزل أحمد، بعد أن ظهرت المشكلة الأخيرة بين جميلة، وزوجها، حيث شعرت بالندم على كلماتها التي تأكدت على أنها لا تحمل أي أهمية، والتي أدت فقط إلى نشوب نقاش حاد. دخلت جميلة الغرفة، مترددة في التحدث، حتى جلست قبال زوجها على السرير، وقالت باستياء عميق: _هنفضل لحد امتى كل واحد بينام في أوضة لواحده؟انت من ساعة مارجعت معانا، وطول اليوم برا، ولما بترجع بتنام في الأوضة التانية حتى مبتلحقش تقعد معانا! رد أحمد بابتسامة بائسة: =معلش يا جميلة، اديني شوية وقت. نطقت جميلة بتفهم: _أوكي أنا هسيبك على راحتك بس متاخدش على كده أنا وسيليا بجد محتاجينك...احنا ملناش غيرك! دخلت سيليا الغرفة بخطواتٍ هادئة، وعانقت والدها بحنانٍ يتسم بالدفء، وفي لحظة التلاقي، تحدثت بلهجة مليئة باللهفة، كأنما ترسم قصيدة معبرةً عن عمق مشاعرها: =بابي اجهز خالتو جايه. رد أحمد باستغراب: _خالتو مين فيهم؟ أجابت سيليا بسعادة: =خالتو سامية جايه، وهتجيب لارا معاها! ردت جميلة بابتسامة واسعة، وهي تمرر أصابعها برفق في شعر ابنتها، كأنها تلمس خيوطًا من الذهب تنبثق من رأسها الصغير، وفي هذه اللحظة العذبة، تنعكس على وجهها لمسات الحنان: _سيليا بتحب لارا أوي. نطق أحمد بتعجب: =محدش اتكلم يعني! ردت جميلة بتردد، كأنما تتأمل في أفكار متناقضة تتشابك في عقلها: _كنت لسه هقولك إن سامية هتيجي تسهر معانا. تحدث أحمد بابتسامة: =طيب روحوا اجهزوا زمانها قربت، وأنا هجهز. وقفت جميلة، وعلى شفتيها ابتسامة تنبض بالودّ، والدفء، كمنبع ينشر السعادة حولهم، وفي هذه اللحظة الهادئة، قالت: _أوكي. ونظرت لابنتها، وأردفت بلُطف: _يلا يا سيليا. خرجت جميلة برفقة ابنتها إلى حجرة الملابس، حيث انغمستا في عالم الألوان والأقمشة، يتلألأ خياراتهما مثل الأحلام المتحققة. وفي منزل جلال، دخل شقة والديه فلم يجد أم الديب، بل وجد المعلم حنفي يجلس على الأريكة، فابتسم والده بفرح عند رؤيته، كمن يستقبل صديقًا عزيزًا يعبر عتبة منزله، وعبر عن سعادته في هذا السياق: =تعالى يا جلال. رد جلال، وهو ينظر حوله بتعجب: _مفيش حد ولا ايه؟ أجاب المعلم حنفي بابتسامة عريضة تملأ الغرفة، كمنبع من الضوء ينبعث من وجهه، معبرًا عن سعادته بغياب زوجته العنيدة: =أمك غورتها عند ستك أهو خلينا نتفك منها يومين حتى البال يروق. جلس جلال على سيف والده، وقال بدهشة: _ليه يابا حصل ايه تاني؟ رد المعلم حنفي بعتاب، كأنما تتمايل كلماته بين خيوط الحنين، والانتقاد اللطيف: =مانت لو كنت بتعدي على أبوك، وأمك كنت عرفت. نطق جلال بإرهاق: _يابا أنا مسحول في الشغل، وبرجع هلكان. رد المعلم حنفي ببشاشة: =لا ياض خلاص ربنا يقويك...أمك هتفضل فيها العادة السودة دي مش هتتغير منها أبدًا...الولية مش عاملالي اعتبار، وهاتك يا غلط فيا ليل نهار، وأنا خلاص ياض جيبت أخري. تلفظ جلال بصوت مكتوم، كأنه يعبر عن حالة من الضيق، تاركًا للتعبير عن حالته النفسية المعقدة: _مانت عارف يابا إن أمي غلاطة، ولسانها طويل هي لو كانت سالكة زي بقية الحريم كانت هتشاكل فيا أنا، ومراتى كل يوم؟ رد المعلم حنفي بانزعاج: =على رأيك...ربنا على الظالم، والمفتري. نظر جلال حوله كمن يبحث عن المجهول، وقال بفضول: _أمال هايدي فين؟ أجاب المعلم حنفي: =شكلها راحت عند ستك تبات معاهم. رد جلال بدهشة: _وانت قاعد لواحدك يابا؟ قوم اطلع معايا. أنتهز المعلم حنفي الفرصة، ووقف مكتوف اليدين، ليخرج عباراته باستعداد، وهو يتلفظ: =كتر خيرك ياض فيك الخير. صعد جلال مع والده إلى شقته، فخرجت ليالي من المطبخ، تبتسم بترحيب، ووقفت قبال المعلم حنفي، وهي تمد يدها لتصافحه بتقدير، كمن يستقبل ضيفًا مهمًا ويعبر عن احترامه: _ازيك يا حمايا عامل ايه؟ رد المعلم حنفي بود: =الحمدلله كويس. بعد مرور نصف ساعة انتهي أحمد، وجميلة، وسيليا، من ارتداء ثياب الضيافة التي تناسب المناسبة الخاصة. وفي ذلك الوقت، دخلت سامية برفقة زوجها وابنتهم لارا، محملين بالبهجة، والسعادة التي تنبع من لقاء الأحباب. عانقتها جميلة بابتسامة تملأ الصالة، كأنها تنقل لها عبر الحضن عبارات الحب، والترحيب بزوارها الأعزاء: _يا روح قلبي تعالي. قبّلت سامية وجنتي جميلة، وهي تنبض بألوان الحب والأمل. وعبّرت بابتسامة رقيقة، تتلألأ في عينيها كشمس الصباح تتسلل خلف الغيوم: =عاملة ايه يا حياتي؟ وحشاني أوي! بادلتها جميلة قبلتين حانيتين في خذيها، وهي تتأمل في عينيها بريق الحب، والإخلاص. وأطلقت ابتسامة تنبض بالسعادة، كما لو أن اللحظة تجلت عبقًا من الفرح الصافي: _وانتي أكتر. نظرت سامية إلى سيليا بابتسامة تعبق بالدفء، ثم عانقتها بحنان، وقالت بصوت ينبض بالمحبة: =ازيك يا سيليا يا روح خالتو؟ ردت سيليا بسعادة: _خالتو سامية وحشتيني! تلفظت سامية بعشق يغمر الكون: =وانتي كمان يا حياتي..ايه أخبار الـnursery؟ أجابت سيليا بسرور: _كويسة يا خالتو. خرج أحمد من غرفة النوم، وبدت على ملامحه ابتسامة تعكس ترحيبه العميق، فعانق معتز بقوة، حيث اندمجت أرواحهما كموجات البحر الهادئة، وقال بصوت يرن كأنغام الفرح: =ازيك يا مُعتز؟ رد معتز بابتسامة: _الحمدلله انت أخبارك ايه؟ أجاب أحمد بابتسامة تعبق بالسعادة، وكلمات تنبعث منها روح الحياة: =الحمدلله. أشارت جميلة بيدها نحو الأريكة، وقالت بابتسامة: _اتفضلوا. وأثناء سيرهم أردفت: _تشربوا ايه؟ جلس الجميع عدا جميلة. فانطلقت سامية بكلمات تنبعث منها حنين الصداقة، وقالت بصوت يرن كأنغام الاشتياق: =أي حاجة منك حلوة يا روحي. ردت جميلة بابتسامة: _حبيبتي يا سامية..مش هتأخر عليكم. دخلت جميلة المطبخ بانسيابية تناغمت مع انسجام المكان، حيث بدأت بتحضير الضيافة باهتمام، تاركة وراءها سيليا التي كانت كالظل ترافقها في كل حركة، تبعث على الاطمئنان بوجودها. في الخارج، كان معتز يتجول بعينيه حول المنزل الجديد لأحمد، يستمتع بمنظره الساحر، وبينما كان يتأمل، لمح جميلة وهي تعمل في المطبخ بتركيز، فلم يتمالك نفسه، وقال بإعجاب صادق: =مبروك على الشقة الجديدة. رد أحمد بابتسامة: _الله يبارك فيك. تحدثت سامية، وعيناها تتجولان حولها بإعجاب متنقلة بين جمال الديكور، وتفاصيل المكان، حيث أرادت أن تعبر عن إعجابها العميق بالأناقة التي تميزت بها كل زاوية من أركان المنزل: =بجد أحلى بكتير من الشقة القديمة. رد أحمد بوضوح ينبض بالصدق، كما لو كانت كلماته تنبعث من قلب صافٍ، وعقل واضح: _جميلة هي اللي اختارت كل حاجة على زوقها. نطقت سامية بانبهار، وينعكس في عينيها إعجابها العميق بما تراه أمامها: =جميلة حقيقي زوقها حلو  في كل حاجة. ضحك معتز، وقال بروح فكاهية: _مين يشهد للعروسة؟ ضحك الجميع بفرح، وانبساط، ومرت خمس دقائق قبل أن تخرج جميلة، وسيليا من المطبخ، وهما يحملان بين أيديهما حوافز مُغرية من الحلويات الممتازة، والعصائر المنعشة. ووضعوها بعناية على الطاولة أمام الجميع، حيث لمعت عيونهم من فرحهم باللقاء. وقالت جميلة بابتسامة تشع بالترحاب: =منورين الدنيا كلها يا حياتي. ردت سامية بمحبة: _ده نورك انتي يا عمري. وزعت جميلة المشروبات، والحلويات على الجميع، ثم جلست بجانب أختها، حيث بدأوا بالتحدث بحماس. وفي الوقت نفسه، جلست سيليا بجانب زوج خالتها، الذي كان يحمل بين ذراعيه لارا بحنان. وقبل أن يبدأ أحمد بتناول الطعام، تلقى رسالة على هاتفه. بمجرد أن فتحها، اكتشف فيديو لهايدي، وهي تعمل في صالة الخمر، في بداية أمره كان مستعجبًا وغير فاهم للأمر، لكن سرعان ما تغلب على التشويش وركز في التفاصيل. وفجأة، اكتشف الحقيقة المدهشة للشخصية التي أمامه. بدا بالتعبير بصدمة عارمة، قائلًا: =يا نهار أسود دي هايدي أختي! وقف أحمد في الحال، وهو يرمق الفيديو على هاتفه بعيون مفتونة، فلاحظ الجميع تغييرًا فوريًا في تعابير وجهه، حيث امتزجت الدهشة، والغموض في نظراته. وفي هذه اللحظة الفارقة، تساءلت جميلة بتعجب لا حدود له: _في ايه؟ أجاب أحمد، وهو يتلعثم في حديثه: =معلش أنا مضطر أمشي في مشكلة في الشغل هحلها، وأرجع. نطق معتز بلا اكتراث: _على راحتك. خرج أحمد من المنزل بسرعة كبيرة، وعيناه تلمعان بعزم، وإصرار، فقد كان قد قرر الذهاب إلى العنوان الذي وصله في الرسالة الأخيرة التي تلقاها. وفي الجهة الأخرى، كانت جميلة تقف في الزاوية، تشعر بفيض من الإحراج يغمر وجهها أمام أختها، وزوجها، اللذين كانا يحدقان بها بانتظار تفسير لما يحدث، فقالت بصوت خجول: =سوري يا سامية انتي، ومعتز هو أكيد هيشوف في ايه وهيرجع...المهم طمنيني عاملة ايه مع لارا؟ ردت سامية: _بخير. قد جاءت اللحظة الحاسمة عندما وصل علاء الدين برفقة صديقته رودي، حيث تقدما بخطوات واثقة وجلسا معًا على كراسي الحانة التي تعمل عليها هايدي، دون أن يدرك علاء الدين أن صانعة المشروبات هي هايدي ذاتها. كان الموقف يفيض بالتوتر، وكانت الأضواء الخافتة تلعب بظلالها على وجوههم. بينما كان علاء الدين يتحدث بحماس، قال بصوت مفعم بالحيوية: =اتنين بنسلين. تساءلت رودي بفضول مشوب بالحيرة، وعيناها تتلألآن بوميض الاستفهام الذي انعكس في نظراتها العميقة، فقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالاهتمام: _وقمر هيعمل الـEngagement Party امتى؟ أجاب علاء الدين، وهو يتناول المكسرات بتلذذ وكأنه يعزف على أوتار خفية، ناظرًا إلى رودي نظرة مليئة بالمشاعر، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته الكثير من الحكايات المخفية: =قريب أوي متتصوريش أنا فرحان بيه قد ايه...ده طلع عينا لحد ما أخد الخطوة دي! ضحكت رودي ضحكة رنانة، تملأ المكان ببهجتها وتضفي عليه جوًا من المرح، ثم نظرت إلى علاء الدين بعينيها اللامعتين وقالت، بنبرة تجمع بين الهزل، والجديّة: _مش يمكن زيك، ومش عاجبه أي حد؟ ضحك علاء الدين ضحكة عميقة، تردد صداها في أرجاء المكان، ثم نظر إلى رودي بابتسامة عريضة، وقال بنبرة مفعمة بالدعابة: =sure يا روحي، وأنا يعجبني أي حد برضة؟ تحدثت رودي بدلال: _والبنت اللي قابلتنا دي ايه وضعك معاها؟ معقول هتبصلها؟ رد علاء الدين بسخرية: =أبصلها ايه يا بنتي؟ ايه جاب لجاب؟ هو علشان جميلة أختي اتنازلت، ووافقت تتجوز أخوها أقوم أنا كمان أتدبس في أخته؟ ضربتين في الرأس بتوجع يا روري، وأنا أهلي هيحصلهم حاجة لو ده حصل! تفوهت رودي بدلال ناعم، وقد رسمت على شفتيها ابتسامة ساحرة، وقالت بصوت خافت يحمل في طياته لمسة من الإغراء: _بصراحة مش لايقة عليك خالص انت اللي يليق عليك واحدة زيي...مش معقول يعني هتبص لعلبة الكان دي! كانت هايدي تقف خلف الحانة تستمع بصمت لكل كلمة تدور بينهم، وكلما مر الوقت كانت كلماتهم تشعل في قلبها نار الغيرة أكثر فأكثر، فكتمت أنفاسها بجهد كبير حتى لا تظهر مشاعرها، وقالت لنفسها بصوت خافت، مشدود بالسخط، كأنها تخشى أن يتسرب غضبها من بين شفتيها: =بقى أنا علبة كانز؟ ماشي، ماشي! وبعد أن انتهت من صنع المشروبات، وقفت حيالهم بشموخ، وقالت بصوت حاد يشبه خنجرًا يخترق السكون: =مش أنا علبة كان؟ خدي. وسكبت المشروبات في وجه عدوتها، فانطلقت قطرات السائل كسهامٍ نارية، وصرخت رودي من صدمتها قائلةً بصوت متهدج: _ايه ده؟ وقف علاء الدين في مكانه، محاولًا أن يستوعب ما حدث من حوله، وبعد أن دقق نظره جيدًا وتمعن في تفاصيل الموقف، اكتشف حقيقة هايدي التي كانت مختبئة خلف قناع من الخداع، فقال بسُخطٍ متفجر: =هايدي؟ ايه ده انتي اتجننتي، ولا حصلك ايه؟ وايه جابك هنا أصلًا؟ انتي هتفضلي ورايا لحد امتى؟ في ايه بيني، وبينك مخليكي بتلفي ورايا ليل نهار؟ صرخت رودي في وجه هايدي قائلةً بانزعاج مشتعل: _أنا هوديكي في ستين داهية، ومش هسيبك! نظرت هايدي في وجه علاء الدين بعينين ممتلئتين بالدموع، وقالت بصوت مُتهدج كأنهار تبكي من شدة القهر: =أنا عملت كل ده علشان...علشان أنا... أنا...أنا بحبك! ضحك علاء الدين بصوت عالٍ كأنه صدى في وادٍ مقفر، وقال باستهزاء يمزق الصمت: _فوقي لنفسك يا هايدي أنا وانتي مش شبه بعض، وأنا عمري مافكرت فيكي، ولا هفكر فيكي...بصي على نفسك في المراية، ولا حتى اعرفي أهلك مين...بقى انا ابن أكبر راجل أعمال في البلد ابصلك انتي؟ من قلة البنات؟ ده زي مابيقولوا لا مال، ولا جمال هبصلك على ايه؟ نزل حديث علاء الدين على قلب هايدي كالسكين الجارح، فانتفض قلبها محاولًا النجاة في آخر قطرة دماء له، غير مستوعبة كيف يمكنه أن يحقر من شأنها إلى هذا الحد، فنزلت دموعها حزنًا، وقهرًا على حالها المتدهور، وقبل أن تُبدي أي رد فعل، وجدت أخاها واقفًا أمامها، ينظر إليها نظرات حادة مليئة بالصدمة من الكارثة التي ارتكبتها في هذا المكان الدنيء، فصرخ بها قائلًا بصوت مليء بالامتعاض، وخيبة الأمل: =قدامي يا هايدي! أزاح أحمد أخته بقسوة أمامه، ودفعها للخروج من المكان وهي تبكي بحرقة، وقبل أن يلحق بها ليخرج معها، توقف قليلاً، وواصل حديثه مع علاء الدين بصوت حاد كالسيف القاطع، قائلًا بنبرة تفيض التوعد: =حسابي معاك لواحدنا، وأنا هعرفك كويس ازاي تلعبها من ورايا صح. رد علاء الدين بلا مبالاة: _أختك مدلوقة عليا يا حبيبي، وبتلف ورايا في كل حتة، وأنا مطنشها خالص حتى اسأل رودي! نزل رد علاء الدين على أحمد كالصاعقة المدوية، فلم يدرِ بنفسه إلا وهو يتشبث بعنقه بقوة، ويخبط رأسه برأس علاء الدين بعنف جسيم، وهو يصيح بأعلى ما فيه من غل، قائلًا بنبرة يهتز منها جدران الملهى الليلي: =أنا أختي مبتدلقش على حد، وإياك تتكلم نص كلمة على أختي، وأنا كلامي كله مع أبوك، وهو يتصرف! التفت الجميع لصوت الشجار المدوي الذي اندلع بينهم، فتحدث علاء الدين بصياحٍ عارم: _أوعى ايدك بقولك انت اتجننت ولا ايه؟ أنا هوديك في ستين داهية، وهعرفك ازاي تتكلم مع أسيادك! رد أحمد بصياح: =على نفسك أنا مليش أسياد! وأزاحه إزاءه بعنف، فانفصل عنه بقسوة واندفع نحو الخارج، وهو يُشتعل كالحريق المستعر. في الداخل، كانت رودي تحاول بطريقة مُدللة أن تهدئ علاء الدين، قائلة بصوت ينبعث منه الحنان: _اهدى يا بيبي...ده طلع مجنون أوي. أزاحها علاء الدين من أمامه بحدة، وصاح بصوت ملتهب قائلًا: =أوعي مش ناقصك! بعد أن خرج أحمد من الملهى الليلي، أزاح هايدي أمامه بتصرفٍ حازم، قائل بنبرة ينبعث منها القوة: _قدامي على البيت! ردت هايدي بانتحاب: =حاضر. ركب أحمد، وهايدي السيارة، وبعد مضي ثلاث ساعات وصلوا إلى منزل العائلة في القرية، وكانت الساعة الخامسة فجرًا، وقد كانت أرواحهما تغلي من الانتظار في الليل الطويل، على أمل أن يجدوا أحدًا يستجيب لنقراتهم على الباب الثقيل. طرق أحمد الباب بعنف، وكانت دماؤه تندفع بعنف، يتساءل إذا ما كان سيجد أحدًا على استعداد لاستقبالهم. وعندما أدرك أن لا جدوى من هذا التوقع، بدأ يتخبط الباب بقوة عارمة، لدرجة أن جلال وزوجته استيقظوا فجأة على هذا الصخب العنيف. نهضت ليالي من سريرها، ووضعت الحجاب فوق رأسها بحذر شديد، وفي صوت مرتجف من الخوف قالت: _يا ساتر يارب، في ايه؟ في الأسفل، استيقظ المعلم حنفي من نومه العميق، وخرج من الغرفة بخطوات ثابتة، مُتأكدًا في اعتقاده الثابت أن هذا الصخب المزعج من صنع أم الديب، التي كانت تسبقها شهرتها بالضوضاء، والمشاكل في الحي. فصاح بصوت يُقاوم به الضجيج المتزايد: =شكلها رجعت الولية الفقر... أنا عارف أنها مش هتسكت غير لما أقتلها هي، وأمها. نزل المعلم حنفي بسرعة، يليه جلال وليالي، فتفاجئوا بأحمد، وهايدي إزاءهم، وكانت الدهشة ترتسم على وجوههم. قال جلال بصوت عابر للفهم: _في ايه ياض؟ نظرت هايدي لأحمد، وصرخت قائلة بصوت ملتهب من الهلع: =لا متقولهمش...متقولهمش حاجة علشان خاطري! رد أحمد بعجيج: _أنا سترت عليكي كتير، وانتي مصممة، وأنا مش هستنى لما تجيبيلنا مصيبة...الأستاذة هايدي لقيتها سهرانة في الديسكو مع الزبالة علاء الدين اللي مكنتش أتمنى أنه يكون أخو مراتي، وخال بنتي، أنا متوقعتش إنه بالحقارة دي! برقت عينا جلال، وفي وجهه عبور للدهشة الكبيرة، وقال بصدمة عارمة تعكس صدمته العميقة: =يعني ايه؟ نطق المعلم حنفي بصدمة: _ديسكو؟ ضربت ليالي يدها بقوة على وجهها، وقالت بدهشة تتراجع عنها أنغام السكون: =يا ساتر يارب! نطقت هايدي بانتحاب: _هفهمكم والله انتوا فاهمين غلط. نظر جلال لوالده، وقال بجلبة: =هو ده اللي عند ستها يابا؟ ثم أعاد النظر لهايدي، وأردف بصياح: =بقى بتستغفلينا يا فاجرة يا زبالة؟ تشبث جلال بشعر هايدي بعنف، ووطأها بقوة بأيديه القاسية، وأرجله الثقيلة، فزاد صراخها وتعالت الضجة من حولهم، وكان الجميع يحاولون فض النزاع المتصاعد بينهم بكل الوسائل الممكنة. في الشقة الصغيرة، استيقظت نعمة وزوجها على صراخ العائلة، وعندما سمعت الضجة، اعتقدت أن المعلم حنفي وأم الديب قد اشتبكا مجددًا كالعادة. سرعان ما خرجت من سريرها، ووجهت نظراتها بخوفٍ وقلقٍ شديدين، قائلة بصوت يرتجف من الفزع: _في ايه؟ وفي الأسفل كانت ليالي تحاول بكل جهدها فض النزاع بينهم بشتى الطرق، وكانت تصرخ قائلة: =سيبها يا جلال... يا جلال أوعى، أوعى! صاح جلال في وجهها، وهو يوطئها بعنف، فأكد حدته: _فاجرة، وناقصة رباية! بعد ساعة كاملة من النواح الذي استيقظ عليه أهل المنطقة، نجح المعلم حنفي في إقصاء جلال بعيدًا عن هايدي، وصعد معه هو، وأحمد، وحامد إلى شقة ليالي. لكن جلال لن ينسى ما حدث، فكانت نيران الاهتياج تشتعل في داخله كلما تذكر الخزي الذي تسببت فيه هايدي لهم. صدح في أخيه بصوت يعبر عن اللوم: =انت مش راجل ياض بقى بتستر على أختك الصايعة، وجاي دلوقتي تتكلم؟ كنت مستني أنها ترجعلنا بفضيحة عشان تتكلم؟ رد أحمد بعصبية: _احترم نفسك يا جلال، وانت بتكلمني. نطق جلال بضجيج: =هو ده ياض النسب اللي يشرف؟ مش دول اللي كرشونا يوم شبكتك عشان مش عاجبهم مناظرنا، والواد ابنهم نفسه صايع كبير، ومش لاقي اللي يلمه؟ رد أحمد بعصبية: _حوار الخطوبة ده اتقفل، ومش هيتفتح تاني، وأنا سكت مرة، واتنين عشان المشاكل إنما خلاص جيبت أخري...أنا مكنتش هستنى لما تعمل مصيبة. تلفظ جلال بجلبة: =ده إن معملتش... أنا ايه ضمني أنها معملتش حاجة؟ رد المعلم حنفي بصياح ملتهب: _اسكتوا بقى اسكتوا!. انت ازاي ياض تتكلم على أختك بالشكل ده؟ نطق جلال بصخب، وهو يضرب يده بقوة على الطاولة الموازية له، وصدى صوته يملأ المنزل بالضجيج المدوي: =بتك مش لاقية اللي يلمها...البت دي لازم تتجوز، وتتستر يإما هتعملنا فضيحة، ولا فضيحة ايه أكتر من اللي عملتها؟ في شقة أم الديب، كانت نعمة وليالي يجلسون على سيف هايدي بالأريكة، وهي تعول بحرقة، وقهر عميق. قالت نعمة بصوت ممتزج بين الاستياء، والتعاطف: _ليه كده يا هايدي ليه تخلي راس أبوكي في الطين؟ أجابت هايدي بإعوال: =عملت كل ده علشان بحبه، وهو مكنش حاسس بيا، ولا بوجودي، وعلشان عارفة إن عمره ماهيفكر يبصلي، أصل مش أنا اللي حد يبصلها، واللي حصل ده هيحصل تاني، وتالت، ومليون عارفين ليه؟ عشان محدش هيرضى يتجوز واحدة أهلها غلابة، وإن كان على الفقر فهنقول ماشي، بس المشاكل، والسيرة اللي زي الزفت؟ اللي هيجي يتقدملي أول مايعرف إن أمي بسمة، وأبويا المعلم حنفي، وأخويا الكبير جلال هيصرف نظر، وهيدور على واحدة أهلها كويسين. تفوهت نعمة بتأثر: _متقوليش كده يا هايدي...إياكي تقولي كده! مين قال هيصرف نظر؟ عندك أنا أهو جالي حمو، وخطبني، واتجوزنا. ردت هايدي بانتحاب: =ومين قالك إن حماتك بتحبك؟ مانتي دايمًا بتشتكي منها، وإن كل ماتروحي تزوريها بتقابلك أسوأ استقبال لأنها رافضاكي تكوني مرات ابنها، وعارفة ده ليه علشان ماما، وجلال بتوع مشاكل، وسيرتهم سابقاهم. تلفظت ليالي باستياء ملحوظ: _ملكيش حق يا هايدي..ده جلال قلبه أبيض، وحنية الدنيا فيه بس اللي يفهمه...هو بس عصبي، ومبيحبش حد يجي عليه انتي بس اللي فاهماه غلط! ردت هايدي ببكاء مؤثر، تنهمر دموعها كأمواج الحزن: =مش هتعرفي أخويا أكتر مني. تفوهت ليالي بعقلانية شديدة: _بس أنا الأقربله منك، وأنا اللي في وشه ليل نهار. نطقت نعمة بحزن جسيم، وهي تواسي أختها بكلام ينبع من القلب: =اهدي بس يا هايدي وهتعدي ده كل حاجة بتعدي والله المهم ياختي متعمليش اللي عملتيه ده تاني. تحدثت هايدي، وهي مصدومة في أخيها أحمد بكلمات تنبع من دهشتها العميقة: _معقول أخويا يفضحني؟ بدل مايستر عليا؟ ردت نعمة بجزع: =معلش ي اهايدي مش هتلاقي حد يحبك أكتر من أخواتك هو من كتره خوفه عليكي قال يوقف الموضوع عند حده...هو احنا حيلتنا كام هايدي؟ تفوهت ليالي بتبرم: _استهدوا بالله، وانا هبات هنا لحد الصبح. بعد ساعة من مواساة ليالي، ونعمة لهايدي، نامت ليالي بجانب هايدي، وانصرفت نعمة لتنام في غرفة أم الديب. بينما غادر أحمد البلدة، وبعد مرور ساعتين، وصل إلى منزله، ودخل مستعدًا لمواجهة جميلة. لكن حالما دخل المنزل، وجد جميلة في انتظاره، تشد يديها ببعضها، وترفع حاجبها بحنق لم يرحب به. دخل الغرفة بصمت، فرأت جميلة السخط يملأ عينيه، فقالت بصوت متسم بالعتاب: =معقول راجع البيت تمانية ونص الصبح؟ انت أحرجتني قدام سامية، وجوزها! رد أحمد باضطراب، وهو يقوم بتغيير ملابسه بحركات مُتسارعة، وعابرة من الاستعداد: _جميلة أنا مش عايز أسمع أي كلمة! انصدمت جميلة من طريقة حديث أحمد معها، فردت بصوت ينبع منه الاستياء: =نعم؟ انت أكيد اتجننت ازاي ده بقى كلامك معايا؟ وقف أحمد إزاء جميلة، وقال بحفيظة مليئة بالحدة: _علاء الدين. ردت جميلة بفضول: =ماله؟ أجاب أحمد بعجيج: _البيه قابل هايدي في الديسكو...أنا أختي تسهر في ديسكوهات؟ وأنا أختي هي اللي بتجري وراه كمان؟ نظرت جميلة نحو الباب، وهي تخشى أن تستيقظ ابنتها على صياح والدها، فقالت بخوف متدفق: =تاني؟ علاء الدين عملها تاني؟ أنا هروح لبابي، وهتكلم معاه. تلفظ أحمد بضيق: _من غير ماتقولي أنا كده كده هروحله. ردت جميلة بنبرة هادئة، ومتماسكة: =طيب بليز نروح سوا احنا لينا كلام معاه. في تمام الساعة العاشرة صباحًا، عادت أم الديب إلى المنزل وهي تحمل أكياس الخضار في يدها، فتعجبت من رؤية ليالي نائمة بجانب هايدي، ونوم نعمة بمفردها في الغرفة الأخرى. وضعت الأكياس في المطبخ، وبينما كانت تقوم بذلك، قالت بتعبير يعكس دهشتها، وتفاجؤها: _ايهي هو في ايه؟ ايه اللي منيمهم هنا لا يكون الراجل مات. عندما دخلت أم الديب إلى غرفتها، انبعث صدى صوتها بحدة في الأجواء، كلماتها تعكس حالة من الذهول المتكاثر داخلها: _انتي يا بت نايمة هنا ليه؟ استيقظت نعمة من نومها، وفجأة تفتحت عيناها على واقع مختلف، حيث اجتاحتها الحيرة لتنقلب حالتها من السكون إلى اليقظة المفاجئة، فقالت بنبرة خافتة: =صباح الخير ياما...انتي رجعتي؟ ضحكت أم الديب، وقالت بسخرية: _لا لسة شوية يا بت. ردت نعمة بحزن بسذاجة: =اسكتي ياما على اللي حصل امبارح...كنا نايمين وفجأة ألاقيلك زعيق، وصويت تحت. ضربت أم الديب يدها بقوة على صدرها، وانطلق صراخها في الهواء، كلماتها تنبعث منها كالبركان المتفجر، وهي تنطق: _يا مصيبتي! واصلت نعمة حديثها: =نزلنا على ملى وشنا والله لقينا أحمد، وهايدي بيتخانقوا، وصوتهم مسمع في البلد كلها اسألهم في ايه؟ يقولك هايدي كانت في الديسكو مع علاء ابن ست هانم قام جلال جايبها من شعرها، ونازل ضرب فيها، واحنا نسلك مابينهم لحد ماسابها بالعافية، ومن ساعتها، واحنا نايمين هنا نونسها لحد مالمشكلة تتحل من عند ربنا. صرخت أم الديب قائلة بإعوال: _يا لهوتي...الفاجرة ضحكت عليا، وقالتلي رايحة رحلة تبع المدرسة، وفي الآخر تطلع في الكبارية وسط الشمامين، والسكرانين يا خرابي...يا خرابي! ردت نعمة بجلبة: =اسكتي ياما انتي هتولعي الدنيا، واحنا ماصدقنا أنها هديت؟ تفوهت أم الديب بصياح عالٍ، وهي تلتفت بعيون متوترة حولها، كأنها تبحث عن دليل: _دي لسه هتتشعلل يا بت...هي فين الفاجرة دي؟ دخلت أم الديب بغرفة هايدي واندفعت كلماتها بصوتٍ عالٍ كصفعةٍ مؤلمة: _نايمالنا في العسل يا بت، وولا همك؟ ردت ليالي بصياح: =اسكتي يا حماتي، تعالي معايا! نشبت ليالي بيد أم الديب بقوة، وهمت بسحبها خارج الغرفة. ارتفع الحنق على وجه أم الديب كأنه جبل من الضغينة ينمو داخلها، وفجأة انفجرت بصوت يملأ الفضاء، وكأنها تحاول بكلامها أن تنسف كل الجروح التي كانت تحملها في داخلها: _بتدخلي بيني، وبين عيالي ليه يا مقصوفة الرقبة؟ رفعت ليالي حاجبها، وقالت بصوت حاد: =وفيها ايه ده بدل ماتشكريني؟ ده لولايا كان زمان هايدي جثة هامدة دلوقتي. ردت نعمة برهبة تامة، كأنها تشعر بوزن اللحظة الكبيرة التي تتجلى فيها المخاوف، والترقبات المتوترة: _والله ياما ليالي كانت بتحوش بينهم على آخرها... هايدي كانت هتموت في ايد جلال مانتي مشوفتيش اللي حصل. صرخت أم الديب، وهي تندب حظها قائلة ببكاء: =يا عيني عليكي يا أم الديب بختك مايل في عيالك يادي الهم، والغم اللي حط علينا. ردت ليالي بخبث مُلتهب، وهي تتمتع بالفرحة في سماع مشاكلهم، وتتفنن في تحقيق الفوضى: _يا حماتي أنا ستر، وغطا عليكم، وعُمر ما سركم يطلع برا أبدًا! هنا يظهر التناقض بوضوح عندما رويت ليالي كلّما حدث لأختها هبة في نفس اليوم، وهي في زيارة عائلية عندهم في شقة أم أشرف. وقد تصاعدت الأحداث كالأمواج المتلاطمة في بحر الصراعات، حيث عكست ليالي على وجهها ابتسامة من زجاج، تُظلل سطوعها الخافت مع كل كلمة تصدر من شفتيها: _دي فضحتهم فضيحة...ده جلال يا عيني عليه تعبان أخته هدت حيله، ولا حمايا بقى الله يكون في عونه. نطقت هبه بشماتة: =خلي الست القادرة دي تتهد شوية ألا أنا بصراحة شايفاها فاردة عضلاتها، ومش هاممها حد. ردت أم أشرف بصدمة: _بقى معقول يا ليالي كل ده يطلع من هايدي؟ تفوهت ليالي بكلمات تنبعث منها روح التشويق. بينما تستعد لإلقاء الضوء على أسرارهم المظلمة: =أه وحياتك عندي ده احنا كنا فاكرينها الحمل الوديع. نطقت أم اشرف بسخرية: _ده نسب يشرف أوي ياريتني ما أديت ابني حامد لنعمة بنتها...أنا مكنتش موافقة على الجوازة دي من الأول ده ياريتها كانت جوازة زي جوازة أشرف حبيبي من هبة نور عيني. ردت هبة بابتسامة تنم عن الود المتجدد: =ربنا يخليكي ليا يا حماتي. تلفظت ليالي بابتسامة: _ربنا يديم المحبة بينكم. بعد أن استيقظ أحمد، وجميلة، وسيليا من نومهم، ذهبوا مباشرة إلى منزل أم قمر الدين. جلسوا مع باسم وبسملة في المكتب الرحيب الذي يعتبر مركزًا للتواصل، والمناقشات العائلية. بدأوا في سرد كل ما حدث خلال الفترة الماضية، وتداولوا الأحداث بشكل مفصل، كأنهم يعيدون بناء سياق الأحداث وتفاصيلها بدقة. فجأة، انصدم باسم بما سمعه عن ابنه، وشعر بصدمة جسيمة تخترق قلبه، وعقله، حتى أنه لم يتمكن من إيجاد الكلمات المناسبة في اللحظة الأولى، حيث قال بصوت يعبر عن التأثر العميق: =كله من دلعنا فيه، وأنا معترف بس خلاص الولد ده لازم يتحكم عليه، ونعرف خط سيره من النهاردة. ردت أم قمر الدين بصوت حنون يعكس الدفء: _أهم حاجة يا حبايبي متخلوش المشكلة اللي حصلت تأثر على حياتكم مع بعض...تربيتنا لجميلة، وبقية أخواتها تنعكس تمامًا عن تربيتنا لعلاء الدين! تلفظ باسم بخيبة أمل: =جميلة بنتنا، وبقيت أخواتها اتربوا أحسن تربية...بس مش عارف علاء الدين طالع كده لمين! رد أحمد باستياء: _بيني وبينك يا عمي أنا اتصدمت في علاء الدين صدمة عمري، أنا كنت فاكروا غير كده خالص. نطقت أم قمر الدين بتأثر ملموس، كلماتها كانت كلؤلؤ من الحكمة تتساقط بلُطف: =علاء الدين شاب طايش زي بقية الشباب، وبكرا يعقل، ويعرف إن اللي بيعمله ده أكبر غلط! رد باسم بثقة عظيمة في النفس، منطلق من قلب متمرس، وعقل واثق، كلامه يتسم بالقوة، معبر عن استعداده لمواجهة أي تحديات قد تواجهه بثبات: _متقلقش ده ابني، وأنا أعرف كويس جدًا أوقفه عند حده...أنا هنا كبير البيت، والكلمة كلمتي. رد أحمد بامتنان: =متشكر يا عمي لحُسن تفهمك الموضوع. تحدث باسم بجدية: _أنا إنسان عادل جدًا، ولا يمكن أقبل بالظلم، وحق هايدي أختك فوق دماغي. بينما رد أحمد بإحراج، كان يشعر بالخجل، وكلماته تتناغم مع حالة من الحرج: =مش عارف أقول لحضرتك ايه بجد. نظرت جميلة لزوجها بابتسامة خافتة في عينيها، وقالت برقة تعبّر عن مشاعرها المحبة: _خلاص مبسوط كده؟ أجاب أحمد بارتياح: =مبسوط. عندما دخل علاء الدين إلى المكتب، ورأى أحمد، وجميلة، بدأ صوته يعلو بشكل تدريجي، وظهرت علامات الكيد على وجهه، كأنها عواصف من الغيظ تتجمع في عينيه. ثم بدأ يتحدث بأسلوب ينم عن أخلاقه الوضيعة: _انت هنا بتعمل ايه؟ نهض باسم مكانه، وكأنه جدار من الثبات في وجه العاصفة، وصاح فيه، قائل بتحكم: =انت تحترم نفسك، ومن الواضح إن احنا معرفناش نربيك كويس زي بقية اخواتك! وقف البقية، وفي لحظة من الصمت المتوتر، انكشفت عبارة من بين شفتي أم قمر الدين، بوضوح تام لكن بخوف يعكسها تلك العيون المرتعشة: _جميلة خدي جوزك، وامشوا، واحنا هنعرف نتصرف كويس. ردت جميلة باستياء: =أوكي يا مامي. غادر أحمد، وجميلة، وسيليا منزل باسم، كما لو أن الهواء نفَضَ بمشاعرهم القلقة خارج أبوابه. وفي تلك اللحظة التي اتسمت بالصمت المشحون بالتوتر، وقف علاء الدين أمام والده، كما يقف الجبل الشامخ في وجه عواصف الحياة، وصاح به بصوت يرتد في أروقة الوجدان قائلًا: _بقى بتيجي على ابنك عشان واحد غريب؟ رد باسم بصياح: =أولًا جوز أختك مش غريب ده بقى واحد مننا، ثانيًا آجي عليك دي لما تبقي انت الصح، وغيرك هما اللي غلط لكن انت كل تصرفاتك غلط في غلط، ومحتاج تتربى من الأول، وجديد! نطق علاء الدين بكلمات مترنمة بالفسق، كأنها نبوءة فاسدة تخترق جدران القصر: _دي مشكلتك انت مش مشكلتي! رد باسم بصوت يتخلله العجيج المتوحش، وهو يجوب وجهه بصفعة جلفة: =اخرس! انصدم علاء الدين بما فعله به والده، فوضع يده بتردد مهتز على خذه، وتعانقت خيوط الألم في عينيه، وهو ينطق بصوت يرن في أرجاء المكتب: _تمام... لا تمام أوي. وسرعان ما هرول حتى خرج من المنزل، وكأن الأرض تحت أقدامه تنفجر في رعب صامت، ووالدته خلفه تلاحقه بنواح متجرد من الأمل، صرخاتها كالصاعقة تتلاطم في كل ركن من ركني القصر: =استنى يا علاء الدين...استنى! في منزل أحمد وجميلة، بعد أن عادوا وهم يحملون عبء المشاكل، تحدثت سيليا بحزن يتراقص في كلماتها كأنها نغمة تسربت من أوتار قلبها المكسور: _مامي انتوا كل يوم بتتخانقوا ليه؟ وليه جدو كان بيزعق لخالو علاء؟ ضغطت جميلة على أعصابها بقوة، كمن تتماسك على حدود الانفجار لتحمي مشاعر ابنتها من الضرر، وفي لحظة من الرصانة، أطلقت كلماتها بنبرة هادئة كنسمة خفيفة تعبر عن الصبر اللامتناهي: =أدخلي جوا يا سيليا دلوقتي. دخلت سيليا الغرفة وهي تحمل على كتفيها وقع ألم لا يمكن إخفاؤه، وأوصدت الباب خلفها بحركة تنبض بالكآبة، والانغماس في بؤس الذات. فتحدث أحمد بعصبية، تعكس حنقه المتقد: _لازم تنسي إن ليكي أخ اسمه علاء الدين! ردت جميلة بصدمة عارمة: =يعني ايه؟ ده أخويا! نطق أحمد بجلبة: _أخوكي هيكون سبب دمار علاقتنا! تفوهت جميلة بسخط: = وليه متقولش إن هايدي هي اللي هتكون السبب؟ رد أحمد بانزعاج يعكس شكل من التوتر، كأنه كشهقة من الروح تنبعث من الضيق: _هايدي غلطانة زي علاء الدين ماهو غلطان! تفوهت جميلة بعبارة اعتراضية تنبعث منها بثبات، كأنها صوت العدل يترنم في أروقة الشقة: =مش معقول تحكم عليا أنسى أخويا علاء الدين أنا مقدرش!. ده في الأول، والآخر أخويا! رد أحمد بعبارة مليئة بالشحناء المكبوتة، وهو ينظر إليها نظرات حادة كالسيوف المسلطة على صدر الحقيقة المرة: _يبقى ده اختيارك يا جميلة. جمع أحمد ملابسه بعجلة داخل الحقيبة، وسافر خارج المدينة، ترافقت خطواته مع صدى صياح المعلم حنفي كصخب يملأ الهواء، كأنها دعوة تطلب الانتباه لقضية مهمة: =انت عبيط في مخك ياض؟ أخوها ايه اللي تنساه ماتبطل شغل المتخلفين ده...ده أنا قولت إنك كبرت، واتجوزت، وخلاص بقيت عاقل هو في حد يستغنى عن أخواته؟ ردت نعمة بصوت ينبض بالحسرة، وهي تتأمل في الأحداث بعيون مليئة بالتأثر: _لو نفترض ياخويا إنك وحش، وفيك كل العبر ينفع لما جوزي يقولي أقطعي علاقتك بأخوكي أعملها؟ نطق المعلم حنفي بنبرة حادة: =انت تحط مشاكل هايدي على جنب، وعلاقتك بمراتك في جنب تاني هي اللي ليها تاخد موقف إنما متقطعش علاقتها بيه...ياض اللي مالوش خير في أهله مالوش خير في حد، ولو هي النهاردة خسرت أخوها اللي أقرب ليها منك يبقى بكرا هتخسرك! اقتنع أحمد بحديث والده بكلمات تنم عن تأمل عميق وفهم واع، كأنها نقطة تحول في فهمه للأمور، تنبعث منها روح الحكمة، فقال بحيرة: _أعمل ايه يا جماعة؟ أنا خلاص دماغي وقفت عن التفكير، وكل ده بسبب هايدي...ده أنا قولت إنها أقرب واحدة ليا، مكنتش متخيل إنها ممكن تعمل كل ده. خرجت هايدي من غرفتها وهي تحني رأسها باستياء يعكس وقوع الدموع المتغلغلة في عينيها، كأنما تتلون الكلمات بألوان الحزن المكبوت، وقالت بندم: =أنا عارفة إن أنا اتسببتلكم في مشاكل، وإن الدنيا قامت مقعدتش من ساعة اللي حصل بس خلاص أنا ندمانة...أنا مش عارفة ليه رخصت نفسي أوي كده وعلشان ايه؟ أنا دلوقتي بتمنى الارض تتشق، وتبلعني. يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة