نشب المعلم حنفي في ذراع ابنه في الحال، وهو يزيحه أمامه ويصيح فيه قائلًا: _انت اتجننت ولا ايه يابن الكلب؟ بتمد ايدك على مراتك؟ لو متربتش آني هربيك. اجتمعت النساء حول ليالي، يعبّرن عن تضامنهن ودعمهن بكلمات مليئة بالدفء، والراحة، بينما كانت نعمة وهايدي تقدمان لها العون الصادق. أما الرجال، فاجتمعوا حول جلال كالعواصف المحمومة. غلب على جلال غضب شديد، وصدح صوته يعلو ويهتف قائلاً: =وربنا مانا ساكت يابا... مش جلال اللي يتعمل فيه كده! أزاح المعلم حنفي ابنه أمامه بغضب متقد، وهمس السخط في صوته متسللًا خلف كلماته. يصيح قائل بلهجة مليئة بالاهتزاز: _تعالى معايا... بقولك تعالى! حتى وصل به إلى السيارة. لكن أم الديب كانت تشمت في نزاع جلال وزوجته، وكلماتها كانت كاللهب تشتعل في حديث ناري يزيد التعقيدات بينهم. وفي لحظة من الغضب العارم، صاحت بوجه غاضب قائلة: =روحوها على بيت أبوها بلا وجع دماغ... قلبي راضي عليك يا جلال، أول مرة أحبك يا ولا. ذهبت أم الديب لجلال، والمعلم حنفي أما حامد قال لزوجته بنبرة متأثرة: _يلا يا نعمة هنوصلها بيت أبوها! عانقت نعمة ليالي، وهي تبذل جهدًا في محاولة لمواساتها. وفي حين كانت الأنظار تتجه نحوهم بدهشة، قالت بحزن عميق: =متعمليش في نفسك كده يا ليالي! اهدي ياختي! ردت ليالي بنواح: _ودوني بيت أبويا يا نعمة. بالفعل، انطلقت نعمة وحامد بصحبة ليالي في ميكروباص. وخلال الرحلة، كان المعلم حنفي يصيح في جلال في السيارة، قائلًا: =ده انت ياض معندكش دم! بقى انت اللي غلطان، وكمان بتمد ايدك عليها يابن الكلب؟ ردَّ جلال بصياحٍ عالٍ يحمل بين طياته الانفعال، بينما كانت يديه المتشبثتين بعجلة القيادة تلتفان عليها بقوة، وكأنهما تحاولان السيطرة ليس فقط على السيارة، بل على أفكاره المتزايدة في ذهنه أيضًا: _مش عاوز نص كلمة يابا... سيبني في اللي أنا فيه! انهمرت دموع حمود بغزارة، فاضحةً حزنه الدفين، ثم نطق بتهدج، حاملًا بين كلماته حزنًا لا يوصف: =أنا عاوز أمي! انصبت دموع تقى بهدوء، لتتسلل إلى وجنتيها برقة، ثم نظرت إلى الأفق بعيونٍ مليئة بالشجن العميق، قائلة بصوتٍ خافتٍ ينساب من بين شهقاتها: _ودوني لماما... أنا بحب ماما! كانت هايدي جالسة بجانب الأطفال، محاطةً بنفحات الصخب التي تحاول قدر الإمكان أن تبعدهم عنها، بينما كانت عيونها تعكس مدى قلقها عليهم. همست بصوت خافت مغمور بالرهبة: =متخافوش هتروحولها بس استنوا ألا يعمل فينا حاجة ده زي المجنون مش شايف قدامه! تحدثت أم الديب بسعادةٍ عارمة، التي بدت تتلألأ في عينيها وتضيء وجهها بابتسامة دافئة، وكأنها تنقل إلى من حولها شعورًا طيبًا لا يمكن تجاهله، وقالت بفرحٍ صادق: _جدع يا ولا... بقى سايبها تغلط فيك وفي خالك ضايع؟ ده احنا أحسن من اللي جابوها... ده احنا ناس شريفة! نظر المعلم حنفي إلى الوراء بامتعاضٍ جسيم بينما كان يجلس بجانب جلال الذي يقود السيارة، وبدت معالم وجهه متجهمة وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع: =عندك كلمة حلوة قوليها... معندكيش اتكتمي بدل مانتي عمالة تسخني فيه! تفوهت أم الديب بصياحٍ عالٍ، يحمل نبرة الاحتدام، وكأنها تحاول أن تجابه الموقف بكل قوتها، قائلة بلهجة حادة: _انت مالك يا راجل انت؟ آني بكلم ابني انت ايه حشرك مابينا؟ رد المعلم حنفي بصياح: =جلال ابني زي ماهو ابنك! قال جلال بضجيجٍ متصاعد، يعبر عن سخطه العارم وضغط اللحظة، وملامح وجهه مشدودة وكأنه يحاول جاهدًا كبح انفجار مشاعره: _اسكتوا مش عاوز أسمع حاجة منكم اللي هيتكلم نص كلمة أنا هحدفه من أم العربية، وما هيفرقلي! بعد مرور ساعتين ونصف من السير المتواصل، وصلت العائلة إلى القرية، حيث كان القلق يتصارع في قلوبهم، وفي تلك الأثناء، توجهت نعمة وحامد إلى منزل أهل ليالي، ووقفا على عتبة الباب، حيث طرقا عليه بقلقٍ لا يُخفى. فتحت تباهي لهم الباب، وهي تتألق بابتسامة عريضة، غافلة عن أحداث اليوم الصاخبة وما مرَّت به ابنتها، وقالت بفرحٍ مفعم بالجهل بما يجري: =حاضر ياللي على الباب، أنا جاية أهو. فتحت تباهي الباب، وكأنما تأملت عتمة المجهول، وإذا بابنتها ليالي تظهر أمامها، وجهها مغطى بالظلام وملامحها متخبطة، كأنما تقرأ كلمات الحزن في سطورها. انتابتها رعشة الصدمة، وصدحت بصوت يخترق الصمت، وهي تحتضنها بحنان يمزج بين الحب، والألم، قائلة: _يا لهوتي ليالي! صرخت ليالي بصوتٍ مملوث بالقهر، حيث انطلقت الكلمات من شفتيها كالسهم، تعبيرًا عن صدمة لم تستطع استيعابها في تلك اللحظة الحرجة، قائلة: =ضربني في وسط الشارع ياما، فرج عليا الناس وقل مني..أنا عايزة أتطلق! صخبت تباهي بنواح، وهي تحمل في كلماتها أوجاع العالم بأسره، حيث انطلقت صيحاتها المفعمة بالصدمة، قائلة بنبرة تملأها الشجن: _يا لهوي يا بتي... يا لهوي! خرج عم سلامة بسرعة على إعوال زوجته وابنته، وكأنه يستعد لخوض معركة، وفي لحظة اندفاع، قال بصوت يحمل طيات الاستعداد: =في ايه؟ حد يتكلم! أجاب حامد بحيرة: _جلال ضرب ليالي. صاح عم سلامة من صدمته، وقد ارتجف جسده بين الفزع، والرعب، وملامحه تعكس مدى الهول الذي اجتاحه، قائلًا بصوتٍ متقطع: =يا كلب يا زبالة... أنا مش هسيبك يا جلال! خرج صابر هو الآخر على إثر صياح الجميع، وعيناه تتسعان في دهشة عارمة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الصدمة العميقة، وقال بصوتٍ متحشرج: _ضربها؟ يعني ايه ضربها؟ أجاب حامد بإحراج: =زي مابقولكم كده، وكانت فضيحة، وأمة لا إله إلا الله اتلمت علينا في قلب الشارع. تحدثت نعمة ببكاءٍ متواصل، تتخلله شهقات الحزن، وقد انسكبت دموعها بحرقة على وجنتيها، وكأن كلماتها تحمل ثقلًا لا يقوى قلبها على تحمله، قائلة بخنقةٍ: _حقكم على راسي هاتوها فيا أنا... ده جلال طيب و... صاح صابر في وجه نعمة بسخطٍ عارم، وكلماته كانت كالسياط تلهب الجو المشحون بالأحزان، وقد اشتدت ملامحه قسوةً، قائلًا بفظاظة: =طيب ايه بعد اللي عمله ده؟ ازداد تدفق الدماء في رأس عم سلامة، حتى احمر وجهه بشدة من شدة الانفعال، ثم انفجر بالصياح، قائلًا بنية انتقامية: _أدخل هات النبوت من جوا يلا! دخل صابر ليحضر النبوت، وتباهي دخلت بابنتها ليالي في الداخل. خرج صابر وهو يحمل نبوتين، وكأنهما درعًا جاهز لحمايتهم. وعندما رأتهم نعمة، صرخت بهلع، وعبرت عن قلقها على أخيها بحروف مليئة بالرعب، قائلة: =أحب على ايديكم، ورجليكم بلاش تعملوا حاجة في جلال... جلال مكنش في وعيه ومش حاسس باللي عمله! تحدث حامد، وهو مذعور من ذلك المشهد الذي بدا له ككابوس لا ينتهي، وقد ارتجفت كلماته بين شفتيه، وعيناه تجولان بقلق بين الحاضرين، قائلًا بارتباكٍ: _استهدوا بالله ده شيطان ودخل مابينهم، ده انت لو هتلف الدنيا كلها مش هتلاقي حد أحسن من جلال. نطق عم سلامة بصياح: =أنا مش هضيع حق بتي. وأردف لصابر: =يلا بينا! انقض عم سلامة وابنه إلى منزل أم الديب، في حين أخرجت نعمة هاتفها في التو والحال، واتصلت بأخيها لتخبره بما سيحدث، كأنها رسولة تنبئ بعاصفة قادمة، محملة بالشجار، تهمس بالخطر الذي ينتظرهم قائلة: _ألو يا جلال، عم سلامة وابنه جايين عليك وناويينلك على نية سودة...انفد بجلدك! قال جلال بصخب: =طب وربنا مانا متحرك من مكاني مش جلال اللي يهرب...جلال أخوكي أسد يا بت...اقفلي! ردت نعمة بصياحٍ يحمل في نبراته كل معاني الخوف: _يا جلال اهرب بدل ما يعملوا فيـ... قبل أن تنهي نعمة حديثها، أغلق جلال المكالمة في وجهها بحدةٍ مفاجئة، مما جعلها تتوقف في منتصف الكلام، وقالت بتعجبٍ، وكأنها لا تصدق ما حدث: _ده قفل! تحدث حامد بقلق عميق، وعيناه تبحثان عن الأمل في وسط بحر من الشكوك، محاولًا أن يتغلب على مخاوفه المتصاعدة: =خلاص يا نعمة خلينا برا دلوقتي لحد مالخناقة تخلص. ردت نعمة بنواح: _أنا مش هسيب أخويا...خد محمد وديه عند هبة لحد مانا أتصرف. تحدث حامد بتعجب شديد، حيث ارتفعت حواجب دهشته إلى أقصى حد، وجاءت كلماته مشبعة بالذهول: =وانتي مالك يا نعمة بالمشاكل؟ تعالي بس نقعد في أي حتة دلوقتي. ردت نعمة بصياح مدوي، حيث ارتفعت نبرة صوتها بشكل مباغت، وكأنها صرخت بكل ما في جعبتها من مشاعر مضطربة: _أنا مش هستنى لما جلال أخويا يحصله حاجة. تركت نعمة ابنها لوالده، وانطلقت نحو منزلهم، حاملةً معها القلق. وعند وصول عم سلامة وابنه إلى منطقة أم الديب، اندلع لديهم مشهد غريب، حيث وجدوا جلال ينتظرهم في منتصف الشارع، وهو يحمل سلاحه الحاد، ويقتلع التيشرت الخاص به، وتحوم في الهواء كلماته الصارخة، حيث نطق: =هخاف منكم ولا ايه؟ حاول المعلم حنفي مرارًا وتكرارًا إبعاد ابنه، وأن يزيحه لداخل المنزل، وفي تلك اللحظات الحارة، صاح به بصوت يهز الهواء، كأنما كان يحاول إيقاف عاصفة نارية تتصاعد، قائلًا: _خش جوا يابن الكلب... خش جوا! أجاب جلال بصياح: =مش داخل يابا... اصحي يا منطقة ده أنا جلال الشبح وكل الناس بتعملي ألف حساب... الشويتين بتوعك انت وابنك مدخلوش عليا. خرج جميع الجيران من نوافذ منازلهم، ليتجمعوا كحشود متلهفة لمتابعة تفاصيل الشجار الذي كان يجري في الشارع. ارتفعت أصواتهم وتداخلت مع صرخات المتورطين في النزاع، بينما تأرجحت الهمسات والتعليقات بين الحاضرين. في خضم هذا الفوضى، صرخ المعلم حنفي بصوت جهوري يملأ الأفق ويتسلل إلى كل ركن من أركان الحي، كأن صوته قد تحول إلى صدى يرتد عبر الجدران، ينقل معه طابعًا من الحزم، محاولًا استعادة النظام وفرض سلطة الهدوء وسط هذه الفوضى العارمة: _بقولك خش جوا ياض آني أبوك، والكلمة كلمتي... ده اللي مالوش كبير بيشتريله كبير! خرجت أم الديب من شرفة منزلها كسفيرة للكلمات النارية، حيث طرحتها كألسنة متلهفة للجدال. فتزايد العناد في رأس ابنها كالعاصفة الهائجة، وفي هذا السياق، قالت بصوت مرتفع: =ارزعه يا جلال... علمه وعرفه مين احنا، مناقصش غير دباحين الحمير هما اللي يتكلموا! صاح عم سلامة بانفعال: _يلا يا عقربة... أنا مش هرد عليكي أنا كلامي مع الرجالة مش مع النسوان، ولو إني أشك إنك ست. ردت أم الديب بصياح يتردد في أركان الحي، وكأن صرخاتها قد تحولت إلى أمواج ثائرة تصطدم بالجدران وتملأ الفضاء بصدى متواصل: =آني ست غصب عنك، وعن اللي يتشددولك يا دباح الحمير! صخب المعلم حنفي، قائلًا بحزم: _خشي جوا يا ولية ألا أطلع أكسرلك عضمك! قهقهت أم الديب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، بنبرة ملؤها الاستهزاء. كان صوتها مغمورًا بالتهكم، وهي تعبر عن استهتار عميق تجاه محاولات ضبط الوضع: =حنفي المخلع بيتكلم؟ أما انت عليك حاجات تضحك بشكل ياخويا. رد المعلم حنفي بامتعاض: _حسابي معاكي بعدين. ثم اقترب من عم سلامة، وأردف بتفهم، معبر عن حرصه على معالجة الأمور بحكمة وحرص على مشاعر الآخرين وسط الفتنة الراهنة: _أقعد يا عم سلامة نتكلم كلمتين ونحل الموضوع ودي. أجاب عم سلامة بصُداح: =آخد حق بتي ليالي، وبعدين نتكلم. وصلت نعمة إلى المنزل في هذه اللحظة، وهي تعول قائلة بلهجة تشرح قمة الاستياء. كان صوتها يتعالى، حاملًا في طياته التوجس: _أمانة عليك يا عم سلامة ماتعملنا حاجة ده احنا أهل ونسايب، متخليش العيال يشوفوكم وأنتوا بتتخانقوا ويفضلوا فاكرينها... أقعدوا بس وأبويا هيحلها... استهدوا بالله متخليش القلوب تشيل من بعض! رد صابر بصياح: =وحق أختي ليالي نعمل فيه ايه؟ قالت أم الديب بجلجلة عاليةٍ تفجر الشجو الذي يعتمل في صدرها، كان صراخها يملأ الأرجاء بنبرة مفعمة بالتحدي: _حق مين يا أبو حق؟ هي ليالي البايرة ليها حق؟ هي كانت لاقية حد يبص في خلقتها غير ابني؟ دي ماصدقت حد عبرها... هي كانت لاقية؟ أراد عم سلامة رد اعتبار ابنته، فتقدم بعجيج قوي، كأن صوته يقطع الهواء بحزم، متسلحًا بالشجاعة ليدافع عن كرامة ليالي في وجه الاتهامات: =أنا ليالي بتي ست الستات، وعلى الله أسمع سيرتها تيجي على لسانك... ليالي بتي كان العرسان واقفينلها طوابير ومن غبائها سابت كل دول واختارت ابنك. تحدث جلال بجلبة، وهو يوجه سلاحه في وجه عم سلامة وصابر، ونبرات صوته تحمل مشقة التهديد، مشبعًا بالتحدي: _اتكل على الله متخلنيش أتهور، وجلال لما بيتهور بيقلب وأنا قلبتي وحشة! قال عم سلامة بضجيج: =هخاف منك أنا ولا ايه؟ رد المعلم حنفي برصانة: _تعالى بس يا عم سلامة نتكلم كلمتين! بعد نصف ساعة من المحاولات المجهدة التي بذلها المعلم حنفي في محاولة تهدئة الأوضاع والتوصل إلى حل مع عم سلامة وصابر، قرر الثلاثة أخيرًا الجلوس معًا في أحد أركان المنزل بعيدًا عن ضجيج النزاع، في محاولة يائسة لإيجاد حل وسط يرضي الجميع، وفي هذا الوقت، صعدت نعمة إلى شقة أم الديب وهي تبدو حزينة، تعكس مشاعر القلق التي تتملكها، وفي هذا السياق، كان قلب أم الديب يفيض بالتمنيات، حيث قالت بمرارة: =خليه يطلقها ونخلص من همها. ردت نعمة بانفعال: _انتي مفيش فايدة فيكي؟ هتفضلي كده لحد امتى؟ تحدثت أم الديب بنبرة حادة: =لمي نفسك يا بت، ولسانك ميخاطبش لساني! قالت نعمة بحزن: _ماشي ياما زي ماتحبي. صعدت نعمة إلى شقتها، وكان حمود وتقى متواجدين مع هايدي في غرفتها، وفي الوقت نفسه، وصل أبو محمد، وخال، وعم ليالي. وعندما دخل أبو محمد، الخال الملم بفنون تسوية الأوضاع، قال بحكمة: =السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رد الجميع بمهابة: _وعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته. جلس أبو محمد، وقال بعقل رشيد: =ايه اللي حصل؟ تحدث خال ليالي بنبرة جلفة: _احنا بتنا غالية واللي ابنكم عمله ده ميصحش. قال جلال بصياح: =وأنا مش غلطان، ومعملتش حاجة تديني! تفوه عم سلامة بصخب: _حق ليالي يرجع... أنا مش هسكت عن حقها! نطق المعلم حنفي بصرامة: =استهدوا بالله، واللي اتكسر يتصلح! تلفظ صابر بضجيج: _اللي اتكسر عمره ما يتصلح يا حاج...انت ترضاها لبت من بناتك؟ قال المعلم حنفي بانصاف: =لا مرضاش وإن جيتوا للحق فجلال غلطان! رد جلال بصياح مرتفع، وصراخه مشحونًا بالإصرار، يعبر عن رفضه القاطع للضغوط الممارسة عليه، ورفضه لأي محاولة للتدخل في تصرفاته الشخصية: _وأنا مش غلطان يابا...بتكم فضحتني في قلب الشارع، الناس تقول ايه لما يسمعوا إني حرامي؟ وقف صابر مكانه، وصاح قائلًا بصوت عالٍ ينم عن رفضه لتلك الأفعال الخنوعة: =أنا شايفك بعينيا الإتنين دول وانت داخل تسرق انت، وخالك ولما لقيتني معاهم خلعت انت وهو! قال جلال بجلبة: _أنا مكنتش داخل أسرق انت اللي فهمت غلط، وكل ده ميخصنيش...بتكم غلطانة وجرَستني في قلب الشارع! في منزل عم سلامة، كانت ليالي تشعر بثقل شديد داخلها، ويجتاح قلبها حزنًا عميقًا لما مرَّت به، وهي مستلقية على ساق أمها. فكانت والدتها تراقبها باستياءٍ، وهمسَت: =طب وبعد ما تطلقي يا ليالي؟ مفكرتيش في عيالك هيروحوا فين؟ أجابت ليالي بانتحاب: _يجوا هنا ولو قعدتي معاكم هتدايقكم فأنا هدور على شغل وهاخد عيالي أصرف عليهم...أنا مقدرش أسيبله العيال، لا هو ولا أمه هيربوهم كويس بالعكس هيتعلموا حاجات كتير زي الزفت منهم... يعني أنا كنت مخنوقة منها أخلي عيالي نسخة تانية منها؟ قالت أم ليالي بشجن: =ايه الكلام اللي بتقوليه ده يا ليالي؟ ده انتي لو مشالتكيش الأرض نشيلك احنا فوق دماغنا... ده انتي أول فرحتنا أول ماجيتي من هنا ربنا كرمنا، ووسعها علينا...متشيليش هم يا ليالي والحاجة اللي هتريحك اعمليها. عدلت ليالي نومتها بحركة متأنية، وسرعان ما تسببت تعبيرات وجهها في إظهار مشاعر الألم التي كانت تساورها. كانت عيناها تلمعان بتوتر، وكأنها تستعد لمواجهة ما لم يكن في الحسبان. عندما تكلمت، كان صوتها يعبّر عن الإنهاك، في محاولة للتعبير عن مشاعرها وإيجاد بعض الراحة وسط الأوضاع المضطربة: _أنا عايزة أرتاح جوا ياما. نهضت تباهي، والتقطت أنفاسها بصعوبة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه مليء بالتحدي: =ماشي يا ليالي قومي معايا. وساندت ابنتها برفق، بينما كانا يتجهان نحو الغرفة، أردفت بحزن ساحق في حروفها: =تتشل ايده قبل ما كان مدها عليكي...سلامتك يا ضنايا. في مجلس الرجال، وبعد سلسلة من الاقتراحات العديدة التي قدمها المعلم حنفي وحامد، توصلوا في نهاية المطاف إلى حلول مقبولة لتسوية المشكلة. عند هذه النقطة، طلب خال ليالي من الحاضرين أن يقوموا بدفع غرامة مالية تعويضًا عن التصرفات غير اللائقة التي قام بها جلال تجاه ابنته، فرد بصوت حاد يغمره الإصرار: _لو عاوز الموضوع ده يتحل ودي هتدفعوا غرامة خمسين ألف... لو مش عاجبكم احنا هنروح نعمل محضر باللي حصل! رد المعلم حنفي بصدمة: =بس يا حاج خمسين ألف كتير وانتوا عارفين حالتنا عاملة ازاي... ده احنا عايشين اليوم بيومه! نطق خال ليالي بحدة، تعبر عن حزم واضح: _ميخصناش يا حاج وده اللي عندنا. قال عم سلامة بسخط، مشددًا على نبرته: =وانت شايف ليالي بتي بعد ما اتضربت في قلب الشارع واتقل منها الفلوس هي اللي هتعوضها؟ رد خال ليالي بثباتة: _ده لو أنتوا عاوزين الموضوع ودي. تفوه المعلم حنفي بتخييب: =شوفولنا حل تاني الله يكرمك مانتوا عارفين اللي فيها ثم إن آني قولتلكم جلال غلطان بس احنا عيلة، ونسايب وبينا أيام حلوة يا عم سلامة...بلاش ننسى كل ده بطيش عيل! نهض جلال مكانه، وبدأ يتحوَّل إلى شخصية مريبة، فتغيَّرت ملامح وجهه فجأة إلى الغضب، وأطلق صيحة قوية قائلًا: _جرا ايه يابا؟ هو مين ده اللي عيل؟ انت بتصغرني قدامهم؟ رد المعلم حنفي بصياح: =أسكت انت مسمعش صوتك... هو في واحد عاقل يعمل اللي انت هببته ده؟ ثم وقف، واقترب من عم سلامة، وقبَّل رأسه، وواصل: =حقك على راسي يا عم سلامة وأنا مستعد أخلي جلال يروح يحب على إيديها وراسها بس ارضوا عننا! بعد جدال مستمر بين الرجال استمر حتى الساعة الثانية صباحًا، توصلوا في النهاية إلى اتفاق مفاده أن جلال سيدفع غرامة قدرها ثلاثون ألفًا لتسوية الوضع القائم. حين خرج المعلم حنفي وجلال من المجلس، وعندما رأتهم أم الديب، التي كانت تنتظر بفضول لمعرفة نتائج النقاش، سألتهم بشماتة واضحة في صوتها، وبسمة خفيفة على شفتيها، قائلة: _ايه ياخويا كل ده انت كنت بتحكيلهم قصة حياتك؟ رد المعلم حنفي بتعجب، وعلامات الاستفهام واضحة على وجهه، وهو يستشعر غموض الموقف: =انتي ايه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ أجابت أم الديب: _صحيت آكل... ده آني جعانة جوع ياخويا. تساءل جلال بقلق ملحوظ، وعيناه تتجولان بحثًا عن إجابة، كأنما كان يحاول فهم كل تفاصيل الموقف المعقد: =العيال فين؟ تحدثت أم الديب بلهجة شبيعة بالوضوح: _نايمين عند نعمة. خرج جلال من الشقة، وقال بإنهاك: =طيب أنا طالع....سلام. صعد جلال إلى شقته متعبًا، وتخلى عن همومه عند سريره وهو وحده، غارقًا في أفكاره وأوجاعه. وفي صباح اليوم التالي، استفاق ليجد الشقة خاويةً وباردة، خالية من أصوات الحياة التي كان يألفها كل صباح، حيث اعتاد على رؤية زوجته وهي منهمكة في تنظيف المكان أو أطفاله يملؤون الصالة باللعب والضجيج. حاول جلال أن يقنع نفسه بأن غياب عائلته ليس سوى مسألة طبيعية عابرة، فحاول التماسك في مواجهة الحقيقة التي كانت تزعجه أكثر من أي وقت مضى، جعلته يبدي تجاه هذا الوضع بلا اهتمام ظاهري، بينما كان في أعماقه يواجه شعورًا متزايدًا بالوحدة: _عادي ده حتى كانوا مصدعيني وعاملينلي وش...أهو أرتاح منهم شوية. في شقة نعمة، ارتدت ثوبها بهدوء، ثم أخذت ترافق أولاد أخيها إلى منزل عم سلامة، حيث كانت خطواتها مليئة بالتفاني. عند وصولهم، استقبلتهم الجدة بعناق حار ومؤثر، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر. بينما كان وجهها يتألق بالابتسامة الدافئة، كانت عيونها تحمل خفايا حزن عميق، كأنها تروي قصة لا تُحكى بالكلمات، فتلك الابتسامة، رغم أنها بدت مليئة بالود، كانت محملة بالأسى الذي كانت تحاول إخفاءه بقدر المستطاع: =تعالوا يا حبايبي، تعالوا! تحدث حمود بفضول: _أمي فين؟ ردت تباهي بابتسامة: =أمكم جوا في الأوضة أدخلولها. دخل حمود وتقى إلى والدتهم في الغرفة، فاستغربت ليالي لرؤيتهم معًا في هذا التوقيت، مما أثار في نفسها مشاعر من الاستفهام والفرح المفاجئ. وعندما رأتهم، فتحت ذراعيها بحب عميق، واحتضنتهم بحرارة، كأنها تريد أن تعبر عن مدى اشتياقها لهم وبُعدهم عنها، بينما كانت مشاعر السعادة تملأ قلبها، وتفيض من عينيها بتأثير لم تستطع كبحه، قالت: _عيالي...تعالوا في حضني! انقض الأطفال في حضن والدتهم على السرير، حيث تجمعت مشاعرهم الطفولية في هذا اللقاء العاطفي الحميم. بينما كانت ليالي تغمرهم بحبها، نظرت تقى إلى والدتها باستياء، وعبرت عن مشاعرها بصوت يحمل الاشتياق، قائلة: =أنا عايزة أعيش معاكي يا ماما! ردت ليالي بترح: _أنا كده كده مقدرش أستغنى عنك انتي وأخوكي... مقدرش أبعد عنكم يوم. في الخارج، وقفت نعمة بوجه شاحب، تصف نظراتها الحزن الذي يعتمل في قلبها، وقالت: =أنا همشي يا أم ليالي... سلميلي على ليالي وقوليلها إنها هتوحشني. ردت تباهي بسطوة: _يوصل. خرجت نعمة من منزل عم سلامة، وتوجهت إلى منزلها بوجهٍ مفكر، في حين أخذت ليالي أولادها لتنام معهم بجوارها، محاوِلةً أن تمنحهم الأمان بعد يومٍ متعب. أما في منزل أم الديب، فكانت سعيدة بغياب ليالي وقضاء وقتها في منزل أهلها، حيث استمتعت بتشغيل الموسيقى الشعبية التي ملأت الأرجاء بألحانها المريحة، وجلست على الأرض في الصالة بتأنٍ، بينما كانت تقطع الجزر بأناقة. دخلت هايدي فجأة، وعبرت عن دهشتها بتعبير وجهها ونبرتها، قائلة بذهول: =ايه السعادة اللي انتي فيها دي؟ بقى كل ده علشان ليالي مشيت؟ ردت أم الديب بسعادة غامرة: _أمال ايه؟ ده يا بت طول ماهي موجودة كان قلبي بيتقبض، والدنيا بتسود في عيني... النهاردة حاسة إن الجو حلو حلاوة، والحياة وردي... عايزة أزغرد يا بت! أطلقت أم الديب الزغاريد بحماس، مفسرة فرحتها البارزة بغياب ليالي وأولادها، بينما كانت تتنقل برشاقة في صالة منزلها. في ذات اللحظة، دخلت هايدي وراقبت المشهد باشمئزاز، قائلة بعبوس: =خلاص! صوبت هايدي نظرها على الجزر الذي كانت أم الديب تقشره، فاستنتجت على الفور طبيعة الطعام السيء الذي سيكون على مائدة الإفطار، مما أثار في نفسها مشاعر الاستياء من جودة الوجبة التي ستُقدم، ومع تزايد إحباطها، واصلت بحمق قائلة بمرارة: =انتي بتعملي جزر تاني... هو مفيش فايدة؟ ردت أم الديب بسعادة: _تاني، وتالت، ومليون يا بت... ده طعمه زي العسل، أحطهولك في رغيف عيش مع شوية ملح وفلفل؟ قالت هايدي بانفعال: =هو صوباع كفتة؟ يا ماما حرام بقى أنا بطني نشفت من أكلك ماتغيري وتعمليلنا أي حاجة تانية! تفوهت أم الديب، وهي تقطع الجزر بتركيز، بينما كانت تعبيرات وجهها تظهر صمودها: _ستك كانت باعتة حتة جبنة حطيها في رغيف وخديلك نص طماطماية. غضبت هايدي بشدة، وارتفعت نبرة صوتها في مواجهة ما اعتبرته تهاونًا واضحًا: =يعني أنا صايمة طول اليوم وفي الآخر آكل جبنة، وطماطم؟ خرجت أم الديب عن شعورها، وصاتت بصوت مرتفع، تعبر عن استيائها العميق من الانتقادات: _بقولك ايه يا بت حلي عن نفوخي... روحي افطري عند أي حد من أخواتك متصدعنيش! ردت هايدي باستياء: =أنا كنت عارفة إن كل ده هيحصل! دخلت هايدي إلى غرفتها، تاركةً أم الديب تستمر في عملها، بينما كانت أم الديب تواصل تقطيع الجزر بانزعاج واضح. أما في منزل عم سلامة، فقد أخذت تباهى أحفادها، وجلست معهم في الحديقة الخلفية للمنزل لبعض الوقت، مستمتعةً بلحظات اللعب والمرح التي تبث الحياة في الأجواء. بعد ذلك، انتقلت إلى المطبخ لتراقبهم من النافذة، حيث كان مشهد الأطفال وهم يلعبون في الحديقة يعكس صورة من الهدوء، وفي تلك الأثناء، تفجر حمود غضبًا تجاه أخته، قائلًا: _أنا هضربك لو مسمعتيش كلامي! تحدثت تقى بصياح: =هقول لماما! اقترب حمود من أخته، وعزم على توجيه عنفه بشكل حاسم، ثم قال بغلاظة تتسم بالصلابة: _أنا مبخافش من حد! خرجت تباهي لهم، وعبرت عن مشاعرها المنهكة، قائلة بانزعاج: =بس يا عيال بطلوا خناق مع بعض...أما أروح أشوف ليالي أخليها تطلع تشملها شوية هوا، ده يا عيني عليها يا قلب أمها من امبارح وهي متمرمطة. دخلت تباهي إلى غرفة ابنتها، فوجدت ليالي ممددة على الأرض، فتسارعت خطواتها نحوها، وبينت فزعها بشكل عميق، وهي تعول قائلة: =ليالي بتي! حاولت تباهي إيقاظ ابنتها بكل الوسائل الممكنة، فصاحت بشدة وهي تتخبط وجهها، قائلة بفزع: _ردي عليا يا بتي...يا ليالي مالك؟ دخل حمود الغرفة، فوجد جدته تصرخ وهي ترج والدته بقلق، فتملكته حالة من الذعر. حيث قال بخوف، وهو يحاول السيطرة على مشاعره: =أمي مالها؟ تحدثت ليالي بنواح: _اجري هات كوباية مايه بسرعة! قال حمود بخوف: =حاضر يا ستي. ذهب حمود وجلب كوبًا من الماء بسرعة، وعاد به إلى الغرفة. رشّت تباهي الماء على وجه ليالي، التي بدأت تدريجيًا تستفيق من حالة الإغماء، وبخوف منين، قالت تباهي وهي ترفع ابنتها برفق إلى السرير: _حصلك ايه بس؟ أجابت ليالي بضعف: =دوخت أوي ياما محستش بنفسي غير وأنا على الأرض. ردت تباهي بخوف: _افطري يا ليالي ده انتي وشك أصفر، وجسمك ضعفان. نطقت ليالي بتعب: =مش هينفع... غطيني بس ووقت الفطار أبقي هاتيلي الأكل وشوية فيتامينات. قالت تباهي باعتراض: _وده يرضي ربنا بس؟ هتفضلي كده لحد المغرب؟ ردت ليالي بإرهاق نفسي واضح، بينما بدا التعب جسديًا على ملامحها: =أيوه ...غطيني، وأقفلي الباب. عانقت تقى والدتها بعمق، واحتضنتها بحب عارم، وقالت بلهجة ملآنة بالحنان: _هانام جنب ماما. تحدثت تباهي بتأثر: =ربنا يشفيكي يا بتي ويراضي قلبك. صكت تباهي الباب خلفها وخرجت من الغرفة، تاركةً وراءها مشهدًا من الاضطراب. مضت الأيام واستمرت الأمور على حالها، حيث كانت ليالي مصممة على الطلاق، وجلال قد اقتنع بالأمر، ليصبح الجميع في حالة من القهر، عدا أم الديب التي لم تتمالك نفسها من فرحتها. في يوم الطلاق، كان عم سلامة وأبناؤه حاضرين إلى جانب بعض الأقارب، وقد انتاب عم سلامة شعور من الاستغراب عندما لاحظ تأخر جلال، وهو يراقب الساعة بترقب، محاولًا أن يسيطر على مشاعره التي كانت تتأرجح بين التوتر، والحيرة: _جلال اتأخر ليه؟ رد صابر، وهو ينظر في ساعة اليد بتجاعيد وجهه التي تعكس قلقه المتزايد، في محاولة للتخفيف من توتر اللحظة. كانت نظراته تتنقل بين الساعة وأفق الانتظار: =زمانه جاي. في السيارة، بينما كان جلال يقودها بصمت، وكآبة، جلست نعمة بجانبه، يظهر على وجهها الشجن من خبر طلاق أخيها وزوجته. كان الألم يعتصر قلبها، وهي تحاول بكل جهدها وبكل وسيلة ممكنة أن تجد حلًا يصلح ما يمكن إصلاحه بينهما، وتعيد الأمور إلى نصابها قبل أن تنتهي علاقتهم التي كانت مليئة بالذكريات والتجارب المشتركة. نظرت إلى الخارج، محاولةً أن تجد بعض الأمل في المشهد الذي يتغير من حولها، فقالت: _راجع نفسك يا جلال احنا مش عايزين خراب بيوت... العيال هيتشردوا ومش هيلاقوا اللي يراعيهم! لكن المعلم حنفي كان يعلم أنه أصبح أمر واقع ولا بد منه فقال بنبرة تعيسة: =خلاص يا نعمة ده أمر الله... ليالي مابقتش قادرة وأخوكي مش عاوز فسيبي كل واحد على راحته. قالت نعمة بحزن: _يابا ماهو خراب البيوت مش سهل برضة... دي حاجة تقطع القلب خصوصًا إن بينهم عيال! رد جلال باهتياج، متفجرًا بكلمات حادة كالسكاكين، عكست شدة استيائه وتراكم المشاعر المكبوتة في صدره: =خلاص يا نعمة أنا اديتهم كلمة ومش هرجع فيها! تفوهت نعمة بحسرة، وكأن الكلمات كانت تتدفق من قلب مثقل بالآلام والأحزان المتراكمة، تعبر عن شعور عميق بالفقد، والخسارة، وصوتها كان متهدجًا ينم عن الدموع المكبوتة التي توشك على الانفجار في أي لحظة: _يا جلال اسمع كلامي! رد جلال بعصبية، حيث كانت كلماته تخرج متقطعة، وعيناه تلمعان بوميض الغضب الذي اشتعل في صدره، محاولًا السيطرة على انفعالاته التي بدأت تخرج عن نطاق السيطرة: =كبري دماغك يا نعمة! لكن أم الديب، رغم كل ما حدث، ظلت مغمورة بسعادة كبيرة بخبر طلاقهم، حيث قالت بلهجة مفعمة بالارتياح، وكأن كل هموم الدنيا قد زالت عن كاهلها في تلك اللحظة: _والله والكابوس ده هيتشال من على قلبي... ده اليوم اللي آني بتمناه من زمان. ردت هايدي بحزن: =حرام عليكي يا ماما، انتي شمتانة فيهم؟ أنا بجد مش قادرة أصدق إن جلال هيطلق ليالي...احنا مهما كان اتعودنا عليها... رغم إنها سوسة ومش سهلة بس فيها شوية جدعنة...أنا زعلانة أوي! قالت أم الديب بصياح: _تزعلي على مين يا بت الهبلة! على ليالي بت سلامة؟ ده ياريته كان طلقها من زمان وريحنا. تفوهت هايدي باستياء: =خلاص بقى يا ماما أهو اللي نفسك فيه هيحصل. تحدثت أم الديب بشماتة: _أول ما أسمع إن جلال طلقها يا بت تنزلي معايا نوزع شربات على شارعنا من أوله لآخره! قالت هايدي بصياح: =وأنا مش هعمل كده، احنا معندناش فرح علشان نوزع شربات...ابنك هيطلق مراته، دي مصيبة! ردت أم الديب بعجيج: _انشالله عنك ماوزعتي، آني هوزع آني وخالتك هو احنا هنغلب يعني...يا ألف بركة، يارب كتر من الأفراح. اندلعت زغاريدُها، مُرتَعِشةً في أرجاءِ الحيّ!. بعد وصول جلال وعائلته إلى منزل عم سلامة كانت ليالي تُحاول جاهدةً أن تتماسك، ولا تَضعف، وتُواسيها أختها ونعمة، والمأذون حاضر، وهي تُبكي من داخلها بحزنٍ عميق على فراق زوجها بعد عِشرة سنوات من الحب والمودة بينهما. قالت في صمتها الحزين: =خلاص كده يا جلال؟ كل واحد هيروح لحاله؟ بعد ما اتجوزنا وخلفنا يعني مش هشوفك تاني؟ ولو شوفتك هتبقى صدفة... مش هصحى من النوم تاني ألاقيك جنبي بتشخر؟ طب والنبي كان على قلبي زي العسل، بس هعمل ايه انت هديت كل اللي بينا بعمايلك انت، وأمك... يارب تكون فرحانة دلوقتي، ومرتاحة، أنا عارفة إن ده اللي كان نفسها فيه من زمان... أنا مش صعبان عليا غير عيالي هيعملوا ايه من بعد ما أبوهم وأمهم يتطلقوا، وكل واحد يمشي من طريق! تحدث المأذون بمُعاودة: _راجعوا نفسكم لعل وعسى حد فيكم يتغير للأفضل! ردت ليالي بتماسك واضح، وهي تقاوم نزول دموعها بصعوبة بالغة، متشبثة ببقايا كرامتها وكبريائها، وقالت بصوت خافت لكنه مليء بالعزيمة: =أنا راجعت نفسي يا عم الشيخ وخلاص مش هرجع في كلامي... اتكل على الله. نظر المأذون إلى جلال بنظرة حازمة، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته ثقل المسؤولية وجدية الموقف: _وانت رأيك ايه يا أستاذ؟ نظر جلال لزوجته، وقال بانكسار: =ومين قالك يا ليالي إن أنا جاي أطلقك؟ أنا جاي أخدك نرجع بيتنا! بالطبع، لم يكن أحدًا منهم مستعدًا لهذا الخبر، ولكن الصدمة كانت أعظم على وجه نعمة، حيث كانت تحاول بإصرار أن تقنعه بعدم فك العقد الزوجي، ولكنه رفض. في رد فعل طبيعي، قال عم سلامة: _خدي قرارك يا ليالي. ردت ليالي بتماسك: =أنا خدت القرار يابا... اتكل على الله يا شيخنا! وقف جلال فجأة، وصاح بنبرة جهورية تخترق السكون المحيط، وقد امتلأت نبراته بالإصرار: _وربنا ما هطلقها... ماتقول حاجة يا حمايا! قالت ليالي بتعجب: =أمال انت جاي ليه؟ أجاب جلال بنظرات حزينة: _أنا جاي أرجع الماية لمجاريها. تغيرت نبرة جلال بشكل مفاجئ من الحزن العميق إلى الصياح الكامد، عندما نظر للحاضرين بعينين مشتعلة، وقال بغلاظة: _يلا يا جدعان كل واحد يشوف أشغاله، وأنا طلاق مش هطلق، ليالي هتفضل على ذمتي لحد ما ربنا ياخدني! تفوهت نعمة بغضب: =بعد الشر يا جلال ماتفتكر حاجة حلوة! أمسك جلال يد زوجته برفق، وقال بحنان، وكأن نظراته تحمل صبابة السنوات، والتجارب التي مرا بها معًا: _قومي يا ليالي لمي هدومك، وارجعي بيتك...ده انتي اللي مهونة عليا الدنيا واللي فيها... كانت تتقطع ايدي قبل ماتتمد عليكي يا ليالي... أنا قدامك أهو اعملي اللي تعمليه بس يا ليالي أنا مقدرش أطلقك! لقد شعرت ليالي بضعفٍ نادرٍ في حديث زوجها، حيث أظهر ضعفه لأول مرة أمامها وأمام الحضور. على الرغم من أنها كانت تتمنى هذا الرد منه، كانت تكابر وتُعبر بنبرة حادة قائلة: =لا شوف حالك يا جلال. اقتربت نعمة من ليالي، وعانقتها بشدة وكأنها ترغب في نقل كل مشاعرها عبر تلك اللمسة الحنونة، ثم قالت بصوت ملؤه الدفء: _جلال بيحبك ده قلبه أبيض، وطيب بس هو كان متعفرت وقتها... ده حتى هو قالي مش هيعمل كده تاني وقالي إنك غالية عليه! ردت ليالي بإصرار ثابت على قرار الطلاق، وقالت بتماسك يحمل في طياته عزيمة قوية: =ولو برضة يا نعمة، أنا بت ناس وليا قيمتي! تحدث المعلم حنفي بابتسامة عارمة: _أنا دلوقتي اتأكدت إن جلال بيحبك أصل الواد جلال عمره ما يطلع منه كلام زي ده. ثم ضحك، وأردف بمزاح: _انت جلال ابني ياض ولا ايه نظامك؟ تضاحك جلال، وأجاب بمرح: =ابنك أمال هكون مين يعني؟ تحدث عم سلامة بوجه عابس، وقد تجلت على ملامحه تجاعيد القلق، وقال بتشدد: _ليالي هترجع بشروط! رد جلال: =قول يا حمايا أنا سامعك! تحدث عم سلامة بصوت حاد: _تمشي جنب الحيط لا سرقة، ولا مشاكل، ولا بتاع!. أنا بتي لازم تعيش في أمان وتاكل هي وعيالها بالحلال! أجاب جلال بموالاة: =موافقك يا حمايا. وأردف لتباهي: =ماتقولي حاجة يا حماتي! ردت تباهي بحسم: _أنا كلامي زي كلام سلامة، وزود عليه ايدك متتمدش على ليالي مهما يحصل! رد جلال بسعادة: =موافق يا حماتي. وواصل لزوجته باشتياق: =يلا يا ليالي ارجعي بيتك. تحدثت نعمة بفرحة عارمة: _ارجعي يا ليالي ده انتي وحشتيني... ده البيت كئيب من غيرك ومالوش طعم! نطقت ليالي بصوت حاد: =هتنفذ شروط أبويا، وأمي؟ أجاب جلال بابتسامة: _هنفذها ولو لقيتي غير كده ليكي الحق تتكلمي ساعتها. ردت ليالي: =ماشي يا جلال هديك فرصة. عانق جلال المأذون، وقال له بصوت مختلط بين الامتنان والوداع: _يلا يا عم الشيخ مش عايزين نشوفك غير في الأفراح وبس. وصافح الحاضرين واحدًا تلو الآخر، وهو يواصل حديثه بنبرة يملؤها التقدير: _يلا يا عم انت وهو كل واحد يشوف أشغاله. غادر الناس منزل عم سلامة برفقة المأذون، بينما دخلت ليالي غرفتها لتعد حقيبتها، متأهبة للعودة إلى منزلها برفقة زوجها وأبنائها، وعلى الرغم من استعدادها للعودة إلى حياتها اليومية، لم تكن أم الديب على علم بعودة ليالي، الأمر الذي سيؤثر سلبًا على مزاجها الممتع في تلك اللحظة. خرجت أم الديب من المطبخ، وهي تحمل صينية الشربات التي أعدتها بعناية فائقة، وتبدو السعادة والتفاؤل مشعين على وجهها لأول مرة، حيث تزينت بابتسامة عريضة تفسر فرحتها بالوضع الحالي، فقالت بحبور: =آني هنزل أوزع شربات ده النهاردة عيد. ردت هايدي بلا مبالاة: _براحتك. نزلت أم الديب إلى الشارع بفرح عارم، وهي تحمل صينية الشربات بيدين ترتعشان من الحماس، وكأنها تحمل كنزًا ثمينًا ترغب في مشاركته مع الجميع. كان وقع خطواتها على الرصيف ينم عن حيوية وشعور بالاحتفال، وأخذت تطلق الزغاريد التي ملأت الأجواء بنغمة مبهجة، تعبيرًا عن سعادتها الغامرة. اقتربت من جارتها، ووجهها يشع بالإشراق، بينما قدَّمت الكوب الذي يحمل الشربات بكل لطف، ونطقت: =خدي يا أم فتحي خدي. ردت جارتها بتعجب: _هايدي اتخطبت ولا ايه؟ أجابت أم الديب ببهجة: =هايدي مش عايزة تتجوز... جلال هيطلق ليالي دي كانت زي الهم على القلب! صرخت جارتها، وقالت بصدمة: _يا ساتر يارب، ومالك فرحانة كده ليه؟ تفوهت أم الديب بعجيج: =ايه يا ولية انتي مابتفهميش؟ مآني بقولك كانت زي الهم على القلب... دي كانت كل يوم تتخانق معايا، وكنت مستحملاها وبقول عليها زي بتي يلا ربنا ينتقم من الظالم و المفتري. أطلقت أم الديب الزغاريد مجددًا، وهي تقدم كوب الشربات لسعاد أختها، في لحظة الفرح والاحتفال. تخللت الزغاريد أجواء الحارة بنغمات ملونة، بينما كانت عينيها تتلألأ بالسرور، قالت: =خدي يا سعاد ياختي! ردت سعاد بفرح: =ألف مبروك يا أم الديب عقبال الفرح. نطقت أم الديب بصياح: _فرح مين يا ولية يالي تتشكي في بطنك؟ جلال هيطلق ليالي! صرخت سعاد هي الأخرى، وقد امتلأ صوتها بالفزع، وبدت كلماتها مفعمة بالحزن، وهي تقول: =لا إله إلا الله ليه كده بس؟ أجابت أم الديب بصخب: _وهي اللي زي دي حد يطيقها؟ الواد اتخنق منها ومن همها، بعد مايطلقها هنشوفله عروسة حلوة على مزاجي. حزنت سعاد لما سمعته من خبر مقيت، فقالت: =ربنا يعوض عليه يا أم الديب. ردت أم الديب بسعادة: _يارب ياختي. أثناء توزيع أم الديب للشربات، إذا بالسيارة التمناية تقترب، يقودها جلال ويجلس إلى جانبه المعلم حنفي، بينما كانت نعمة، وليالي، والأطفال يجلسون في المقاعد الخلفية. فجأة، توقفت السيارة فجأة، وخرج جلال برأسه من النافذة، وقد علت ملامحه الدهشة، وهو ينظر إلى المشهد أمامه وكأنما يتأكد من صحة ما يراه، ثم تلفظ: =بتوزعي ايه ياما؟ ردت أم الديب ببهجة: _بوزع حلاوة الطلاق يا ولا. قال جلال بتعجب: =طلاق ايه ياما؟ أجابت أم الديب بسعادة: _انت مش طلقت لـ.... لاحظت أم الديب وجود ليالي في المقعد الخلفي من السيارة، فبدا وجهها فجأة شاحبًا وقد انعكست الصدمة على ملامحها. في لحظة من الذهول، صرخت بأعلى صوتها، وألقت بصينية الشربات على الأرض، فتناثرت المشروبات في كل الاتجاهات، بينما كانت كلماتها تصدح بوضوح بين هول المفاجأة، كأنما تعبر عن صدمتها العميقة بما رأته بقولها الهالك: =ايهي هي ايه اللي رجعها معاكوا؟ رد جلال بوضوح: _أنا مطلقتهاش، ومش هطلقها... هي هايدي مقالتلكيش؟ نطقت أم الديب بصياح: =هي هايدي عارفة؟ رد جلال بصدق: _أمال ايه ده الأخبار واصلالها أول بأول! انزعجت أم الديب من ابنتها هايدي حين اكتشفت أنها كانت على علم بأمر جلال وليالي، لكنها أخفته عنها. انتفخت عروقها وتورد وجهها من الغضب، وهي تقول بصوت يتصاعد كبركان ثائر: =يا بت الكلب يا هايدي! طارت أم الديب إلى شقتها، وكأن جناحي السخط يرفرفان بها بسرعة لم تعهدها من قبل، وهي توبخ ابنتها بنبرة شديدة، وصوتها يرتفع بصياح مدوٍ يعبر عن عمق مشاعرها الممزوجة بالاحتقار، قائلة: =بقى سايباني أنزل، وأوزع الشربات على أهل المنطقة، وانتي عارفة إنه مطلقهاش يا بت الجزمة؟ تحدثت هايدي بصراخ مدوي، وقد كادت أن تسقط تحت وطأة سخط أم الديب المتفجر: _أنا لقيتك مصممة قولت أسيبك! واصلت أم الديب تعنيف ابنتها بشدة، وعيونها تشتعل كالجمر، وهي تصرخ بصوتها الممزق: =واطية زي أبوكي... يا خسارة الفلوس اللي دفعتها على الشربات! ردت هايدي بنواح: _سيبيني بقى...آه! تحدثت أم الديب بصياح: =هو انتي لسه شوفتي حاجة يا بت؟ صعدت العائلة إلى شقة أم الديب، وقد ارتفعت أصوات الشجار إلى عنان السماء. كانت نعمة هي أول من وقفت في وسط الفوضى، مستميتة في محاولة الفصل بين الأم وابنتها. بدأت تنزع بأيديها القوية من بين أصابع أم الديب الممسكة بشعر هايدي، بينما كان غضبها يتصاعد ويشتعل، قائلة بثوران: _اتهدي بقى ياما! صاح المعلم حنفي قائلًا: =جرا ايه يا ولية انتي مبتتهديش، ده من أول يوم رمضان وانتي ركبالنا الهم! تحدث جلال بسعادة غامرة، وقد كان قلبه يغمره شعور بالفرح لا يُضاهى، وهو يعانق زوجته برفق، كانت ابتسامته تتسع، وكان صوته يعبر عن تألق مشاعره، قائلًا: _كل سنة، وأنتوا طيبين، أول يوم العيد بكرا. وطأت هايدي فخذها بيدها، كأنها تحاول كبح جماح ألم داخلي يشدها بقوة، وبينما كانت صرخاتها تتعالى، كأنها تستنجد بالعالم من حولها، قالت بلهجة يائسة: =ده عيد أسود فوق دماغي! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة