خرج جلال من المرحاض على صدح نزاعهم سويًا، ووقف في المنتصف بينهم، وفض النزاع بينهم بكلماته السليمة، وحكمه الحكيم، قائلًا: _تؤ تؤ عيب كده ياما، ده مهما كان جوزك أبو عيالك! رد المعلم حنفي بسخط، وصدى صوته اهتز كأنه صوت رعد في سماء النزاع: =تعالى ندخل جوا، انا غلطان إني بنصح ولية زيك. نظرت أم الديب للمعلم حنفي نظرات مليئة بالبغضاء، حيث انعكست على محياها ملامح الاستياء، والغضب العميق. وعندما دخل جلال، انضموا على الأريكة أمام شاشة التلفاز، وظلوا هناك حتى خرجت ليالي بالأطباق. في الوقت نفسه، كانت هايدي تنغمس في تحضير بقية الفطور بكل تفانٍ. وبعدما انتهت الاستعدادات، اجتمعت العائلة حول المائدة، حيث بدأوا بتناول الطعام بروح مليئة بالتلاحم، والترابط، تجسدت بينهم الوحدة. بعد الانتهاء من الوجبة، تغيّرت أزياؤهم وانطلقوا متجهين نحو البحر المجاور، حيث استقبلهم البحر بأمواجه الهادرة، وبريقه الساحر. وفيما كان الأطفال يلهون بالمياه بفرحة لا حدود لها، كان حمود يتأمل المنظر بعيون ممتلئة بالسعادة، معبرًا بحماس جسيم: _هيييه هننزل البحر. نطق محمد بسرور: =انا بحب البحر أوي. رد حمود بسعادة: _أبويا مدلعنا. تحدثت ليالي برعاية، وبلسم على الجروح: =يلا يا عيال. لكن هايدي اكتفت بالجلوس في الشقة المصيفية برفقة أختها نعمة، حيث كان الهدوء يسود الأجواء، وكانت النوافذ تسمح بدخول أشعة الشمس الدافئة التي تنعش الأرواح. وعلى الجهة الأخرى، نزلت أم الديب إلى شاطئ البحر، حيث كانت تستمتع بلذة المياه التي تتخبطها موجاتها بلُطف، وكانت ضحكاتها تعلو وجهها، ما يدل على ارتفاع هرمون السعادة في جسمها، وهي تصدح ببهجة: _ده احساس حلو أوي. لكن ليالي نظرت لأم الديب بابتسامة تخفي في طياتها بعض الاشمئزاز، وقالت لزوجها بصوتٍ هادئ: =بقولك ايه يا جلال، دخلنا بعيد عن أمك! تساءل جلال بفضول متناغم بين كلماته، كأنه يحاول فك رموز ما يدور حوله: _أمال أبوكي وأخواتك مش جايين ولا ايه؟ أجابت ليالي بدهاء: =انا قولت لأبويا مرضاش، بس بيني وبينك انا فكرت لقيت إنه مينفعش انت عارف أمك لما بتشوف حد من طرفي بتعمل ايه، وانا المرة دي لو حد هوب ناحية أهلى مش هسكتله لو كان مين كده! أعرب جلال عن استيائه تُجاه والدته المتسلطة بتعبير منغمس في الضيق: =انا خلاص جيبت أخري من أمي، دي لا عاتقاني في الحلم ولا الحقيقة...لو ربنا سهل الحال هنشوف شقة برا. ردت ليالي بسعادة: _عين العقل يا جلال وحتى متبقاش واحدة زي جميلة قاعده في شقة كبيرة وانا وعيالي مزنوقين في شقة صغيرة...مش كفاية مجيبتش نيش ولا سفرة في جهازي؟ نطق جلال بسعادة، وابتسامته تتسع كالبحر المتلألئ في أشعة الشمس: =لا ده الأمور تتحسن يا بت ونجيب شقة كبيرة وأعملك مطبخ مفتوح كمان. ردت ليالي بفرحة، ونبرتها تنبض بالبهجة كالزهور في فصل الربيع: _انت بتتكلم بجد يا جلال؟ أجاب جلال بسعادة: =أمال ايه؟ بس أمي تبعد عن سكتنا. ضحكت ليالي بلهفة، وصوتها يعلو كنغمات موسيقية مُبتهجة: _يا لهوي دي هتضربنا عين تجيب أجلنا. دخل الزوجان في عمق مياه البحر برفقة أولادهم، وفي لحظة من الحماس، قال جلال بصوت يعبق بالشغف: =وهي هتحسد شقة ابنها برضة يا ليالي؟ نطقت ليالي بشحناء: _مفيش حماه بتحب الخير لمرات ابنها يا جلال! في اللحظة التي كانت أم الديب تسبح في أعماق البحر، تذكرت ابنتها نعمة، التي كانت تعاني من العجز المؤقت، والذكريات الدافئة بينهما تعصف بذهنها كالأمواج الهادرة، فعبّرت بكلمات مليئة بالأسى: =يا عيني عليكي يا نعمة متجبسة، ومش عارفة تنزلي معانا. اقترب المعلم حنفي من أم الديب، وكانت كلماته تنبعث منه بغضب ملتهب: _بسببك...كله بسببك يا وش الهم! صاحت أم الديب في وجه المعلم حنفي بصوت ينطلق منه الامتعاض المتقد: =بسبب مين يا راجل انت؟ ليه هو آني اللي طيرتها في الهوا؟ رد المعلم حنفي بصياح: _اقعدي كده وانتي ولية لاسعة...يا ولية يا بهيمة حد يجيب مفك، ويعمل بيه عربية الملاهي؟ نطقت أم الديب بجلبة حارة: =العربية كانت بتتهز، وهتقع بينا أسيبها تقع بينا ونموت عشان سواد عيونك؟ نادى المعلم حنفي جلال بصوتٍ متغلغلٍ في الهواء: _ابعد الولية دي عني يا جلال...انا خلقي بقى في مناخيري! وابتعد عنها، ودخل في عمق المياه، حيث تلاشت صورته عنها ببطء، وانغمس بعيدًا عنها في عالم السكون البحري الذي يحكي قصصًا لا يفهمها إلا من يعيشها. وفي الوقت نفسه، كان حامد يشعر بالرغبة الكبيرة في تعليم ابنه الصغير السباحة، فأخذه بيده برفق وقال بابتسامة تعكس العاطفة الأبوية: =عوم يا ولا، عوم واتعلم! اقتربت أم الديب منهم، وبينما وجهها يعبّر عن بذخ الأمل، قالت: _هاته أعلمه ده انا بعوم عوم معامهوش أشطر سباح. رد حامد بسخرية: =أه طبعًا يا حماتي أصل مش أي حد يعرف يعوم وانتي ماشاءالله عليكي زي الريشة في الماية. نطقت أم الديب بثقة عارمة: _أيوه ياخويا انا محدش زيي. وتشبثت بحفيدها محمد، وكانت عبارتها مستمدة من دفء الحنان: _تعالى لستك يا ولا...ده انت ابن بتي نعمة الغالية هو انا ليا غيركم؟ تراجع محمد للخلف، وبدت عبارته محملة بالخوف الشديد، والترقب: =لا يا ستي مش عاوز أموت. تشبثت أم الديب بحفيدها بقوة أكبر من السابق، وكانت كلماتها تنطلق بحنان مفعم: _تعالى يا ولا بقولك. حملت أم الديب حفيدها فوق كتفها بقوة، ودخلت به في عمق مياه البحر، وفجأةً، جرفتهم الأمواج بلا رحمة نحو السفح، دون أن يستطيعوا السيطرة على مسارهم. صرخت أم الديب بصوت مدوٍ، وقوي، ونادت بصوتٍ ملؤه الهلع، بينما حفيدها صاح بفزع: =يابا...يابا! انصدم حامد حينما اخترق صراخ ابنه محمد أذنه، فاندلعت ردود الفعل في داخله، وهو يصيح: _محمد! صرخ محمد بمعاناة ملتهبة، صدح صوته كالرنين المؤلم في أفق البحر: =الحقوني بغرق...ستي بتغرقني! استندت أم الديب بيدها بعنف فوق رأس حفيدها، محاولةً بشدة أن تحمي نفسها، وتنقذ حياتها من براثن البحر العميق. وفي لحظة من الفزع، وبينما كانت تغوص تحت المياه، أردفت بصوتٍ يمزج بين الصمت، والشجن: _لو مسندش على حفيدي أسند على مين؟ التفت جلال للصوت بتمعن شديد، وكانت عيناه تعكس القلق، وفي صدمة تامة، أدرك أن الوضع يتطلب استجابة سريعة، وحازمة، فقال بفزع: =ايه ده محمد بيغرق! جرى الجميع نحو محمد بسرعة فائقة لإنقاذه من شراسة الغرق، وبمساعدة جلال ووالده، حملوه بجهود مشتركة وجذبوه بشدة إلى الشاطئ، حيث وضعوه على الرمل الرطب وبدأوا بتنفيذ إجراءات التنفس الاصطناعي لاستعادة نفسه، وفي هذا الوقت المحدق بالفزع، صاح المعلم حنفي بصوت يمزج بين الحنق، واليأس: _طلاق تلاتة مانتي قاعدة هنا يوم زيادة! ردت أم الديب بإرهاق: =سيبوني في حالي. نطق حامد بجلبة تمزق السكون: _وحلفاني على حلفانك مانا كمان قاعد يا حمايا، وهاخد ابني وهطلع آخد مراتي ونرجع على بيتنا، ويوم مانقول يا خروج مش هنخرج مع حماتي. تحدث جلال بصياحٍ هزّ الأرض، كأنما يحاول تحطيم جدران الصمت وإيصال صداه إلى أقصى أركان الشاطئ: =يلا بينا فوق. ردت ليالي بإغتياظ، وكلماتها ارتفعت كأمواج البحر في يوم عاصف: _يوه مانا قولتله بلاش مسمعش كلامي وجابها برضة...خليه يشرب بقى. صعد الجميع إلى الشقة المصيفية باستثناء أم الديب التي لم تتبعهم، ودخل حامد وهو يحمل ابنه محمد على ذراعيه بخطوات ثقيلة نحو غرفة نعمة، ووضع الطفل بحنان في حضن أمه، حيث كانت تنتظرهم بفارغ الصبر. وفي لحظة من الغضب القاتم، قال حامد بصوت مليء بالاستياء، والكمد المختلطين: =خدي ابنك يا هانم غرق وكان هيموت بسبب أمك. عانقت نعمة ابنها بخوف جارف، وكانت كلماتها تتسم بالصراخ العاطفي: _يالهوي ابني حبيبي...تعالى يا ضنايا. تحدث المعلم حنفي في منتصف الصالة بصوتٍ عالٍ، وقاطع: =يلا ادخلوا استحموا، وجهزوا الشنط احنا راجعين على البلد. خرجت هايدي من البلكونة، وهي ترتدي سماعة الهاتف في أذنها، وتستمع إلى الأغاني وسط صياح العائلة الذي اخترق جو الهدوء، فتعجبت وسط هذا التناقض البارز بين السلام، والضجيج، وقالت بفضول: _في ايه؟ ردت ليالي بصياح: =انتي نايمة في العسل ولا حاسة بحاجة، محمد يا قلب أمه غرق ولحقناه كان هيروح فيها. تلفظت هايدي بصدمة، وكانت عبارتها مليئة بالدهشة: _وده حصل ازاي؟ رد جلال بصياح: =أمك السبب! وأردف لزوجته بعجيج: =خشي الحمام يا ليالي حمي العيال انتي لسه هتتكلمي؟ أجابت ليالي بخوفٍ مُلتفٍ حولها، كلماتها تنبعث منها بترددٍ، وقلقٍ عميقين: _مابراحه ياخويا في ايه؟ دخلت ليالي المرحاض مع أبنائها، حيث قال جلال لهايدي: =يلا البسي، ولموا الحاجة عشان ماشيين. ردت هايدي بسعادة لا تُوصف: _بجد هنمشي؟ أجاب جلال بكمد واضح في نبرة صوته: =أه أمال ايه؟ هو بعد اللي حصل هنفضل قاعدين نهبب ايه؟ وكأن هذه اللحظة التي كانت هايدي تتوق لها منذ أيام، فقالت بسعادة: _الحمدلله يارب الحمدلله...أخيرًا! بعد مرور ساعة من الوقت، حيث انتهت العائلة من الاستحمام، وارتداء الملابس، وتجميع بقية الثياب بداخل الحقائب، وفي لحظة مواتية قبل أن يستعدوا لركوب السيارة، ألقت نعمة بنظرة متعجبة، تعبيرًا عن حنانها تجاه والدتها: =طب وأمي؟ رد جلال بجلبة، وهو يستعد للقيادة، بتمعن يعكس ثقته الواثقة في المهمة التي تنتظرهم: _وهو بعد اللي عملته لسه قلبك عليها؟ وضع حامد الحقائب بعناية فوق سقف السيارة بمساعدة المعلم حنفي، ثم ركبوا السيارة وانطلقوا، وفيما بدأ جلال في القيادة بسخط، تحدثت ليالي بلطف، محاولةً تهدئة الأجواء المشحونة: =خلاص يا جماعة استهدوا بالله كانت غلطة واتعلمنا منها. رد جلال بندم: _ياريتني سمعت كلامك...كان عليا بإيه ده كله؟ تلفظ المعلم حنفي بتخطيط دقيق، مبديًا حرصه على ترتيب كل تفصيل لضمان سلامة الرحلة القادمة: =المرة الجاية نتفق كلنا من غير ما أمك تعرف. ضحك جلال بسخرية، معبرًا عن انزعاجه بطريقة هزلية: _ده إن كان في مرة جاية. ردت ليالي، وهي تحتضن ابنتها تقى، بكلمات تنبع من قلبها المليء بالحنان: =اللي حصل حصل..مين عارف يمكن ربنا يعوضنا بسفرية تانية. تفوهت هايدي بانتصار، معبرة عن نور بصيرتها بكلمات مفعمة بالثقة: _أنا أصلًا مكنتش عايزة آجي. وضعت نعمة يدها بلُطف فوق جبين محمد، وشعرت بارتفاع حرارته الملموسة وارتجاف جسده الصغير، ما دفعها إلى التعبير بخوف عميق، وهي تقول بصوت متردد: =الواد تعبان أوي يا حمو. نطق حامد باستجابة، معبرًا عن رد فعله بطريقة تعكس تفاعله الفعال: _وقفنا عند أي مستشفى يا جلال ندفعله كشف. ضمت نعمة ابنها بقوة إلى حضنها، وكان صوتها ينطلق بحزن مؤثر، كأنها تعبر عن آلام عميقة تعصف بداخلها: =معلش يا قلب أمك متخافش انت وسط أهلك. ردت ليالي، وهي متأثرة بالموقف، بكلمات تنم عن تأملها العميق في الأمور التي تحدث حولها: _متخافيش عليه يا نعمة ان شاء الله ربنا هيعديها على خير. تلفظت نعمة باستياء: =يارب سترك. أثناء قيادة جلال للسيارة، مروا أمام مستشفى وأدركوا ضرورة التوقف، فتوقفوا ونزلت العائلة بما فيها نعمة، وكان زوجها يقدم لها الدعم، والرعاية بكل حنان. وفي الوقت نفسه، كان جلال يحمل ابن أخته بين ذراعيه بعناية، حتى وصلوا به إلى غرفة الكشف، حيث قاموا بسرد كل تفاصيل الحادث للطبيب المعالج، فأبدى قوله بتساؤل: _مين فيكم المريض؟ أشار المعلم حنفي على محمد بابتسامة دافئة، وقال: =الواد ده. نطق الطبيب: _تعالى! بعد أن أجرى الطبيب الكشف على محمد وقدم العلاج اللازم، نظر إليهم بابتسامة مطمئنة، وقال بصوت ينبض بالأمل، مُطمئنًا إياهم بأن كل شيء سيكون بخير: _خد دور سخونية بس هيروح بالعلاج ده، تقدروا تصرفوا العلاج من قسم الأدوية تحت. رد جلال بقلق: =يعني الواد تمام؟ أجاب الطبيب بابتسامة: _لا لا زي الفل مفيهوش حاجة. استلم جلال الروشتة من الطبيب بعجلة، ثم نزل لصرف العلاج من الطابق السفلي، وبعد ذلك عادوا للسيارة مجددًا، وأكملوا طريقهم بتفاؤل في العودة إلى الروتين اليومي. وفي أثناء مرورهم إزاء مطعم، توقف جلال، ونظر إلى الخارج بترقب، وقال بابتسامة: =انزلوا خلوها تختم بحاجة عدلة. رد المعلم حنفي بضيق، معبرًا عن انزعاجه بطريقة تعكس حالة من الاضطراب: _على رأيك...دي كانت سفرية الهم. نزلت العائلة بأكملها من السيارة، ووجدوا أنفسهم جالسين على أكبر طاولة متاحة في المطعم، حيث كانت الأجواء هادئة، ومريحة. بعد مرور خمس دقائق، حضر الجرسون وقدم لهم ورقة الطلبات وقلمًا لكتابة ما يرغبون به. تقدم الجرسون بابتسامة واضحة على وجهه، وكان ينتظر بصبر لسماع طلباتهم المختلفة، وتفاصيلها: =طلباتكم؟ أجاب جلال بتفكير: _انا عايز نص كفتة، وفرخة، ورز، وسلطات. رد المعلم حنفي: =زودلنا عليهم كوارع، وكيلو لحمة. تساءل جلال بحيرة، وكانت عبارة السؤال تعكس فضوله، واستعداده لاستكشاف رغباتهم: _عايزين ايه تاني؟ نطقت ليالي بتفكير عميق، حيث كانت عبارتها تعكس انشغالها بالأفكار: =طبق محشي مشكل اللهي يسترك. قالت نعمة، معبرة عن قناعتها بالقرار الذي اتخذته بشكل نهائي: _مكرونة باللحمة. لكن جلال شعر بالضيق من كثرة الطلبات، فأبدى انزعاجه بكلماته: =ماجرا ايه كل الطلبات دي؟ ردت هايدي: _انا عايزه نجرسكو. وقف جلال مكانه، وأطلق صيحة بقوة، تعبيرًا عن استيائه: =تجرسي مين يا بت؟ ماجرا ايه شغله ده يابا؟ أمسك المعلم حنفي بيد جلال برفق، في محاولة لتهدئته، قائلًا بحزم: _أقعد يا جلال! رد جلال بسخط: =ماتشوف بتك بتقول ايه، بقى على آخر الزمن تقولي نَجَرَسكو ليه عاملين عاملة، وأنا معرفش؟ تفوهت هايدي باشمئزاز: _خلاص خلصت الفيلم بتاعك ده؟ النجرسكو دي مكرونة بالصوص الأبيض. اقتربت ليالي ببطء من جلال، وكانت عبارتها تنبعث بصوت خافت، حاملةً في تعبيرها إحراجًا: =اقعد يا جلال شكلك بقى وحش أوي. شعر جلال بالإحراج في هذه اللحظة، فجلس بصمت مُندهِشًا، وألقى بكلماته بتردد، وهو يُحاول إيجاد الطريقة المناسبة للتعبير عن مشاعره: _ماهو مش كده يا جماعة. ضحك الجرسون ضحكًا شديدًا على جهل جلال، وعصبيته المفرطة، فلم يتحمل جلال استخفاف الجرسون به، وقف فجأة، ومد يده الى جيب بنطاله ليخرج المطوى، وأحكم قبضته حول يد الجرسون واحتجزه بين الحائطين، حيث تصارعت رؤوسهما كما يتصارع القطط الذكور، وصاح جلال بصوت مرتفع: _لو مكتوب على وشي نكتة عرفني، وانا أضحك معاك! نطق الجرسون بفزع: =ميصحش كده يا أستاذ محصلش حاجة لكل ده. رد جلال بصوت حاد: _كويس ياض إنك عارف إن محصلش حاجة لكل ده... عرفني بتضحك ليه لما هو محصلش؟ وقف المعلم حنفي، وتشبث بجلال بقوة، وهو يحاول بجهد إبعاده عن الجرسون، معبّرًا عن قلقه، واضطرابه، وكأنه يحاول تهدئة عاصفة غضب داخلية، فقال وهو متجهم الوجه: =اقعد يا جلال خلينا نطفح ونمشي. رد جلال باحتدام: _ميصحش يابا، مش أنا اللي يتقل مني! وواصل حديثه مع الجرسون بصياح مليء بالموجدة، كأنه يطلق رياحًا من الكلمات المتقطعة تتطاير كالأمواج في بحر هائج: _لعلمك ياض أنا ممكن أتصل بخالي ضايع يلم لمته، ويجي هنا يعملها معاك. صرخ الجرسون قائلًا برهبة، كأنه يفتح صمامًا للخوف المتراكم: =سيبني بقولك! نشب حامد بجلال بلُطف، وقال بترقب: _تعالى يا جلال. أبعد حامد جلال عن الجرسون بحنكة، وجلسوا سويًا مرة أخرى، في حين أخرج المعلم حنفي المال من جيبه وأعطاه للجرسون، الذي رفض بصوت مرتفع وبوجه يعبس، معبرًا عن استيائه، ورفضه المطلق للتصالح أو القبول بالرشوة: _يا حاج ابنك كان هيموتني! رد المعلم حنفي بإلحاح: =هاتها فيا...روح انت بس شوف شغلك. َمد الجرسون يده، وأخذ المال، وقال بصوتٍ مليءٍ بالخجل: _ماشي يا حاج. جلس المعلم حنفي على الطاولة مجددًا، وكأنه يتوجس من أبعاد الواقع المرير الذي تعرض له: =اهدى يا جلال بقى متخليش الناس تبصلنا. تحدثت ليالي بضيق، وكأنها تنغمس في بحر من الهموم، والأفكار المتشابكة: _معلش يا حمايا أصل جلال دمه محروق من عمايل أمه فتلاقيه مأثر على مزاجه. رد المعلم حنفي: =خلي جوزك يهدي اللعب شوية. بعد مرور أربعين دقيقة من الانتظار المحموم، قدم الجرسون بالطعام ووضعه أمام العائلة بترتيب محكم، ثم رحل مترنحًا. التهمت العائلة الطعام بلا هوادة، كأنهم يختبرون طعمه لأول مرة في حياتهم، فتناثر الطعام من أفواههم كأوراق الخريف تتطاير في الريح. ومن بين تلك اللحظات الساحرة، كانوا ينازعون بعضهم البعض على النهش في الأطباق، مما أدى إلى سقوط بعض الطعام على باقي الأطباق الموجودة على الطاولة، وفي لحظة من الاشمئزاز الخفي، نطقت هايدي كلماتها بتعبير مفزع: _الناس بتبص عليكم، بلاش طريقة الأكل دي! ردت نعمة، وهي تمضغ الطعام ببطء متناولة كل قطعة بتأنٍ، كأنها تعيش في عالم موازٍ من الشهوات: =خليكي على طبيعتك يا هايدي أنا عن نفسي مبحبش التمثيل. تحدث المعلم حنفي، وهو يلتهم قطعة اللحم بنفس الوقت: _ياه الأكل حلو أوي. تحدث جلال وهو يتلذذ بتناول الطعام، مستمتعًا بكل لحظة من مذاق الوجبات التي وضعت أمامهم: =يا سلام على الكفتة، واللحمة، وحلاوتهم. بعد مرور نصف ساعة قضت العائلة في استمتاعها بالطعام، فظهرت الأطباق لامعة كالنجم الساطع في سماء صافية بعد هطول المطر. وقالت ليالي، وهي تلتقط نفسها بعمق: _قوموا نغسل ايدينا. دخلت ليالي بأبنائها إلى المرحاض، في حين ذهب المعلم حنفي، وجلال لدفع الحساب، وبينما كانوا ينتظرون، قال جلال وهو يعبّر عن فضوله: =الحساب كام يا معلم؟ رد المُحاسب: _ ٦٥٠ جنية. نطق المعلم حنفي بتعجب: =غالي أوي كده ليه؟ أجاب المُحاسب: _ده أقل حاجة يا حاج! رد جلال بصوت حاد: =كل واحد يطلع باللي في جيبه! أخرج الرجال كل واحد منهم مبلغًا من المال، حتى أجمعوا المال المطلوب لدفع الحساب الضخم، وعندما انتهوا من الدفع، امتلأت السيارة بأجواء الراحة، والتخفيف، وفيما كانوا ينطلقون بسكون، سمع المعلم حنفي ينفث نفسًا عميقة من الارتياح، وهو يتلفظ: _بس الأكلة تستاهل الـ ٦٥٠ جنية...ده الأكل كان حلو حلاوة. رد جلال وهو يقود بمزاج جيد، متأملًا في الطريق الممتد أمامهم كما يتأمل الفنان في لوحة مفتوحة: =أمال ايه ده الأكل عشرة على عشرة. وقبل أن يدير السيارة، أردف بابتسامة واثقة تنعكس على وجهه: =ناقص التحلية يابا. نطق المعلم حنفي باشتيهاء: _عايز أحبس بكوباية شاي نعناع. التف جلال للخلف، وقال بصوتٍ مليء بالاهتمام: =هتشربوا ايه؟ ردت ليالي: _هاتلي مانجا انا والعيال. أجابت نعمة: =وانا قصب. طلبت هايدي مشروبها المفضل، وهي تقول بنبرةٍ شغوفة: _هاتولي جوافة باللبن. تحدث جلال: =انزل معايا يا حمو. نزل جلال، وحامد من السيارة وقاموا بشراء المشروبات المثلجة من البقالة القريبة، حيث اختاروا بعناية كل مشروب حسب ذوقهم، ثم عادوا مجددًا إلى السيارة وقاموا بتوزيع المشروبات على أفراد العائلة ببهجة، فهذه المرة الأولى التي يصرفون فيها المال بدون تردد، وكانت لحظة من الحرية والانسجام بينهم. حيث أدار جلال السيارة بحرفية، وأمان، وأكمل طريقهم باتجاه القرية، حيث كان الطريق يمتد أمامهم كمسار يملؤه الإثارة، وبعد مرور ساعة ونصف من الرحلة، وصلوا أخيرًا إلى القرية الهادئة ونزل الجميع من السيارة بأملٍ. فقال جلال وهو يلتقط أنفاسه بعمق: =حمدالله على السلامة. رد حامد بارتياح، وعبّر عن ذلك بابتسامة منعشة تعكس سعادته: _الله يسلمك. حمل كل واحد منهم حقائبه، وهم يسرعون إلى منازلهم في ظل الظلام الدامس الذي يحجب النجوم. وبعد أن دخلوا الشقة، وسط جوٍ من الرضا الذي يملأ الأجواء بالتفاؤل، قال حمود بسعادة وهو يطمئن إلى سلامة كل واحدٍ منهم: =هنروح البحر تاني امتى؟ ردت ليالي، وهي تضع الحقيبة على الأرض بحذر شديد، كأنها تصنع الراحة بين جدران المنزل: _السنة الجاية، وعليكوا بخير. تحدثت تقى باستياء: =ستي بوظت الفسحة. قالت ليالي بضيق يحجب نبرتها: _عندك حق يا تقى، ولو هي مبوظتهاش أمال مين يبوظها؟ وضع جلال الحقائب في الغرفة، وأعلن: =غيروا يا عيال مش عاوز أشوف حد فيكم بلبس الخروج. جلست ليالي متعبة على الأريكة، وتحدثت بإرهاق: _انا هروح بكرا لأبويا أقعد عنده أسبوع. جلس جلال هو الآخر، ونطق كلماته بإنهاك: = وده ليه؟ ردت ليالي بتنهيدة عميقة، تعبس بها وجهها: _أجدد نفسيتي اللي باظت من عمايل أمك. ثم تذكرت كون أم الديب بمفردها في هذه اللحظة، فانفجرت ضحكة عالية من شدة فرحها، وأضافت بابتسامة: =طب تصدق زمان أمك دلوقتي بتلف حوالين نفسها ومش عارفة ترجع ده احنا يا عيني لمينا هدومها والراجل استلم الشقة مننا...يعني هتبات في الشارع ده ممعاهاش قرش ساغ يوحد ربنا ترجع بيه. نظر جلال لها بعين حمراء متوهجة، واندفع صوته بحدة: _ماجرا ايه يا ليالي انتي هتسوقي فيها ولا ايه؟ ردت ليالي بفزع: =ايه يا جلال مالك مانت كنت كويس؟ قال جلال بصوت حاد: _خشي نامي مش عاوز كلام كتير! خشت ليالي من حدة صوت جلال، فوقفت، ودخلت غرفتها لتغيير ملابسها قبل أن تخلد للنوم. وفي الطابق السفلي من شقة المعلم حنفي، كان جالسًا على الأريكة وهو يشعر بالسعادة لعودته إلى منزله، مبتهجًا بما حدث لأم الديب، التي لا تزال في المصيف بمفردها ولا تعلم ماذا حدث لهم. فقال ببهجة: =أحمدك يارب رجعنا من غيرها أخيرًا. تحدثت هايدي بصوت مليء بالندم: _دي أول وآخر مرة أجي معاكم في حتة! رد المعلم حنفي بسخط: =متجيش ياختي انتي هتذلينا ولا ايه؟ تفوهت هايدي بابتسامة منعشة، وارتياح واضح في صوتها: _ لا...بس كويس إننا هنرتاح من ماما كام يوم. رد المعلم حنفي: =هي اللي كان بإيديها نحبها لكن بعمايلها اللي زي الزفت محدش مبسوط منها والكل كرهها. تنهدت هايدي بعمق، ونطقت كلماتها بإقتناع ملحوظ: _عندك حق يا بابا. قال المعلم حنفي بنعاس يعكسه عيناه المتثاقلتان: =يلا نامي، الصباح رباح. ردت هايدي بابتسامة: _تصبح على خير. دخلت هايدي غرفتَها بعد يوم طويل من العمل الشاق، وغيرت ثيابها ببطء متناغم، ثم خلدت إلى الفراش لتستريح من تعب اليوم الشاق. وفي صباح اليوم التالي، أخذت ليالي حقيبتها بحرص شديد، وجمعت أبناءها الصغار معها، ونزلت بهم بحذر، متجهة إلى منزل عائلتها البعيد. لكن فور وصولها المدخل، تفاجأوا بالظلام الكاحل الذي يعم الأرجاء، فتساءلت بهتان العينين: =اللمبة مالها اتحرقت ولا ايه؟ اقتربت ليالي من مفتاح الكهرباء بخطوات ثابتة، وضغطت عليه بقوة، فامتلأ المكان بالضوء الساطع كموجة من الأمل تعانق كل زاوية، فملأ صدى صوتها المندهش، وهي تقول: =ماهي شغاله أهي. نظرت ليالي جانبها، فوجدت أم الديب تقف هناك بملابس السباحة، تلقي عليهم نظرات من الحقد، والكراهية. ارتعشت من الفزع عندما رأتها وبدأت تعول بصوت عالٍ، ثم سرعان ما صعدت بأبنائها الصغار بسرعة نحو الدرج. وقبل أن يتسلق حمود ليصل إلى شقته، قرر أن يطرق باب شقة المعلم حنفي. وعندما خرج الجد بتعجب، وخوف من الأحداث المُريبة، قال بصوت مرتجف: _في ايه...في ايه؟ رد حمود بصراخ: =ستي رجعت! صعد حمود مُسرعًا قبل أن تصل إليهم، وأوصدوا بابهم خلفهم، حيث اندمجت أصوات خطواتهم مع صدى الهمسات في أروقة المنزل. وفيما كان المعلم حنفي، مع رغبته الكبيرة في التفكير المنفرد حول عودة زوجته إلى الدار بمفردها، صمت لحظةً طويلة ترددت فيها ظلال الشك، والحذر. ثم، بتعجب، وقلق متداخلين، عبّر قائلًا: _رجعت ازاي؟ صعدت أم الديب بخطوات ثقيلة، ووصلت إلى هايدي، حيث ترنح صدى صوتها الحاد في الهواء المليء بالتوتر، وقالت باحتدام ملتهب: =آني هقولك ازاي! رد المعلم حنفي بتعجب: _ازاي؟ أمسكت أم الديب بقالب الطوب الأحمر، وكأنها تحتفظ بوزن الكون في يديها، وقالت بصوت محمل بالحفيظة المتأججة: =كدهو. وضربته بقالب الطوب الأحمر فوق رأسه بقوة، فانكسر الصمت المرعب بصراخه الحاد وسقط مغشيًا عليه. سرعان ما نزل جلال من الدور العلوي متسابقًا لمعاونة الضحية، لكن أم الديب، متجاهلة الفوضى التي أحدثتها، ودخلت إلى المرحاض لتبدأ استحمامها. بعد دقائق، نزل حامد بعد الكارثة في هذه اللحظات الصاخبة، وفور رؤية جلال للموقف، صرخ بصوت متوتر: _مالك يابا جرالك ايه؟ رد المعلم حنفي بألم: =ودوني المستشفى بسرعة. وبالفعل، نقل جلال، وحامد المعلم حنفي بعجلة الإسعاف إلى المستشفى، حيث استقبله الأطباء بعد تدخلهم السريع. وبعد أن أجروا الكشف الطبي عليه وأجروا الفحوصات اللازمة، قال الطبيب بجدية وهو يلقي نظرة مهتمة على النتائج: _متقلقوش الجرح بسيط، وهيلم مع الوقت. ثم لف الشاش، والقطن حول رأس المعلم حنفي، وعادوا مجددًا إلى المنزل، حيث بدأوا في تعافيهم تدريجيًا. وبعد مرور شهر، شفيت نعمة من كسر ساقها، وكذلك المعلم حنفي شفى من جرح رأسه، وعادوا لحياتهم الطبيعية بعد تلقي الرعاية اللازمة. في هذا اليوم الخريفي الهادئ، كانت هايدي تجلس في غرفتها الصغيرة المنعزلة، تتأمل في أفكارها، وتتذكر لحظات الألم، والخوف التي مرت بها. خيوط الذكريات تتشابك مع خيوط الأمل في عقلها، وكانت تتذكر وسامة علاء الدين، الإبن الأصغر لأم قمر الدين، الشاب الذي يتمتع بجمال فتاك وطول قامة يبلغ مترًا وتسعين سنتيمترًا. بشرته بيضاء كاللبن، ووجهه النقي كالقمر في السماء. شعره البني الحريري ينسدل بأناقة في الهواء، مما جعل هايدي تفكر في إمكانية الزواج منه، خصوصًا أن أخاها قد تزوج أخته. لكن، وسط هذه الأفكار الوردية، تواجه هايدي مشكلاتها الشخصية، والعائلية، خاصة مع أم الديب التي تمثل بالنسبة لها قبضة نارية مميتة. هي تشعر بأنها مدفونة في الوحل بالحياة، حيث ترى الناس من حولها يصعدون إلى أعلى المناصب، والمستويات في حياتهم، بينما هي لا تشارك إلا بالتشجيع، والهتافات. وقفت هايدي أمام المرآة، ونظرت إلى نفسها الضائعة في تلك الأفكار، وسط دهشة الحياة، والرغبة الشديدة في الوصول إلى قلب علاء الدين، فوجدت نفسها تقول بصوت هادئ مليء بالحيرة: =لازم أعجبه لازم، هو أنا أقل من البنات اللي حواليه؟ دخلت أم الديب الغرفة في تلك اللحظة، وكأنها عاصفة تعصف بسكون اللحظة، ووجهها المشدود يعكس حدة العواطف المتناقضة في داخلها، وقالت بصوت ينبض بالسلطة: _مالك يا بت بتكلمي نفسك ولا ايه؟ ردت هايدي بتوتر: =ها؟ ده أنا... ده أنا. نطقت أم الديب بصوت حاد: _ماتتكلمي انتي واكلة سد الحنك ولا ايه؟ ابتلعت هايدي ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرتجف مليء بالخوف: =ده انا كنت بسمع جزء من مشهد في مسلسل عاجبني أوي. تلفظت أم الديب بفضول: _مسلسل ايه ده؟ تلجلجت هايدي في حديثها، وقالت بتلعثم في حروفها: =مسلسل... مسلسل...نسيت اسمه. تحدثت أم الديب بصوت حاد: _مالك يا منيلة مش على بعضك كده ليه؟ أجابت هايدي بتلعثم: =مفيش حاجة يا ماما...يلا انا ماشية بقى ألا اتأخرت. غادرت هايدي المنزل، فاستبدّت الدهشة بأم الديب التي وقفت متسمّرةً في مكانها، تتساءل في داخلها عن السرّ الكامن وراء هذا الرحيل المفاجئ: _البت مالها مش على بعضها كده ليه ومتلغبطة؟ يلا وانا مالي؟ المهم حلة المحشي. دخلت أم الديب المطبخ بخطى متثاقلة، لتطمئن على قدر المحشي. بينما انطلقت هايدي بخفة إلى صالون التجميل في البلدة المجاورة. وبوجه يغمره الأمل، توجهت إلى موظفة الاستقبال، وقالت بإبتسامة خافتة: =صباح الخير. ردت الموظفة بابتسامة: _صباح النور. تحدثت هايدي بتفكير عميق، وعينيها تتوهجان بالأمل، والبحث عن التغيير: =كنت عايزه أعمل نيولوك حلو كده شعر، وتنضيف بشرة، وباديكير. تساءلت الموظفة باحترام: _عندنا كل حاجة يا فندم تحبي نبدأ بإيه؟ ردت هايدي بتفكير: =تنضيف البشره الأول، التكلفة هتكون في حدود كام؟ أجابت الموظفة: _ احنا عاملين خصم يا فندم لحسن حظك. نطقت هايدي: =أه طب كويس. أخرجت هايدي المال من حقيبتها برشاقة بعد أن علمت بالأسعار، واستلمت بطاقة من موظفة الاستقبال، ودخلت بها إلى صالون التجميل. هناك، صنعت مظهرًا تجميليًا جديدًا؛ ارتدت الباروكة، وركبت الأظافر الاصطناعية، ووضعت المكياج، فأصبحت في أبهى صورة، ثم غادرت المكان بخطى واثقة، واتجهت إلى موقف السيارات. بعد ثلاث ساعات، وصلت إلى الكمباوند الذي تقطن فيه أم قمر الدين. وقفت أمام منزلها، ونظرتها تحت النظارة الشمسية كانت مزيجًا من الترقب، والخوف أن يراها أحد. لوهلة، استجمعت شجاعتها وقالت لنفسها، "وما المشكلة إن حدث؟" استأذنت من الحرس، وبعد التأكد من هويتها، سمحوا لها بالدخول إلى القصر. هناك، وجدت أم قمر الدين في انتظارها، فقالت بدهشة: _ايه ده هايدي؟ ازيك عاملة ايه؟ أدخلي! ردت هايدي بابتسامة: =الحمدلله يا طنط. جلس الاثنان معًا في هدوء، فقالت أم قمر الدين: _كان في حاجة ولا ايه؟ شعرت هايدي بأن لا مفر من الكذب، فاجتاحتها رغبة ملحة لاختراع حجة مقنعة. ترددت للحظة، ثم قالت بصوت مرتعش: =ها؟ لا أبدًا ده انتي وحشتيني قولت آجي أشوفك. ردت أم قمر الدين بود: _ميرسي يا حبيبتي كتر خيرك...قوليلي بقى تشربي ايه؟ أجابت هايدي بإحراج: =ولا أي حاجة يا طنط. وقفت أم قمر الدين بثبات، وقالت بإصرار لا يقبل الجدل: _ازاي بس، لازم تشربي حاجة، مينفعش! ردت هايدي بابتسامة: =خلاص اختاريلي على مزاجك. ثم نظرت حولها بحذر، وبدون أي مقدمات، قالت بنبرة حاسمة: _أمال علاء الدين فين؟ ردت أم قمر الدين بتعجب: =نعم؟ أرادت هايدي إصلاح ما أفسدته بعفويتها الساذجة، فتسرعت في القول: _اقصد الفيلم بتاع علاء الدين، والمصباح السحري. ضحكت أم قمر الدين، وقالت بإحراج: =مش معقول انا فكرتك بتتكلمي على علاء ابني. ردت هايدي بخجلٍ واضح: _لا يا طنط انا بعتبره زي أخويا مش أكتر. ضحكت أم قمر الدين بصوتٍ عذب، ثم دخلت المطبخ عند الخادمات لتقوم ببعض الأعمال المنزلية. بالصدفة، دخل علاء الدين من باب القصر، فانصدمت هايدي بعد أن رأته أمامها، وارتجفت خوفًا حتى وصل إليها. وبعد لحظات من الصمت المتوتر، قال بصوتٍ هادئ، ومتأمل: =هالو...ايه مامي فين؟ ردت هايدي بارتجاف، وعيناها تعكسان الذهول، والخوف المختلطين، حيث بدت كالورقة المتزلفة في عاصفة الخريف: _هاي... طنط جوا. نظر علاء الدين إليها بتعجب عميق، وقال بصوتٍ هادئ ممزوج بالدهشة: =انتي مين؟ أجابت هايدي بابتسامة: _معقول مش عارفني؟ أنا هايدي أخت أحمد جوز أختك. رد علاء الدين بلا مبالاة: =أها سوري معلش. كانت هايدي تظن أنه عندما يراها، ستتغير موازين الكون من أجلها، وستشعر ولو للحظة واحدة بأنه يبادلها ولو ربع ذرة من مشاعرها له. لكن عندما وصلها إحساس لامبالاته، ازداد غضبها، واشتعلت نارها الدفينة بداخلها. وفي داخل نفسها، قالت بصوتٍ مُحبط: _يعني صارفة، ومكلفة، وولا فارق معاه؟ بعد دقائق، دخلت أم قمر الدين إلى الريسيبشن بابتسامة واسعة تعكس سعادتها الغامرة. خلفها، كان الخادمون يحملون كل ما هو لذيذ، وشهي من حلويات متنوعة، وعصائر فريدة من نوعها، وفواكه طازجة، وملونة. تحدثت أم قمر الدين بصوتٍ مليء بالسخاء، والحماس، مرحبة بضيفتها بحرارة: =انتي منورة الدنيا بجد يا هايدي. ردت هايدي بسعادة: _ميرسي يا طنط ربنا يخليكي لينا. وضعت الخادمات الحلوى، والعصائر، والفاكهة باحترافية فوق طاولة الأريكة، ثم غادروا بخفة خطى تعكس الكرم. بينما جلست أم قمر الدين بأناقة، ووضعت ساقًا تلو الأخرى بلُطف على الأرضية المغطاة بالسجاد الفخم، وبعد مرور خمس دقائق، نزل علاء الدين من غرفته بخطى ثابتة، وهادئة، مما أثار دهشة أم قمر الدين التي لم تكن تتوقع رؤيته بهذا التوقيت. قالت بصوتٍ مليء بالفضول، والتساؤلات: =رايح فين يا علاء الدين؟ أجاب علاء الدين: _خارج في مشوار. ردت أم قمر الدين بابتسامة: =أوكي يا حبيبي خد بالك من نفسك! نطق علاء الدين بكلمات مفعمة بالحب: _متقلقيش. خرج علاء الدين من المنزل، وفور رحيله، أرادت هايدي بشدة اختراع حجج باطلة بأي شكل من الأشكال لتبرير خروجها. أمسكت هاتفها بين يديها بتوتر، وتوقعات سيئة، ووقفت في مكانها محاولةً تصور السيناريوهات المختلفة التي قد تحصل، وقالت بنبرة مستاءة: =ياه معقول؟ أنا صاحبتي بعتتلي مسدج بتقولي مامتها تعبانة...أنا لازم أروح أطمن عليها. وقفت أم قمر الدين بلا حراك، وبدى الفزع يلوح في عينيها المتلألئتين، وهي تتلعثم في كلماتها قائلة: _أوه معقول؟ ردت هايدي بتلجلج: =أه طبعًا... يا دوب ألحق أروحلهم. بينما كانت هايدي تعانق أم قمر الدين، ما زالت تشعر بالدهشة من إصرارها على الخروج. وما لبثت أن خرجت بسرعة من المنزل، محدقة بانتباه شديد في حركات علاء الدين، وهي تتأمل في نفسها بصوت خافت، حيث تسائلت في داخلها: _يوه ده سريع أوي. وقفت هايدي في الشارع الحيوي، وأشارت بحزم للتاكسي الذي كان يمر بالقرب، ثم ركبت فيه بتمهل، وطلبت من السائق أن يتبع سيارة علاء الدين بحذر. وبعد وصولها إلى الوجهة المحددة، نزلت ودفعت ثمن الأجرة بشكلٍ غير مبالٍ بالمال، بينما كانت تراقبه من بعيد، وهو يدخل كافتيريا كبيرة، ويصافح اثنين من أصدقائه الذين كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر. ثم جلس معهم على طاولة قريبة من النافذة، حيث تدفقت أضواء الشمس الخافتة داخل الغرفة المنعشة. دون أي تفكير مسبق، دخلت هايدي وجلست في الطاولة التي كانت تحاذيهم، تنتظر بصبر متوتر. وبعد لحظات، جاء النادل بسرعة متناهية، وأعطاها قائمة المشروبات المتنوعة، فقالت بصوتٍ خافت: _شكرًا. سألها النادل باهتمام: =تحبي تشربي ايه؟ أجابت هايدي: _ليمون. تحدث النادل بابتسامة واهتمام واضحين في صوته: =تحبي حاجة تانية مع الليمون؟ أجابت هايدي بلُطف: _لا شكرًا. غادر النادل طاولة هايدي بينما كانت تنصت جيدًا لحديث علاء الدين مع صديقه، وسمعته يقول بصوت مثار: =لا يا حبيبي ده مكنش اتفاقنا...انت عارفني كويس. رد صديقه بدهشة: _وايه المشكلة يا علاء؟ تحدثت هايدي بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعها أحد: =هما بيقولوا ايه؟ بعد دقائق، جاء النادل ووضع المشروب حيال هايدي بأناقة، فابتسمت، وقالت له بلباقة: =ميرسي. بعد أن تذوقت القليل من الليمون، رن هاتف هايدي، وبمجرد أن ردت على المكالمة، سمعت أم الديب تتكلم بصوت حاد، معبرة عن استيائها بشكل لا لبس فيه: _انتي فين يا موكوسة؟ أبوكي عمال يزعق. ردت هايدي بصوت خافت: =انا بشتري حاجات يا ماما...قوليله لسه قدامي شوية. نطقت أم الديب بفضول: _ايهي بتشتري ايه؟ أجابت هايدي على المكالمة، وهي تتلجلج في حديثها، وكانت كلماتها تتقاطع بين القلق، والاستعداد للتبريرات المحتملة، حيث كانت تحاول بشدة إظهار ابتسامتها في الظروف الحالية: =بشتري هدوم...هبقى أجيبلك عباية جديدة. صرّحت أم الديب بتأكيد: _متتأخريش ألا أبوكي، وجلال يعملوا مشكلة! ردت هايدي بقلق: =حاضر يا ماما...باي. بعد أن انتهت هايدي من المكالمة الهاتفية، شربت الليمون ببطء متأني، ثم توجهت نحو المرحاض بخطى متثاقلة، وفي طريقها انزلقت بلا مبالاة وقصدت السقوط بلا توقف أمام طاولة علاء الدين، حيث كانوا أصدقاءه الموالون يتجمعون، فمال علاء الدين بخطوات ثابتة نحوها، وبينما كان يتقدم بتأني وثبات، قال بصوت مليء بالحنان: _Hey انتي كويسة؟ نظرت هايدي في عينيه الجميلتين، وكلماتها خرجت بتوتر متجسدٍ: =أه، أه كويسة. مد علاء الدين يده نحو هايدي، حتى وقفت أمامه، وفي لحظة ممتدة من الزمن، تلاقت أنفاسهما كأنها تناغم موسيقي. تأملت هايدي ملامح وجهه بتركيز عميق، وببراعة متناهية حاولت التمثيل أمامه، كمن اكتشفت فجأة أنه هو علاء الدين المألوف. فبينما كان صوتها يترنح بالتوتر، والشوق، قالت بصوت متلهف: =ايه ده هو مش انت علاء الدين؟ رد علاء الدين بتفكير: _انتي هبة؟ قصدي هالة؟ نطقت هايدي بضيق: =انا هايدي. تلفظ علاء الدين بتواضع: _فرصه سعيدة إني قابلتك. ردت هايدي بابتسامة تنبض بالدفء، والسرور، كأنها تشرق كنجمة في ليلة صافية: =انا أسعد...هو انت بتعمل ايه هنا صحيح؟ أجاب علاء الدين بانزعاج: _انتي هتصاحبيني؟ شعرت هايدي بالإحراج، وكلماتها خرجت بتردد متأني: =ها؟ لا ده... ده... كنت بسأل عادي! غادرت هايدي المكان، وكانت السخط يتقاذف أفكارها، وواصلت حديثها مع نفسها، كأنها تحاور شخصًا آخر لم يكن حاضرًا: _ايه التناحة اللي فيه دي؟ ثم توجهت إلى موقف السيارات، حيث عادت إلى بلدتها بعد مرور ثلاث ساعات، وكانت الساعة تشير إلى السابعة ليلًا، في الريف، حيث يُعتبر التأخر الطويل للفتاة عن منزلها مصدر قلق كبير. ولسوء حظها، كان جلال يجلس في شقة أم الديب، فور دخولها المنزل، وقف ووجه لها نظرة كامدة، وقال بصوت مليء بالانزعاج: =كنتي فين؟ أجابت هايدي بتلعثم: _كنت بشتري حاجات. نظر جلال إلى أيديها بتعجب، وكلماته خرجت باستفهام في صوته: =غريبة مفيش حاجة في ايدك. نطقت هايدي كلماتها بتردد، وهي تقول بتلقائية: _مانا لفيت أدور على حاجة معينة ملقيتهاش، وبعدين انت مش قاعد في شقتك ليه؟ رد جلال بصوت حاد: =وانتي هتمنعيني أقعد في بيت أبويا؟ ماجرا ايه يا بت ماتتعدلي ألا أعدلك أنا بطريقتي! نطقت هايدي باشمئزاز: _ايه الأفورة اللي انت فيها دي؟ اقترب جلال منها بخطوات ثقيلة، وفي لحظة من التأمل المكثف، بدأت تنبثق من داخله الشخصية السرسجية، حيث خرجت كلماته بصوت حاد ينبعث منه الاهتياج: =اتعدلي ياما ماتنسيش إن أنا هنا الأخ الكبير! ردت هايدي بانزعاج: _وانت بتخوفني ولا ايه؟ مش فاهمة. أجاب جلال بصياح: =أه هخوفك...مخوفكيش ليه؟ خرجت أم الديب من غرفة النوم، وكلماتها انطلقت بصوت حاد يعكس كمدها المتصاعد: _أقعد يالي تتشك في مصارينك، ولا أقولك اطلع شقتك قاعد هنا بتنيل ايه؟ رد جلال بغضب ملحوظ، وكلماته تنطلق بصوت متجذر في الانزعاج: =ماتلمي بتك ياما سايباها ماشية على حل شعرها ليه؟ تلفظت أم الديب بنبرة حادة: _انت ملكش حكم على أختك، وانا هنا الكلمة كلمتي. تفوه جلال بسخط ملحوظ، حيث اندفعت كلماته بصوت مشحون بالانتقام: =لا ياما أنا الكلام ده مياكلش معايا...أنا راجل ابن راجل، وأبويا علمني إن النسوان عندنا متمشيش على حل شعرها! ردت هايدي باشمئزاز: _نسوان؟ يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة