ردت أم الديب بجلبة مليئة بالقوة، كأنها ترسل رسالة واضحة: _اطلع شقتك بدل ما أقلع اللي في رجلي، وعلى نفوخك! نطق جلال بغضب عارم، حيث خرجت كلماته بصوت مليء بالانزعاج: =تمام ياما خليكي فاكراها! صعد جلال إلى شقته بخطوات ثقيلة وهو مشحون بالامتعاض، في حين دخلت هايدي غرفتها وغيّرت ملابسها ببطء، ثم أمسكت هاتفها بيد مرهقة، وجلست على السرير بحسّ من الإرهاق، وفتحت تطبيق الفيسبوك بحثًا عن الحساب الشخصي لعلاء الدين، وبعد مرور ربع ساعة من البحث المتعمق، والدقيق، وجدته أخيرًا. ظهرت ابتسامة عريضة على وجهها، كما لو أن الأمل قد عاد إلى قلبها. وقالت بحماس، كأنها اكتشفت كنزًا مدفونًا: _الله عليا. أرسلت هايدي إليه طلب صداقة، وبعد ساعة من الانتظار، وافق عليه. قررت هايدي بعد ذلك أن تدخل إلى محادثة خاصة معه، حيث أرسلت له رسالة تحمل في مضمونها التالي: =سوري بعت أدد بالغلط. رد علاء الدين بلا مبالاة: _ولا يهمك. قالت هايدي بدهشة، وعبارة التعجب على وجهها: =ايه ده انت علاء الدين؟ أجاب علاء الدين بلا مبالاة، وكلماته تنطلق بكتابة مستهترة: _أها. قالت هايدي بسعادة مفعمة، وابتسامتها تتسع كالشمس في صباح جميل: =مش معقول الصدفة لتاني مرة! بعد أن تمعن علاء الدين في اسم هايدي (Haidy H. Eldeeb)، بدت تعابير وجهه متجسدةً للدهشة، والتأمل، وقال باستغراب: _انتي هايدي أخت أحمد جوز جميلة أختي؟ سعدت هايدي بعد أن تذكرها علاء الدين، ويديها ارتفعت بفرح ملحوظ، وقالت بعبارة تنبض بالسرور: =أه أنا..كويس إنك فاكرني. رد علاء الدين بلا مبالاة في كلماته، وكأنه يعبر عن عدم اكتراثه في تعامله معها: _أوكي. صمت علاء الدين، وفي هدوء لا يتخلله أي كلمة، لكن هايدي فكرت بعناية شديدة في اختيار صورة شخصية تنبعث منها الجاذبية، والأناقة الطبيعية. تجوب أناملها معرض صور هاتفها بدقة، حيث كانت تبحث عن اللقطة المثالية التي تعكس جمالها، وثقتها بنفسها. بعد لحظات من التأمل، والاختيار الدقيق، وجدت صورة مناسبة التقطتها في بلكونة مصيف جمصة، حيث ابتسمت هايدي بفرح، رؤيتها الجميلة تنبض بالأنوثة التي تميزها: =دي أحلى واحدة...يارب أعجبه بقى. من الطبيعي في منزل أم الديب أنها تقتحم الأبواب فجأة دون استئذان كما تفعل فرقة مكافحة المخدرات، ففي لحظة من المفاجأة، صرخت هايدي بصوت يملأ الغرفة، ما أثار استغراب أم الديب التي تفاجأت من صوتها العالي، فأجابت بصوت حاد ينبعث منه الاستفهام: _جرا ايه يا بت هو انا فتحت عليكي باب الحمام؟ تنهدت هايدي بعمق، واستراحت لحظة لالتقاط أنفاسها، ثم خرجت كلماتها بانزعاج مشحون، كما لو أن كل كلمة تنبعث من داخلها بعتاب: =يا ماما حد يخض حد كده؟ ردت أم الديب بعفوية طبيعية، كأنها تعبر عن رغباتها بدون تفكير، أو حسابات مسبقة: _قومي يا بت ساعديني هنعمل عيش لستك أصل طقم السنان بتاعها وقع، ومبتعرفش تاكل غير اللقمة الطرية فقولت أما نعملها شوية عيش طري. تلفظت هايدي بغرور: = انا مالي بكل ده؟ قالت أم الديب بصوت حاد: _ما هقول ايه، آني اللي شايلة البيت على دماغي، ومرات أخوكي محدش بيشوف خلقتها، وأختك طول اليوم برا البيت يإما تعبانة، ومتكسحة في السرير. نظرت هايدي في هاتفها بتركيز، وكلماتها خرجت بتجاهل واضح للموقف الحالي: = انا مليش في الجو ده. تفوهت أم الديب بصوت حاد: _ايهي أمال ليكي في المياصة، والسهوكة يا بت؟ ردت هايدي بخوف ملحوظ، حيث انعكس القلق في تعبيرات وجهها وصوتها: =مين قال كده؟ وبعدين أنا عندي مدرسة الصبح ومش فاضية للكلام ده...انا مُدرسة شاطرة قد الدنيا، تقوليلي أعجن، وأخبز معاكي؟ دخلت نعمة، وهي تحمل ابنها بين ذراعيها، وأبدت بتعبيرات وجهها مزيجًا من الحماية، وقالت بصوت ينطلق من قلبها المليء بالاهتمام: _السلامو عليكو يالي هنا. نطقت أم الديب بدهشة: =انتي شرفتي يا نعمة؟ مالك ياختي بايتة في الشارع ليل نهار ليه؟ جلست نعمة بابنها فوق السرير، وكانت تعبّر عن الراحة، وقالت بصوت ينبعث منه الحنان: _مانتي عارفة ياما إن حمو مكسح مالوش في الشغل، ولولا أنا اللي بشجعه كان زمانه نايم في السرير لحد دلوقتي...فبروح معاه أقطعله الطماطم، والبصل. ردت أم الديب بسخرية: =انتي اللي متجوزة واحد مايل وخايب، اعملي حسابك بالليل كلنا سهرانين عندك. نطقت نعمة بفرحة متألقة، وابتسامتها امتلأت بالسرور، حيث أعطت كلماتها لمحة من الموافقة: _وماله ياما ده انتوا تنوروني. فيما هرولت أم الديب بسرعة نحو المطبخ، وسرعان ما استخرجت المانجو من داخل المثلج، ثم عادت به بخطى متسارعة إلى موقعها الأصلي. نظرت حولها يمينًا ويسارًا، مطمئنة بأنها لا ترى أحدًا حولها، ثم همست بصوت خافت: =خدي يا بت آني عارفة إن جوزك مبيصرفش عليكي زي بقية الرجالة. نظرت نعمة بها في صدمة عارمة حين رأت الدود الميت في المانجو، ولم يلبث أن همست بصوت مشمئز: _نهار أسود ياما... مش دي المنجاية المدودة اللي كانت عندك من تلات شهور؟ انتي مش قولتيلي إنك رميتيها؟ ردت أم الديب بجلبة: =يعني ايه تترمي؟ نعمة ربنا تترمي عشان خاطرك يا بت؟ ماله الدود ماهو كله هيتضرب في بعضه، ومين اللي هيشرب في الآخر مش أبوكي، وأخواتك؟ وضعت نعمة يدها بغمرة على فمها، وقالت باشمئزاز واضح في صوتها: _يع ياما. وفرت مُسرعة نحو المرحاض، فقالت أم الديب بتعجب ملموس في صوتها: =البت بقيت فافي أوي! تحدثت نعمة، وهي تتقيأ في الحوض، بصوت متقطع، ومبعثر من بين الشهقات: _أه يا بطني أه. تفوهت أم الديب بعجيج قوي: =جاتكم داهية مفيكوش واحدة عدلة...كلكم مايلين. دخلت أم الديب المطبخ محملة بالمانجو، وبدأت تثرثر بالمسبة عن الأحداث الأخيرة، وفي الليل التقى أفراد الأسرة في شقة نعمة المريحة، حيث كانت الأجواء مليئة بالفرح، والانسجام، وقالت نعمة بابتسامة في صوتها، وهي تنظر إلى كل فرد منهم بتقدير، ومحبة: _أعملكم ليمون، ولا جوافة؟ ردت أم الديب بطمع ملحوظ في صوتها، كأنها تتوق إلى شيء ما بشدة: =اعملي الاتنين زيادة الخير خيرين. أجابت ليالي بحساسية ملموسة في صوتها، كأنها تنطق كلماتها برقة، وتأنيب داخلي: _لا كفاية حاجة واحدة...احنا مش جايين نكلفك. نطقت نعمة بابتسامة تمتد على شفتيها، كأنها تعبير عن فرح متواضع أو رضا داخلي عميق: =متقوليش كده يا ليالي هو انا أطول لما تنوروني في شقتي؟ قوليلي بس عاوزين ايه؟ ردت ليالي بابتسامة رقيقة تعكس بريق الصداقة في عينيها: _منتحرمش منك يا نعمة يكرم أصلك. تلفظ جلال بتفكير عميق، كأنه يحاول اتخاذ قرار مهم: =اعمليلنا جوافة. ردت نعمة بموافقة واثقة، كأنها تعبر عن مشاعرها بكل إحسان: _من عينيا. دخلت نعمة المطبخ بخطوات واثقة، مستعدة لصنع المشروبات، بينما تحدث المعلم حنفي بصوته الهادئ، والممتلئ بالحكمة، كأنه يسلط الضوء على مفاهيم عميقة، ومهمة: =انا هغير الشغلانة بفكر أفتح مدبح على مستوى. تلفظ جلال بدهشة: _هو انت نفعت في شغلانة الجزارة يابا لما تفتح مدبح مرة واحدة؟ رد المعلم حنفي بأمل يشع بين كلماته، وهو ينطلق بتفاؤل، ورغبة في النجاح: =وايه المشكلة؟ نجرب حظنا للمرة التانية. قال حامد بتشجيع ملموس في صوته، وهو يدعم، ويحفز حماه للمضي قدمًا، وتحقيق النجاح: _ماتجرب يا عمي ده اسم الله عليك دماغك توزن بلد. نطق المعلم حنفي بسعادة: =الله يخليك أنا طول عمري أقول حمو ده بيفهم في الأصول...يا زين ما اختارتي يا نعمة. ضحك جلال بسخرية ملحوظة في صوته، معبر عن انتقاد أو تعليق ساخر يتعلق بالوضع الحالي: _وانا أبويا لو دماغه توزن بلد كان هيبقى ده حالنا؟ نطق المعلم حنفي بجلبة: =ماجرا ايه ياض أنا مش مالي عينك ولا ايه؟ تلفظ جلال بصدق صوته، معبر عن الحقيقة بكل وضوح، دون تنميق: _لا يابا مش القصد...أنا مش هجمل كلامي انت حافظني. في شقة أم الديب، كانت هايدي ترتدي البيجامة الناعمة وتقوم بتصوير فيديوهات مميزة لتطبيق التيك توك، وكان الميك آب اللافت يبرز جمال وجهها. خلال هذا الوقت، نطقت بكل ثقة، وإقدام، كما لو أنها تتحدث إلى عالم كامل ينتظر استفاقته: =انا واثقة إني هعجبه...هو أنا أقل من البنات اللي حواليه في ايه؟ أنا بس كان ناقصني شوية اهتمام، وأبقى مزة، وأهو حصل...هو أنا في فحلاوتي، وجمالي؟ على ناحية أخرى، كانت جميلة تجلس براحة على الأريكة الناعمة في منزلها، ممسكة بهاتفها الذكي اللامع بين يديها، حيث تنعم بأجواء هادئة، ومريحة. أما سيليا، فقد اقتربت منها ببطء، تتسلل خلف الأريكة بابتسامة واسعة تملأ وجهها، وكان صوتها ينبعث منه دفء، مثل نسيم لطيف يداعب الأجواء، فقالت برقة: _مامي...ممكن الفون؟ ردت جميلة باعتراض ملموس في صوتها، وهي تعبر عن رأيها بشكل حاسم: =مش قولنا يا سيليا بلاش نمسك الفون كتير، ونستغل وقتنا في الـActivities؟ تفوهت سيليا ببراءة الأطفال، صوتها كشريط موسيقي ينعكس بحنان يدعو إلى التأمل: _أيوه يا مامي... بس أنا... أنا بحب الألعاب! ردت جميلة بقبول متأنية، وموافقة على الطلب بتفهم: =خلاص ليكي نص ساعة بالظبط أكتر من كده مش هسمح! رن هاتف جميلة في هذه اللحظة المتأخرة، وعندما نظرت إليه وجدت رقم أخيها علاء الدين يتلون على الشاشة بأرقامه البارزة، كالأنوار المتلألئة في الظلام. فعبرت عن دهشتها بتعجب واضح في ملامحها، كما لو كانت تتساءل عن السبب الذي دفعه للاتصال في هذا الوقت غير المعتاد من الليل، مما جعلها تشعر بالحيرة، والاستفسار الصامت في داخلها: _ايه ده خالو بيتصل! ضحكت سيليا بابتهاج عندما رن هاتف خالها، والفرحة تتلألأ في عينيها كنجمة في السماء الصافية. جميلة، وهي تحمل ابتسامة من الرضا، استجابت للاتصال بتفاؤل، كما لو أن الصوت من الطرف الآخر أضفى نورًا مشرقًا على وجهها: _أيوه يا علاء أخبارك ايه؟ كان علاء الدين يجلس في حديقة المنزل في الليل الحالك، حيث تعمقت الظلمة وانتشرت الأضواء الخافتة حوله. النجوم لامعة في السماء الصافية كالماسات المتلألئة على قماش أسود، وأضفت النسمات اللطيفة لمسة من البرودة، والهدوء على الأجواء، بينما كان يتمتع بمشروبه المفضل مع إحساس بالسكينة، قال: =Hey يا مزة أخبارك ايه انتي، والمزة الصغيرة؟ ضحكت جميلة بابتسامة تنبعث من داخلها، كأنها تنير الظلام حولها بلمعانها الدافئ، وقالت: _الحمدلله وانت عامل ايه، وايه أخبار الجامعة؟ أجاب علاء الدين وهو يتمتع بمشروبه في الهواء الطلق بأناقة متفردة، حيث خرجت كلماته كجوهرة براقة في الليل المظلم، معبرة عن راحته النفسية، وتقديره لجمال اللحظة التي يعيشها: =مطنش يا جميلة مليش مزاج للمحاضرات، والجو ده. ردت جميلة بضيق، صوتها ينقل تأثرًا مكتومًا أو عبءًا غير مُعلن عنه بوضوح: _يابني حرام عليك دي تاني سنة ليك في رابعة... انت مش عايز تتخرج ولا ايه؟ تلفظ علاء الدين باستهتار، وصوته ينطلق بثقة غير مبالية: =عايز أكيد بس انتي عارفة الباقي بقى...المهم سلميلي على سيليا روح خالو. قالت جميلة بابتسامة تنم عن رضا داخلي، وبهجة خفية: _بس كده من عينيا...خالو بيسلم عليكي يا سيليا. ردت سيليا بفضول: =خالو قمر، ولا علاء؟ أجابت جميلة بسعادة: _علاء، وباعتلك Hug كبير. اقتربت سيليا من الهاتف بخطوات هادئة، ووجهها ينبض بالسعادة المتأججة. حينما أخذت الهاتف بين يديها، وقالت بصوت مرتفع، ومليء بالسرور: =ميرسي يا خالو علاء...مواه. بعد أن أرسلت له قبلة، وأخذت الآيباد الخاص بها، دخلت سيليا غرفتها بخطوات خفيفة، في حين أكملت جميلة حديثها الممتع مع أخيها. في منزل أم الديب، نزلت شقتها بسرعة لتحضر بطاقة التموين، وتسلمها لجلال الذي بدأ يدرس المشكلة التي كانت تعاني منها. وفي هذه اللحظة الدقيقة، وجدت هايدي في وضع لا يحسد عليه، وهي تقف أمام كاميرا الهاتف بشعرها المبعثر، وثيابها المنزلية، تستمع إلى الأغاني الرومانسية وتغنيها بشغف. فجأة، انقضت عليها نبوءة حظها السيئ، وتشبثت بشعراتها بينما صاحت بصوت مرتفع: _يا سافلة يا فاجرة! ردت هايدي بفزع: =ماما؟ تحدثت أم الديب بنواح مليئ بالعنف، صوتها ينطلق بثقل يعكس الضغوطات التي تواجهها بسبب ابنتها: _بتهببي ايه يا بت؟ أجابت هايدي بتلعثم: =أنا... أنا كنت بجرب أشوف شكلي من غير الطرحة يا ماما! ألقت أم الديب صرخة لا تنطق بها إلا القلوب المحطمة والأفواه المكسورة: _وبتتصوري بالتلافون ليه؟ ردت هايدي بألم كأنها نغمة مؤلمة ترن في أعماق الروح: =خلاص يا ماما بقى متكبريش الموضوع! تفوهت أم الديب بجلبة: _انتي ليلتك مش فايتة النهاردة. فرت هايدي هاربة، تسلقت الدرج المؤدي إلى شقة نعمة بخطى مستعجلة، ولم تتركها أم الديب تتمتع بالهدوء، فقد خرجت وراءها، صرخت بأعلى صوتها محاولة اللحاق بها، متوجهة بكلماتها بلا تردد قائلة: _بتجري مني يا بت؟ هتروحي مني فين؟ في شقة حامد، انبعثت نعمة من المطبخ، وبدأت بتوزيع المشروبات الباردة بين الحضور بنفس الحرص الذي يتسم به الأمل في برودتها، قائلة: =اشربوا يا جماعة...خدي يا ليالي. مدت ليالي يدها باتجاه الكأس الممتلئ بالمشروب، وأخذته ببطء، كأنها تستمتع بلحظة الانتظار المليئة بالتجربة، ثم أطلقت ابتسامة خفيفة تتلألأ على وجهها المرهق، وقالت بلُطف: _تسلم ايديكي يا نعمة. دخلت هايدي الشقة بسرعة، وكان الفزع يعكسه وجهها المتوتر، حيث تبدو عيناها كشريطين من الليل المظلم ينقشعان أمام الحياة السوداء المنتظرة. فتحدثت نعمة بتعجب: =ايه ده هايدي مالك بتجري كده ليه؟ وقالعة الطرحة ليه؟ وقف جلال متماسكًا في مكانه، واندفعت كلماته من بين أسنانه المضغوطة بالقول: _خشي جوا البسي حاجة على دماغك! دخلت هايدي بسرعة لغرفة النوم، تلاحقها نعمة بخطى ثقيلة من الدهشة تجاه ملامحها المذعورة، وفجأة، توقفت هايدي وهزت رأسها بخفة، كأنها تحاول التصدي للأفكار المظلمة التي تدور في عقلها المضطرب، حيث نطقت نعمة: =مالك عاملة في نفسك كده ليه؟ ردت هايدي برهبة: _كنت بصور فيديو تيك توك، وماما شافتني، وهربت منها قبل ما أتضرب...بقولك ايه اتصرفي! نطقت نعمة بكلمات التهدئة، تأمل في أن تبث السلام في روح هايدي: =خلاص متخافيش لما أمك تطلع هقولها كلمتين يهدوها. تفوهت هايدي بامتنان: _شكرًا يا نعمة. ارتدت هايدي حجابًا فوق رأسها، كأنها تشكّلت قشعريرةً تعكس الدفء، وفجأة، أعادت نعمة ابتسامتها، قائلة: =تعالي خديلك كوباية عصير. خرجت نعمة من الغرفة بخطوات هادئة تنعكس فيها آمال السلام، ودخلت المطبخ بملامح الأمان تعكس ظلال الراحة، وفي الوقت نفسه، كانت هايدي تقف بصمت في الزاوية، وهي ترتدي حجابًا يرمز إلى حماية لا تعتمدها، بينما خرجت أم الديب من شقتها بخطوات ثابتة تأمل بالانقضاض على هايدي، وهي تتوعد بصوت مشدد: _ماشي يا هايدي هتروحي مني فين؟ صعدت أم الديب إلى شقة نعمة، وبمجرد أن لمحتها نعمة، خرجت لتلاقيها، وكان وجهها يعكس الخوف المتقلب كالأمواج، فقالت بصوت يتردد في الهواء المليء بالتوتر: =أمانة عليكي ياما ماتقربي ناحيتها! ردت أم الديب بصوت حاد: _دي بت مش متربية...ناقصة رباية. نطق جلال بفضول: =هو في ايه ياما؟ أجابت أم الديب بجلبة: _البت قال ايه أنزل ألاقيها... تدخلت نعمة في الحديث بسرعة، كأنها تحاول تفادي كلمات أم الديب قبل أن يكتشف جلال الحقيقة، ويرمي بظلاله الثقيلة على هايدي، أو يحاول إيذاؤها، فقالت بنبرة تنم عن الترقب: =أصل يا جلال أختك دلقت الصابون على السجادة من غير ماتقصد، وأمك حالفة ماتسيبها. وضعت نعمة يدها برفق فوق فم أم الديب، لتخفف من حدة الكلمات المندفعة، وسحبتها بلين حتى دخلوا الغرفة معًا، وفي ذلك اللحظة، انفجرت أم الديب بصوت حاد، كالبرق يشق السماء المظلمة: _جرا ايه يا بت انتي بتداري على أختك ليه؟ تفوهت نعمة بارتياع: =خلاص ياما حصل خير مالوش لزوم المشاكل، وبعدين انتي كبرتي وعايزة ترتاحي من المشاكل. انكادت أم الديب من نعمة بعد أن وضعتها في خانة العجوز، حيث تكشف وجهها المليء بالحقد، والغضب العميق، وفجأة، تحدثت بصوت غليظ كأمواج البحر المتضاربة، معبرة عن كل ما تحمله من انتقام، كأنها تهدد بأن تجتاح كل شيء في طريقها بقوة لا تُقاوم: _كبرت ازاي يا بت؟ سناني وقعت، ولا شعري إبْيّض، وشاب؟ ردت نعمة بعفوية: =ياما انتي اسم الله عليكي جدة لأربعة، وداخلة على الستين سنة! أجابت أم الديب بجلبة مَنينة: _ايهي آني لسه أربعة وخمسين سنة يا بت! تلفظت نعمة برهبة: =خلاص، ولا تزعلي نفسك تعالي اشربي عصير. تساءلت أم الديب بشهية مفتوحة، كأنما كانت شهوة الفضول تدغدغ حواسها الذهنية: _عملتي حسابي في كوباية كبيرة؟ ردت نعمة بابتسامة: =أيوة طبعًا ده انتي الخير، والبركة. دخلت نعمة المطبخ بخطوات هادئة، وأحضرت كوب العصير اللذيذ لأم الديب، ثم غادرت بهدوء، تاركة إياهم يستمتعون بسهرتهم الليلية. وفي اليوم التالي، بعد حل المشكلة التي كانت تثير الجدل، استفاقت هايدي من نومها ببطء، ملبية في عقلها خطة جديدة لفوز قلب علاء الدين. استقبلت الصباح بالتفكير العميق، ثم دخلت المرحاض لتستعد لاستحمامها. وفجأة، استيقظ المعلم حنفي من نومه العميق، مستعجلًا لمحاولة فتح باب المرحاض، وهو محصورًا بالمياه، يطرق الباب بشدة وهو يعاني، وتعالت صرخاته في الصباح الهادئ: _افتحي آني مزنوق أوي. ردت هايدي، وهي تغسل شعرها بماء الحياة، فتجمدت لحظة الاستنشاق العميق، كأنها تعيش في عالم من الأحاسيس المتناقضة، حيث اختلطت رذاذات الماء بأفكارها الدقيقة: =أنا لسه باخد شاور يا بابا. تفوه المعلم حنفي بتألم: _ماتقولي بتستحمي لازمتها ايه عوجة اللسان دي؟ خرجت أم الديب من المطبخ بصينية الطعام، حاملة في يديها حكاية الطهو، حيث انتشرت روائح البهارات، والنكهات المتعددة في أرجاء البيت، ملؤها دفء الاهتمام، فقالت بنبرة حادة: =سيب البت خليها تروح شغلها. نظر المعلم حنفي لما في يدها، ونطق بتعجب عميق، فظهرت على محياه تعبيرات الدهشة كأن أم الديب ترقص بين خيوط الزمان: _ايه اللي في ايدك ده يا ولية؟ ردت أم الديب باشتيهاء ممزوج بالبهجة، كمن تتذوق نكهة الاستمتاع في كل كلمة تتردد عبر شفتيها: =طبق الفول، والبصل. صاح المعلم حنفي فيها قائلًا باشمئزاز: _يا ولية قولتلك مية مرة متاكليش بصل بيخلي ريحتك نتنه...أنا معرفتش أنام طول الليل منك! جلست أم الديب بصينية الإفطار على الحصيرة، وهي تتأمل فيها بعبوس، كلما انعكست ملامحها الجادة على سطح الصينية، قالت بانزعاج: =وانت مال اللي خلفوك يا راجل انت؟ رد المعلم حنفي بسخط: _قسمًا عظمًا إن كلتي بصل تاني لأطخك بالنار في نفوخك أجيب أجل عيلتك كلهم! بينما هايدي تستحم بداخل المرحاض كانت تسمع صوت نزاعهم، فقالت غاضبة: =ياربي على خناقاتهم التافهة حتى الشاور مش عارفة أخده...أنا مش هعرف أتجوز بسببهم، هيفضلوا نقطة سودة في حياتي! طرق المعلم حنفي الباب بقوة، وصدح صوته بتحذير ملئ بالجدية: _يا بت يا هايدي افتحي قدامك خمس دقايق لو مفتحتيش هعملهالكم على السجادة! ردت أم الديب بانزعاج متناقض، وهي تأكل البصل الأخضر، حيث ترقص على حدود النكهات بين طعم اللذة، ورائحة القذارة، مكملةً لطقوسها اليومية بلحظات السعادة: =ماتوطي صوتك بقى ده انت راجل غم صحيح! التفت لها المعلم حنفي، وصدح صوته بصياح ملئ بالامتعاض، كأنه صوت الرعد يدوي في سماء ملبدة بالغيوم المظلمة: _انا مش قولتلك يا ولية متاكليش بصل؟ تناولت أم الديب البصل الأخضر، وقالت باستهزاء: =وأنا اسمع كلامك ليه؟ ده انت ورجل الكنبة واحد. اقترب المعلم حنفي بخطوات ثقيلة وعينيه تعبر عن الدهشة، مذهولًا من حديث أم الديب له، وفجأة، تلون وجهه باللون الأحمر القاتم، وبرزت عروق عنقه كأنها خطوط من النار. وفي هذه اللحظة المشحونة بالاحتدام، صاح بصوت مدوي يملأ الغرفة، كأن صدحه يحمل تلك الانفجارات البركانية التي تتسرب من أعماق الأرض: _انا ورجل الكنبة واحد؟ آني اللي بصرف على البيت ده، وبجيبلك الطفح اللي بتطفحيه، وياريته عاجب ده انتي مفيش حاجة محوقه فيكي. ألقت أم الديب طعامها جانبًا بحركة عاصفة، تعكس غضبها العارم وانزعاجها الشديد، وانطلقت كلماتها بصوت غليظ يهز الجو، مشحونة بالقوة التي تجعلها كلمات الشجار تتراقص في الهواء المشحون بالتوتر: =بقولك ايه! تراجع المعلم حنفي للخلف بخطوات تكاد تكون خائفة، ووجهه يعبر عن الاضطراب من غلاظة صوت أم الديب، كأنه يترقب اندلاع عاصفة مدمرة. وفي غمرة اللحظة المشحونة بالرهبة، خرجت كلماته بتلعثم، وخوف ملموس: _خلاص يا ولية انتي برضة مهمة في البيت ده. ثم أردف بصراخ حاد: =عا، هعملها على نفسي. وصعد لشقة جلال بخطوات متثاقلة، وطرق الباب بحذر، كمن يترقب الإجابة من بوابة الغموض. وبعد أن ليالي فتحت له الباب ببطء، بادر بالقول لها بكلمات مفعمة بالاحترام: =معلش يا ليالي الحمام عندنا مشغول. ردت ليالي بابتسامة: _لا ياع مي أدخل ده بيتك هو انت غريب؟ رد المعلم حنفي بخجل: =الله يخليكي. دخل المعلم حنفي المرحاض، وسط هدوء يختلط بضجيج الماء المتدفق، فتناغم صوت أحذيته مع صدى الغرفة الضيقة. وبعد أن انتهت هايدي من الاستحمام، دخلت غرفتها بخطوات هادئة، وعادت لتجهيز نفسها للذهاب إلى عملها. وفي ذات الوقت، بادرت أم الديب بمحو الأطباق في أقل من خمس دقائق، رافضة فكرة مضغ الطعام، فإنها تبتلعه صحيحًا دون أي جهد على أسنانها، حيث لم تشعر بالشبع، بل ازدادت الأمور سوءًا، فنطقت بدهشة: _هو لحق يخلص؟ خلاص هقوم أعمل طبق تاني هو احنا ورانا ايه يا بت يا بسمة؟ وقفت أم الديب على أرجلها، تحارب تعبها بكل قوة، حتى وصلت للمطبخ حيث ملأت الأطباق بالطعام مجددًا، ثم جلست أمام التلفاز، وتأملت في الشاشة بعينين متعبتين. وبعد ربع ساعة، خرجت هايدي من غرفتها، تجاه موقف السيارات في البلدة، وبعد ثلاث ساعات، وصلت إلى حي الأثرياء حيث تسكن أم قمر الدين. بدأت بمراقبة حركات علاء الدين، حتى عرفت مكان صالة الألعاب الرياضية التي يشترك فيها. وبالفعل، ذهبت إليها، واستفسرت عن الأسعار، وعندما وجدتها ملائمة، قامت بالاشتراك ودخلت الصالة. وهناك، تجولت بين أركانها، ساحرة بما شاهدته من جمال وتنظيم، فتعجبت بأناقة الأجهزة وترتيب المكان، معبرة عما يمكن أن تحققه من تحديات رياضية جديدة: =تحفة الجيم ده، والديكورات حلوة أوي. وللصدفة البحتة، حينما أبعدت عيناها كما لو كانت تبحث عن بريق أمل، وقعت عيناها على علاء الدين، الذي كان يتدرب على أحد الأجهزة بتركيزٍ كأنما نُقل إلى عالمٍ آخر. كان يرتدي السماعات التي عزلته عن ضجيج المكان، فبدا وكأنها اللحظة المثالية للحديث معه. اقتربت نحوه بخطوات مترددة، وقالت، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الدهشة: _ايه ده بقى مش معقول الصدف، انت مشترك في نفس الجيم اللي أنا مشتركة فيه؟ اقتلع علاء الدين السماعات من أذنيه بتردد، ودقق نظره في وجه المتحدث، كمن يبحث في ملامحه عن ذكرى بعيدة. وما إن أدرك أنها هايدي، ارتسمت على وجهه ابتسامة مشرقة، وقال بنبرة تمزج بين الدهشة، والفرح: =Hey هايدي أخبارك ايه؟ ردت هايدي بسرور: _تمام أنا مكنتش متوقعة خالص إنك هنا. أجاب علاء الدين بتعجب: =أنا صراحةً مستغرب أوي، أنا كل ما أروح في حتة ألاقيكي فيها! ضحكت هايدي بخفة، وتلفظت بكلماتها بخجلٍ غمر شفتيها: _أه مأنا كمان كده كل ما أروح في حتة ألاقيك فيها بس صدفة لطيفة. رد علاء الدين بلُطف: =أكيد ده الچيم نور. تفوهت هايدي بكلماتها، وهي تتلفت حولها بعينين تلمعان بفضولٍ، وحيرة، كأنما تستمد شجاعتها من تفاصيل المكان: _ميرسي...أنا مش عارفة الأجهزة هنا بتشتغل ازاي. تنبأ علاء الدين من ملامحها المرتبكة وعيونها التي تستكشف المكان بفضول، أنها جديدة هنا. فابتسم بلُطف، وقال: =انتي شكلك أول يوم. تفوهت هايدي بتردد: _لا أنا كنت في جيم تاني بس قولت أجي أشوف الجيم ده بيقولوا لطيف. رد علاء الدين بابتسامة دافئة تعلو وجهه: =لا متتصوريش ده حاجة واو...تعالي أفهمك! نزل علاء الدين من فوق الجهاز الرياضي بخفة، ومشى بجانب هايدي بخطوات متناغمة مع خطواتها، وطيلة سيرهما جنبًا إلى جنب كان ينظر إليها بتعجب يملأ عينيه، كأنما يحاول فك شيفرة ملامحها أو قراءة قصص لم تروَ بعد، ثم قال بصوت هادئ يحمل نبرة فضول: _ممكن سؤال بسيط؟ أجابت هايدي بأدب: =اتفضل. نطق علاء الدين بتعجب: _انتي قصيرة أوي كده ليه؟ هذا يرجع إلى فارق الطول الشاسع بينهما؛ فهايدي بطولها الذي يبلغ مترًا وثمانية وخمسين سنتيمترًا بدت كزهرة يانعة تحت ظل شجرة عملاقة، حيث بلغ طول علاء الدين مترًا وتسعين سنتيمترًا. في هذه اللحظة، شعرت هايدي بإحراج خفيف يغمر وجنتيها، فضحكت، وقالت بابتسامة خجولة: =معرفش بس أخواتي كلهم طوال. رد علاء الدين بدهشة: _نايس أنا أختي منى طولك فعادي. بعد أن وصلوا إلى الجهاز الرياضي، بدأ علاء الدين يشرح لها كيفية استخدامه بحماس، مرافقًا كل كلمة بحركات يديه التي تعكس خبرته، واهتمامه الواسع بالرياضة: =من هنا، وده من هنا... سهلة يعني! لكن هايدي لم تركز في حديث علاء الدين فقط، بل كانت تتمعن في ملامحه الجذابة، وتذوب غرامًا في حبه حتى انتهى من شرحه، وفي تلك اللحظة الصامتة، قال بصوتٍ خافت ينعكس عليه الاهتمام: _فهمتي حاجة يا هايدي؟ ردت هايدي بابتسامة: =أه أكيد...ميرسي بجد. تلفظ علاء الدين بابتسامة، وهو يشير بيده بعيدًا: _لو احتاجتي حاجة انا هناك. تركها علاء الدين، وعاد للممارسة الرياضية من جديد، فكانت هايدي تتبع تحركاته بعينيها، لكنها خافت أن تظهر مشاعرها له، خشية أن يستهزأ بها خصوصًا وأنهم ليسوا من نفس الطبقة الاجتماعية، فقالت من أعماق وجدانها: =مش عايزة شكلي يكون وحش هحاول أتمالك نفسي، وتصرفاتي...كده هتفضح أوي! بينما في منزل أحمد، بعد أن جهزت جميلة للخروج، دخلت غرفة الملابس لتجد زوجها يقف أمام المرآة ويربط رباط عنقه بحرفية. فقالت بابتسامة ممزوجة بالحنان: _أنا هعدي آخد سيليا من الحضانة، وهنطلع على النادي. رد أحمد بابتسامة دافئة، وعينيه تعكسان الحب: =خدي بالك من نفسك، ومن سيليا، وأنا هخلص شغل، وهعدي آخدكم نتغدا برا. تلفظت جميلة برقة: _أوكي يا حبيبي. بعد أن اقتربت منه وقبّلته في خده، نزلا سويًا وركب كلٌ منهم سيارته. أحمد اتجه لعمله، وجميلة ذهبت لإحضار سيليا من الحضانة، وبعد وصولها إلى الفصل، قالت بابتسامة تملؤها السعادة: =صباح الخير يا مس ليلى. ردت المُعلمة بابتسامة دافئة، وعينيها تتلألأ بالحب: _صباح النور يا مدام جميلة...سيليا شطورة، ورسمت رسومات حلوة أوي. أمسكت المُعلمة كراسة الرسم، وأعطتها لجميلة لكي تنظر إليها وتسعد بالمهارات التي تمتلكها ابنتها. فوجدت جميلة أن ابنتها ترسم فتاة تتأرجح قبال البحر ليلًا، وبجانبها قطتها تلعب مع فراشة فاتنة تتلألأ أجنحتها بالأضواء اللامعة. بالفعل، فرحت جميلة بمهارة ابنتها في الرسم بفرح جسيم، وقالت بابتسامة تملؤها الفخر: =حلوة أوي...شابوه يا سيليا. ردت سيليا ببهجة: _عجبتك يا مامي؟ أجابت جميلة بفخر متألق، وعيناها تتلألأان بالاعتزاز بابنتها: =طبعًا دي تجنن...يلا بينا نروح النادي. احتضنت سيليا يد والدتها، وحملت جميلة الحقيبة في يدها الأخرى، وودعت المعلمة. ثم خرجوا من المدرسة، ولكن برغم وجود جميلة إلى جانبها، إلا أن ابنتها كانت تفتقد وجود والدها معها. فقالت سيليا بحزن ملموس في صوتها: _هو ليه بابي مش بيقعد معايا زي الأول؟ أجابت جميلة ببشاشة: =الشغل بقى كتير أوي...بس في مفاجأة حلوة! ردت سيليا بفضول عارم: _ايه هي؟ تفوهت جميلة بسعادة: =بابي هياخدنا النهاردة، ونتغدا مع بعض في المكان اللي يعجبك. عانقت سيليا والدتها بحنان، وقالت بسعادة غامرة وهي تبتسم بفرح: _هييه يا مامي! ضحكت جميلة بابتسامة مشرقة، وقالت بتفاؤل: =مفاجأه حلوة مش كده؟ ضحكت سيليا بابتسامة عريضة تمتد من أذنها اليمنى إلى أذنها اليسرى، وتفوهت بفرحة طفولية غامرة، مما أسعد قلب والدتها جميلة التي لم تكف عن الابتسام تأملًا في المستقبل المشرق لطفلتها: _أوي يا مامي! ثم جلسا سويًا في السيارة، وفي منزل ليالي، كانت تفرش قماشة كبيرة على أرضية الصالة، وتجلس فوقها مقطعة الخضروات باهتمام، استعدادًا لتجهيز الطعام، فخطرت في بالها هذه الفكرة: =والله المفروض العيال يروحوا، ويرجعوا مع عمتهم بدل بهدلة أبوهم كل يوم دي. وفي هذه اللحظة، دخل جلال من باب الشقة مع أولاده حمود، وتقى. كان حمود يدرس في الصف الأول الابتدائي بينما كانت تقى في الحضانة. بمجرد أن رأتهم ليالي، انطلقت ابتسامة دافئة على شفتيها، وقالت ببهجة: _كنت لسه في سيرتكم...عملتوا ايه يا عيال؟ رد حمود بسخط: =الأبلة ضربتنا بالعصاية ياما. نطقت ليالي بدهشة: _ليه كده يا حمود انت معملتش الواجب ولا ايه؟ دخل جلال إلى الغرفة، وبينما نظر حوله، قال بصوت هادئ: =انا داخل أريح ساعة اعمليلي حاجة أكلها عشان نازل تاني. ردت ليالي، وهي تقطع البطاطا ببراعة: _حاضر ياخويا تحدثت تقى بانزعاج: =حمود ضربني يا ماما، وشدني من شعري. قالت ليالي بصوت حاد: _مش قولتلك متضربش أختك، وتاخد بالك منها؟ تلفظ حمود بعبارة مفعمة بالامتعاض: =كلت الساندوتش بتاعي. تفوهت ليالي بنبرة جلفة، كأنها نغمة باردة ترتسم على وجهها: _مانتوا كل واحد فيكم له أكله بتاخدوا أكل بعض ليه؟ رد حمود بعجيج: =انا بكرهها! نهضت ليالي، وقالت بصوت ينطلق بقوة: _متقولش على أختك كده...انتوا ملكوش غير بعض! دخل حمود الغرفة مُسرعًا كي يتحامى في والده، وهمس بتوتر: =آبا...آبا. نطقت ليالي بصوت مرتفع يعبر عن استيائها: _شوف الولا بكلمه جه سايبني، وماشي! وأردفت لإبنتها بحُب: _تعالي يا تقى...سيبك منه انا هربيه! ردت تقى بانتحاب: =أنا زعلت منه يا ماما! عانقت ليالي ابنتها برقة، وقالت بصوت ينبع من أعماق الحنان: _لا يا قلب أمك متزعليش! بعد ساعة ونصف من ممارسة الرياضة، أرهقت هايدي من شدة الجري إلى درجة أن تلون وجهها إلى اللون الأحمر القرمزي، فجلست ترتاح على أرضية الصالة، تلاحق أنفاسها بصعوبة، حتى لاحظ علاء الدين، الذي جاء يسير نحوها بخطوات متسارعة، ووجهه يعبر عن دهشته، وبينما اقترب منها، قال بصوت يظهر فيه الاهتمام: =هايدي انتي تعبتي ولا ايه؟ كانت هايدي تكابر، حافظة على شكلها، ومظهرها الرياضي الجيّد أمام علاء الدين، الذي كان يراقبها باندهاش. وعلى الرغم من شدة الإرهاق الذي شعرت به بعد الجري، وجدت نفسها تتحدث بصوت متقطع: _لا خالص ده أنا بس برتاح شوية. نطق علاء الدين بدهاء: =يبقى تعبتي...على العموم ايه رأيك نخرج ناكل مع بعض؟ ردت هايدي ببهجة منقطعة النظير، كأنها كانت تنتظر هذا العرض منذ مدة طويلة: _ايه ده بجد؟ تلفظ علاء الدين بتعجب عميق، وعيناه تتلألأان بدهشة لا تُخفى: =طبعًا...مالك فرحتي كده ليه؟ ردت هايدي بإحراج ملحوظ، حيث انعكست عبارة الخجل على ملامح وجهها: _لا عادي. على الرغم من إرهاق هايدي الجسيم، إلا أنها وافقت على هذا العرض دون أي تفكير أو تردد. وبعد دخولها المرحاض، استحمت وارتدت ملابسها، ووضعت الروج الأحمر. ثم ذهبت مع علاء الدين إلى مطعم فارِه، حيث اندهشت من جمال المكان، والناس المتواجدين به، الذين بدت لها كمن يظهرون في المسلسلات، والأفلام، يعيشون حياة جليلة مملوءة بالمسكن الفخم، والمأكولات الراقية. وهي بلا شك قالت بسعادة غامرة: =حلو المطعم ده. جلس الاثنان متقابلين على طاولة صغيرة، تتسع لاثنين فقط، وكانت الأجواء مليئة بالدفء، حيث بادر علاء الدين بالحديث، وهو يتلفظ بتقدير: _تحبي تطلبي ايه؟ منحها علاء الدين كتابًا أسود اللون، ففتحت هايدي صفحاته بفضول، وهي تنظر إلى الكلمات المكتوبة باللغة الإيطالية بمحاولة جادة لفهمها، وعلى الرغم من فشلها في فهم كلماته، إلا أنها استمرت في التصفح بشغف كأنها تدرك المعاني العميقة التي تحملها. وبينما كانت تتأمل الصفحات، قالت بتردد، وهي تبحث عن مفهوم واضح في النصوص: =انا عايزة...عايزة... قال علاء الدين بترقب: _ماتقولي؟ أجابت هايدي بإحراج: =هقولك حاجة...أطلبلي على مزاجك. رد علاء الدين بابتسامة تكشف عن بريق من الثقة في عينيه، وهو ينظر إلى هايدي بدهشة ممزوجة بالإعجاب: _انتي جيتي في ملعبي يا هايدي. ونادى النادل بصوتٍ عالٍ: _لو سمحت! حضر النادل ووقف أمام طاولتهم، محملًا بالورقة والقلم في يده، وتبسم وجهه بلطف، وودّ: =أهلًا بيك شرفتنا يا فندم. رد علاء الدين بابتسامة: _ميرسي. ثم أعاد النظر في قائمة الطعام، وبعد لحظة من التأمل، أردف بصوتٍ واثق: _انا عايز اتنين بانيلا، واتنين بروستيكا، وواحد كاتشيكو، وظبط الباقي من عندك. دون النادل طلبات علاء الدين بدقة على الورقة، ثم قال بابتسامة تعبق بالاحترام: =حضرتك تحب حاجة إضافية؟ رد علاء الدين: _لا تمام كده. نطق النادل بابتسامة ودية: =أوكي يا فندم. غادر النادل مغادرة هادئة، ونظر علاء الدين إلى هايدي وهي تنظر حولها بتركيز جارف، وعلى وجهها بادرة من القلق الخفي، فسأل باستغراب: _مالك مش مركزة ليه يا هايدي؟ أجابت هايدي بتوتر: =لا لا مركزة أهو! نظرت هايدي بداخل الكتاب، وهي تواصل التصفح بحماس شديد، وأردفت بتمعن: =هو ده أكل؟ نطق علاء الدين بسخرية: _لا عصير. ردت هايدي بتعجب عميق: =انت مش قولت اننا هناكل؟ تلفظ علاء الدين بسخرية على وجهه، وألقى نظرة عابرة على هايدي التي كانت تتأمل الصفحات بانبهار: _أكيد بتريق يعني ده أكل ايطالي! قالت هايدي بإحراج: =أه... أكل إيطالي. بعد أن عادت جميلة، وسيليا إلى المنزل، وغيروا ملابسهم، وأبدوا استعدادهم للخروج مع أحمد، دخل أحمد الغرفة بثقة، وقال بصوتٍ مليء بالحماس: _خلاص جهزتوا؟ ردت سيليا بنبرة حازمة: =بابي انا هختار المكان على ذوقي! نطق أحمد بموافقة واثقة: _أكيد يا سيليا انتي ذوقك حلو أوي...هتأكلينا فين بقى؟ ضحكت سيليا بابتهاج، وقالت: =هقولك في العربية. ضحكت جميلة بابتهاج ممزوج بالفرح، وهي تتلفظ: _سيليا شكلها محضرالنا مفاجأة. قهقهت سيليا بلطف، وقالت بابتسامة ودودة: =أه. رد أحمد بابتسامة: _ماشي ياستي يلا بينا. حمل أحمد ابنته على كتفه بحنان، وخرجوا من المنزل بحرص، وأوصدوا الباب بعناية، ثم ركبوا المصعد ونزلوا إلى سيارتهم، وبعدما أدار أحمد السيارة، وقفت سيليا في المنتصف، وقالت بسعادة ممزوجة بالتردد: =بابي أنا ليا طلب! رد أحمد بلطف وهو يتولى القيادة: _اطلبي يا سيليا. ضحكت سيليا بابتهاج، وقالت بصوتٍ مليء بالبهجة: =أنا عايزه أسوق! ضحك أحمد بخفة، وقال باعتراض مرحًا: _تسوقي ازاي؟ انتي لسه صغيرة، مش هتعرفي! ردت سيليا بإصرار، وهي تضحك: =لا لا هعرف! مد أحمد يده برقة لسيليا، وحملها فوق ساقيه بلُطف، حيث بدأت تحرك مقود السيارة بيدها ببراعة، وثقة، مثلما لو كانت السائقة الماهرة التي تتحكم بكل حركة بأمان، وفي تلك اللحظة، رن هاتف جميلة بنغمة مرحة، وبعد أن ردت بابتسامة واثقة تعكس رضاها، قالت: _ألو ازيك يا مامي عاملة ايه؟ نطقت أم قمر الدين بحنان: =ازيك يا روحي، وازي سيليا، وازي أحمد؟ أجابت جميلة بود: _كلنا كويسين يا حبيبتي، طمنيني عليكي. تلفظت أم قمر الدين باهتمام: =الحمدلله...قوليلي بقى فاضيين يوم الجمعة؟ نطقت جميلة بتأكيد: _طبعًا ده اليوم الوحيد اللي احنا فاضين فيه اصلًا. ردت أم قمر الدين بعطف ينير الدروب: =خلاص يا روحي انتوا معزومين عندي يوم الجمعة مع أخواتك، بجد نفسي ألمكم حواليا زي زمان...فاكرة لما كنتوا صغيرين كنتوا كلكم حواليا، وفرحانة بوجودكم. ضحكت جميلة، وقالت بحنين يمتزج بشجن: _طبعًا يا حبيبتي، وهنكون أول ناس كمان...بجد انتوا وحشتوني أوي، وبابي، وأخواتي. كلكم وحشتوني! ردت أم قمر الدين بإشتياق محمّل بأنغام الوتر: =هكون في إنتظاركم يا جميلة يا حبيبتي! تفوهت جميلة باحترام: _اوكي يا مامي...أشوفك على خير! وصل أحمد، وجميلة، وسيليا إلى المطعم، وبعد أن جلسوا معًا على الطاولة، مد أحمد بصره فوجد هايدي في الطاولة التي تحاذيهم، فوقف مصدومًا كالصخرة أمام مد البحر، وذهب إليهم بخطى ترتسم بثقة في أرض الغرباء، وصاح قائلًا بصوت يرن كنغمة البوق في الهواء الصافي: =انتي بتعملي ايه هنا يا هايدي؟ في لحظةٍ تجمّد فيها الزمن، ارتفع صوت هايدي مخترقًا صمت المطعم، وكأنه نداء من الأعماق يبحث عن فرار. وقفت كالصنم، محدقة في الفراغ، وعيناها تشعان ببريق الحيرة. كانت كل حركة منها تنطق بألف قصة، وكل نظرة من عينيها تحمل أسرار ألف ليلة وليلة. وفي تلك اللحظة، كانت هايدي ليست مجرد شخصية في الحشد، بل أصبحت محور الأحداث، حيث التفتت الأنظار جميعًا نحوها، معلقة على شفا حفرة من الأسئلة التي لا إجابة لها. وبوقوفها المفاجئ، خلقت هايدي دائرة من الصمت حولها، وكأن العالم انقسم إلى قسمين: قسم يقف فيه الزمن مشدوهًا، وقسم تتسارع فيه القلوب مترقبةً ما سيفعله أحمد. يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة