بعدما مثلت أم الديب أن جلال قد استغل أموالها بيديه الممتدتين كالظلال، جمعت حشدًا من الناس حوله، تحدث المحاسب بدهشةٍ قائلًا: _مالك يا حاجة في ايه؟ تعلقت أم الديب في عنق جلال بيديها المرتجفتين، والممتلئتين بالسخط، وصرخت بصوتٍ مخنوق، وممتلئ بالحزن قائلة: =الواد ده سرق مني ٣٠٠ جنية، وآني ست تعبانة وشقيانة... ده ربنا العالم جيبتهم ازاي! رد جلال بصياح: _ايه اللي بتقوليه ده ياما؟ تفوهت أم الديب بإعوالٍ مستاء وممزوجٍ باليأس، كأنه أنين الروح المتعبة: =مش عيب تسرق واحدة قد أمك ؟ منظرك ايه يا ولا قدام نفسك؟ يالهوتي هاتولي فلوسي. اجتمع الناس حولهم كالسيل الجارف وأمسكوا بجلال بقوةٍ، فصرخ جلال بصوتٍ عالٍ، ومذعور قائلًا: _انتي بتتهميني ظلم ياما؟ نطق المحاسب بتعجبٍ واضح: =انا مش فاهم حاجة...هو ده تبعك يا حاجة؟ رد جلال بصياحٍ جسيم، وغضبٍ متأجج، قائلًا: _وكتاب الله تبعها يا عم الحاج، بس هقول ايه أمي بتكرهني، وعايزة توقعني دايمًا. تفوهت أم الديب بنواح عارم: =ده آني لو كان عندي واد زيك كنت دبحته، وشربت من دمه يا ولا. نظرت ليالي إلى نعمة بعينين مليئتين بالدهشة والاستغراب من تجمع الناس وارتفاع أصواتهم، وقالت: _هو في ايه؟ ردت نعمة برهبة، صوتها يرتجف من الفزع: =آني عارفة؟ شكل أمي بتتخانق! دخل الجميع ناحية موقع حدوث النزاع يتلاحقون كأنهم في سباق متسارع، متمنين إدراك الأمر قبل أن يتفاقم. وعندما وصل المعلم حنفي إلى منتصف الشجار بخطوات متعجلة، تحدث بصوت حاد وقوي، يفيض بالجدية، كأنه يحاول فرض سيطرته على الوضع الفوضوي، وإعادة الهدوء والنظام إلى المكان: _انتي يا مرا بسمة! بعد أن وصلوا إليها بعيون مذعورة وقلوب مضطربة، وقف المعلم حنفي حيال أم الديب، وقال بصياح حار يملأه الانفعال، محاولًا كبح جماح الفوضى وإعادة الأمور إلى نصابها، كأنه يحاول أن يخترق الصخب بكلماته الحادة: _انتي بتزعقي ليه يا ولية؟ في ايه ياجلال؟ أجاب جلال بضجيج، صوته يتردد بين الجموع، بينما الناس حوله توقفوا عن أداء أعمالهم واجتمعوا بفضول، واهتمام حول موقع النزاع، محاولين فهم ما يجري والمساهمة في تهدئة الأمور، أو على الأقل مشاهدة الأحداث تتكشف إزاء أعينهم: =أمي بتتهمني ظلم...إني سرقت منها ٣٠٠ جنية يابا وعاملة قال ايه إنها متعرفنيش. جذب المعلم حنفي أم الديب من ملابسها نحوه بعنف، وعقله يحدثه بضرورة سحبها نحو المنزل بسرعة قبل أن يتضاعف الخزي أمام الناس المتجمعين، فصاح بصوت كامد يهز الأرض تحت أقدامهم، محاولًا فرض التحكم بالموقف ومنع تفاقم الخزي في هذا المكان المزدحم بالشهود الفضوليين: _يلا يا ولية قدامي على البيت...يلا. ردت أم الديب بنواح مؤلم، كأنها تحاول استدرار العطف من كل من حولها، ومن يراها يصدق أكذوبتها المصطنعة، فهي تبكي كالتماسيح بدموع تتدفق بغزارة وكأنها تعيش لحظة حزن حقيقية، على الرغم من أن ملامح وجهها تخفي خبثًا ومكرًا تحت قناع البكاء الزائف: =وانت هتصدقه؟ ده عيل كداب مش متربي. رد المعلم حنفي بصياح عالٍ، ومليء بالموجدة: _انا قولت كلمة، ومش هعيدها، قدامي على البيت... يلا! تحدثت أم الديب ببكاء مؤلم، كأن دموعها تتدفق بلا توقف، وهي تحاول بوضوح استعطاف من حولها، مستخدمة كلماتها لتثير الشفقة في قلوبهم، وتلتمس منهم الدعم، في محاولة لإخفاء نواياها الحقيقية خلف ستار من الانتحاب الزائف: =يا عيني عليا الواد بيسرقني بدل مايديني من معاه... يا عيني عليا ست كبيرة وغلبانة. رد جلال بصراخ مدوٍ، كأن صوته يتردد في الهواء، معبرًا عن غضب لا يمكن كتمانه، مجسدًا مدى الاضطراب الذي يشعر به في تلك اللحظة: _ماشي ياما صبرك عليا. نطقت ليالي بصياح يغمره الوعيد: =ماشي يا حماتي هتروحي مننا فين؟ أنا وانتي والزمن طويل. تلفظت نعمة باهتياج، صوتها ينطلق بقوة، معبرة عن استياءها، وتعبيرًا عن مشاعرها المتزايدة بالانفعال: _خد أمي معاك يابا وامشوا. تشبث المعلم حنفي في أم الديب بقوة، ووطأها بقسوة، كانت كلماته تنطلق بصوت مليء بالعنف، كأنه يحاول بقوة إيقافها، وتوجيه رسالة قوية: =يلا قدامي يا ولية! غادر المعلم حنفي برفقة أم الديب، متجهين إلى الشقة المصيفية الهادئة في أطراف المدينة، في حين انطلقت بقية العائلة بصحبة بعضهم البعض إلى مطعم راقٍ آخر لشراء الطعام. وعندما اكتملت قائمة الطلبات واستلموا الأكياس المليئة بالأطعمة الشهية، انطلقوا في طريق العودة إلى المنزل الدافئ، وفي تلك اللحظة المناسبة، حيث كان جلال يلتفت نحو مقبض الباب، تفاجأ الجميع بنظرته الثاقبة وهو يعقد قرارًا صارمًا في ذهنه، متعهدًا بأن يجعل أم الديب تدفع ثمن ما حدث، قائلًا: _ماشي ياما صبرك عليا. نطقت ليالي بضيق عارم، حيث حاولت بجدية أن ترتفع أصوات كلماتها الحادة نحو حماتها المتسلطة، التي كانت تُعَدّ مفسدةً للسعادة ومعترضةً على كل خطوة تقتربها من حياة الزوجية المستقرة: =يلا يا عيال ندخل نتخمد...منها لله ستكم اللي بوظت علينا فرحتنا. بينما دخل الجميع، كل واحد منهم يتجه إلى غرفته الخاصة، وفيما بينهم، كان جلال يُرتب أكياس الطعام الخاصة بهم بعناية فوق السراحة، بينما تفكر تقى بتفكيرٍ عميقٍ، ومتأمل في الاعتقاد الجارح الذي حفظته عن الجدة، بأنها بقرة كما وصفتها الوالدة، وتتساءل كيف يمكن أن يؤثر ذلك على ديناميكية العائلة المعقدة: _ماما ماما... هي ستي مش بتتحلب ليه؟ نطق جلال بتعجب، ووجهه يعبر عن الدهشة: =ايه اللي بتقوليه ده يا بت؟ ردت تقى بسعادة، وابتسامةٍ تملأ وجهها: _أصل يا بابا، حمود أخويا بيقول عليها ستي البجرة، والبجرة بتتحلب... يبقى ليه ستي مش بتتحلب؟ جلس الجميع فوق السراير، ثم نطق جلال بانفعال: =شوفي حل مع بتك يا ليالي، أنا هتخمد، محدش يقيد النور عليا وأنا نايم! وقف جلال إزاء خزانة الثياب، تنظر عيناه إلى الثياب بنظرة تعبر عن الاستعداد للتغيير، فانتابته حركة سريعة ليقتلع ثيابه بحركة متسارعة، كأنه يخلع عبء اليوم وينسجم مع راحة المنزل، واستبدلها بثياب المنزل، تلك الثياب البسيطة التي ترتاح لها عادته وتعيد له هويته الحقيقية. فضحكت ليالي، تلك الضحكة الناعمة التي تنبعث من أعماقها مع كل هزة، تعبيرًا عن فرحتها باللحظة وتوافقها مع حديث ابنتها، وقالت، وهي تحمل في صدرها الكراهية العميقة للجدة، بكلمات هادئة تحمل مزيجًا من الانتقاد، والسخرية المتقدمة: _عيب يا بت يا تقى متشبهيش ستك بالبقرة...طيب البقرة بتجيبلنا لبن، وجبنة وبتفيدنا...إنما ستك بتفيدنا بإيه؟ ردت تقى ببراءة الأطفال، وعيناها تتلألأ بالتفكير، معبرة عن رد فعلها البسيط: =أصل ...أصل هي المفروض تتحلب هتلاقي عندها لبن كتير يا ماما. ضحكت ليالي، وكانت ضحكتها تنبع من داخلها كأنها نابعة من ينبوع سعادة عميقة، ثم قالت بابتسامة رقيقة: _عوض عليا عوض الصابرين يارب. ثم أمسكت بأيدي أولادها، ووقفت معهم ليقوموا بتغيير ثيابهم، استعدادًا لتناول الطعام ومن ثم الاستعداد للنوم، تحتضنهم بحبها ليغمروا في أحضانها الدافئة. كانت الأجواء مغمورة برائحة المشويات اللذيذة، التي تعبق في المنزل وتعزز من حميمية اللحظة. وبينما يستعدون، قالت بابتسامة مشرقة: _يلا قوموا نغير، وبعدين ناكل وننام. بعد أن غيروا ملابسهم، جلسوا سويًا وتناولوا الطعام، لكن جلال رفض أن يأكل بسبب تعكر مزاجه، وفي غرفة نعمة، وزوجها، وابنها كانوا يتناولون الطعام أيضًا، لكن هايدي، والمعلم حنفي خرجوا يتناولوا الطعام في البلكون بعيدًا عن أم الديب، وبعد أن انتهى الجميع من تناول الطعام خلدوا للنوم، فكان جلال ينام بجانب زوجته، وعلى السرير الآخر أولاده بينما في غرفة نعمة كانوا يناموا هم الثلاثة على السرير، لكن في غرفة أم الديب كانت تنام بجانب زوجها، وهايدي تنام على السرير الآخر. ثاني يوم الساعة السادسة صباحًا في بداية ظهور الشمس استيقظت أم الديب من نومها، وهي ترغب في النزول للبحر، فجلست على سريرها، ونادت المعلم حنفي بصوت غليظ قائلة: =يا حنفي... يا حنفي! لم يستجب المعلم حنفي لنداءها، فأوقعت صفعات متتالية على وجهه، كانت كل صفعة ترافقها شعور بالانتقام المتأجج. وفي حدود صوتها القاسي، قالت بصوت يعبر عن الاستياء: _يا حنفي...انت يا عرة! استيقظ المعلم حنفي من نومه، وقال بصياح: =جرا ايه يا بت ستين فردة شبشب؟ في حد يصحي حد كده؟ صفعته أم الديب على وجهه بأقلام متتابعة، كانت كل صفعة تُعبر عن عداوتها. وبينما كانت تلك الأقلام تتلاحق على خديه، نطقت بصوت محمل بالسخط: _فوق عاوزة أنزل البحر ياخويا! تمعن المعلم حنفي في ساعة هاتفه، وقال بتعجب: =بحر ايه يا ولية اللي على الصبح كده؟ هو احنا نازلين نبيع لبن؟ نامي يا ولية، ولما العيال تصحى نبقى نتنيل ننزل. تلفظت أم الديب بسخط: _ايهي وآني لسه هستنى؟ رد المعلم حنفي بانزعاج: =نامي يا ولية، مش كفاية نمت من غير عشا امبارح بسببك؟ نطقت أم الديب بجلبة: _ده انت راجل كداب كدب الإبل، أمال مين اللي طفح لحمة الراس، وشوربة الكوارع اللي بالسم الهاري؟ كانت هايدي ملقاة على السرير، متأرجحة بين اليقظة، والنعاس، لم تتمكن من النوم بسبب علو صوتهم المتتالي. كانت الأصوات تتردد في أذنيها كالموجات المتلاطمة على شاطئ البحر، مما جعلها تشعر بالضيق الشديد. بينما كانت تتذبذب في حيرة بين الاستيقاظ بشكل كامل أو الاستمرار في محاولة النوم، خرج منها صوت كامد، وهي تقول بكل قوة: =بس بقى انتوا مش بتبطلوا كلام ليه؟ ردت أم الديب بجلبة: _انتي بقى يطلعلك صوت يا بت؟ يلا قوموا كلكم ننزل البحر، ولعلمكم آني أول واحدة هستحمى بعد مانرجع، لا تقولي ليالي بت دباح الحمير ولا غيرها! نطق المعلم حنفي بنعاس: =نامي يا ولية، ولما العيال تصحي نفطر ونبقى ننزل. أرادت أم الديب أن تفند حجتهم، فنطقت بكلمات تنبع من عمق الاستفزاز، وهي تتأكد من أن صوتها يحمل ثقل السلطة: _آني هفطركم ملكمش حجة. جلست هايدي على سريرها، وعبّرت بخوف عارم من التهديدات الصحية التي ستلقاها، حيث أدركت أنها ستنتقل لدار الآخرة بعد تعرضها لحالة تسمم قوية بسبب عدم نظافتها، وكانت عباراتها تنبعث منها بترقب، وإصرار: =لا أبوس إيدك بلاش، احنا شوية وهنبعت جلال ينزل يجيب الفطار...أوعي تمدي ايدك في حاجة! ردت أم الديب بدهشة: _ليه مالها ايدي؟ ماهي زي الفل. نطق المعلم حنفي بسخط: =يا ولية اللهي يسترك نامي. بعد إقناع طويل من المعلم حنفي وهايدي، أخيرًا عادت أم الديب لنومها مجددًا، وهدأت الأجواء في البيت. ولم تمضِ الساعات كثيرًا حتى وصلت الساعة إلى التاسعة صباحًا، لتكون نهاية ليلة طويلة من الجدالات. خرج جلال من غرفته، وهو يتثاءب بصوتٍ مُتعب، يعكس حالة النعاس التي لازمته بعد ليلة مضطربة، قائلًا: _يا صباح الخير يالي هنا. خرج جلال للصالة، وإذا بصدمة تعبر عن وجهه حين رأى حامد جالسًا على الأريكة، وهو يُظهر تعبيرًا مندهشًا على وجهه، وقال بصوتٍ مليء بالذهول: _ايه ياض يا حمو صاحي من امتى؟ أجاب حامد، وهو يشاهد التلفاز بتمعن: =لسه صاحي...انت مشوفتش اللي حصل؟ ده أمك فضلت تزعق لأبوك، وقال ايه عايزة تنزل البحر. رد جلال بندم: _انا اللي غلطان إني خدتها معانا. خرجت ليالي من الغرفة، وخلفها جاء حمود، وبينما توقفت وجهات النظر عليه، نطقت بصوتٍ هادئٍ: =صباح الخير. رد جلال بابتسامة: _يلا يا بت يا ليالي أدخلي جهزي السلطة، والمخلل، وانا هنزل أجيب الفطار من المطعم اللي على أول الشارع. ونظر لحامد، وأردف بعجلة: _يلا ياض يا حمو. وقف حامد، وهو يمرر يده على شعره برفق، ثم نطقت ليالي بلطف: =طيب ياخويا خد حمود معاك. رد جلال: _تعالي ياض معانا. نزل جلال، وحامد، وحمود معًا لشراء الفطور، وفي الوقت نفسه، بدأت ليالي، ونعمة في غسل الخضار، والفاكهة في المطبخ. استيقظت أم الديب فجأة من نومها، وخرجت من غرفتها بخطى ثقيلة لتدخل المطبخ. وهناك وجدت نعمة تقطع الطماطم، ورأت ليالي تقطع شرائح البصل ببراعة، وتعصر الليمون فوقها. فلم تتمالك أم الديب نفسها، وقالت بدهشة: =انتي بتعملي ايه يا بت منك ليها؟ ردت نعمة بسعادة: _صباح الخير ياما...احنا بنجهز الفطار. ردت أم الديب، وهي تتثائب بشكل لافت، صوتها ينطلق بين الثنايا بنبرة تعب تعكس الاستيقاظ المفاجئ، والحاجة الملحة للاسترخاء: =اعملوا حسابي يا بت في قِدرة فول وخمستاشر قرص طعمية. تعجبت نعمة، لذا قالت بذهول: _ايه ياما كل ده؟ هو فيل اللي هياكل؟ نطقت أم الديب بصوت حاد: =ايهي بلاش آكل يعني؟ أجوع ويغم عليا يا بت؟ ردت نعمة بخور: _لا ياما بس مش للدرجة دي يعني! خرجت أم الديب من المطبخ، واستقرت على الأريكة في الصالة، حيث كانت تبحث عن لحظة من الراحة، والهدوء. فجأة، دخلت تقى ووقفت حيالها، نبرة صوتها تعكس الاهتمام، وقالت بفضول: =ستي... ستي. ردت أم الديب بانزعاج: _عايزه ايه يا مخفية؟ نطقت تقى بابتسامة: =انا عاوزة لبن. ردت أم الديب، وهي تشاهد التلفاز بلا مبالاة، عيناها تتبع الحركة على الشاشة بدون انتباه حقيقي، ووجهها يعبر عن غياب التفاعل: _روحي لأمك تجيبلك. ردت تقى بابتسامة: =لا، ستي انا عاوزة لبن منك...هاتيلي كوباية. نطقت أم الديب بتفكير: _ايهي آني مش فاهمة حاجة! بعد مرور ربع ساعة، عاد جلال، وحامد، وحمود بأكياس الفطور، ودخل جلال المطبخ بخطواته الثقيلة، وهو يحمل الأكياس بترتيب. وفي لحظة من الترقب، نطق بصوت يعبر عن الانتظار الملحوظ: =يا نسوان يالي هنا، انا جيبت الأكل...افرشوه في الأطباق خلونا ناكل. ردت ليالي بتعجب: _انت جيت؟ هات. استلمت ليالي أكياس الطعام من جلال بيديها المرهقة، وبدأت في تفريغهم في الأطباق بحركات منظمة، وكأنها تنقل الاهتمام في كل تحرك. بينما جلال جلس على الأريكة، لم يمضِ وقت طويل حتى لاحظ ابنته تبكي بصوتٍ عالٍ، فاندهش وقال بصوتٍ مليء بالتعجب: =بتعيطي ليه يا بت؟ أجاب تقى بانتحاب: _ستي مش عايزانى أحلبها. ضحك جلال بصوتٍ ينبعث منه الفكاهة، ثم نادى ليالي بصوتٍ عالٍ: =يا ليالي تعالي خدي بتك. ردت أم الديب بصياح: _هو ايه اللي أحلبها؟ ماجرا ايه يا بت انتي شايفاني جاموسة قدامك؟ بعد قليل، خرجت ليالي لتُعَجَّل فطور الصباح المصري الشهير، حيث امتزجت نكهات الفول البلدي المغموس في زيت حار مع الفلافل الذهبية، والبطاطا المقلية المقرمشة، ورقائق الباذنجان المحمرة، والجُبُن القديم بالطماطم، ونغمات العسل الأسود الممزوج بالطحينية، والمخلل المنعش، وشرائح الشيبسي المقرمشة، وقارورة المياه المثلجة تناغمت معهم على المشمع البلاستيكي المنسوج بعناية. كانت الأطباق علو أيديهم وهم يجلسون بها، جميعهم، يستمتعون بلذة الطعام، ويتبادلون الأحاديث الوديعة في ظل جو عائلي دافئ، وبعد أن شربوا من قارورة المياه وأكملوا وجبتهم، وقفت ليالي، ونعمة بترتيب الصحون وغسلها بحنان، ودخلت كل منهما لتلبس البوركيني الخاص، فيما نزل البقية من العائلة بحماس إلى الشاطئ، حيث غمرتهم أمواج البحر بانسجام، وهم يتبادلون الضحكات والمزاح تحت إشراف المعلم حنفي، الذي أبدع في الاستمتاع باللحظات الجميلة معهم: =ياه هو ده البحر يا عيال؟ ده انا هنزل أبلبط. رد جلال بسعادة: _انزل معانا يابا، ومتبعدش ألا تغرق! نطق المعلم حنفي بثقة: =لا ياض متقلقش عليا...أبوك أسد. نزلت العائلة إلى الشاطئ، وتفرقوا فيما بينهم للاستمتاع بالمياه، إلا هايدي التي بدت مشمئزة من منظر البحر، ورائحته، ولونه، فاكتفت بالجلوس أمامه، توجه ظهرها نحو البنايات. بينما أم الديب دخلت خلف المعلم حنفي، ووصلت للجزء العميق من البحر، فانطلقت صراخًا قائلة: _يالهوتي. بدلاً من أن تحاول الخروج بسرعة، اختارت أن تتشبث بعنق المعلم حنفي بشدة، حتى أغرقته في أعماق البحر. صاح جلال بصوت ينبع من الفزع: =أبويا! صاح المعلم حنفي قائلًا باستغاثة: _الحقوني الولية هتموتني! جرى جلال بسرعة نحو المعلم حنفي، وهو يتلهف لإنقاذه، بعجيجه الحار، وهو يقول: =متخافش يابا انا هلحقك. تفوهت أم الديب بنواح: _الحقوني يا خلق! أمسكه جلال بسرعة، وبمساعدة حامد، جذبا المعلم حنفي، وأم الديب من أعماق البحر، وسحباهما بجهد شديد إلى الشاطئ. وقام جلال بتنفيذ عملية التنفس الاصطناعي للمعلم حنفي بحذر شديد، في حين تأمل الجميع في أن يعود المعلم حنفي إلى الوعي. وفي مفاجأة مذهلة، بدأ المعلم حنفي يعود إلى الحياة، مستعيدًا تدريجيًا إدراكه، وهو ينطق بألم: =آه. رد جلال بحزن: =سلامتك يابا ألف سلامة عليك...انشالله اللي يكرهك. نطق المعلم حنفي بإعياء: _تعبان أوي ياض يا جلال. تحدثت نعمة بفزع: =سلامتك يابا. تلفظ حامد بتأثر: _سلامتك يا حمايا. تفوهت ليالي باستياء: =ألف سلامة يا حمايا، يارب اللي كان السبب. وقفت أم الديب، وعبارات الامتعاض تتناغم مع صوتها المرتفع: _هي مين دي يا بت؟ قصدك على مين؟ ردت ليالي بلا مبالاة: =هيكون قصدي على مين يا حماتي؟ شوفي اللي كان السبب واعرفي. نطقت أم الديب بصياح: _انتي بتلقحي عليا يا بت؟ ده آني هطين عيشتك. حاولت أن تطأ الأقدام أرض النزاع، لكن في تلك اللحظة توقف جلال في وسطها، كي يحل الشجار قبل أن يشتعل، فخرج صوته بحدة: =ملكيش دعوة بليالي ياما ولا ليكي دعوة بأي حد يخصني! نطقت ليالي بسخط: _لو قربتي مني يا حماتي انا هصوت وألم الناس كلها وأقولهم شوفوا حماتي بتفتري عليا ازاي. تلفظت أم الديب بنواح: =اعمليها يا بت سلامة دباح الحمير، وشوفي انا هعمل فيكي ايه! رد جلال بصياح: _بقولكم ايه، فضوها كلام خلونا في أبويا. تلفظ المعلم حنفي بإعياء، وهو مشيرًا إلى الشازلونج: =اسندني ياض عايز أنام على السرير ده، وانزلوا انتوا... آه...انتوا ملكوش ذنب. رد جلال بتعاطف: _طيب يابا قوم معايا. أمسك جلال وحامد بالمعلم حنفي، وجلسوه على الشازلونج، ثم عادوا إلى مجدافهم في البحر. فقال جلال بحماس: =يلا يا ليالي ننزل قبل اليوم مايخلص. نطقت ليالي بغم: _يلا ياخويا احنا ملناش دعوة باللي بيحصل...يلا يا عيال. صعدت هايدي إلى الشقة المصيفية، وجلست في البلكونة، وفي قلبها كل التمنيات بأن تنتهي أيام المصيف التعيسة، وتعود إلى ديارهم. في الوقت نفسه، استغلت أم الديب أن جميع الحاضرين منشغلين بالسباحة، فتقدمت بهدوء نحو المعلم حنفي النائم، وبحركة ثاقبة سحبته بلطف بيدها، ثم ألقت به بقوة إلى أعماق المياه. حين استفاق المعلم حنفي فجأة، وجد نفسه وسط أمواج البحر، فأطلق صرخة مكتومة من شدة الدهشة، محاولًا النجاة قائلًا بفزع: =آه الحقوني، يا جلال الحق أبوك... جلال! أثناء ما كان جلال يسبح، سمع نواح والده يتداعى عبر أمواج البحر، فصمت، وهو يتأمل الوضع بقلق، وقال: _الصوت ده مش غريب عليا. انصدمت ليالي، وقالت بصراخ: =الحق يا جلال أبوك بيغرق! فر جلال مسرعًا نحو والده، وهو يقول بصدمة: _يا نهار أبيض. تشبث جلال بوالده، وصدح صوته في أذن المعلم حنفي قائلًا: =انت ايه اللي نزلك تاني يابا؟ ارتجف المعلم حنفي، ونطق بصعوبة بين رئتيه: _أمك... أمك سحبتني وآني نايم...آني متأكد إنها هي اللي عملت كده. اقترب جلال من والدته بخطى متثاقلة، وبدت على وجهه علامات الاضطراب، وفجأة، اندفعت منه كلماته بصوت مرتفع، ومليء بالانفعالات، وهو يقف أمامها: =ماجرا ايه ياما؟ ينفع اللي بتعمليه ده؟ لكن أم الديب متظاهرة بالنوم، وكأنها تسبح في سبات عميق. أمسك جلال بوالده، واستحضر كل قوته ليخرجه من أعماق البحر المضطرب، ثم نطق بصوت مليء بالضيق: _قوم معايا يابا نطلع الشقة ونغير. نطقت ليالي بدهشة: =رايح فين يا جلال؟ رد جلال بامتعاض: _هطلع أبويا ونازل تاني ماهو باينله يوم حلو من أوله. صعد جلال بوالده حتى أطمئن أنه نام بسلام على سريره، ثم نزل مجددًا. فقالت أم الديب، متظاهرة بالسكون: =آني هنزل البحر. جاءت نعمة من بعيد، مرافقةً بزوجها، وابنها، وفي يدها طبق الترمس المليء بالليمون المنعش. انتشلت عينيها حولها ببحث متسارع عن المعلم حنفي، لكن دون جدوى، فوجدت نفسها تتساءل في دهشة تامة: _ايه ده ياما أبويا فين؟ ردت أم الديب بتجاهل: =الواد جلال خده طلعه. نطقت نعمة، وهي تستمتع بمذاق الترمس: _ليه ماله زهق ولا ايه؟ وضعت ليالي يدها بغضب على خصرها، ونطقت بكلمات حادة: =أبوكي غرق يا نعمة لتاني مرة. صاحت أم الديب في وجه ليالي قائلة بنبرة ملتهبة: _وانتي مالك يا مقصوفة الرقبة؟ ايه دخلك يغرق ولا ميغرقش انتي مالك يا بت؟ ردت ليالي بجلبة عارمة: =بقولك ايه يا حماتي اتعدلي معايا شوية ألا انا بقيت على أخري منك! نطقت أم الديب بصياح: _ايهي شوف البت بتكلم حماتها ازاي؟ آني هخلي جوزك يعلمك الأدب. حضر جلال بخطوات ثابتة من بعيد، وأردفت أم الديب بصوت متوتر: _أهو جه. ونادته قائلة بضجيج: _واد يا جلال... انت يا ولا! رد جلال بفضول، وهو يقف حيالها بكمد، بينما ترتفع عبارته في الهواء: =في ايه ياما بتندهي ليه؟ أجابت ام الديب بشحناء: _مراتك بتشتمني...بتقولي يا ولية يا عجوزة يالي وشك يقطع الخميرة من البيض! نطق جلال بصوت حاد: =الكلام ده حصل يا بت يا ليالي؟ تلفظت ليالي بجلبة: _والله ماحصل يا جلال..دي أمك كدابة. اقتربت أم الديب بخطوات ثقيلة وتنوي ضرب ليالي، ووجهها ينبعث منه الغضب المتقد، وصدرها يتنفس بسرعة: =هي مين دي اللي كدابة يا بت؟ تحدثت نعمة برهبة: _ياما...يا ليالي...اللهي يستركم بطلوا مشاكل وخناق ده انتوا زي الناقر ونقير مع بعض. تلفظ جلال بصياح: =يلا ياما اطلعي...كفاية عليكي كده! ردت أم الديب بعجيج: _وانت اللي هتحكم عليا يا عيل يا أبو شخة انت؟ نطق جلال بصراخ: =احترمي سنك ياما انا مش عيل، أنا راجل متجوز ومخلف عيلين. ردت ليالي بسخط: _جوزي مش عيل يا حماتي عشان تبقي عارفة! ظل النزاع مستمرًا كالنار في الهشيم حتى أرخى الليل سدوله عليهم، فتنهد جلال قائلًا: =يلا يا ليالي نطلع...عايزك تحمي العيال عشان نروح نشتري أكل ونلف شوية. تحدثت نعمة بضيق: _يلا يا ليالي نطلع. ردت ليالي: =ماشي...يلا يا ولاد. بمجرد أن وصلت أصوات اتفاقهم إلى مسامع أم الديب، انطلقت مُسرعة كالسهم نحو الأعلى، تجري بكل ما أوتيت من قوة، وعزم، تقاوم بطأها الشديد بجهد جهيد، لتثير دهشة ليالي التي شاهدت اندفاعها المفاجئ نحو السكن، فتساءلت باستغراب: =هي أمك بتجري كده ليه؟ رد جلال بذهول: _انا عارف؟ صعد الجميع إلى الشقة بخطوات مثقلة بالأحداث، ودخلت ليالي بأبنائها تتجه نحو المرحاض، فإذا بها تصدم بمشهد أم الديب التي كانت تغني فيه كالعصفور، فجاء جلال من خلفهم وطرق الباب بلطف قائلًا بانزعاج: _ياما...افتحي ياما! ردت أم الديب بصياح: =عايز ايه يا منيل؟ تفوه جلال بحدة، وسخط: _اطلعي ياما معانا عيال صغيرة عايزين يتشطفوا. ردت أم الديب بلا مبالاة: =ستهم تتشطف الأول. قالت ليالي بضيق متزايد: _يادي النيلة اللي فوق دماغنا...أهو انا مبحبش كده، هنفضل واقفين ننشف في الهوا يا جلال. رد جلال بصبر نافد: =خلاص يا بت استني عشر دقايق وأمي هتطلع. جلس الجميع حول طاولة الطعام على كراسيها الخشبية، ومرت ساعة كاملة ثقيلة على نفوسهم، حتى خرجت أم الديب من المرحاض أخيرًا، فنهض جلال من مكانه، وقد ارتسمت على وجهه علامات الدهشة، وقال متعجبًا: =كل ده ياما؟ هو في حد بيستحمى ساعة؟ ردت أم الديب بوضوح: _آني مستحمتش. صاح جلال بصوت مرتفع وكأن البركان انفجر بداخله، قائلًا: =أمال كنتي بتعملي ايه جوا كل ده؟ ردت أم الديب بسخرية: _كنت برش ماية على الأرض يا ولا. برزت عروق عنق جلال كأنها خيوط من الامتعاض المتدفق، واشتد لون وجهه ليصل إلى درجة الأحمر القاتم من شدة العصبية، حتى أنه ظهر وكأنه يتسامى بين دقات القلب، فصاح بصوت يهز الأركان: =يارب صبرني على الابتلاء اللي انا فيه. وأردف لزوجته بانزعاج ملحوظ: =ادخلي يا ليالي شطفي نفسك انتي والعيال. دخلت ليالي إلى المرحاض مع أبنائها، وجلال استقر على الكرسي مجددًا، يعكس تفكيره العميق. في الوقت نفسه، دخلت أم الديب الغرفة حيث كان المعلم حنفي مستلقيًا على السرير، وبصوت حاد، وشديد اللهجة، همست له بكلمات تكشف عن سخطها المكبوت: _وسع رجلك يا راجل انت! رد المعلم حنفي بتعنت صامت يفيض بالحزم، كما لو أن كل كلمة ترتد عبر جدران الغرفة بثقلها الصامت، معبرًا عن إصراره بكلمات قليلة ولكنها حادة كسيف مسنن: =مش هوسعها...ايه رأيك بقى؟ ردت أم الديب بصراخ مرتفع يمزق الهواء، كأنها تطلق صرخة تحمل في طياتها عواطفها المتقلبة: _هتوسعها غصب عن اللي جابوك! وأزاحت ساقيه من أمامها بعنف مفاجئ، فانفجر المعلم حنفي بصوت يرتفع في الهواء، يعبر عن ألمه المتصاعد: =آه يا رجلي! بعد أن انتهت ليالي، وأولادها من الاستحمام، خرجوا من المرحاض وارتدوا ملابسهم الجديدة بعناية فائقة، فدخلت نعمة لتغسل جسد ابنها أولًا بحنان، ثم جلال، وحامد، وفي النهاية المعلم حنفي، ولأكثر من ساعتين، استعدوا بتركيز للحظة الكبرى للخروج إلى الشارع، حيث أعجب جلال بنفسه، وهو منبهر بالترتيب المتقن لكل هذه الإجراءات، فوجد نفسه يقول بهدوء، وتأمل عميق: _لو هيحصل زي المرة اللي فاتت يبقى خدي نفسك ياما، واطلعي أديني بقولك من أولها. نطقت نعمة بابتسامة خافتة: =خلاص ياجلال أمك عرفت غلطها. رد جلال بارتياب: _انا بأكد عليها بس. تلفظت أم الديب بابتسامة ماكرة: =وهي دي تيجي مني برضة؟ نطق جلال بصوت مرتجف من الترقب: _ماهي ياما مش بتيجي إلا منك انتي! تفوهت ليالي بصوت حاد يهز الهواء: =يلا يا جلال مد خطوتك خلينا نجيب الأكل. هذه المرة، اشترى جلال ثلاث دجاجات مشوية على الفحم، وثمانية طواجن من الأرز المعمر، وخمسة طواجن من الخضار بالصلصة إلى جانب الطحينة، والمخلل. وبعدما جلسوا على طاولتين متجاورتين أمام البحر في أجواء رائعة، جرب جلال دبوس الدجاجة، وهو يعرب عن سعادته وتلذذه قائلًا: _الله...دوقوا الفراخ يا عيال، ايه الحلاوة دي؟ تذوقت ليالي لحم الدجاج ببهجة، وأعربت بسعادة: =الله يا جلال دي طعمها زي السكر. وضعت نعمة نصف الدجاجة إزاءها، وزوجها، بينما كانوا يتقاسمون الطعام على طاولة العشاء، وفي لحظة من الراحة، أعلنت بصوت هادئ: _كل يا حمو، خير ربنا كتير. أشارت أم الديب بيدها باتجاه الدجاجة، بتأكيد، وحزم في تعبيرها: =ناولني يا ولا ورك الفرخة ده. رد جلال، وهو يأكل بلذة: _ده بتاع العيال ياما. قالت أم الديب بسخط: =ايهي مستخسر في أمك الأكل؟ تشبثت أم الديب بدبوس الدجاجة المخصص لحفيدها حمود، والتهمت نصفه بسرعة فائقة، ليندفع حمود بصرخة كامدة: _ستي أكلت أكلي...عا. نطق جلال بصوت مشحون بالعصبية: =ايه ياما اللي عملتيه ده؟ مش قولتلك ملكيش دعوة بأكل العيال! ردت أم الديب، وهي تنهش في لحم الدجاج: _يبقوا ياكلوا عيش بجزر. تلفظ جلال بتعجب: =جزر ايه ياما انتي شايفاهم أرانب؟ بكى حمود بحرقة، وصرخ قائلًا بصوت ملتهب: _هاتولي أكلي، عا. جرت تقى بسرعة نحو أم الديب، وفي يدها كوب بلاستيكي فارغ، وأعربت عن سعادتها قائلة بابتسامة واسعة: =ستي ستي ينفع أحلبك؟ عايزه كوباية لبن. ردت أم الديب بصوت غليظ: _امشي يا بت...آني هفرمك انتي واللي جابوكي. خافت تقى من صوت جدتها الغليظ، فجريت مُسرعة لتلتفت حول والدتها وتحتضنها بقوة، وعندها قالت ليالي بحنان: =ملكيش دعوة بستك يا تقى. بعد أن انتهوا من تناول الطعام ووضعوا البقايا في الأكياس، ورموها في سلة القمامة، توجهوا إلى الملاهي. ووقف جلال أمام لعبة العروس الدوارة، وفي لحظة من التأمل، والفرح، قال: _شايف يابا البتاعة اللي بتلف بسرعة دي؟ نطق المعلم حنفي بذهول: =أيوة ياض دي بتلف بسرعة أوى. رد جلال بحماس متفجّر: _تعالى نركبها. تحدثت أم الديب بلهفة: =خدوني معاكم. رد جلال بإعتراض واضح: _مش هينفع ياما...دي صعبة أوي. قالت أم الديب بإصرار: =مليش فيه يا ولا...ركبوني معاكم. ردت نعمة بابتسامة تمتد على شفتيها: _متزعلش أمك منك يا جلال، وبعدين انا كمان هركب معاكم. وأردفت لليالي: _خدي بالك يا ليالي من الواد! ردت ليالي برعاية: _متخافيش يا نعمة...ابنك زي ابني بالظبط! نطقت نعمة بود: =انشالله تنستري يارب. ذهب جلال، وحامد، والمعلم حنفي، وأم الديب، ونعمة بحماس نحو نقطة بيع التذاكر للعبة المثيرة. بعد اختيارهم للتذاكر المناسبة ودفع ثمنها ببهجة، انطلقوا ليستمتعوا بالمغامرة في منطقة اللعب. بينما انتظروا بفارغ الصبر، بدأت اللعبة تتحرك ببطء متزايد، ومع تسارعها المتدرج، زادت الأجواء إثارة وتشويقًا، حيث تأرجحت المقاعد بلطف ثم بقوة مع كل منعطف. ضحكات جلال المنبعثة تعكس فرحته، وهو يعبر ببهجة: _ياه يابا ده اللعبة لسه بتسخن. ردت المعلم حنفي ببهجة: =أيوة ياض آني همسك جامد ألا أقع. تشبث الجميع بأذرع اللعبة الحديدية بينما زادت سرعتها، وفي لحظة من الإثارة، قال جلال بسعادة منقطعة النظير: _الله يابا ده السرعة زادت. عندما تحرك المسمار في مقعد أم الديب ونعمة، وكادت السيارة أن تسقط، سارعت أم الديب لاستخراج المفك من كيس المحتويات الذي كان مخبأً في صدرها، وحاولت ربطه بسرعة. لكنها بدلًا من ذلك، قامت بفكه بالخطأ، فأطلقت نعمة صرخة حادة من الهلع: =يا لهوتي الحق أمك يا جلال ماسكة المفك وبتفك العربية اللي احنا فيها...يا لهوتي! ردت أم الديب بصياح: _بتقوليله ليه يا بت؟ ايهي هي مش راضية تتربط ليه؟ نطقت نعمة بصوت صراخ يملأ الأجواء، وهي تلطم وجهها بقلق جسيم: =يا لهوتي هنموت! نظر جلال خلفه بانفعال أثناء دوران اللعبة في اتجاهها، ورفع صوته باتجاه أم الديب قائلًا بعبارة تنطلق من عمق الفزع وتصل إلى جوهر المشهد الشنيع: _أوعي ياما...ايه اللي بتعمليه دهو؟ نظر المعلم حنفي خلفه بنظرة حادة، واندفع بصوت مغمور بالامتعاض قائلًا بنواح: =يخربيتك على يخربيت اليوم اللي اتجوزتك فيه. لكن أم الديب، متجاهلة صياح الجميع نحوها، أعطت كل انتباهها لربط المقعد الذي تم فكه مرارًا، وتكرارًا. وفجأة، عندما طار المقعد مع أم الديب، ونعمة في الهواء، وحينما خرجت نعمة بنفسها من المقعد وطارت في الفضاء، صدحت صيحاتها بألم لا يوصف، محاولة استرداد السيطرة والتوازن في ظروف غير متوقعة، وخطيرة: _يا لهوتي. أم الديب صفقت وهي تحلّق في الهواء كنعمة تستكمل طيرانها، مظهرةً عجائب الحركة، وسحر الإثارة بينما تراقب الأرض من أعلى كالطائر الحر في السماء، نطقت بذهول: =يا حلاوة يا عيال. عندما سقطت أم الديب ونعمة على الأرض، تحطمت ساق نعمة بشكل مروع، وأصيبت أم الديب بفقدان الوعي فورًا. بينما سارع الناس للتجمع حولهما، تمزقت صرخات نعمة المليئة بالألم، تمتزج مع صرخات الناس الذين حاولوا مساعدتهما في هذه اللحظة الحرجة: _آه هموت...مش قادرة...الحقوني! اقترب حامد منها بحذر يخترق كلماته، وهو ينظر إلى زوجته بعينين ممتلئتين بالقلق، وقال بصوت مرتجف: =مالك يا نعمة جرالك ايه؟ تحدث جلال بفزع عارم: _انتي كويسة يا بت؟ نطقت هايدي بصدمة، صوتها يرتعش وعينيها تعبر عن القلق: =طيب يا جماعة شدوها براحه! بدلًا من أن يرحم المعلم حنفي زوجته في هذه الظروف اللصبة، فعل العكس تمامًا. قام بجرها من ملابسها على الأرض بلا رحمة، وهو يخرج الغل والكيد الذي يكنه داخله اتجاهها، كأنه يوجه لها أقسى اللوم بصراخ يتناثر في الهواء كالسيوف المسننة: _مش هسيبك يا بسمة، آني هخنقك بإيديا دول اللي مضوا على جوازك مني...ياريتهم كانوا اتقطعوا ولا إني أتجوزك واصطبح واتمسي على خلقتك دي كل يوم. فاقت أم الديب، وصوتها يعلو في الهواء كصرخة من داخل الجحيم، تنطلق بقوة تعبر عن العذاب الجارح في وقت لا يحتمل الألم: =حد يلحقني يا خلق! سحب المعلم حنفي أم الديب من ملابسها بعنف، وصوته يتجاوز حدود الانفعال، وهو يصيح في وجهها بكلمات تنطلق كصاعقة من الغضب المُتجهم: _هقتلك وأشرب من دمك! ردت أم الديب بنواح: =حد يلحقني منه! في الحال، ذهبت العائلة بنعمة إلى المستشفى، تاركة المعلم حنفي، وأم الديب وحيدَين. فقام المعلم حنفي بأخذ أم الديب إلى السكن المصيفي، ودخل بها الغرفة، ثم خرج ليحضر الحبل، وعاد مجددًا ليربطها. وفي هذه اللحظة الدقيقة، صاحت أم الديب بصوت يعبر عن الألم، كلماتها تتدفق بين النزيف الجسدي والجروح النفسية التي تعانيها: _انت بتعمل ايه ياخويا؟ رد المعلم حنفي، وهو يربطها بحزم، وهدوء متناقضين، يعكسان تضافر الرعب، والرحمة في وقت واحد، كما لو كان يجسد صراعًا داخليًا من القسوة المطلقة: =هربطك يا ولية يمكن ربنا يسهل وياخدك ونرتاح منك. نطقت أم الديب بنواح: _الحقوني يا ناس...انجدوني من الراجل المعتق ده. رد المعلم حنفي بإغتياظ ملحوظ، وجهه يعبر عن الغضب المتصاعد، كأنه يواجه مشهدًا يتجاوز قدرته على التحمل: =وعلشان آني معتق فهفضل رابطك وهروح أعمل كوباية شاي أعدل مزاجي، واتصل بجلال أعرف نعمة عاملة ايه، وخليكي انتي هنا يا ولية. ردت أم الديب بإعوال: _يا ناس الحقوني. خرج المعلم حنفي من الغرفة بعد أن ربط أم الديب، وأوصد الباب خلفه، بينما كانت بقية العائلة تقف حول نعمة في غرفة الطبيب، تترقب أخبارًا مريبة. فقالت ليالي بحزن مكبوت، كلماتها تتناغم مع لوحة الخوف المتدفقة حولهما في النقم: =استرها علينا يارب. تحدث جلال بقلق يملؤه الحيرة، صوته ينعكس فيه الترقب: _يا داكتور اللهي يسترك، البت نعمة أختي وقعت من لعبة الملاهي، ورجليها بتصوت منها...شوفلنا حل. اقترب الطبيب من ساق نعمة بخطوات متأنية، ليفحص الإصابة بدقة. وفي لحظة من الترقب، قال بصوت مليئًا بالاهتمام: =تمام وريني رجلك يا أنسة. أخرج جلال المطوى من جيبه بحركة سريعة، ووجهه يعبر عن الغضب المتقد، وقال بصوت مليء بالسخط المتوقد: _أمال الواد اللي قصادك ده ابن مين يا معلم؟ رد الطبيب بجلبة: =نزل القرف اللي في ايدك ده...انا هعملك محضر تعدي على طبيب أثناء عمله! تلفظ حامد بخوف: _يا باشا متحطش في دماغك، جلال مخه تعبان... متاخدش على كلامه! صاح جلال بكمد مَنين، كلماته ترتد في الغرفة مثل صدى من الانفعال المُشتعل، قائلًا: =مين ده ياض اللي مخه تعبان؟ ياض خلي عندك نخوة، ده بيقول على مراتك أنسة يعني بيغلط فيها أمال ابن أختي ده جه منين؟ ردت هايدي بدهشة: _هو مش المفروض العكس لما يقول مدام وهي أنسة؟ ماتكبر دماغك يا جلال. ثم نظرت للطبيب، وأردفت بابتسامة: _معلش يا دكتور حقك على دماغي...ممكن تكشف عليها؟ نطق الطبيب بضجيج: =اطلعوا برا. ردت هايدي بإحراج: _معلش يا دكتور هاتها فيا...انا بعتذرلك بالنيابة عنهم احنا في ورطة ومحتاجين حل. هدأ الطبيب نوعًا ما، صوته ينطلق بارتياح، وهو يتحدث: =انا هعمل كده علشان حضرتك يا أستاذة شكلك غيرهم ومتربية. تلفظت هايدي بابتسامة: _ميرسي يا دكتور. صاح جلال بغضب متصاعد، صوته يرن في الهواء مثل صدى الاستياء المتنامي، قائلًا: =ماجرا ايه يا عمهم؟ انت هتسبل لأختي وانا واقف؟ تلفظ الطبيب بصياح: _احترم نفسك واطلع برا! أمسك حامد بجلال بقوة، ونبرته تعكس الهدوء والتحكم، وقال بصوت مهدئ: =تعالى معايا يا جلال نشم شوية هوا برا...ألا الجو هنا نار. قال جلال بعجيج حار: _ماتقول يابا...عرفني يمكن انا قرطاس لب وانا معرفش! تحدثت هايدي بصياح مفاجئ يعكس شدة إحراجها، صوتها يتسارع بين الكلمات كنبضات القلب في لحظة من التوتر العارم: =يوه اخرج بقى يا جلال هو ده وقت مشاكل؟ خرج حامد بجلال من غرفة الطبيب، وكانت هايدي تشعر بأنها عالقة في منتصف ثيابها من تصرفات جلال تُجاه الطبيب. فقالت بخجل يغمر كلماتها: =انا آسفة بجد يا دكتور...ممكن تكمل؟ واصل الطبيب الكشف على ساق نعمة المصابة بتركيز شديد، وطلب منهم إجراء أشعة لتحديد مدى الإصابة. وبعد أن أُجريت الأشعة وعادوا بها، نظر الطبيب إلى النتائج بتركيز، ثم قال بتمعن في صوته: _رجليها فيها كسر ومحتاجة تتجبس. انصدمت ليالي، فصرخت قائلة: =يا نهار... طب وهتقعد فيه قد ايه؟ أجاب الطبيب بوضوح: _يعني شهر كده ويتفك. اقتربت ليالي من نعمة ببطء، وحركت يدها برفق على كتفها، لتعبر عن التعاطف، والدعم، وهي تواسيها قائلة بكلمات ممزوجة بالحنان: =معلش يا نعمة...بختك المايل إن دي أمك. ردت نعمة باستياء: _آني عاوزة أروح...منك لله ياما. نطقت هايدي بعصبية، صوتها ينطلق بحدة، كأنها تعبر عن امتعاض متراكم: =هو في حد عاقل يعمل اللي هي عملته؟ دي فكت العربية بالمفك، انا معرفش جابت المفك ده منين؟ ولا عملت كده ليه اصلا؟ تساءل الطبيب بذهول: _والدة حضرتك مختلة عقليًا؟ ردت ليالي ببغضاء: =أه أمها ست مخها تعبان بعيد عنك. بعد أن قام الطبيب بوضع الجبس على قدم نعمة، وخرجوا بها من المستشفى وسط جو من الهموم، تعبيرًا عن المأساة التي حلت بالعائلة. قال حامد بصوت مليء بالتأثر، كلماته تتناغم مع الاستياء الذي يخيم على الجميع في هذه اللحظة الصعبة: _سلامتك يا نعمة...يارب اللي يكرهك. رد جلال بنية إنتقامية، ووجهه يعكس الحسرة المتصاعدة والعزم على التصرف بشكل قاسي: =أمك ليها حساب عسير معانا. بعد أن وصلوا إلى الشقة، كان جلال يتساند نعمة بمساعدة حامد، وهو ينطق بكلمات تعبر عن العناية، قائلًا بصوت مليء بالحنان: _براحة معايا يا نعمة. حتى وصلوا بها إلى السرير، ثم دخل جلال المطبخ، ووجد المعلم حنفي يصنع الشاي. توقف للحظة، ثم قال له بصوت ممتزج بالتساؤل: =انت بتعمل ايه يابا؟ أجاب المعلم حنفي بارتياح: _بعمل كوباية شاي أعدل بيها مزاجي اللي اتعكر...البت أختك عاملة ايه دلوقتي؟ رد جلال باستياء: =رجليها اتكسرت يابا ده كويس إنها جات على قد كده. تفوه المعلم حنفي بضيق جسيم، وهو يقلب السكر في الشاي بحركات مُتسارعة، صوته يرتفع بينما يعبر عن الضغينة، كأنه ينطق بكلمات من الجمر في ذلك الوقت المضطرب: _أمك مخها زنخ مابتفهمش. تساءل جلال بفضول ملتهب، وهو يبحث عن إجابات: =أما صحيح هي فين؟ أجاب المعلم حنفي بصراحة: =حابسها ياض. دخل جلال الغرفة وفاجأه الإطلالة المروعة لأم الديب، مربوطة بالكرسي، وهي تصدح بشكل مفزع، كلماتها تتألم مع كل نفس يخرج منها، تنادي مستنجدة بصوت يعبر عن حجم الألم الذي يعصف بها: _يالهوي يآني حد يوديني للداكتور...رجلي اتلوحت يا ناس! تلفظ جلال بشماتة محتقرة، وهو يعبر عن فرحته بطريقة ساخرة، كما لو أنه يستغل الوضع لتقديم تعليق استفزازي: =تستاهليها ياما حد قالك تتعاملي معانا على إنك عبيطة؟ في إنسان عاقل ياما يعمل اللي انتي عملتيه؟ تحدثت أم الديب بإعوال: _آني كنت قاعدة لقيت المسمار مفكوك، قولت أربط العربية ألا تتفك بينا ونموت... ايهي الحق عليا خايفة عليكم؟ رد جلال بجلبة: =وانتي مالك ياما ومال صيانة الملاهي؟ انتي اللي ليكي تركبي وتلفي وبس غير كده ملكيش. نطقت أم الديب بنواح: _وديني للداكتور طيب! رد جلال بلا مبالاة: =ولا ليا فيه ياما، يلا تصبحي على شر. وصك الباب بالمفتاح، ثم نادت أم الديب ابنتها هايدي بصوت متوجع: _بت يا هايدي...حد يفتحلي الباب...يا خرابي. تحدث جلال بسعادة: =صياحك طرب ياما... ماتديني يابا كوباية شاي أعدل بيها مزاجي. رد المعلم حنفي بسعادة: _بس كده ياض؟ من عينيا الإتنين. شرب المعلم حنفي الشاي مع جلال في البلكونة، وكانا يستمتعان بأجواء هادئة، ومريحة. وفي اليوم التالي، استيقظ جلال، وزوجته من نومهما العميق، ودخلوا غرفة نعمة ليطمئنوا عليها ويراقبوا تحسنها. فقال جلال بصوت مليء بالأمل، معبرًا عن تفاؤله ورغبته في شفاءها السريع: =سلامتك يا بت يا نعمة. تحدثت ليالي بود: _سلامتك يا حلوة. ردت نعمة بألم: =الله يسلمكم...منجيش ليكم في حاجة وحشة. نطق جلال بابتسامة: _معلش بقي يا نعمة انتي عارفه إن الأيام بتتعد على الصوابع، وخلاص هنروح قريب فلازم نستغل المصيف وندلع نفسنا. ردت نعمة بتفهم: =انت ملكش ذنب يا جلال ياخويا... خد مراتك وعيالك واتفسحوا وخدوا ابني وجوزي معاكم. قال جلال بسعادة متأججة، ووجهه مشرق بالبهجة: _جوزك وابنك في عينيا. وأردف لزوجته، وأولاده بحب: = يلا يا بت يا ليالي ننزل... يلا يا عيال! خرج الجميع من الغرفة وارتدوا ملابس السباحة، ثم نزلوا سويًا للبحر، باستثناء نعمة، وأم الديب. فكانت نعمة مستقرة على سريرها وهي مكتئبة، تعبر عن حزنها العميق ويتعذر عليها فهم ما حدث لها، قائلة بكلمات ممزوجة بالألم، واليأس: _يارب اشفيني آني تعبت. دخلت أم الديب الغرفة، وخطواتها متعثرة، حتى وصلت لسرير ابنتها بحالة من الألم. وقالت بصوت يعبر عن الإرهاق، والضعف، كأنها تحمل عبءًا ثقيلًا في قلبها: =خديني جنبك يا بت. ردت نعمة بنواح: _ابعدي عني ياما! نطقت أم الديب بإصرار: =هقعد جنبك يا بت...وسعي! قبل أن تتحرك نعمة من مكانها، فقدت أم الديب اتزانها وسقطت علوها، وفي هذه اللحظة صعد جلال ليحضر عوامة حمود. وبمجرد دخوله الشقة، تفتحت السماء على أصوات كلماته: _مش عارف مالي بقيت أنسى كده ليه؟ ونادى أم الديب بفضول: _ياما مشوفتيش العوامة بتاعت حمود؟ دخل جلال الغرفة، وبينما كانت الصدمة تلتف حول عينيه مثل ضباب من الغموض، وكأن كل خطوة داخل هذا المكان كانت تفتح أبوابًا إلى عالم مظلم، خرج من أعماقه بصوت مرتجف من الدهشة: _انا جيت في وقت غلط ولا ايه ياما؟ يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة