الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

10 0

في لحظة مشحونة بالاضطراب، أزاح جلال يد والدته بحركة حادة، كأنه يزيح ثقلًا من على كتفيه، وصاح بصوت مرتفع يكاد يهتز له المكان: _اوعي ايدك ياما... هو انتي شايفاني عيل صغير عشان تمدي ايدك عليا وأنا في السن ده؟ صرخت أم الديب بضغينة تعتصر قلبها، وهي تقول له بشحناء: =ولما انت مش عيل صغير بتعمل معايا كده ليه؟ وضعت خواطر يدها بلُطف على قلبها العتيق، فانسكبت دموعها الرقيقة كأنها حبات لؤلؤ تسقط من عقد مهترئ، وتحدثت بصوت مغمور بالحسرة، قائلة: _قلبي...بقى ست كبيرة على آخر الزمن يتعمل فيها مقالب؟ بتفَول على خالك ضايع؟ رد جلال بنبرة جلفة: =جرا ايه يا ستي؟ ميبقاش قلبك ضعيف كده! جلست أم الديب على الأريكة كأنّها تلتقط أنفاسها بصعوبة من شدة الصدمة، تشبه الرياح العاتية التي تتسابق في سباقٍ محتدم، وعبّرت بارتباك، قائلة: _اقعدي ياما.. اقعدي..ماشي ياجلال ونظرت إليه نظرة مليئة بالانتقام، كأن عينيها تشتعلان بنار لا تهدأ، وواصلت حديثها بصوت يحمل في طياته وعيدًا لا لبس فيه: =آني هوريك وهعلمك الأدب. تحدث المعلم حنفي بتضايق، كأن الكلمات تخرج من فمه بصعوبة تحت وطأة ثقل الهموم، قائلًا: _أنا داخل أتخمد. نطق جلال بتعجب: =استنى يابا أمال أنا هشرب الشاي مع مين؟ رد المعلم حنفي بانزعاج، كأن كلماته تحمل أثقالًا من الضجر: _اشربه مع أمك وستك! ضحكت ليالي بمرح، وكأن ضحكتها تملأ الأجواء بسحر خاص، ثم التفتت إلى خواطر، وقالت بحيوية: =انتي اتخضيتي؟ ردت خواطر بامتعاض مكبوت، وهي تجلس على الأريكة، وكأنها تحاول السيطرة على أعصابها المتوترة: _ومتخضش ليه حد قالك يا بت إن أنا مبحسش؟ ضحكت ليالي بقوة، ثم واصلت حديثها مع أم الديب بحيوية، وكأن كل كلمة تتفجر من حماسها: =ايه رأيك يا حماتي في المقلب؟ صخبت أم الديب بصوت عالٍ، وكأن نواحها يحاول اختراق جدران الصالة، قائلة: _غوروا من وشي انتي وجوزك! رفع جلال حاجبه بتعبير مندهش، وهناك شرارة من الاستفهام تتراقص على وجهه، ثم قال بتساؤل: =ماشي ياما... أنا كده كده طالع بس ده مش آخر مقلب لا ده اللي جاي كتير! جلجلت أم الديب بحدة مليئة بالغضب، وصرخاتها تتردد في أرجاء المكان، قائلة بوعيد: _شيل المخروب ده من قدامي بدل ما أكسرهولك! تحدثت ليالي بخبث: =يلا يا جلال... احنا ملناش حظ مع أمك. استلم جلال الهاتف المحمول، ثم صعد إلى السطح برفقة زوجته، حيث شرع في مساعدتها، جنبًا إلى جنب مع نعمة، في نقل الضروريات بشكل متناسق وملآن بروح التعاون، وبعد أن انتهوا من مهمتهم بنجاح، عاد جلال إلى شقته، ليجد ليالي قد أكملت تنظيف الأواني التي عبق منها رائحة السمك، ثم دخلت إلى غرفتها بهدوء، وخلعت نعليها بعناية من قدميها، وجلست بجوار زوجها الذي كان غارقًا في انشغاله بهاتفه. التفتت إليه ليالي، وأطلقت كلماتها بصوت محاط بالحنو، قائلة: _العيال ناموا ولا ايه؟ أجاب جلال بلا مبالاة: =أه. استلقت ليالي على السرير بنعومة، وهي تبحث عن راحة بعد يوم طويل، ثم التفتت إلى زوجها، وقالت بهدوء يعبر عن إرهاقها: _أنا هانام. رد جلال بتجاهل: =نامي. في اللحظة التي انغمست فيها ليالي في النوم، محاطة بالراحة بعد يوم متعب، حدثت المفاجأة غير المتوقعة، حيث رفع جلال مقطع فيديو على هاتفه، وكان مدونًا عليه "خالي ضايع مات" معبرًا عن سعادة وفخر كبيرين، واحتوى الفيديو على مشاهد تبرز فرحته الواضحة، وعندما تأمل جلال الفيديو بملامح مليئة بالسرور، ابتسم برضا، وقال: _حلو الكلام... أما أنام أنا كمان. بعد أن شارك جلال مقلبه على منصة اليوتيوب، وقد أسدل الغروب ستائره على المدينة، قرر الانطلاق للنوم، متوجهًا برأسه إلى وسادته بعد يوم مليء بالأحداث، وعندما وضع رأسه على الوسادة، وكاد أن يستسلم لنعاسه، سمع فجأة صرخات مدوية قادمة من أسفل، أعقبها هتافات جماعية مصحوبة بنواح أم الديب الذي كان يعبر عن حالة من الفوضى، حيث كانت تقول بنواح: =أمي ماتت! بعد أن نزل جلال، وليالي، ونعمة، وحامد بسرعة، اكتشفوا الجدة ملقاة على الأرض في وضعية غير طبيعية، هرعت أم الديب نحوها بوجه يفيض باليأس، وهي تتوسل بصرخات مؤثرة تخترق أجواء الفزع. اندفع جلال نحو جدته العجوز بخطى مُتسارعة وكأن الزمن يتباطأ حوله، وفي لحظة من الذعر العميق، صرخ قائلًا بقلق، وعيونه تجوب وجه جدته بحسرة لا توصف: _ستي مالها؟ تحدثت أم الديب بصراخ متقطع، وكأن صوتها ينساب من أعماق بحر مضطرب، وهي تحرك والدتها برفق وبمزيج من الذعر، والأمل في أن يكون هناك ما يمكن فعله. كانت كلماتها تتناثر بين الحيرة: =آه ياما...ستكم ماتت! خرج المعلم حنفي من الغرفة بلا مبالاة، بينما صاح جلال بصوت ينبض ذعر: _وسعي ياما! كان الجميع مجتمعين حولها مصدومين يراقبون جدتهم بقلق جسيم، وبمجرد أن وضع جلال يده برقة على جبينها، اكتشف الصمت العميق الذي لا يُبدي أي رد فعل، ولا نبض يحملها، وبوجه ينعكس عليه الخوف، نطق بقوله: =دي قاطعة النفس! مالت نعمة نحو جدتها، وصوتها يملؤه الصرخات المضطربة التي تصف حجم الخوف الذي يعصف بها، قائلة بصوت مفعم بالأسى: _أه والله. حينما وضعت يدها على جسد جدتها، شعرت وكأنها لامست كرة من الثلج البارد، تأسرها برودتها القاسية التي تخترق الأعماق، فواصلت بصدمة عميقة، وقلبها يكاد يتوقف من الفزع، قائلة: _يا نهار أسود دي جتتها متلجة! صفعت أم الديب وجهها بيدها بقوة، وهي تحاول إخفاء مشاعرها الممزقة، ثم صرخت فيهم بإحباط، قائلة: =هاتولها الداكتور بسرعة! رد جلال بصياح: _داكتور ايه ياما؟ ماهي باينة زي الشمس! تحدثت ليالي بينما هي متأثرة، وكأن كل كلمة تنبع من أعماق قلبها الحزين: =خدها يا جلال وديها المستشفى. صخبت نعمة، وصوتها يتخلله قلق عميق، وقالت: _يا عيني عليكي يا ستي. نزل حامد على الأرض يحمل جدة زوجته مع جلال، وهم يتحركون بعناية، وفي هذا السياق، أعلن المعلم حنفي بابتسامة سعيدة، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات، وكأنها لحظة تحقيق أمانيه المنتظرة: =يلا في داهية انتي وابنك ضايع... منكدة علينا وانتي عايشة وانتي ميتة...سايبة الأيام كلها وجاية تعمليها  فينا أول يوم العيد، ما هقول ايه حنفي بخته أسود من ساعة ما ناسب العيلة السَو دي... ولا حاجة تدايقك ولا تعصبك يا حنفي، وبالعند فيكي انتي وبتك آني هعدل مزاجي! جلست نعمه على الأريكة، ووضعت يديها برفق على رأسها، بينما كانت أم الديب تلاحق جلال، وحامد بسرعة، وفي لحظة صفاء، نطقت نعمة بحزن دفين على رحيل جدتها، قائلة: =والله لسه صغيرة احنا ملحقناش نشبع منك... يارب يطلع فيكي نفس وميكونش جرالك حاجة! رد المعلم حنفي بسخرية: _هي مين دي اللي لسه صغيرة؟ ستك اللي عندها تلاتة وتمانين سنة؟ تلفظت نعمة بشجن، وقتما كانت تتساقط دموعها: =أيوه يابا دي اتخطفت مننا بدري بدري. انرسمت الابتسامة على وجه المعلم حنفي، وكأن إشراقة البهجة قد لامست تعبيره، ثم قال بسرور: _طب ده آني هصلي ركعتين شكر لله، وهرفع ايدي لفوق وهقول أحمدك يارب إنها اتخطفت مننا بدري بدري، ده اليوم اللي آني بتمناه من زمان! تحدثت نعمة بانتحاب: =خلاص بقى يابا متوجعش قلبنا. دخل المعلم حنفي المطبخ، حيث أمسك بقليل من الكعك ورفعه فوق البسكويت بيديه، وأعد فنجانًا من الشاي بعناية تامة، ثم انتقل إلى البلكونة، حيث جلس في مكان مريح واستمتع بغروب الشمس، واستمع إلى مقطوعات أم كلثوم الكلاسيكية التي تملأ الأجواء بجمالها الساحر، وابتسم، ثم أعلن بسعادة غامرة: _يارب كتر من أفراحنا. جاءت هايدي إلى نعمة، وهي جالسة على الأريكة، وقد برز الحزن على وجهها، حيث اقتربت منها بوجه مغطى بالصدمة التي لا توصف، وصرحت بأسى، قائلة: =بابا مشغل أغاني برا. ردت نعمة بنبرة باكية: _أبوكي فرحان أوي، وأنا زعلانة أوي. همست هايدي بصوت خافت: =بصراحة له حق يفرح دي كانت كل ما تيجي بتتخانق معاه وبيمسكوا في بعض. تلفظت نعمة بانتحاب: _ادعيلها يا هايدي يمكن ربنا يرد فيها الروح. نظرت هايدي إلى أختها بلا اكتراث، وهي تتساءل عن سبب تأثرها بوفاة جدتهم سليطة اللسان التي كانت تضيء المنزل بشخصيتها القوية. ثم خرجت إلى البلكونة لدى المعلم حنفي، وبصوت يعبر عن الدهشة، قالت: =انت مش زعلان عليها بجد؟ أجاب المعلم حنفي بلا مبالاة، وهو يتناول الكعك المزين بالسكر ببطء، وكأن طعمه اللذيذ يخفف من اهتمامه بالمسألة: _أقعدي يا هايدي كُلي كحك! جلست هايدي جنب المعلم حنفي وشاركته في اللا مُبالاة، فيما كان جلال، وحامد في المستشفى. ذهبوا بالجدة خواطر للطبيب، وكانت أم الديب قلقة على والدتها، حيث ارتفعت صيحاتها المذعورة، تعمّ الوحدة الصحية بأكملها. صاح جلال بصوت يكاد يكسر: =الحقنا يا داكتور الست العجوزة دي وقعت فجأه واتخشبت. رد الطبيب بهدوء: _ودوها على سرير الكشف. تحدثت أم الديب بنواح: =يارب اللي يكرهك ياما... استرها عليها ده آني مليش غيرها. بعد أن نقل جلال، وحامد العجوز برفق إلى السرير، اقترب الطبيب بحذر ليفحص حالتها، وكان جسمها باردًا وجافًا كخشب قديم متروك في الهواء الطلق، مما جعل مشهدها يعكس مدى هشاشتها. وعلى الرغم من تردد الطبيب في البداية، بسبب نواح أم الديب الذي كان يتردد في أذنه وكأنه يخترق طبلة الأذن، فقد قرر أخيرًا أن يتجاوز مخاوفه ويدلي بالحقيقة، قائلًا: _الحاجة تعيش انت. عندما توقع الطبيب رد فعلها، اندلعت صرخة قوية من أم الديب هزّت القرية بأكملها، وهي تسارع نحو جسد والدتها الذي فارق الحياة. بينما كانت تجري، نطقت بكلمات مؤثرة: =ياما... ياما. أماطت أم الديب جلال، وحامد جانبًا، فانهمرا على الأرض معًا، بينما كانت تجذب جسد والدتها بقوة، تحاول بجدية استعادة وعيها وتثبت لنفسها أنها تعيش حلمًا زائلًا. صرخت بقوة قائلة: _فوقي ياما...اهئ اهئ روحتي وسيبتينا بدري ياما...يا حرقة قلبي عليكي ياما. وقف جلال، وحامد ينظمان ثيابهما، ثم اقترب حامد بحذر من أم الديب، ممدًا يده نحوها بلُطف، وقال: =اهدي يا حماتي... تعالي معانا! تحدث جلال بتأثر عميق، وكلمات قلبه تنساب من أعماق حزنه، وصوته يرتجف من وقع الموقف، قائلًا: _تعالي ياما هنعمل ايه يعني؟ الله يرحمها بقى. كلما حاولوا سحبها بعيدًا، كانت تعود مجددًا إلى حضن أمها مرة أخرى، صارخة بقهر، فنطقت: =يا خرابي، اصحي ياما...انت السبب يا جلال انت اللي موتها! قفزت أم الديب فوق جلال بحركة مُفاجئة، ويدها تتشبث بعنقه بقوة، كأنها تسعى للسيطرة على كل ما تبقى من قوتها في تلك اللحظة الحرجة. تعبيرًا عن كل الاستياء الذي يتدفق منها، قائلة: _قتلت ستك يا كلب يابن الكلب؟ رد جلال بصياح مكتوم، يحاول قدر الإمكان تفادي أذيتها، ويتحرك بتوتر، محاول للتملص من قبضة يديها: =وربنا ما جيت ناحيتها، انتي هتلبسيني مصيبة؟ تحدث حامد بتعجب: _قتلها فين يا حماتي وهو كان في شقته! قال الطبيب بعدالة: =سبب الوفاة طبيعي وانا مش شايف أي جروح في جسمها. تركت أم الديب جلال، وانتقلت بتوتر إلى الطبيب، حيث تشبثت بعنقه، وصوتها المغمور بالاحتجاج يغمر الأجواء. صرخت في وجهه، وكأن كل كلمة منها تخرج من أعماق عذابها، قائلة: _ايهي داكتور ايه انت يا خويا؟ داكتور الحمير؟ انت ايه دراك ماتت ازاي؟ جلال ابني هو اللي قتلها وآني مش هسيب حقها! عادت أم الديب إلى والدتها، وهي تحركها بيدين يرتجف فيهما الألم، وكل حركة تنم عن يأسها المتزايد حيث تلفظت: _ياما اصحى! تحدث جلال بعجيج: =وانتي هتفهمي أكتر من الداكتور ياما؟ رد الطبيب باختناق، وكأن كل كلمة يلفظها تتعثر في حلقه تحت وطأة القلق، فكان يحاول جاهدًا التعبير عن موقفه دون أن يؤثر عليه الانزعاج، قائلًا: _شكل الحاجة والدتكم حالتها صعبة... ادوها حقنة مهدئة. في شقة ليالي الهادئة، حيث كان أطفالها نائمين في غرفهم، جلست هي على الأريكة تتحدث مع والدتها، وتنقل لها الأخبار بسرعة دون توقف، وهي تسعى لمشاركة كل تفاصيل الأحداث التي مرت بها، وبينما كانت تتحدث بحماس قالت تباهي باستفهام: =يعني ماتت ولا مماتتش؟ تنهدت ليالي، وقالت بحيرة: _لسه مش عارفين... ماهو ده اللي احنا كنا ناقصينه، فرحتي دايمًا ناقصه في البيت ده... مفيش مناسبة ولا عيد بيجي هنا إلا وتحصل فيه كارثة أسود من اللي قبلها... أنا ابتديت أشك ان البيت ده ملعون. ردت تباهي بتأييد: =طبعًا ملعون...انتي عاوزة تعيش فيه واحدة زي بسمة ويبقى بيت حلو؟ طب دي تحصل ازاي؟ ده هي أساس كل حاجة وحشة... نفسي ألاقيلها حاجة واحدة حلوة! نطقت ليالي بضيق: _على رأيك بس خلاص أنا قلبي بيقولي الفقر ده نهايته قربت... نفسي أسيب البيت المنيل ده ياما وأعيش في شقة حلوة مانا مش عاوزة حد يكون أحسن مني! قالت تباهي بفضول: =وهو بحق وحقيقي سلفتك بقيت مذيعة؟ ازدادت نار ليالي حين سُمعت خبر سلفتها، فاندلعت باهتياج وغيرة محترقة، كلماتها كاللهب تحترق بالحرارة المشتعلة، قائلة: _أه ياما ماهي كوسة...أهي اتعينت علشان القناة بتاعت أبوها ده بكرا يعين كل بناته بس اصبري. ردت تباهي: =أي والله يا بتي مفيش حاجة في الزمن ده بقيت بتعب ومجهود الواحد كلها ماشية بالواسطة دلوقتي. تلفظت ليالي بحقد ظاهر، وغيرتها تتدفق من أعماق قلب مليء بالاستياء، وصوتها يحمل طابع النقمة، قائلة: _اتعينت مذيعة بس ايه فاكرة نفسها خلاص كده بقيت أحسن مني؟ ده أنا اللي هبقى أحسن منها هي وعيلتها كلها. ردت تباهي بابتسامة: =جدعة يا ليالي، انتي متنقصيش حاجة عنها وبكرا يشوفوا انتي هتبقي فين يا بت. تفوهت ليالي بثقة: _حماتي تبعد عن سكتي بس وهيشوفوا اللي عمرهم ما شافوه. اتصل جلال بليالي في الوقت الذي كانت تتحدث فيه مع والدتها، فأثار فضولها الشديد لمعرفة ما حدث للجدة، فواصلت بسرعة هائلة، كأنما كانت تسابق الزمن نحو كشف الغموض، قائلة: _بقولك ايه اقفلي انتي دلوقتي...جلال بيتصل. ردت تباهي بحنان: =ماشي يا بتي مع ألف سلامة. انتهت المحادثة الهاتفية بين ليالي، ووالدتها، وفي لحظات قليلة لم تتردد في الرد على اتصال جلال بكل انسيابية، كأنها كانت في حالة ترقب دائم لهذا الاتصال الذي يتيح لها فرصة أن تشاركه في لحظاته الصعبة وتدعمه في أوقات الشدة. كان ردها سريعًا، قائلة بفضول: _ألو يا جلال ستكم مالها؟ رد جلال باستياء حار، وكأن مشاعره المليئة بالغصة تتسرب من كل حرف ينطق به، وصوته يحمل في عَطفته نغمة من الحزن: =ستي ماتت، وأمي عمالة تصوت وترمي نفسها على الأرض...دي قطعت هدومها يا ليالي! في لحظات صادمة بوفاة الجدة، فجأة شقت أم الديب ثيابها، صارخة بألم يفسر حالة الصدمة، وفي أوقات الحزن العميق، قالت بكل ألم: _أمي! ردت ليالي بشماتة: =مانا سامعة أهو... طيب اقفل انت أكون أنا لبست...أه صحيح هتعملوا العزا فين؟ أجاب جلال باستعجال، بينما كان يحاول اختصار الوقت بسرعة: _في بيت ستي... يلا سلام. بعد انتهاء ليالي من المكالمة مع جلال، دخلت لترتدي العباءة السوداء. رغم التحديات الصعبة، أظهرت حرصًا فائقًا على الظهور بمظهر لائق، إذ كانت ترى أن الظهور بجمال، ورقي عامل مهم أمام جميلة، ووالدتها. أما نعمة، فعندما علمت الخبر، ظهر عليها الفزع، وهي تلطم وجهها ببكاء مؤثر: =يا ستي... مش هشوفك تاني يا ستي... قطعتي بينا يا ستي! وسط هذا العويل الذي كان يحاط بالأرجاء، خرج المعلم حنفي من البلكونة بعد أن قضى على طبق حلوى العيد بمتعة، وكأنه يخلص نفسه من عبء ثقيل، وهو يحمل عبارة من الأمل في قلبه. كان يتمنى في أعماقه أن يسمع خبرًا يرضي روحه ويعيد إليه شيئًا من السكينة، وبوجه مشرق، أعلن بتفاؤل: _الولية شكلها ماتت! صرخت هايدي، وقالت بصدمة: =يا نهار أسود! دخل الاثنين داخلًا ليجدوا نعمة، وهي تتعثر من كثرة الانهيار. صدحت صرختها بوجع، قائلة: _ستك ماتت يا هايدي! قالت هايدي، وهي في حالة صعبة، شعرت بالخوف من رد فعل أختها الذي بدا مرعبًا: =الله يرحمها، متعمليش كده...انتي كده بتعذبيها! وطأت نعمة وجهها بقسوة، وهي تسعى لإظهار مشاعرها الجياشة تحت عباءة من الألم، وصوتها يعلو بصرخات آسية، وهي تحاول أن تعبر عن عمق معاناتها: _آه يا ستي. سقطت نعمة على الأرض، فسرعان ما أمسكت هايدي بها، وبحزن رفعتها للأعلى، كما لو أنها تحمل قطعة من السماء المفقودة، فقالت: =خلاص يا نعمة ربنا يرحمها ده نصيبها، هي أكيد في مكان أحسن دلوقتي. رد المعلم حنفي بعجيج: _مكان أحسن؟ بعد كل المرار اللي شوفته منها وفي الآخر في مكان أحسن؟ ده آني كل يوم هحسبن عليها خليها تتعذب بعمايلها السودة معايا. نطقت هايدي بتَرَح: =معلش يا بابا...اذكروا محاسن موتاكم. تلفظ المعلم حنفي بصياح: _وهي دي فيها حسنة واحدة علشان أفتكرهالها؟ دي كلها سيئات وذنوب. صرخت نعمة مجددًا، وهي تصفع وجهها بكل قوة، وتسعى بكل جهدها لوصف ألمها، قائلة: =يا عيني عليكي يا ستي. في منزل خواطر، انطلقت العائلة بما في ذلك أم الديب، وفي كل لحظة تقوم أم الديب بالتلطيخ، والصراخ، تنقلب وتعود للجلوس. كانت هذه الأثناء أيضًا تتسابق هي وأختها في النواح، وفيما كان جلال، وحامد، وبقية الرجال يشيعون الجثمان في جو من الشجو، أثناء حمل النعش والتوجه إلى المقابر، هتف أبو محمد بصوتٍ عالٍ، قائل: _إنا لله وإنا إليه راجعون... لا نقول إلا ما يرضي الله... أمي كانت ست طيبة وكل الناس بتحبها. سخر المعلم حنفي من حديثه، وتلفظ في وجدانه: =أه أوي ماشاء الله عليها. نطق أبو محمد باستياء: _كانت ست فاضلة، تطلع اللقمة من بؤها علشان احنا ناكل... عمرها ما زعلت حد منها ولا كسرت بخاطره! تلفظ المعلم حنفي بسخرية: =أوي. واصل أبو محمد حديثه الصاخب، وكأن كل احساس يجلأ منه يشبه انفجارات من القهر، تتسارع نبراته ويعلو صوته، مما يضفي على حديثه طابعًا من البؤس: _كانت تعمل أعمال خيرية في الخفاء، مستحيل كانت تعملها في العلن... الله يرحمك يا أمي ويغفرلك. تحدث جلال بتأثر: =شد حيلك يا خالي. بعد وصول الرجال بجثمان خواطر إلى المقابر، تجمع البعض في دائرة حول أبو محمد، بينما كان آخرون ينهمكون في تحضير القبر لفتح أبوابه. في تلك اللحظة، رفع أبو محمد يديه الاثنين إلى الأعلى، كأنه يستجدي السماء ببركة ورحمة، وباستياء عميق ينطلق من أعماق صدره، قال بأسى: _اللهم اغفر لها ذنوبها وارحمها واجعل مئواها الجنة... اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة. نطق الجميع في آنٍ واحد عدا المعلم حنفي: =آمين. بعد لحظات، دخل ضايع مصحوبًا بشلته السرسجية الفاسدة، ويظهر أنه غير واعٍ وقد تناول شيئًا ضارًا. بدأ يصرخ عبر الميكروفون بهمس مكسور: _أمي يا حبيبتي يا غالية الله يرحمك...أمي ست طاهرة، شريفة، محترمة، عفيفة ميطلعش منها العيبة. نطق المعلم حنفي بانزعاج في سره المكنون: =ربنا على الظالم والمفتري. تحدث ضايع بابتئاس: _غنوا معايا... يا ست الحبايب يا حبيبة يا أغلي من روحي وعمري يا حنينة وكلك طيبة. عندما توقف ضايع عن الغناء واستسلم صوته العذب للبكاء، وملأت أجواء الحزن نبرات شجنه العميق، كانت روح أبو محمد التقية ترفض هذا الحال بشدة. ففي تلك اللحظة، ظهرت جوانب دينية بارزة في شخصيته، كأن إيمانه واعتقاده يتجسدان في كل حركة من حركاته. اقترب من ضايع بنية صافية، وصاح في وجهه برفض ينبع من أعماق قلبه الملآن بالتقوى، قائلًا: =استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم يا أخي احترم حرمة المكان، وحرمة الأموات بلاش تكفر بربنا... شيل الحاجات دي واقرالها شوية قرآن ينفعوها! رد ضايع بانتحاب ساحق، كأن كل دمعة تنحدر من عينيه تحمل معها الندم، وصوته يرتجف من شدة القهر، بينما كان يحاول التعبير عن مشاعره المتناقضة، قائلًا: _أمي كانت غالية عليا يا أبو محمد. تلفظ أبو محمد بصياح: =كانت غالية علينا كلنا مش انت لواحدك... يلا شيل الحاجات دي واحترم حرمة المكان... أستغفر الله العظيم. في منزل خواطر المُتهالك، حضرت ليالي، وأبنائها، ووالدتها، وأختها هبة، وابنتها، جميعهم مرتدين العباءات السوداء، وكان المنزل مليئًا بالنواح. تتسلل أصوات النساء في العتمة، وكان صدح أم الديب يرجرج الدار العتيق مع توجيهها لكلماتها الرنانة: _قطعتي بينا ياما... طول عمرك بختك مايل وملكيش حظ في حاجة. ردت سعاد بنشيج: =ربنا يرحمها ويغفرلها دي كانت مالية علينا الدار... ده آني كنت كل يوم أطل عليها وأبعتلها أكل مع العيال أقولها انتي كويسة يا حاجة؟ تقولي أه ربنا يسترك. تحدثت نعمة بإعوال: _ربنا يرحمها أهي ارتاحت من تعب الدنيا. نطقت أم الديب بصراخ مدوي، وهي تضرب يدها على صدرها بقوة، ساعية لتحرير كل مشاعرها المكبوتة، قائلة: =هتوحشينا ياما... حياتنا هتفضى من بعدك. أما ليالي، التي كانت لا تشعر بنفس درجة الألم التي تعاني منها أم الديب، وسعاد، ونعمة، حيث بدا وكأن مشاعرهم تتجاوز قدرتها على التفاعل، فقد اختارت أن تتحدث بلا مبالاة وكأنها تطمح لتبسيط الأمور. قالت ببرود واضح، والترح المحيط بها لا يؤثر على مزاجها: _ربنا  يرحمها. همست هبة في أذن ليالي، وصوتها مكتظ بالسخرية التي لا تخلو من الخبث، وكل همسة تحمل شكل من الاستهزاء، قائلة: =ايه اللي حماتك عاملاه في نفسها ده؟ ردت ليالي بصوت خافت: _حماتي مخها فوت... ربنا يشفيها. تحدثت تباهي بخفوت: =احنا مش هنطول يا ليالي بدل ما تتجنن في مخها وتدب معانا خناقة، وأنا على آخري منها! ردت ليالي بنبرة هادئة، محاولة ردم مشاعرها تحت طبقة من السكون: _لا ياما نصاية، وامشوا عشان بس محدش يمسك عليكم نص غلطة ويقولك مجوش يعزوا. قالت تباهي بصوت باهت: =ماشي يا بتي. بينما كان الرجال يجتمعون في شادر العزاء، حيث عمت الأجواء بحالة من التعاسة، وقف جلال إلى جانب خاله أبو محمد، بينما كان ضايع، وحامد يقفان على حافة الحشد. في هذا السياق العاطفي، كانوا يتلقون مصافحات تعبر عن التعازي من أفراد العائلة، والأصدقاء، والمعارف، وفي هذه الأثناء، قال أحدهم بكلمات مؤثرة تنبع من عمق الشجن، قائلًا: _البقاء لله. نطق أبو محمد بوجه حزين: =ونعم بالله... شكر الله سعيكم. جاء الآخر ليوجه مواساته لجلال، وصافحه بكل حزن، وكل لمسة تتعاطف معه. بينما كان وجهه مغطى بمشاعر الأسى، قال بترح عميق: =البقاء لله. رد جلال بجَزَع: _الله يخليك. جاء أحد أقارب جلال وصافحه بحرارة، بينما كانت نظراته تظهر التعاطف، وبصوت حنون، قال: _البقاء لله. تحدث ضايع بصخب: =اشرب حاجة يا عمهم... شاي، قهوة، ده انت لو عاوز نص بيرة أجيبلك ده أنا أدفع من جيبي عشان خاطر أمي الطاهرة الله يرحمها. نطق أبو محمد بامتعاض: _استغفر الله العظيم... لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم... يارب توب علينا وارحمنا. دخل المعلم حنفي بفرقة رقص، فكانوا يؤديون عروضهم، ثم قاموا بتوزيع مشروبات على الحاضرين. بفرح متألق، أعلن المعلم حنفي بابتسامة منيرة بفضل هذا الخبر السار بيان السعادة، كما لو أنه يرقص بالكلمات لنقل فرحته للجميع، قائلًا: =خد يا حاج امسك متتكسفش. ضرب الرجل كفًا على كف لهول الصدمة، وكأن هذا الإجراء يعكس تأثير الموقف على نفسه، ثم قال بصوت متقطع مفعم بالاستغراب: _لا إله إلا الله. مر المعلم حنفي بين الحاضرين، وشرع في توزيع المشروبات بينهم بحركة منظمة، ساعي لتخفيف أجواء الحزن بتقديم لمسة من الراحة. كان وجهه يعكس فرحًا محاولًا أن يضفي على الموقف بعض البهجة، بينما كان يتلفظ: =امسك يا حاج... دي حلاوة موت الولية اللي مررت عيشتي، ده آني شوفت منها العذاب ألوان. وواصل للآخر: =خد يا أستاذ. في حين المعلم حنفي يوزع مشروبات على الحضور، يتبادل الناس النظرات ويظهرون استغرابهم، فيما يتردد صوت المزمار والطبل. اندفع جلال بسرعة نحو والده، وبصوت يعلو، قال له: _ايه اللي بتعمله ده يابا؟ انقض ضايع نحوهم، وهو يصيح قائلًا: =مش عيب اللي بتعمله ده يا حنفي انت كبرت وخرفت ولا ايه؟ حَذَفَ المعلم حنفي كوب العصير في يد ضايع، وكأن هذه الهدية البسيطة تحمل في طياتها رسالة من التعاطف، ثم قال له بود: _خد بل ريقك زمانه نشف من كتر التماسي. شرب ضايع المشروب، وقال بانتعاش: =كتر خيرك يا حنفي... طلعت حاسس بيا. ضرب أبو محمد كفًا على كف، وهو يحاول تهدئة جنونه الداخلي تُجاه تصرفات المعلم حنفي، فيما ظهر على وجهه التعبير عن الاستياء، وهو يقول: _لا إله إلا الله... لا حول ولا قوة إلا بالله. شارك عم سلامة ابنه صابر تلك الكلمات الخافتة المنطلقة من شفتيه، وكل كلمة تنبض بتعاطف عميق، حيث قال بصوت متهدج: =لا حول ولا قوة إلا بالله شكلها كانت ست قوية. رد صابر بحصافة: _مش يمكن الحاج حنفي متأثر بموتها ومش عارف هو بيعمل ايه؟ أجاب عم سلامة بحُنكة: =لا لا كان حاكي قدامي كام مرة إنها مطلعة عينه، وأختك ليالي حكيتلي إنها كانت كل ما تيجي تتخانق معاه. تلفظ صابر بتأثر: _لا ده ربنا يكون في عونه... أهو ارتاح منها. رغم كل هذا الأسى الذي يلف المكان، استمر المعلم حنفي في توزيع المشروبات على الجالسين بابتسامة سعيدة، كأنه يشارك في حفل زفاف مليء بالفرح، حيث كان يحاول بجهده أن يضفي لمسة من الإيجابية على الأجواء المظلمة، فقال باطمئنان: =خد يا حاج اشرب بل ريقك... معلش يا رجالة جيبناكم أول يوم العيد ونكدنا عليكم، اللي عاوز يروح يروح اللي مات مات في ستين داهية. نطق أبو محمد بجلبة: _أمي، دي أمي! تحدث ضايع بصياح: =لا يا باشا أقف معووج واتكلم عدل متخلنيش أعملها معاك وانت عدم اللا مؤاخذة راجل كبير ومخلع ولو زقيتك زقة هتقع مش هتستحمل. تشبث جلال في يد خاله بقوة، محاولًا بجدية فض النزاع الذي نشب بينهم، وعيناه تعكسان أملًا في حل المشكلة، قائلًا بإصرار: _أقعد يا خالي سيبك من أبويا... أصل أبويا زعلان عليها فمش حاسس بنفسه. رد ضايع بصخب: =دي ست طاهرة يا جلال! بعد أن زادت كذبات ضايع، وبلغت حد الإزعاج، خرج المعلم حنفي عن شعوره تمامًا، فصاح به بقوة، قائلًا: _ماجرا ايه يا ضايع انت ماسكلي طاهرة طاهرة، هو حد كان قال حاجة غير كده؟ أجاب ضايع بضلال: =أنا بعرفك اللي فيها يا شبح! حينما ارتفع صياح الرجال في العزاء، وبدأت الأجواء تعج بالفوضى، وعدم التفاهم، كان الجميع في حالة تركيز شديدة، متابعين عن كثب ما يجري من خلافات. في تلك اللحظة الحرجة، انطلق عم سلامة، وصابر نحوهم بحزم، عازمين على حل النزاع وإعادة الهدوء إلى المكان. ثم تقدم عم سلامة، وهو يجسد عقلانية ورؤية ناضجة، وقال بصوت هادئ، مستعرضًا كل جوانب المشكلة بحكمة: _لا إله إلا الله... أقعدوا بلاش مشاكل، الخلق بتبص علينا! وواصل لأبو محمد: _ما تقول حاجة يا أبو محمد! تحدث أبو محمد بنبرته الشريفة، وكل حرف ينبع من عمق تجربته، بينما كان صوته مملوءًا بالوقار، قائلًا: =يا ناس يا أفاضل.... الله يستركم دنيا وآخره احترموا حرمة الست اللي توفاها الله! في مجلس النساء داخل المنزل، ألقت أم الديب نفسها فوق السيدات الجالسات، وكانوا يعبرن عن ألمهن بصوت قوي، بينما خارج المنزل، اعتقد البعض أنهن كانوا يعبرون عن الحزن لفقدانهن خواطر في حين نعمة، وليالي يحاولون السيطرة على أم الديب بينما هي تصيح: _يا خرابي روحتي وسيبتيني ياما... يا وجع قلبي عليكي...يا لهوتي. قالت نعمة بصياح: =قومي ياما النسوان هتموت تحت منك! نطقت إحدى السيدات باستغاثة: _ياريتنا ما جينا! اندلعت أم الديب بوتيرة عنيفة ضد السيدة، وضربتها على وجهها بقسوة، وفي هذا السياق، صاحت قائلة: =ايهي يا بت الكلب ياريتك ما جيتي؟ أمي اللي ياما شالتكم مش عاجبك تحضري عزاها يا بت الكلب؟ ده آني هطلع القديم والجديد عليكم! صرخت السيدة قائلة بمعاناة: _يا لهوي! في الوقت نفسه، كان هناك اعتداء على السيدة، حيث كانت تستغيث، بينما كان الآخرون يشهدون هذا المشهد الفظيع. أما في مكان آخر، لم يكن أحمد، وجميلة ينويان زيارة أم الديب في أول أيام العيد، ولكن اتصل بهما جلال فجأة، مما دفعهما للانضمام إليهم برفقة أم قمر الدين، وتركوا سيليا، وأسيل في المنزل مع خالاتهم، وجدهم. بعد تجهيزهم، وارتدائهم للثياب ركبوا سيارة أحمد وبينما يرتدون أفخم الثياب السوداء، والساعات الباهظة، والنظارات الشمسية، كانوا يحتفظون بإطلالة الأثرياء، تعكس أسلوب حياتهم الراقي. عبرت أم قمر الدين بدهشة: =مش معقول تموت أول يوم العيد! رد أحمد بتعجب، وهو يقود السيارة: _وهو الموت له مواعيد معينة؟ ده في أي وقت... دي راحت في غمضة عين.. الصبح كانت كويسة ودلوقتي في تربتها. حينما تحدث أحمد عن الموت كلماته أثرت في نفس أم قمر الدين بشكل يثير الهلع، فقالت بارتعاب: =أنا مقولتش حاجة يعني بس كنا ممكن نحضر العزا يوم تاني. قالت جميلة بتبرم: _معلش يا مامي هنحضر ساعة وهنرجع. ردت أم قمر الدين، وصوتها يمتزج به التأثر، وكل كلمة تنبض بمشاعر متدفقة: =لا يا حبيبتي احنا لازم نعمل الواجب وزياده معاهم... أم الديب غالية عليا أوي وبينا أيام حلوة كتير. تلفظ أحمد بابتسامة: _ربنا يخليكي يا طنط. أخرجت جميلة الهاتف لتتأكد من حال سيليا وأسيل، وهي تتصفح الرسائل والمكالمات بقلق عارم، وعينيها تتسارعتان في قراءة التفاصيل. قالت معبرة عن قلقها بوضوح: =هالو يا روحي، طمنيني انتي كويسة؟ ردت سيليا ببراءة: _أيوه يا مامي بس أسيل بتعيط! نطقت جميلة بتعشق: =خلي خالتو منى أو خالتو نالا حد يأكلها ويشوف مالها لحد ما أرجع أنا وبابي ونانا. قالت سيليا برقة: _اوكي يا مامي. ردت جميلة بابتسامة: =باي يا روحي. ردت سيليا: _باي يا مامي. انتهت المكالمة الهاتفية بين جميلة، وسيليا بعدما اطمأنت عليها، وفي الوقت الذي أدت فيه تباهي واجبها نحو عائلة أم الديب، نهضت وعانقت ابنتها بوجه يعبر عن الاستياء، قائلة: =يلا أنا ماشية يا بتي... خدي بالك من نفسك انتي والعيال، وبإذن الله هنجيلك بكرا نسهروا معاكوا. قبلت ليالي والدتها بلُطف، ووجهها يصف مشاعر الحب، ثم قالت بطمأنينة، تهدف إلى تقديم الراحة: _حاضر ياما... تيجوا تنوروني. عانقت هبة أختها بقوة، ساعية أن تعبر عن كل مشاعر الحب التي تحملها في قلبها، ثم قالت: =مع السلامة يا ليالي هجيلك بكرا أنا وأشرف. بادلتها ليالي العناق، وهي تستشعر دفء اللحظة، ثم قالت بمودة، تنم عن عمق الروابط بينهما، قائلة: _ماشي ياختي هتنوروا الدنيا. ردت هبة ببشاشة: =منورة بيكي يا ليالي... يلا سلام عليكم. عانقت تباهي نعمة، وقالت لها بلُطف: _ربنا يجعلها آخر الأحزان. نطقت نعمة بعيون باكية: =اللهم آمين يا أم ليالي. وبعد التحية، والمغادرة، خرجت أم الديب وتوجهت نحو شادر الرجال، وصاحت بصوت عالٍ قائلة: _يا لهوتي ياما. اقترب المعلم حنفي منها، وصرخ في وجهها قائلًا: =خشي جوا يا ولية! تحدث ضايع بصياح: _ماجرا ايه يا بسمة ياختي ما تخشي جوا كده الناس تاكل وشنا! اجتمع الرجال وتبادلوا الصياح في محيط أم الديب، وفيما بينهم جلال يعلن قائلًا: =يلا ياما اتكلي على الله! صرخت أم الديب مجددًا، وصوتها يتردد في الأرجاء وكأن صرخاتها تحمل معها عبء الحزن، ثم قالت بمد الألف، وكل حرف يطول ليعبر عن عمق مشاعرها: _يا لهوتي. في لحظة من الترح، ألقت أم الديب نفسها على الأرض، وهي تقوم برفع التراب من عليها، ووضعه على رأسها. خرجت نعمة، وليالي، وهايدي لمساعدتها، وقالت نعمه بصوت باكٍ: =أدخلي جوا ياما بقى حرام عليكي..امسكي نفسك شوية! ردت أم الديب بنواح من القهر: _يا وجع قلبك يا أم الديب... كانت ست طيبة... ده هي اللي جابتني الدنيا دي لولا مكنتش جيت. قالت ليالي بشجن: =شدي حيلك يا حماتي كلنا لها، هو في حد معمر فيها؟ رغم الظروف اللصبة التي يمرون بها، والتي تبدو وكأنها تثقل كاهلهم وتضغط على أعصابهم، إلا أن الحس الفكاهي الفريد الذي يمتلكه ضايع يبرز بشكل لافت، ويظل كجرعة من الانتعاش وسط هذه المشاق، وهو يضحك بضحكته المميزة التي لا تشبه أي ضحكة أخرى، ملء المكان بطاقته الإيجابية، قائلًا: _رز معمر. قفزت أم الديب على أخيها، وأمسكت بعنقه بقوة، وهي تعبر عن كل مشاعرها المكبوتة. بينما كان صوتها يرتفع بشكل ملحوظ، قائلة بتعبير قوي مع مد الألف: =يا خراشي! تفوه ضايع باستغاثة: _يا جلال الحق أمك! جرى جلال، وحامد، والمعلم حنفي بكل سرعة للتشبث بأم الديب وإعادتها إلى الداخل، جاهدين تهدئتها، وإعادتها إلى محفل النساء حيث كانت الأجواء أكثر هدوءًا. بينما كانوا ينقلونها بحذر، ويكادون يخطون خطوات مُتسارعة في سبيل ذلك، قال أحد الحاضرين بصدمة واضحة: _ يا حول الله يارب ده حالتها ضياع خالص. رد الآخر باستهزاء: =شكلها كانت بتحب أمها أوي... الإتنين دول عاملين زي الحية. وفي هذا الجو من الحسرة، قالت نعمة: _استحلفك بالله تهدي شوية. تفوهت أم الديب بإرهاق عارم، وهي تعول: =أمي يا نعمة أمي! وضعت نعمة يدها الحنونة فوق كتف والدتها، وهي تواسيها، وتزيح عنها كل ما يؤلمها قائلة: _ربنا يرحمها ياما. بعد ثلاث ساعات كاملة من الانتظار المستمر في نفس المكان، وصل أحمد، وجميلة، وأم قمر الدين، حاملين معهم حقيبة ثقيلة مليئة بأنواع شتى من الطعام. نزلوا من السيارة التي كانوا يستقلونها بخطوات بطيئة، وفتحوا الحقيبة الكبيرة التي كانت تضم مجموعة متنوعة من الأطعمة الشهية، مما جذب انتباه جميع الحاضرين في العزاء، وقد بدأت أعين الجميع تتجه نحوهم بفضول واهتمام كبير، إذ كان الجميع يعلمون أن أحمد قد تزوج ابنة أحد أكبر الأثرياء في مصر، مما أضاف هالة من التساؤلات حول هذه الأسرة المرموقة. وبينما كانت أم قمر الدين تتفحص الأجواء المحيطة بالعزاء بنظرات مليئة بالحزن والتأمل، قالت بشجن: =البقاء لله. عندما رأت نعمة أخاها أحمد، وزوجته جميلة، ووالدتها أم قمر الدين، تسلل شعور جارف من الحنين إلى قلبها، فانفجرت في البكاء، قائلة بصوت مختنق: _الحقي ياما شكل ست بسملة جات. بينما كانت أم الديب تندفع بسرعة نحو حقيبة السيارة المفتوحة، مُسرعة بخطواتها غير المتزنة من أثر الحزن الواسع الذي يعصف بقلبها، أمسكت بكيسين كبيرين من الطعام، ثم عادت للداخل تحمل الأكياس بثقلها المادي، ورغم الغصة التي تملأ قلبها لوفاة والدتها العزيزة، جلست على أحد الكراسي وبدأت تتناول الطعام بشهية لافتة للأنظار، كأنها تحاول أن تجد في الأكل ملاذًا من الألم الذي يعتصرها، وفي لحظة من التناقضات الصارخة بين بؤسها، ورغبتها العارمة في تناول الطعام، قالت بشهوانية واضحة: =كل ده أكل يا عيال؟ آني جعانة أوي. ناداها أحمد بصوت متحشرج يعكس خليطًا من القلق، والاستياء، محاولًا أن يلفت انتباهها بعيدًا عن الطعام الذي تنهمك فيه بشكل لافت، قائلًا: _يا ماما! نادتها جميلة بذهول: =يا طنط! دخلت أم الديب غرفة النساء بخطوات مثقلة، وهي تتناول الطعام وتذرف الدموع في آنٍ واحد، مما جعل جميع الحضور يصابون بالدهشة من تصرفها الفريد، والمغاير للعادة في مثل هذه الظروف، وبينما كانت الدموع تنهمر على وجنتيها، قالت بانتحاب: _هتوحشيني ياما يا غالية. تعجبت نعمة بشدة من تصرف والدتها الذي بدا وكأنه يعكس شخصية مزدوجة، تجمع بين الاستياء، والرغبة الجامحة في تناول الطعام، فقالت لها بنواح، محاولةً أن تفهم هذا التناقض الغريب الذي يعصف بوالدتها: =انتي بتعملي ايه ياما؟ نهضت نعمة من مكانها بخطوات قلقة، وخرجت هي، وهايدي مسرعتين لتصلان إلى أم قمر الدين، حيث احتضنتها نعمة بكل أسى، محاولتين معًا التخفيف من ألم الفراق الذي يعتصر قلوبهن، وفي تلك اللحظة المؤثرة، قالت أم قمر الدين بمواساة: _البقاء لله... ربنا يرحمها. ردت نعمة بدموع كالشلال: =ونعم بالله يا ست بسملة. عانقت جميلة نعمة بقوة، محاولةً أن تنقل إليها بعضًا من الدعم، ثم قالت بصوت يملؤه الاستياء من الأوضاع المحيطة: _البقاء لله. ردت نعمة: =ونعم بالله... تعالوا خشوا. خلال سيرهم خلف نعمة، وهايدي كانت جميلة، وأم قمر الدين يستغربان من المظهر البالي للمنزل الريفي، الذي يظهر عليه آثار الزمن والصدأ، مصحوبًا برائحة الطين وفضلات الحيوانات. وكلما نظرا في أرجاءه باشمئزاز كادوا أن يتقيئوا في حين وصل أحمد شادر الرجال، وهناك عبر عن استيائه بوفاة جدته. وقتما وصلت النساء إلى باب منزل خواطر، وهناك دخلوا ووجدوا أم الديب تعول بشدة، وتأكل في نفس الوقت. فقالت: _جعانة ده الجوع كافر يا عيال. ردت أم قمر الدين بتعجب في نبرة صوتها، محاولةً أن تستوعب مشاعر أم الديب: =مش معقول يا أم الديب انتي بتاكلي وبتعيطي في نفس الوقت؟ أجابت أم الديب بانتحاب: _اقعدي يا ست هانم ارتاحي انتي وجميلة. أطلقت سعاد صرخات مدوية، وهي تتحدث بلهجة مليئة بالقهر، قائلة: =ياما هتوحشينا ياما. نهضت أم الديب وجذبت النساء الجالسات على الأريكة بعنف، ثم قالت بأسلوب خالٍ من الذوق: _قومي يا ولية منك ليها هي البعيدة مابتفهمش؟ ست هانم ومرات ابني جم وانتي لسه لازقة؟ ردت السيدة باستفهام من أسلوب أم الديب المفاجئ: _ايه يا أم الديب مالك هما أحسن مننا في ايه؟ تفوهت أم الديب بشر: =آني هقولك أحسن منك في ايه! بدت أم الديب وكأنها قفزت فجأة فوق السيدة، موجهةً ضربة قوية نحوها، مما أثار صرخات النساء بصوت متزايد وعالٍ، بينما تحركت نعمة، وليالي بسرعة كبيرة لمحاولة التدخل وفض الاشتباك العنيف الذي نشب، في حين بقيت أم قمر الدين وجميلة واقفتين في مكانهما، مصعوقتين من المشهد غير المتوقع الذي تتكشف تفاصيله أمام أعينهما. يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة