الفصل الحادي والعشرون

الفصل الحادي والعشرون

13 0

كان عم سلامة، ذلك الرجل الذي عرف بطيبته، وبساطته، يتنقل بين أشرف، وحامد، بينما كانت ليالي، وجلال تتعالى ضحكاتهم في الأرجاء، معبرين عن لهوهم ومشاركتهم في ذلك المقلب. في حين، كان بقية الحضور يغرقون في بحر من عدم الفهم، وكأن ما يحدث أمامهم هو لغز محير، وفي خضم تلك الأجواء المرحة، صاح عم سلامة بدهشة: _انتي بتضحكي ليه يا ليالي؟ تفوهت ليالي، بضحك نابع من أعماق قلبها، وكأن سعادتها لا حدود لها، وقالت بمرح: =ألف هنا وشفا على قلبك يابا. قال عم سلامة بعجيج: =هو في ايه؟ أشار جلال إلى الكاميرا وهو يضحك، كأنه فنان يرسم لحظات الفرح بضيافة ابتسامته، وكلما تسللت ضحكاته عبر العدسة، أضاء المنزل ببريق فكاهي حيث قال: _بص قدامك يا حمايا واضحك للكاميرا! تفوهت تباهي بتعجب: =هو في ايه؟ قال جلال، بمزاح يتردد صداه في المكان، وصوته يعزف نغمة من البهجة: _عاملين فيكم مقلب...أصل أنا بالصلاة على النبي فتحت قناة على البورنامج الأحمر ده، وبدأت اتشهر أنا وبتك وبكرا الزهر يلعب معانا ونشتري الفيلا. نطقت هبة بدهشة: =فيلا مرة واحدة؟ وبعدين ده برنامج ايه؟ أجابت ليالي، بهزل ينبع من قلبها، والسعادة تتدفق من شفتيها: _اليوتيوب... أصلنا عملنا قناة وجابتلنا مشاهدات كتير أوي. تفوه عم سلامة بعجيج: =بقولك ايه يا جلال أنا الكلام ده مياكلش معايا، ده كلام ميدخلش عقل عيل صغير... ايدك متتمدش على ليالي تاني، وإلا قسمًا عظمًا ما هعمل حساب لحد فيكم. تلفظ جلال بضحك: _ما تهدى يا حمايا وأقعد، بقولك مقلب! نطق أشرف، بامتعاض في نبرة صوته، وكأن الغضب يتفجر من أعماق روحه، وقال بصوت قاسٍ: =أنتوا فيكوا حيل للحوارات بتاعة النت دي؟ جلس عم سلامة متأملًا، وبعد لحظات من الحيرة، انكشف أمامهم أنها مجرد مزحة. همست ليالي بضحك هستيري، كما لو أنها عازفة على أوتار الفكاهة، وبدأت تنغمس في ضحكاتها كموسيقى تعزف ألحان الفرح: _ضحكتني يابا، كلوا كلوا...هو جلال يقدر يستخسر فيكم حاجة؟ قالت تباهي بكمد: =ربنا يهديكوا. في الطابق السفلي في شقة أم الديب، وقفت هناك، واستنشقت الهواء قرب نافذة المنور، تنصت بفضول على أصوات العائلة. لكن القدر قرر أن يكشف لها أمورًا لم تكن تتوقعها حين دخلت ابنتها هايدي. ارتبكت أم الديب في الحال، متنكرة وكأنها تقوم بمهام في المطبخ، وفي لحظة من الشك قالت هايدي: _انتي بتعملي ايه؟ نطقت أم الديب، بقلق في نبرة صوتها، وكانت مغمورة بمزيج من التوتر: =انتي جيتي امتى يا بت؟ أجابت هايدي بترصد: _من شوية...خالتي بتقولك روحيلها البيت هناك علشان في ستات كتير جم. فجأة، تذكرت أم الديب والدتها المتوفية، تلك المرأة التي كانت تمثل لها العالم بأسره، فغمرها شعور عميق بالحنين، والافتقاد. لم تستطع أن تسيطر على عواطفها، فرفعت يديها إلى السماء، والدموع تملأ عينيها، وصاحت بصرخة الحنين، قائلة بكل قوة، وكأنها تناجي السماء: =يا لهوي ياما يا حبيبتي، هتوحشيني ياختي، اتخطفتي مننا بدري... يا خرابي. خرجت أم الديب من باب الشقة، وكانت في حالة من الاضطراب العاطفي الذي لا يمكن تجاهله، فيما كانت هايدي تضحك بذهول من التحول السريع في مشاعر والدتها، التي انتقلت من حالة السكون إلى النواح في لحظات قليلة. واصلت أم الديب مسيرتها بسرعة، متجاوزة عتبة المنزل بأكمله وهي تنوح بألم. بينما كانت هذه المشاهد تتكشف أمامها، قالت هايدي، وهي تضحك بمرح مختلط بالدهشة: _ربنا يصبرني على اللي أنا مستحملاه ده. فيما كانت أم الديب لا تزال تتأفف من شدة الشجن الذي يعتريها، خرجت من البيت بخطوات سريعة، حتى صدح صوتها في الحي، وهي تنادي نساء القرية بقوة حيث وقفت في منتصف الساحة، وقالت بإعوال: =صوتي يا ولية منك ليها! نطقت نساء القرية بصراخ: _يا لهوي... يا لهوي. نامت أم الديب على الأرض، وكأنها تبحث عن ملاذ في رحم الطبيعة لتخفف من آلامها، وسحبت التراب بيديها المرتجفتين، تضعه فوق رأسها بشكل يرمز إلى الافتقار، وفي تلك اللحظة المؤثرة، بدأ باقي النساء في القرية يتبعنها بحذر، تأثرًا بما رأت أعينهن وبما شحنته مشاعرهن. تجمعن حولها، وهن يصرخن بصوت واحد عالٍ، ممزوج بين نبرات الحزن العميق، والتأثر الجلي، فنطقوا في آنٍ واحد: =يا خرابي. خرجت هايدي من البلكونة وهي متألقة بضحكتها القوية، ثم انضمت إلى جلال، وليالي. فقالت ليالي بابتسامة سعيدة: _تعالي يا هايدي، سلمي على أمي، وأختي هبة. عانقت هايدي تباهي، وهبة، بابتسامة بسيطة لكنها مغمورة بالبغضاء، وكلماتها تتسرب من بين شفتيها بغرور، قائلة: =ازيكم عاملين ايه؟ ردت "تباهي"، و"هبة" في آنٍ واحد: _الحمدلله. بعد لحظات، انطلقت ضحكاتهم كالنسيم، وتبادلوا المزاح. أراد جلال أن يلفت انتباههم بفضائح والدته، فقال بسخرية مختلفة، واندلعت ضحكاتهم تهز كل زاوية من الحديث حينما تلفظ جلال: =ركزوا معايا... أمي ايه بقى؟ كانت تقعد ساكتة وأول ما واحدة من النسوان تدخل، أسمع صويتها اشتغل يا خرابي ويا لهوتي، وأول ما الوقت يعدي تسكت، وأول ما واحدة تانية تدخل ترجع تصوتلك... لأ والنسوان كأنهم بيجاملوا بعض بمين هيصوت أكتر من التاني! لم تكن ليالي قادرة على استعادة أنفاسها وهي تعلوها ضحكات قوية مُتسارعة، وقالت ببهجة: _يخيبك يا جلال، ده أنا نفسي اتقطع من الضحك. تفوه عم سلامة بضحك مَنين، الذي كان يحمل نغمة عذبة، وكأن كل نغمة منه تعبر عن روح مرحة، وقال بحيوية: =أمك ست بتاعة أفلام... ينفع تبقى ممثلة. تلفظت تباهي بقهقهة عالية، تكتنف الأجواء بالسرور، معبرة عن كل شعور بالسعادة النابعة من قلبها، وقالت بصوت يفيض بالخِفة: _أه والله. قال جلال بنبره مُبهجة: =لأ واسمعوا دي... أبويا امبارح دخل ميت من الجوع وجالنا أكل هناك قالهم لا آني هاكل في البيت وواثق من نفسه أوي أصله شاف الأكل اللي حماة أحمد جابته، وعينه لمعت ولما رجع البيت لقى أمي حاضنة الأكل بعد ما خلصت نصه، طب يهديكي يرضيكي يا حاجة وهي تزعقله... قام خاف يحصل ستي فنام جعان ولا قدر يتكلم! انفجرت ضحكات الجميع، حتى امتلأ المنزل بضحكاتهم كأمواجٍ تعلو، وفي تلك اللحظات، وصل حامد إلى ذروة ضحك، كما لو كان يرتقي إلى أعلى قمم الفرح، وقال بينما يتسلق درجات الضحك بابتهاج: _حماتي دي حوار قسمًا بالله. تفوهت نعمة بافترار، ينساب بسلاسة: =كده يا جلال ضحكتني وأنا حزنانة على ستك؟ طب دي كانت قلبها أبيض وحنينة. قال جلال بضحك، يتخلله نغمات من المرح، وهو يحمل معه عبير البهجة: _ستي مين اللي حنينة يا نعمة الله يكرمك؟ ده هي وأمي كانوا بيخططوا للمصايب مع بعض، ده الإتنين دول روس أفاعي. تحدثت هبة بضحك: =ماهي باين عليها إنها مكنتش سهلة. تواصلوا في الحديث، فأمتعتهم اللحظات بضحكات عالية الصوت. أما في منزل والدة أم الديب، فلم يتوقف صداها في أنحاء المكان، حيث كانت تعول، وتعبر في صوتها العالي بينما يتفاعل معها النساء الحاضرات، يرتدين عباءات سوداء، في جو من الصخب، والمشاركة: _وحشتيني ياما...ليه كده يارب؟ دي كانت ست طيبة، وحنية الدنيا فيها، مكنتش تاخد حنفي بدال أمي؟ ردت سعاد بانتحاب: =الله يرحمها. نطقت إحدى النساء بتأثر عميق، وهي تحمل في طياتها كل مشاعر الحزن، وصوتها يرتجف قليلًا: _شدي حيلك يا حاجة. قالت أم الديب بإعوال يعبّر عن كل ما يعتمل في قلبها من عذاب: =كانت زي النسمة، واللي في قلبها على لسانها. ردت إحدى السيدات بسخرية: =ربنا يرحمها ويغفرلها...سيرتها سابقاها مش محتاجة تقولي! في منزل جلال، وليالي، وسط تجمع حميم مليء بالحكايات، نزل الفيديو محملًا بتوقيع يقول: "مقلب لأول مرة في حميا وحمتي". ليس جلال كاتبًا مثقفًا بل بلطجيًا، حيث يعاني من جهل في أساسيات الكتابة السليمة، واللغوية. بينما يكتب جلال بتمعن على الفيديو، قالت ليالي بسعادة لأهلها: _والله أنا ما بصدق إنكم تيجوا، القاعدة بتبقى حلوة وكلها ضحك، وهزار، وفرفشة. تفوهت هبة بارتياح، خارجة بروحها كنسمة خفيفة تهب في يوم صيفي، وصوتها يفيض بالطمأنينة: =دي أحلى قاعدة والله يا ليالي، ربنا يديمها علينا نعمة. قالت نعمة بحب، ينبض بكل دفء وعاطفة صادقة، ونبرتها تتسلل برقة إلى القلوب: _اللهم آمين. نطق أشرف بهدوء، ينم عن تأملات عميقة: =عايزين نسافر يوم كلنا مع بعض. ردت ليالي بتأييد: _طب والله فكرة. وأردفت لزوجها: _ايه رأيك يا جلال؟ قال جلال بإقتناع محمل بالثقة والتأكيد، وصوته يعكس يقينه التام بما يقوله: =وماله نروح نصيف يومين بدل السنة اللي فاتت واللي حصلنا فيها من أمي...ده في شوية شقق في راس البر حلوة. نطق أشرف بابتسامة هادئة: _أكلملكم صاحبي سمسار يشوفلنا شالية يكفينا كلنا. رد عم سلامة بتعجب: =وأنا مين يمسكلي أشغالي الكام يوم دول؟ قال جلال بحنكة، وكل كلمة مدروسة بعناية فائقة، وصوته يفيض بالحكمة: _مجاتش من كام يوم يا عم سلامة... هو احنا بنسافر كل يوم يعني؟ ده هي مرة كل سنة. تلفظ أشرف بثقة ووضوح: =جلال عنده حق...أنتوا إدوني الأوكية وأنا هكلم صاحبي. ضحك حامد، وصفق بيديه في حركة تعبر عن حماسه، ثم قال بمرح: _أيوه يابا بقى... احنا معتمدين عليك في الحوار ده. رد أشرف بابتسامة: =لا متقلقش ده أنتوا هتنبسطوا أوي. في أول يوم لجميلة في القناة، كانت تعاني من الرهبة، والتوتر الشديدين، خاصةً وأنها لم تظهر على شاشة التلفاز من قبل، وكانت تشعر وكأنها تواجه جمهورًا ضخمًا غير مألوف، مما جعل قلبها ينبض بسرعة، ومع ذلك، كان أحمد داعمًا قويًا ومخلصًا لها، حيث قدم لها النصائح بحنكة، ووقف بجوارها بكل دعمٍ، مما أضفى الثقة والقوة على تجربتها الأولى وأعطاها شعورًا بالاطمئنان. في خضم تلك اللحظات الحرجة، قال أحمد بكل دعم: _متخافيش يا جميلة... ده طبيعي لأنك أول مرة تظهري بس بعد كده هتتعودي. ردت جميلة بقلق: =عندك حق... المفروض كنت أعمل يوجا قبل ما أجي، بجد خايفة جدًا وحاسة بتوتر. نطق أحمد بابتسامة دافئة، توضح مشاعر التشجيع، وكل كلمة كان يختارها بعناية لتخفيف التوتر: _متقلقيش صدقيني هتعدي، وأنا متأكد إن أول حلقة هتبقي حلوة جدًا. ثم قبّل يد زوجته بكل حنان، وهو يلمسها برفق، فارتاح قلب جميلة وشعرت بالاطمئنان، فقالت بسكون: =ميرسي على دعمك... أنا هدخل... ادعيلي! قال أحمد بابتسامة: _ربنا معاكي يا جميلة. دخلت جميلة ووقفت لأول مرة حيال الكاميرا، متجاوزةً قلقها وتوترها، بينما كانت أعصابها مشدودة لكنها مصممة على تقديم أفضل ما لديها، وفي تلك اللحظة الحاسمة، نطق المخرج بصوت موجه، وهو يهدف إلى تعزيز ثقتها، قائلًا: =يلا نبدأ...واحد... اتنين... تلاتة... أكشن! وقف أحمد خلف الكاميرا، عينيه تتبعان كل حركة، وأداء لزوجته، وهو يطمئن على تقدمها، يشعر بالفخر العميق والسعادة الكبيرة لتحقيق حلمها أخيرًا بعد كل تلك الصعوبات التي واجهتها في البداية. بالرغم من كل المعوقات التي ظهرت في طريقها، إلا أن مقاومتها كانت حافز كبير على تجاوز مخاوفها، ومع كل خطوة تخطوها، كان يظهر بوضوح كيف أن عزيمتها قد حولت التحديات إلى نقاط قوة، حتى نطقت جميلة بكل ثقة، وكلماتها تحمل في طياتها قوة الإصرار: _مساء الخير أو صباح الخير حسب التوقيت اللي هتشوفوني فيه... النهاردة أول حلقة لينا في البرنامج، أحب أعرفكم بنفسي أنا جميلة باسم وعندي ستة وعشرين سنة... أم وعندي بنتين، خريجة إعلام، النهارده هنتكلم عن آخر الأخبار حوالين العالم. وتابعت بلباقة: _انخفضت درجات الحرارة لمستويات قياسية، كما اجتاحت رياح قوية شمال شرق الولايات المتحدة، السبت، ما تسبب في أوضاع تشكل تهديدًا للحياة، وفقًا لوكالة "رويترز". وتعرضت منطقة ماونت واشنطن بولاية نيو هامبشير، خلال الليل، لرياح باردة، انخفضت فيها درجة الحرارة لأقل من 78 درجة مئوية تحت الصفر. في ذات اللحظة، كان جلال، وليالي يفتحان القناة على شاشة التلفاز، ليجدوا جميلة تتألق على الهواء. وقفت بكل أناقتها، تحدثت بلغة طلقة. اشتعلت ليالي بلهيب الغيرة، ولم تتحمل عندما شعرت بأنها حققت حلمها، وفي هذه اللحظة العاصفة، كانت ليالي ثابتة في مكانها، ومن شدة انفعالها نطقت بصياح: =اقفل الزفت ده يا حمود..فين الريموت؟ تساءلت تباهي بدهشة، وكأن كل حرف من كلماتها كان يحمل مزيجًا من الاستغراب: _هي مش دي سلفتك؟ أجابت ليالي بغيرة نارية، وهي مشحونة بشعلة من الحنق: =أه هي... احنا أساسًا ملناش في الأخبار، اقفلوا الزفت ده! بالرغم من انفعال ليالي، تألقت نعمة باعتزاز وهي تعبّر عن إعجابها بمظهر جميلة على الشاشة، كما لو كانت كلماتها لوحة فنية تعكس فخرها: _متقفليهوش... الله عليكي يا جميلة طب والله زي القمر... اسم الله عليها تتحسد. كانت هبة تتفق مع أختها على كراهية جميلة، حيث كان واضحًا دائمًا أن الغيرة تزداد تجاه من يتفوق عليها في مجال معين، وكأن العين لا تستطيع أن تتحمل رؤية الأفضل منها. كانت قلوبهم مليئة بالحسد، ولا يتسامحون مع نجاح جميلة، التي بدت لهم كعائق مستمر في طريقهم، وبهذه المشاعر المشحونة، قالت هبة بكلام مشحون بالكراهية: =تتحسد على ايه يا نعمة؟ هو يعني مفيش غيرها؟ ما القنوات والمذيعين ماليين الدنيا، عادي يعني. كان حامد يعيش في إعجابٍ عارم بجمال جميلة، حتى نسي بلحظة مميزة أن نعمة تمثل رابطًا قويًا بينهما، إذ يُشكلون أسرة مليئة بالزواج والأطفال، وفي لحظة تفوق فيها الشغف وتجاوز حدود اللفظ، قال بتهور: _مرات أخوكي جامدة أوي يا نعمة... دي مكنة، مش حرام يسيب الحلاوة دي كلها تظهر للعلن كده؟ عندما سمعت نعمة هاتين الكلمتين، انقلبت فجأة على الوجه الآخر وتحولت إلى وحش قاتل، وكل مظاهر الهدوء واللطافة التي كانت تتسم بها تلاشت تمامًا. تملكتها مشاعر الامتعاض، وشرارة الانتقام تلمع في عينيها، وهي تصيح فيه بصوت عالٍ، يتردد في الأرجاء، قائلة: =اتعدل يا حامد.. مالك ومال جميلة مرات أخويا؟ نطق حامد بغرام، وعبير الشغف يفيض بدفء المشاعر: _مش قصدي يا نعومي. ثم ضمّ شفتيه لبعض، وقال بنبرة فاسقة، تعكس مزيجًا من الاستهزاء، والازدراء: _بس هي جامدة أوي. صرخت نعمة بصدمة: =لم نفسك وعدي اليوم متخليهوش يوم أسود! لم يتردد جلال في النهوض بسرعة، مستجمعًا كل شجاعة بداخله، ثم أطلق صرخة مدوية في وجه حامد، تعبر عن سخطه العارم وعدم رضاه، وصوته كان يملأ المكان بالشدّة، وهو يصرخ بحسم: _ماجرا ايه ياض؟ هو أنا نعمة أختي كيس جوافة؟ لو مش مالية عينك قولي وأنا أخزوقهالك بإيديا دول! استخرج جلال المطوى ووجّهه نحو الحائط، عازمًا على الاعتداء، فانتفض الجميع بسرعة، بما في ذلك ليالي التي امتدت يدها لتسحب زوجها، وهي تعلو بصرخة قوية: =لا يا جلال سيبه، احنا مش حمل مصايب! قالت نعمة بعجيج: _والله مانا قاعدالك فيها. صعدت نعمة إلى شقتها، وبينما هم يتبعونها، وهبة، وليالي يرغبون في مساعدتها في حل مشكلتها قبل أن تتفاقم، وفي تلك اللحظة الحساسة، كانت نعمة تصعد درج المنزل، ودموعها تتساقط بغزارة، مذهولة من أن زوجها يعجب بزوجة أخيها، ويعبر عن اعجابه في وجهها دون أن يأخذ في اعتباره مشاعرها. سحب عم سلامة جلال من يده، وهو يحاول تهدئة الموقف، قائلًا: =أقعد يا راجل منك له... أقعد! غضب أشرف بشدة من اعتداء جلال على أخيه، فامتلأت ملامح وجهه بالتجاعيد من قوة الاحتدام، وارتفعت نبرة صوته، تعكس كل استياءه، وقال بصوت قاطع: _ايدك متقربش من حامد أخويا! قال جلال بصياح، وقد ارتفع عجيجه بشكل لافت، تعبيرًا عن شدة غضبه: =أخوك مش متربي، عمال يتكلم على مرات أخويا ومش عامل حساب لأختي. نطقت تباهي بقلق: _معلش طولوا بالكم شوية. وأردفت لحامد بروح الأمومة التي كانت مملوءة بالعطف، وعينيها تعكسان اهتمامًا عميقًا: _وانت يا حامد مكنش يصح اللي قولته! خرج حامد من المنزل وهو شاجن، يصيح بكلماته كالرعد، تتجلى فيها الانفعال، فتتلألأ مشاعره في صيحاته المتأججة: =أنا رايح بيت أمي... دي كانت غلطتي إن متجوزتش في بيتنا، أهو كل ما حاجة تحصل ميبقاش ليا عين أتكلم، مانا غريب وسطكم. خرج عم سلامة عقب حامد، وقال بصوت عالي، يتسم بالوضوح: _اصبر يا حامد...أنتوا أهل مش ناس غريبة! نطق جلال بلا مبالاة: =مع ألف سلامة يا عم، انت هتذلنا؟ خرج أشرف خلف أخيه وهو غاضب مما حدث له، وقال لحماه باستنكار: _أنا ماشي يا عمي... يلا سلام. قال عم سلامة بنبرة جلفة: =يرضيك كده يا جلال؟ أشار جلاله بيده في الهواء كأنه غير مبالٍ، وكانت نعمة تُجهش بالبكاء، وليالي، وهبة جالسات بجوارها ليواسوها. كانت في حالة صعبة لا يحتملها أحد، حيث تتخبط يديها في فخذيها، وتعلو بنواح يعبِّر عن مدى الضيق الذي تمر به: _ده أنا قولت أخرج من موت ستي ونفسيتي اللي زي الهباب، ملحقتش أتهنى طلعلي حامد بمشكلة جديدة. وضعت ليالي يدها على كتف نعمة، وهي تشعر بمدى معاناتها، وتفهم حجم الألم الذي تعانيه، حيث كان لمسة يدها تعبر عن التعاطف. ثم قالت بحزن، وصوتها ينساب برقة: =معلش يا نعمة حقك عليا. تفوهت هبة بسخط مشبعًا بالاستياء، وصوتها يفيض بنبرة من الكراهية: _بصراحه جوزك غلطان أوي. بقى دي يبصلها؟ ده مين قالك إنها حلوة؟ ده كلها نفخ وعمليات تجميل مش زينا احنا جمالنا رباني. قالت ليالي بتأييد، وكأن كل كلمة نطقت بها كانت تعكس دعمها الكامل، وإيمانها بما تقوله: =قوليلها يا هبة. وأردفت لنعمة بمكر: =جوزك هو اللي غلطان... مش فاهمة شايفها حلوة من أنهي ناحية؟ وواصلت لهبة بغُلول: =مش بذمتك يا هبة...شكلها مش اللي هو؟ تلفظت هبة بتأييد: _أيوه يا ليالي مانا بقول أهو. قالت نعمة بانتحاب: =ماشي يا حامد أنا مش هسكتلك ياخويا على اللي انت قولته ده...بقى على آخر الزمن يبص لمرات أخويا؟ ردت ليالي بشحناء، وحديثها كان يوضح تذمرها العميق، ونفاذ صبرها: _سيبك منه هو الخسران. في شقة جلال، بينما كان يُمسك بهاتف ليالي، اكتشف فجأة أن الفيديو الذي شاركوه قد حقق عشرين ألف مشاهدة، مما شكل لحظة من الفرح البالغ، والتفاؤل. كان وجهه يتلألأ بالابتسامة، وملأته مشاعر الانتصار التي صعب احتواؤها. فانبثقت من أعماقه كلمات تملأ الكون بالفرح، وكل حرف يعبر عن قمة سعادته، واعتزازه بالإنجاز الذي تحقق، حيث قال بصوت يفيض بالحماس: =أوبا... هنلعب بالفلوس لعب يا حمايا. رد عم سلامة، وهو يحاول أن يستفسر عن تلك الفكرة: _ربنا يزيد ويبارك...بس انت هتاخد فلوس ازاي من التلافون ده؟ أجاب جلال بحيرة: =مانا مش فاهم الصراحة، بس هايدي فاهمة في الحوار ده وهتبقى تفهمني كويس. تفوهت تباهي بابتسامة: _ربنا يديكم ويرزقكم من حيث لا تحتسبوا. بعد نصف ساعة، اكتشفوا وجود أم أشرف داخل منزل أم الديب، لأول مرة منذ ساعة زواج نعمة من ابنها. يظهر أنها جاءت بطريقة توحي بحدوث نزاع قوي أو محاولة استرجاع حقوق ابنها. وقفت تباهي متعجبة عندما دخلت أم أشرف شقة جلال، معبرة بلغة تعبيرية عندها تعجب حيال الوضع، وقالت بصدمة: =ايه ده ام أشرف؟ انتي جايه هنا تعملي ايه؟ ردت أم أشرف بحدة: _أنا جاية أقول كلمتين لنعمة. قال عم سلامة بتبجيل: =ما تقعدي يا أم أشرف ترتاحي وهنبعتلك حد يجيب نعمة من فوق. نظرت أم أشرف بكراهية لجلال، ورفعت حاجبها بانزعاج، ثم قالت بنبرة رافضة: _وأنا أقعد ليه؟ كان صاحب البيت قالي أقعدي؟ تلفظ  جلال باستهزاء: =أقعدي يا أم حمو... عايزة نعمة في ايه؟ قالت أم أشرف باعتراض: _مش قاعدة، وهما كلمتين و رد غطاهم...نعمة لو عايزة تعمر في الجوازة وتخلي المركب تمشي يبقى من النهاردة يفكوا عفش بيتهم ويجوا ينقلوا عندنا...أنا ابني يعيش معانا في بيت أهله، هو راجل البيت مش نعمة أختك، ولو كان وافق فعلشان ميكسرش بخاطرها لكن انسوا إن ابني يقعد في البيت ده تاني! نطق جلال بسخرية خاملة بكلمات تهكمية تحمل في طياتها استهزاء: =هو ننوس عين أمه لحق يقولك؟ ده لسه نازل من باب البيت! اقتربت تباهي من أم أشرف، وقالت لها بابتسامة هادئة: _استهدي بالله يا أم أشرف... متدخليش نفسك في مشاكل ابنك ومراته، هما يحلوها مع بعض. أجابت أم أشرف بإحراج: =انتي على راسي يا أم ليالي... ربنا العالم أنا بعزك قد ايه... بس ده كلامي وأنا قولته ومش هعيده تاني! بعد أن انتهت أم أشرف من تلقين جلال الدرس، خرج جلال عن صمته، واندلع صوته بسُخط ملحوظ، وصرخ في وجهها: _محدش غصب ابنك يقعد هنا...نعمة قالتله نعيش في بيت أمي وهو وافق بمزاجه، وبعدين مالك جاية مشحونة كده ليه عدم اللا مؤاخذة؟ قالت أم أشرف بصياح: =أنا قولت كلمتين وهتوصلهم... سلام. خرجت أم أشرف من المنزل وسط جو من السخط العارم الذي يتجاوز حدود الغضب من عائلة أم الديب، حيث كانت مشاعر الاستياء تتصاعد كعاصفة هوجاء، مما جعل الأجواء مشحونة بالتوتر، ومع تصاعد هذه المشاعر، ناداها عم سلامة بصوت ينطلق بوضوح، يعكس كل درجة من درجات الاحترام التي كانت تخيم على الموقف: _استني يا أم أشرف! تنهدت تباهي، وكل زفرة كانت تحمل معها عبء التأثر، ثم قالت بحزن، وصوتها ينساب برقة: =كبروا المواضيع على حاجة تافهة. نطق جلال بضجيج: _ابنها عيل مش تمام وقاعد يتغزل في واحدة غريبة، أنا نعمة أختي ست الستات ومتنقصش حاجة عنهم ولو حد عنده كلام غير اللي أنا قولته... يجي يقولهولي ويشوف أنا هعمل معاه ايه! تفوه عم سلامة باستياء : =اهدى بس يا عم، بوظتولنا القاعدة ما كانت حلوة! جلس جلال على مقعده، وعيناه تعكسان توتره، ثم قال بعصبية: _حامد هو اللي بوظها...احنا كنا ساكتين. تلقت هبة مكالمة هاتفية من زوجها، وفي نهاية الحوار، ختمت بعبارة تنم عن تقديرها له: =طيب أنا نازلة... سلام. وقفت هبة وهي تحمل ابنتها، فشاركتها ليالي بالوقوف هي الأخرى، وفي وقت من التعجب، قالت ليالي بدهشة: _رايحه فين يا هبة؟ أجابت هبة بقلق: =حماتي تحت... هنروح مع بعض. تفوهت ليالي بصدمة جسيمة: _تحت؟ ده عمرها ما عملتها، غريبة يعني. قالت هبة بتشوش: =بصراحة حاسة إن في حاجة أصل أشرف صوته متغير... يلا أدينا هنعرف. نطقت ليالي بهاجس: _ربنا يجيب العواقب سليمة. عانقت هبة أختها بحب، كأنها تسعى لإضفاء لمسة من الأمان على قلبها، ثم قالت بمشاعر صادقة: =يارب...يلا سلام. تفوهت ليالي ببشاشة خافتة: _سلام. عانقت هبة نعمة بدفء أخاذ، وكل لمسة من عناقها كانت تعبر عن مشاعر عميقة من التعاطف. ثم قالت لها بتأثر واضح، يعكس مدى تأثرها بما حدث لها من ترح: =سلام يا نعمة... متزعليش نفسك وانسي اللي حصل! نطقت نعمة بقهر: _ماشي يا هبة مع ألف سلامة. نزلت هبة، وابنتها، وزارت عائلة جلال في شقته. فعانقت تباهي وبينما تستعد للمغادرة، قالت لها بعبارة الوداع: =أنا ماشية ياما. ردت تباهي بدهشة، وعينها تتسعان من الاستغراب، وهي تقبل رأس حفيدتها باحتواء، وكأن قبلة رأسها كانت تعبيرًا عن مدى اعتزازها بها: _ماشية رايحه فين؟ تلفظت هبة بتشوش: =حماتي تحت هنروح مع بعض. نهض عم سلامة مكانه، ووقوفه يتسم بالجدية، ثم قال بثبات: _طب واحنا قاعدين ليه؟ قومي نروح احنا كمان. بعدما وقف عم سلامة، وزوجته، أردف لجلال وهو يعانقه قبل الوداع بكلمات تعبيرية، تنم عن العلاقة القوية، والمشاعر الصادقة: _يلا عاوز حاجة يا جلال؟ رد جلال بحب: =لا سلامتك يا حمايا... أنزل أوصلكم؟ قال عم سلامة برفض: _لا مش مستاهلة ارتاح انت... السلام عليكم. عانق الأطفال جدهم، وجدتهم، في حين رد جلال التحية بملامح من الاحترام، يرسم بذلك صورة جميلة للتواصل بين الأجيال: =وعليكم السلام... مع السلامة يا حماتي. أشار حمود بكفيه الصغيرين في الهواء، وفي مشهد مؤثر لفراق جده وجدته، قال بحزن ملحوظ: _سلام يا ستي. قالت تباهي بحب: =مع السلامة يا حبيبي. وقف جلال مع أبناؤه على الدرج حتى نزلوا، ثم دخلوا الشقة، وبعد لحظات نزلت نعمة، وليالي. حينما نطقت نعمة بصوت حاد، تجلى فيه الامتعاض، كأنما كانت الكلمات تنبعث منها بحدة: _حماتي كانت هنا عايزة ايه؟ تحدث جلال بصياح: =جاية عمالة تخرف، دي ولية خرفانة ودماغها تعبانة...عاوزة ابنها يعيش معاها في بيتهم ومش عاجبها قعدته هنا وسطنا. نطقت نعمة بصدمة: _أنا مستحيل أروح هناك يا جلال مانت عارف إنها بتكرهني وتطيق العما ولا تطيقنيش. قال جلال بلا مبالاة: =كبري دماغك منها يا نعمة. جلس جلال على الأريكة، مسترخيًا بينما أخذ يتابع آخر التطورات عبر الموبايل بتركيز، وملامح وجهه تعكس اهتمامه الكبير بما يحدث. جلست ليالي بجانبه، ووجهها يعكس تساؤلًا، ثم قالت لنعمة بتعجب، وصوتها يحمل نبرة من الاستفهام: _وهتكرهك ليه بس هو انتي بتعمليلها ايه؟ ردت نعمة بوجه عابس، وكل تجاعيد وجهها معبرة عن الاستياء: =أهو كده كره لله في لله، وهي مين يحبها؟ انتهت نعمة من حديثها ولمحت إلى أن أم الديب صاعده إليهم، تعاني من الوحدة بعدما اجتمعت كل العائلة في الشقة. فقالت بكمد ينبعث منه طابع الاحتقان: _ايهي يخيبكم الشقة فاضية عليا وأبوكي معرفش غار فين. لاحظت أم الديب الصمت المفاجئ الذي حل على الجميع، وكأنه ثقل غير متوقع قد غمر المكان، فتجمدت مشاعرها في تلك اللحظة. ثم قالت بدهشة من هذا الهدوء الغير معتاد: =مالك يا بت في ايه؟ كانت نعمة على دراية كاملة بأنها إذا حكت عن ما حدث لأم الديب، ستقوم بمواجهة أم أشرف، وحامد، وربما تقترف جريمة. لذا كان الكذب هو الحل الأمثل في هذا الموقف. مسحت دموعها وقالت بنبرة حزينة، وكأنها تلوح في فضاء المأساة: _كنت بعيط على ستي أصلها هتوحشني أوي. كأن أم الديب تحاول الانتحاب بأي طريقة، حيث بكت دون دموع، وقالت بشجن: =يا أمي يا غالية، هروح البيت مش هلاقيكي قاعدة هناك... ده البيت بقى فاضي أوي يا عيال. قالت ليالي بكراهية: _الله يرحمها ويغفرلها. وسط كل هذا الحزن، صوبت أم الديب نظرها نحو الحلويات الموضوعة فوق الطاولة، وقالت بإشتهاء، كما لو كانت تحاول التغلب على الألم بالاستمتاع بلحظة حلوة، فتحولت الكلمات إلى لحظة من الإغراء: =ايه الحاجات دي كلها؟ كنتي حاطة كل ده لأهلك يا بت؟ أجابت ليالي باشمئزاز: _أه وأنا لو محطلهمش كل ده أحطه لمين؟ تفوهت أم الديب بنظرات ماكرة: =ايهي تحطيه لحماتك، ده آني صوتي اتنبح من الصويت ومحدش هاين عليه يشربني بؤ مايه. أمسكت أم الديب طبقًا كريميًا لذيذًا وأكملت تناوله، ثم التهمت ما بعده بشراهه. صوت فمها أثار الاشمئزاز بين الحضور، حيث أبدت ليالي تمنيها لو كانت قادرة على وضع السم في الطبق للتخلص منها ومن شرها، وقالت ببغضاء، كأنما تنقل حالة من الاستياء، والرغبة في التخلص من وجودها: _بالهنا والشفا يا حماتي. قالت أم الديب بنظرات غاضبة، بينما هي تتناول الكريمة بالملعقة. كانت عينيها تتفجران من السخط، وكأن كل لمسة للكريمة تعكس مدى انزعاجها، وقالت بصوت مشبع بالتجهم: =ماسخة ملهاش طعم. تفوهت ليالي بسخرية: _أمال لو كان ليها كنتي عملتي فينا ايه؟ قالت أم الديب بشناءة: =مش حلوة. تلفظت نعمة بضيق: _أنا طالعة... عايزين حاجة؟ ردت أم الديب: =خديني معاكي. قبل أن تصعد أم الديب مع نعمة أمسكت طبقين إضافيين وأخذتهما، وفي هذه اللحظة، كانت ليالي على وشك البكاء، حيث لاحظت أم الديب خوفها، وبصوت حاد، قالت لها، معبرة عن اضطرابها في هذه اللحظة الحساسة: _متخافيش يا بت هنزلك الأطباق مع العيال. هربت أم الديب بأطباق الكريمة، تاركة وراءها حالة من الفوضى بين الأسرة، مما دفع حمود إلى الانفجار في لحظة من الاحتدام. بعد أن اكتشف سرقة الحلوى الخاصة به، صرخ بأعلى صوته، وتملكت منه مشاعر السخط العارم، فقفز في الهواء، وهو يعبّر عن استياءه الشديد والفوري من فعلها، مما جعل الصرخات تتردد في أرجاء المكان كإشارة واضحة لرفضه، واستنكاره لما حدث: =ياما...دي كلت الطبق بتاعي! ردت ليالي بكمد: _قعدت أقولك كُل كُل... قعدت تدلع لحد ما هي جات خدته. قال حمود بصياح: =أنا عاوز طبقي، مليش فيه! تلفظ جلال بعجيج: _عشان متسمعش كلام أمك بعد كده، استحمل بقى! في منزل أم أشرف، بعد وصولهم، صعدت هبة وزوجها أشرف إلى شقتهما. أما حامد ووالدته فدخلوا الشقة، حيث كانت تُبث الأفكار الشيطانية في عقل ابنها ضد زوجته، وبعدما جلست على الأريكة وقامت بخلع حجابها لتخفيف من حرارة الجو، هتفت بصوتٍ عالٍ، كأنها تعبر عن اعتراضها، مترجمة بأصواتها إلى حد كبير الضغوط النفسية التي تعيشها: =كان يوم أسود...أنا ازاي طاوعتك وخليتك تتجوز مقصوفة الرقبة دي؟ أنا ابني راجل وسيد الرجالة أخليه يتعامل معاملة النسوان؟ تقعد في بيتهم ليه؟ماله بيت أبوك؟ ماهو زي الفل والشقة واسعة يرمح فيها الخيل... مش الشقة الحُق الأوضة وصالة دي. رفعت يديها للسماء، وهي تطلب العون من القوى العليا، وهي تواصل بكل مرارة، وكل كلمة كانت تنبع من أعماق الألم الذي يعصر قلبها. تملكتها مشاعر الانهزام، وصوتها كان يفيض بالأسى: =أدعي عليكي بإيه يا بسمة انتي وبتك؟ أشوف فيكم يوم بحق جاه النبي. تحدث حامد بضيق عارم: _خلاص أنا مش ناقص، أنا فيا اللي مكفيني...عندك كلمة حلوة قوليها ياما، معندكيش يبقى سيبيني في حالي! لم تكتفِ أم أشرف بتأنيب ذات ابنها والتوقف عن الحديث السلبي والانتقادات الموجهة إليه، بل قالت بندم، وحزن مؤثرين: =كان نفسي تطلع زي أخوك بتفهم ومخك نضيف... إنما قدري ونصيبي الأسود، طالعلي زرع شيطاني، نفسي أعرف جايب المخ ده منين؟ طبعًا ما هي اللي ماتتسمى لحستلك مخك بالكلمتين الحلوين ومشيت وراها زي الدهول وفي الآخر ركبت هي وأمها ودلدلوا رجليهم! دائمًا يعيش حامد في صراعات نفسية، وسط مقارنات والدته المؤلمة بينه وبين أخيه الأكبر، حيث تعتاد والدته على التقليل من شأنه، راهنة على أنه بلا هدف في الحياة وليس له فائدة، على عكس أخيه الطموح الناجح. كان هذا الواقع يؤلمه ويثير حزنه، حتى أنه لا يطيق التفكير فيه، وقد عبّر عن ذلك بصراخ حزين: _انتي هتفضلي لحد امتى تقللي مني؟ هو أنا ايه مش ابنك؟ ولا أشرف هو الوحيد اللي ابنك اللي مخلفتيش غيره؟ لكن أنا حمار وغبي ومبفهمش. ردت أم أشرف بصياح: =عشان غبي وسايب شوية بقر يضحكوا عليك...اسمع يا حامد... يا تعيش في بيت أبوك يإما لا انت ابني ولا أعرفك، وهفضل غضبانة عليك ليوم الدين! في مكتب أحمد، بعد انتهاء الحلقة التلفزيونية الناجحة، كان يجلس مع جميلة وهو يمدها بالحيوية، والطاقة الإيجابية،فقال بهوى: _كنت متأكد إن الحلقة هتكون حلوة جدًا. أجابت جميلة بفرحة مليئة بالسعادة، وصوتها يفيض بالبهجة: =أديني شرفتكم ورفعت راسكم. تلفظ أحمد بابتسامة فخر، وكل تعبير من وجهه كان يحمل بين طياته شعورًا عميقًا بالاعتزاز. كانت الابتسامة تعكس مدى افتخاره، وصوته كان ينساب برقة، وهو ينطق بكلمات راضية: _عقبال كل حلقة، وان شاء الله هنكون رقم واحد. تفوهت جميلة برقة: =ان شاء الله...طيب يلا نرجع البيت، أنا سايبة أسيل من بدري مع البيبي سيتر وبصراحة بدأت أقلق. نهض أحمد وجميلة، فأراد أن يطمئنها على ابنتها حيث قال بلُطف: _لا متقلقيش محدش يقدر يلعب بديله معانا من النهاردة... ده الوضع اختلف جدًا. كانت جميلة فخورة بكل ما فعله والدها من أجلهم، حيث تنهدت بحب، وقالت بفخر: =بابي ربنا يخليه لينا بجد دايمًا بيسعى إنه يشوفنا في أفضل حال! أخذ أحمد هاتفه، ومفاتيحه من على المكتب برفق، ثم وضع يده بحنان على كتف زوجته وهو يعانقها بعشق، ثم خرجوا معًا، فقال بتفاؤل: _أنا في حياتي مقابلتش حد زيه... ده راجل عبقري ودماغه في حتة تانية خالص. تلقت جميلة مكالمة من والدها، فضحكت بسرور، وقالت بابتسامة: =بابي جه على السيرة. بعدما استجابت للمكالمة، أردفت بكلمات مليئة بالجدية، وكل جملة نطقت بها كانت تعكس التزامها، واستعدادها للتعامل مع الموضوع المطروح، ووجهها يعبر عن التركيز، وقالت بهدوء: =ألو يا حبيبي وحشتني. تلفظ باسم بابتسامة: _وانتي أكتر يا جميلة يا حبيبتي...انتي كنتي هايلة أوي النهارده. ردت جميلة بسرور: =ميرسي يا حبيبي، كله بفضل ربنا أولًا ثم فضلك انت. قال باسم ببهجة، وكأن نبرة صوته كانت تحمل معها إشراقة الفرح: _عايزين نستمر في الأداء ده عالطول! تلفظت جميلة بابتسامة حب، وكل تعبير من شفتيها كان يحمل بين دفء المشاعر، وصدق العاطفة: =أكيد انت بس ثق فيا وهتشوف. تحدث باسم ببشاشة: _أنا واثق فيكي، لأن ببساطة ولادي مبيعملوش حاجة وحشة. كانت نعمة جالسة على الأريكة باستياء، مظهرة حالة الانزعاج والترقب لمستقبلها مع زوجها. في الوقت نفسه، وبينما انتهت أم الديب من تناول ثلاثة أطباق من الكريمة، دخلت المطبخ بحثًا عن الكحك. لم تفهم أم الديب سبب شهيتها المفرطة، فضربت يدها بقوة على صدرها، وقالت بغضب متزايد: =يا خرابي هو آني جرالي ايه؟ وبعدما أحضرت الكعك، والبسكويت، لتجعل الطاولة تنبض بمظاهر الحلاوة، خرجت إلى حيث كانت نعمة جالسة في مكان هادئ، وجلست بجوارها بتؤدة، محاولة أن تبعث في المكان شعورًا بالراحة، وواصلت حديثها بنبرة ملآنة بالاهتمام: =انتي يا بت... أمال جوزك هيجي امتى؟ قالت نعمة بوجه عابس: _معرفش. تلفظت أم الديب بتساؤل: =مالك يا منيلة في ايه؟ أجابت نعمة بتعاسة: _مفيش حاجة ياما. قالت أم الديب بتعجب بينما هي تتلذذ بتناول الحلوى: =ليالي قالتلك حاجة دايقتك؟ ردت نعمة بوجه عابس: _لا ليالي طيبة متقدرش تزعلني. نطقت أم الديب بفضول جارف: =أمال مين اللي دايقك؟ قالت نعمة ببكاء، وكلامها ينساب بمرارة الأسى، وكل كلمة نطقت بها كانت مغمورة بالدموع، والعواطف الجياشة. كان وجهها مشوشًا، ودموعها تهبط على خديها، بينما تعبر عن مشاعرها المؤلمة بوضوح: _حامد عينه زايغه ياما... ليه هو أنا وحشة ولا ناقصني حاجة؟ طب ده أنا حلوة وجميلة ياما. ردت أم الديب بعجيج: =عمل ايه العرة ده؟ انطقي يا بت! تفوهت نعمة بانتحاب: _بيتغزل في جميلة مرات ابنك ياما...ليه هو أنا مش مالية عينه؟ ده أنا قايداله صوابعي العشرة شمع. استقامت أم الديب مكانها، ثابتة كالصخرة، وصراخها يتردد في الأرجاء، وكأن كل صرخة كانت تعبر عن شدة الاحتدام الذي يعتمل في أعماقها. كان صوتها يملأ المكان بقوة، وهي تقول بصوت عالٍ: =ده عيل ناقص رباية، وآني مرقداله بس يقع تحت ايدي وآني مش هرحمه! تفوهت نعمة بنشيج: _هتعمليله ايه يعني؟ أهو راح عند أمه...أمه بتكرهني وجاية تشرشح لجلال وتقوله ابني يعيش معايا ميعش هنا، ليه كان حد ضربه على ايده؟ قالت أم الديب بنواح يغمره صدمة جسيمة: =هي مين دهي اللي جات تشرشح هنا يا بت؟ ده ليلتهم طين وقطران فوق دماغهم ودماغ اللي جابوهم. خرجت أم الديب من باب الشقة، ونعمة تلاحقها برهبة من حدوث كارثة أو وقوع جريمة. ومع ازدياد الغضب في رأسها، سعت لاستعادة حق ابنتها من تلك السيدة المؤذية. فصاحت بقوة وهي تتابع خطواتها على درج المنزل: =الولية دي مش لاقية اللي يلمها، ما هي اللي مقوياها عليكي سلفتك الحرباية هبة...هي اللي بتلعب في دماغها يا بت وبتشوه صورتك عشان تكرهها فيكي! قالت نعمة بخوف: _حماتي بتكرهني من قبل ما يعرفوا هبة. تفوهت أم الديب بنواح، مما جعل الأجواء مشحونة بالتوتر: =آني هخليها عبرة يا بت وهعرفها مقامها. نادت نعمة والدتها قائلة بخَوَر: _ياما، ياما...استني ياما... هتكبري المشكلة وأنا وربنا مانا ناقصة...ياما كبري دماغك! بينما لم تكن أم الديب تبالي بنداء ابنتها، وكأن كل هموم العالم لا تهمها في تلك اللحظة، بثبات لا يتزعزع، انتقلت للذهاب متجاهلة كل ما حولها، وعند وصولها إلى باب منزل أم أشرف، اختارت أن تجلس على عتبة الباب بتصميم ثابت، وكأنها تشعر بأنها لا بد أن تكون هناك لتصل إلى هدفها. ثم بدأت تنادي بصوت مرتفع، يتردد في الأرجاء كصدى الإصرار، وكأن كل كلمة كانت محملة بالإصرار على لفت الانتباه، وتحقيق ما تسعى إليه، فنطقت بنواح: =مش ناوية تلمي نفسك يا عرة النسوان وتشيلي نعمة من دماغك؟ ماهي حرقاكي يا ولية، نعمة بتي ضوفرها برقبة عيلتك كلهم...افتحي يا بت العرر... افتحي ده آني هخلي حياتك جحيم انتي واللي يتشددلك. يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة