عندما دخلت أم الديب الشقة وأوصدت الباب بعنف، انطلقت كلماتها من أعماق روحها كالسياط، تدينها في أخلاقها، وكأنها تفرغ أعباء روحها المثقلة على من حولها، وبعد مرور ستة أشهر، قرر جلال أن يصطحب زوجته لشراء شقة بالتقسيط، مجسدًا دور فارس الأحلام الذي يحقق أمانيها، ويكون لها ظهرًا وسندًا لا ينحني أمام صعوبات الحياة. تهيأوا للرحلة بفرحة تغمر القلوب، وارتدوا أفضل ما لديهم كأنهم ذاهبون إلى حفل باذخ، فقد كان هذا اليوم بالنسبة لهم عيدًا مشهودًا، وفي هذا اليوم المميز، عاد حسين أخو المعلم حنفي، وابنه زياد من غربة طويلة إلى أرض الوطن الحبيبة، مصر. تجهز المعلم حنفي لرؤية أخيه بعد فراق سنوات، فاشتد شوقه وزاد نبض قلبه، فصعد إلى شقة جلال، وأوصاه قائلًا: _متتأخرش عليا يا جلال، هنروح نجيب عمك وابنه من المطار ده بقاله سنين مرجعش، ياه الغربة وحشة أوي. رد جلال بألفة وكل كلمة تنساب من شفتيه بلطف، مجسدةً عمق صداقته ودفء مشاعره التي لا يمكن إخفاؤها: =ربنا يرجعه بالسلامة يابا، أنا هاخد ليالي وهنروح نشوف الشقة وندفع أول مبلغ من قسطها، بس أوعى تجيب خبر لأمي ألا دي بتوقفلنا المراكب السايرة! تحدث المعلم حنفي بابتسامة: _لا يا جلال متخافش، أمك مش هتعرف حاجة عن الموضوع ده، ومبروك ياض على الشقة الجديدة. عانق جلال والده بحب جارف، وضغط على كتفيه بقوة، ثم قال بصوت مفعم بالعاطفة: =الله يباركلك يابا. ونادى زوجته باستعداد: =يلا يا ليالي! خرجت ليالي من الغرفة وهي ترتدي عباءتها الفاتنة التي قسمت جسدها بأنوثة، وبرزت خصرها بينما سترت بقية تفاصيلها برشاقة. غادر الجميع كلٌ إلى وجهته المحددة، بينما كان الأطفال يلعبون، ويمرحون في شقة أم الديب. قرر المعلم حنفي التوجه إلى المطار برفقة ابنه أحمد لاستقبال جزء من روحه المتجسد في أخيه، وليواصل صلة الرحم المقدسة. في سيارة جلال، قالت ليالي له: _يارب الشقة تطلع زي اللي في الصور. رد جلال، وعيناه تركزان على الطريق أمامه بنظرة ثاقبة: =وهما هيستفادوا ايه لما يعملوا كده؟ نطقت ليالي بشك: _يمكن مش راضية تتباع، فقالوا يجيبوا رجلين الناس بكام صورة حلوة، أصل الشقة اسم الله عليها شرحة وبرحة. رد جلال بصوت حاد، وكلماته تقطع الهواء كالسيف، بينما كان يتجنب السيارات على الطريق بحركات سريعة، ومهارة فائقة: =محدش يقدر يضحك عليا، هو أنا أي حد ولا ايه؟ نطقت ليالي بحب: _لا ياخويا محدش يقدر، ده انت أسد. ضحك جلال ضحكة ملؤها المرح، ثم قال بصوت يغمره البهجة، وتفيض منه السعادة: =أمال ايه؟ ده أنا جامد أوي... مابقولك طلعي التلافون صوري فيديو واحنا رايحين نشوف الشقة. استجابت ليالي لمطلب زوجها حينما استخرجت هاتفها باستعداد، مُعبّرة عن سعادتها وهي تعيش دور المشاهير، حيث أجابته بثقة بالنفس: _وماله يا جلال، ده احنا خلاص بقينا نشاركهم كل حاجة في حياتنا، هو احنا بقى لينا غيرهم؟ وجهت ليالي الكاميرا نحو وجهها، وهي تتحدث بطلاقة، مع غمرها لنبرة ريفية مميزة، تنطوي على بعض الهجاء الساقط الذي لم يُلبث أن أثر على نبرتها: _صباح الفل عليكم يا حبايب قلبي، طبعًا أنتوا هتقولولنا رايحين فين؟ أنا هقولكم، وأخيرًا يا حبايب قلبي هنروح نشوف الشقة الجديدة... احنا شوفناها صور بس النهارده رايحين نشوفها على الطبيعة... هي حلوة أوي وياريت تطلع زي اللي في الصور، ادعولنا دعوة حلوة! جاء أحمد لزيارة المعلم حنفي ومن ثم يأخذه ليذهبوا معًا إلى المطار، ثم يجلبوا عمه، وابنه، ويعودوا إلى المنزل، يبدو أن هذا اليوم سيكون مرهقًا للغاية. بينما نشبت سيليا بشغف وأصرت على مرافقته، تتبعه كظله في كل مكان، فأصبح أحمد يحتل مكانة الأب المحنك لابنته الصغيرة، يمنحها الحب، والرعاية التي كان يفتقدها في منزله العائلي، وبمجرد إشارة من سيليا نحو ما ترغب فيه، يتدخل أحمد كالساحر بتحقيقه لرغباتها فورًا، كما لو كان يمتلك فانوسًا سحريًا، وأثناء انتظارهم في حالة من الترقب، قال أحمد في الهاتف: =لا يا جميلة متقلقيش على سيليا هي معايا ومش هسيبها من ايدي! تفوهت سيليا بنبرة عالية، وكأنها تريد أن تسمع العالم بأسره: _جدو حنفي جاي يا مامي! تحدثت جميلة بقلق، وصوتها يتردد بنبرة متوترة: =طيب يا حبيبتي خدي بالك من نفسك ومتسيبيش باباكي ولا تبعدي عنه! نطقت سيليا بسعادة، وابتسامة مشرقة تضيء وجهها: _أوكي يا مامي متخافيش، أنا مش صغيرة! ضحكت جميله، وقالت بتأكيد: =طيب يا روحي خدوا بالكم من نفسكم. أجاب أحمد، وسيليا في نفس اللحظة، وكأنهما كانا متفقين على الرد مسبقًا باندماج، وتناغم مثير للإعجاب: _حاضر. نطقت جميلة بود، وصوتها يفيض بالحنان: =باي. تفوه أحمد، وسيليا في ذات الوقت، وهما يعبران عن نفس الرد بلسان واحد: _باي. تقدم المعلم حنفي بجلبابه الفضفاض وسط الرياح القوية التي كانت تتلاعب بأطراف ملابسه، وفتح باب السيارة بيده العجوز التي تظهر عليها علامات الزمن، وركب السيارة بتأني، ثم التفت نحوهم، وقال بحب: =حمدالله على السلامة ياض. عانقه أحمد بحنان عميق، وضمه إلى صدره كأنه يحاول أن ينقل له كل مشاعره الصادقة، ثم قال بإحسان وصوت مليء بالمودة التي لا تخفى على أحد: _الله يسلمك يا بابا. نطق المعلم حنفي بتتيم، وكلامه يحمل الحكمة العميقة: =ازيك يا سوليا يا حبيبة جدك؟ سحب المعلم حنفي حفيدته نحوه برفق، ينقل لها حنانه العميق وهو يقبل وجنتيها الورديتين الناعمتين، ولكن ردت سيليا بنظرة ممزوجة بالبراءة: _ازيك يا جدو انت؟ احنا هنا من بدري! نطق احمد بابتسامة: =لا يا سيليا بطلي كدب احنا لسه جايين. ضحك المعلم حنفي، وهو يقول بصوت مليء بالبهجة: _يا بت يا بكاشة. أدار أحمد مفتاح السيارة بحركة مفعمة بالثقة، واستعد لرحلة طويلة كان يتوق إليها منذ زمن، ثم قال بحماس يشع من عينيه وكلماته: =نطلع بقى... بسم الله. تحدث المعلم حنفي باطمئنان، وصوته ينبعث منه السكينة: _توكلنا على الله...ده عمك هيفرح بيكم أوي. تحرك أحمد بالسيارة بين شوارع القرية ببطء متأنٍ، وبدأ يسير باتجاه الطريق الذي سيخرجون منه إلى الطريق العام، حيث تعكس الأشجار المورقة والبيوت الريفية البسيطة الجمال الطبيعي للمكان. يملأ صوت المحرك الهادئ ويتداخل مع أصوات الطيور المتباينة التي تغرد بفرح في الصباح المبكر، في حين يسود الشوق الشديد داخل قلب أحمد للقاء عمه حسين، وابنه، وهو يقول: =واحنا كمان، ده أنا آخر مرة شوفته كنت في ثانوية عامة. نطق المعلم حنفي بحنان مع رؤية الطريق المتموج أمامه، حيث تمتزج أصوات الرياح المنعشة بروائح الأرض المبتلة بنسمات الصباح، مشيرًا إلى الطريق الذي يمتد أمامهم كمسار يعبر عبر أزقة الأمل: _أكل العيش مُر، بس الأمر منه الغربة...يلا ربنا يرجعهولنا بالسلامة هو وزياد ابنه. أجاب أحمد ببشاشة، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه، تعكس وداعته: =يارب يا حبيبي. عندما وصل جلال، وليالي بعد ساعتين إلى وجهتهم المقصودة في حي لا يشبه كثيرًا الحي الذي يعيشون فيه، تفاجآوا بمنطقة نابضة بالحياة والنشاط، حيث تفوقت بكثير على بلدهم القديم من حيث النظافة، والتنظيم، والخدمات. خرجوا من مصعد العمارة الفاخرة ودخلوا إلى شقتهم الجديدة، وفي لحظة من الفرح، قال جلال بابتسامة واسعة تملأ وجهه: _السلامو عليكو. مد مالك الشقة يده لجلال، بينما تألق بابتسامة ودية تعكس حسن استقباله، وقال باحترام: =وعليكم السلام... اتفضلوا! نطق جلال باستعداد، ونبرته تصف الجاهزية: _يا مسهل الحال. بدأ جلال، وليالي، والمالك يدورون في الشقة بشغف حار، كأنهم يمشون على أرض الأحلام. كلما استقرتا عيناهما على موضع، نقشت رغبتهما فيه، حيث شرح المالك لهم تفاصيل تخص الشقة بأسلوب موضوعي، ودقيق، وفي لحظة من التأمل العميق، قال بابتسامة: =زي مانتوا شايفين كده، الشقة تلات أوض وريسيبشن... المطبخ أمريكاني والرخام فيه جرانيت. اندهش جلال من جمال الشقة، وروعة تقسيمها، حيث كل زاوية، وكل مساحة في الشقة كانت مرتبطة بطريقة مدهشة تبرز فن النظام الداخلي، وفي لحظة من الدهشة الصامتة، نطق جلال بإعجاب: _اللهم صلي على النبي... لا حاجة فخمة. تلفظت ليالي بإعجاب ملموس، حيث تأملت حولها بعينين مشرقتين بالدهشة: =ماشاء الله طب والله تستاهل تمنها وأكتر. تحدث مالك الشقة بابتسامة متواضعة تنعكس على وجهه، تعبر عن رغبته الصادقة في أن يجد جلال، وليالي إعجابًا بعقاره الذي يقدمه للبيع، وكانت كلماته تتناغم مع الهواء الدافئ الذي يملأ الصالة: _الأوض واسعة زي ما حضراتكم شايفين وفيها حمامين واحد للضيوف، وواحد لأصحاب الشقة. نطق جلال باندهاش، حيث تعكس عبارته عجبه الشديد: =يا سلام يا سلام هو ده الكلام... طب والتقسيط كام في الشهر؟ أجاب مالك الشقة بنبرة هادئة وقام بعرض التفاصيل بوضوح، حيث كانت كلماته مشبعة بالاحترافية: _المفروض بنقسط الشقة على أربع سنين، هندفع مقدم ١٥ ألف، وهنقسط الباقي خمس ألالاف كل شهر. تفوهت ليالي بابتسامة رقيقة، تعكس سعادتها ورضاها في تلك اللحظة: =هي غالية شوية بس الشقة فخمة أوي أوي. رد جلال بإعجاب: _هي أه في منطقة شعبية بس حلوة. تلفظ مالك الشقة بالكلمات بوضوح، حيث كانت نبرته تعكس تفصيلًا دقيقًا، متحدثًا بطريقة رسمية ومدروسة تعبر عن جديته: =لا يا أستاذ دي بعيد عن الحارات، وزي ماحضراتكم شايفين كده. خرج المالك بهم إلى البلكونة، ووجه نظرهم نحو المنطقة الشعبية المحيطة بها، وأشار بيده بتأكيد كأنه يوضح لهم أن الشقة لا تقع في منطقة شعبية، وفي لحظة من الصفاء، قال بابتسامة مشرقة: =الحارات جوا بعيد خالص والعماره في أول الطريق وزي مانتوا شايفين كده بتطل على الدائري. ردت ليالي بسعادة مشرقة تنبعث من عينيها كنجمة مضيئة في ليلة صافية: _يا سلام ولا الشمس خابطة فينا، دي هواها يرد الروح. نطق جلال بنَهَم: =طب ايه يابا مش هتنزلنا سعرها شوية؟ أجاب مالك الشقة باعتراض ملحوظ، وقد اتسم صوته بنبرة جادة، بينما كان تعبير وجهه يعكس عدم رضاه: _لا دي سعرها قليل مش محتاجة أنزل فيها، دي تعتبر أقل شقة في المنطقة دي كلها! تحدث جلال بتفكير عميق، حيث تعكس عبارته تأملاته: =طب ماتعمل معانا الواجب شوية عن كده! صرح مالك الشقة برفض قاطع، وقد كانت نبرته حازمة، معبرة عن حسمه التام لموقفه، بينما كان وجهه يحمل تجاعيد الإصرار، قائلًا: _لا والله مقدرش أنا كده هخسر في تمنها كتير. تفوهت ليالي بأسرارها الصامتة: =تعالى يا جلال عايزاك في كلمتين! وسحبته بعيدًا، وتحدثت بصوتٍ منخفضٍ، فقد كانت رغبتُها الجامحة في امتلاك الشقة تفوق كل المعوقات، حيث تغاضت عن سعرها المرتفع من أجل التخلص من معضلات أم الديب، محاولةً إقناع زوجها: =انجزلنا فيها دي لُقطة قبل ماحد ياخدها قبلنا! رد جلال بصوت خافت: _يا بت انتي مش شايف سعرها عامل ازاي؟ لأ وايه لسه على الطوب أمال لو وضبناها هتعملها كام! نطقت ليالي بإلحاح: =مش مهم بس في الآخر هتبقى بتاعتنا وهتعيش معانا طول العمر بدل قاعدة أمك اللي كلها مشاكل مبتخلصش. لكنَّ جلال، بإصراره الذي فاق إصرارها، لم يكن يعتاد على الاستسلام لمشكلات والدته المستمرة، فشخصيته الصارمة كانت قادرة على المواجهة، حيث يستطيع تحمل والدته المنفرة، وعلى الرغم من ذلك، فإنه لم يكن مستعدًا لقبول دفع مبلغ جسيم بهذا الشكل، لذا أجاب: _يا ليالي افهمي الشقة دي هتبيعنا اللي ورانا واللي قدامنا، دي هتبيعنا هدومنا ذات نفسها. نطقت ليالي بإلحاح: =ولا هتبيعنا هدومنا ولا حاجة، كل يوم نعمل فيديوهات ياخويا والفلوس هتزيد كل ماحنا نزود بس انجزلنا فيها قبل ماتطير من ايدينا! تحدث جلال بوجه ساخط، وقد كان وجهه مغطى بتجاعيد الاستياء، بينما تصاعدت نبرة صوته بدرجة تصف سخطه من الوضع: _ده انتي اللي يمشي وراكي يغرق. ردت ليالي بصوت حاد: =وربنا ماحد هيغرقنا غيرك انت! عاد جلال إلى مالك الشقة بخطواته الجبارة، كأنها صدى يجلجل في أرجاء المكان، ونطق بصوته الجلف الذي اخترق الضوضاء: _طيب يا باشا الشقة دي تلزمنا. نطق مالك الشقة وهو يخطو خارج الشقة، كأن كلماته تترك أثرها على جدران المكان: =اتفضلوا معايا نكتب العقد. خطا الزوجان خلفه إلى المكتب، تتعانق خطواتهما في تناغم، بينما نطق جلال في أذن زوجته، هامسًا كنسيم الليل الهادئ: _ارتاحتي ياختي؟ أجابت ليالي بسعادة، وابتسامتها تضيء وجهها كأشعة الشمس في صباح مشرق: =وقلبي هدى. عند أم الديب، كانت تجلس على الأرض تأكل الخص بشراهة كأرنب ساغب بين الحشائش، فيما كان حفدتها، وهايدي جالسون أمام التلفاز، يشاهدون الأفلام لعلهم يكبحون الملل الذي تسلل إلى نفوسهم، ويحاولون التخلص منه بأي وسيلة، عدا نعمة التي كانت منهمكة في المطبخ، تعاني من حرارة موقد الغاز، وصوت غليان الطعام الذي يغزو أذنيها كموج البحر الهائج، وفجأة تغير حال أم الديب تمامًا حينما تذكرت عودة حسين، أحد أعدائها، بعدما ظنت أنها تخلصت من رؤية وجهه الذي يثير غضبها كالنار في الهشيم، فقالت بانزعاج: _يادي النيلة مش كان مسافر ومرتاحين منه؟ ايه اللي رجعه بس؟ خرجت نعمة من المطبخ على صوتها الذي شق السكون، وقالت بتعجب، كأنما لم تصدق ما سمعت: =وانتي مزعلة نفسك ليه ياما؟ ده احنا بقالنا سنين طويلة مشوفناهوش... ده لا حضر فرح جلال ولا فرحي ولا فرح أحمد ولا يسمع عننا حاجة، ده هيتفاجئ. قطمت أم الديب الخص بنهم شديد ودون رحمة، وكأنها تسابق الزمن لابتلاع كل ورقة منه، وقالت بنبرة مكتومة بينما كان الأكل يحجز حنجرتها عن إصدار الأصوات بوضوح، مما جعل كلماتها تخرج مشوشة، لكن الحنق كان واضحًا في كل حرف: _انشالله عنه ماحضر، ومين قالك إن آني عاوزاه يحضر؟ هو آني ناقصه أبوكي لما يجيبلي أخوه؟ قالت هايدي بدهشة: =انتي محسساني إنه كل يوم هنا. تلفظت أم الديب بضيق: _دي جات بركة من عند ربنا إنه سافر، ايه اللي رجعه تاني بس؟ تحدثت نعمة بدهشة واضحة، وقد اتسعت عيناها، وكأنها تكتشف شيئًا غير متوقع: =وهو بيعملك ايه ياما؟ ما الراجل حتى وهو كان هنا، كان قاعد في شقته، ده حتى لا كان بيطلب منك تعمليله أكل ولا تغسليله هدومه. كالعادة، صوت أم الديب العالي كان يجّلجل الأحياء، كرعد يسبق العاصفة، وكانت تستخدم هذا الصوت كسلاح لترهيب الآخرين ودفعهم للهروب من أي جدال تشعر فيه بالخسارة حيال الطرف المقابل، فقالت بصياح: _ليه وانتي كمان كنتي عاوزاه يطلب مني؟ هو آني كنت الخدامة اللي أخوه اشترهاله يا بت؟ تراجعت نعمة في الحال، كأنما تخطو إلى الوراء بخطوات تتسارع، وارتسم الذعر على ملامحها، والخوف يتجلى في عينيها المذعورتين، وقالت بفزع: =مش القصد ياما هو بس... نطقت أم الديب بجلبة، وصوتها يتعالى معبرة عن مشاعرها القوية: _كملي تنضيف، هو احنا هنتكلم عنه ونديله أهمية كمان؟ ندمت نعمة على دخولها في جدال مع أم الديب، وكأنها استعادت ذكريات المرات السابقة التي عاهدت فيها نفسها ألا تتناقش معها، لأنها عرفت تمامًا ما النتيجة المحتومة، والغير مرضية التي ستنتهي بها، فقالت بندم تام: =ياريتني ما اتكلمت. دخلت نعمة المطبخ، وهي تستكمل مهامها بتركيز شديد. بعد نصف ساعة، وصل المعلم حنفي مع أحمد، وسيليا إلى المطار. خرج أحمد وهو يمسك يد سيليا برعاية ملحوظة، يعكس وجهه الحنين العميق لرؤية عمه وابنه الغائب. أما المعلم حنفي، فوقف هناك أمام المطار، يحدق في وجوه القادمين بعيون تتسم بالشوق والانتظار، يتمنى في صمت أن يرى وجه أخيه الحبيب الذي طال انتظاره، فقال: _مستني عمك حسين على نار، وحشني أوي أوي. لم ينظر أحمد لوالده بل عانقت عيناه الهواء حوله، وكأنها تحلّق في فضاء الانتظار، يتأمل بعمق في كل تفصيلة من المكان، ومع ذلك، قال بانشغال: =والله يا بابا هو وحشنا كلنا وخصوصًا زياد، عارف؟ زياد بيفكرني بنفسي... أنا، وهو، وهايدي فينا حاجات كتير من بعض. نطق المعلم حنفي بسعادة: _أمال ايه مش متربيين مع بعض؟ رد أحمد بابتسامة دافئة، تتلألأ على وجهه كأشعة الشمس في صباح صافٍ، مما عكس حسن نواياه: =ربنا يرجعه بالسلامة يا بابا. أخيرًا، وصل حسين، وابنه زياد، حيث كان الأب يرتدي القميص والبنطال البسيط، يتلألأ ثناياهما ببساطة مميزة، بينما كان ابنه يبدو في ثياب شبابية فاخرة، حاملًا في يديه ساعة اليد التي تنبض بأناقة متألقة، تضفي لمسة من الروعة على إطلالتهما، وفي أيديهما حقائبهم، يسيرون ببطء متمهل على الرغم من حرارة الاشتياق الذي يشتعل في قلوبهما ويتأجج في كل خطوة، ولم يقتصر الأمر على حسين وزياد فقط، بل كان كل الركاب العائدين إلى ديارهم يلتقون بمحبة عظيمة من أحبائهم، حيث كان بعضهم ينشر باقة من الورود، والآخر يرفع ورقة في الهواء تحمل اسم رفيقه المفضل بكل حنين عميق، وعندما التقى أحمد والمعلم حنفي بأحبائهم، انقضوا عليهم بسرعة فائقة، عانقوهم بقوة في مشهد جمالي ينبض بالحب والترابط الأخوي، حيث اندمجت أصوات الضحك والبكاء في مزيج من الفرحة والتعبير عن المشاعر الصادقة. وسط هذا الهمس والحب، كانت سيليا تقف بعيدة كملاك بريء، تشاهد هذا اللقاء العائلي الجميل بنظرات من الفرح الخجول، حيث نطق المعلم حنفي ببكاء، كمن ينزف كل شجونه في كلماته الهامسة: _حسين أخويا... واحشني أوي أوي! ازداد حسين في معانقة أخيه، وهو يلفه بذراعيه بحنان يتجلى في كل حركة وكل نفس، كأنه يحتضن لا تفرقه الدنيا ولا تشقها، معبرًا بلهفة تامة عن الفرحة العميقة بلقاءه بعد طول انتظار، حيث نطق بحُب: =حنفي أخويا، عامل ايه طمني عليك؟ لم يبكِ السنوات الماضية، ولم تزرف منه دمعة رغم الآلام المتلاصقة بروحه، ومع ذلك، بكى المعلم حنفي اشتياقًا لأخيه رفيق دربه بعد غياب دام سنوات طويلة، حيث قال بعتاب مؤثر يعكس حنينه العميق، والأسى المكبوت في أعماقه: _بخير، بقى كل دي غيبة يا حسين؟ نطق حسين بإعزاز: =أكل العيش مُر ياخويا. نظر أحمد في وجه ابن عمه بحنان، وفي عينيه عبير الذكريات والمشاعر الدافئة التي أعادت إلى ذاكرته لحظات حياتهم المشتركة. تذكر حينما كانوا يلعبون سويًا بالطوب إزاء حظيرة والدته، برفقة جلال، ونعمة، وأولاد الخال أبو محمد، حيث تبادلوا الضحكات، واللحظات الجميلة، لكن هايدي كانت صغيرة ولم تشاركهم في اللهو، بل اكتفت بشرب الحليب وهي على كتف والدتها الحنونة، كما لو كانت بريقًا خافتًا في لوحة الطفولة الجميلة، وتذكر أيام الصبابة التي جمعتهم في الاختفاء بين أشجار القرية، وسط الرياح العاتية التي تهب على الأشجار كموسيقى خفيفة تنساب بين أذنيهم، حيث كانوا يشعرون بالأمان في أحضان الطبيعة التي تغمرهم بدفء الانتماء، وأيضًا، تذكر حينما اعتاد العم حسين أن يناديهم من شرفة منزله، لينضموا إليه لتناول البرتقال، وكانوا يتسابقون للاستمتاع بتلك اللحظات العائلية الجميلة التي تعزز من روابط الألفة بينهم. لم يصدق أحمد أن الشاب الذي يقف أمامه الآن هو نفس الطفل الصغير الذي كان يلهو، ويستمتع بكل لحظة في طفولته، فأبدى دهشته وهو ينظر إلى ملامحه بوضوح كأنه يقرأ في عينيه قصة حياتهم المليئة بالذكريات المحفورة بدقة في قلبه، وقال بابتسامة مغمورة بالحنين: _ازيك يا زياد؟ ياه انت كبرت! بادله زياد العناق بحُب، حيث ضمه إلى صدره بقوة وكأنما يحاول أن ينقل إليه كل مشاعره، ثم قال بصوت عذب: =أيوه وانت كمان... ازيك يا عمي حنفي؟ تبادل الجميع الأحضان بينهم، حتى بقي زياد في حضن عمه حنفي، وأحمد في حضن عمه حسين، وفي لحظة من الدهشة الملآنة بالفرح، نطق المعلم حنفي بحبور: _كبرت يابن الكلب، كبرت وبقيت راجل ملو هدومك. رد زياد بحنين: =واحشني أوي يا عمي والله. انتهت مبادلة الأعناق، وحديث التعجب انقضى معهم، وفجأة، نظر حسين وزياد وجدوا سيليا، ذات الروح البريئة، تنظر إليهم بذهول عميق، والابتسامة الرقيقة لا تفارق وجنتيها الورديتان، فتساءلوا بصوت واحد يعبر عن الدهشة الجماعية: _ مين دي؟ ضحك المعلم حنفي، وقال بترقب: =دي سوليا بت أحمد. تحدث حسين بصدمة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الذهول، بينما كانت كلماته تتدفق ببطء، تعكس مدى تأثير الموقف الذي فوجئ به: _انت اتجوزت امتى؟ وضع المعلم حنفي يده بحنان على كتف أخيه، وقال بلهجة ضاحكة تنم عن الفرحة المتجددة: =تعالى بس يا راجل اركب وآني هقولك! وسط الأجواء المغمورة بالضحك، اتجه أحمد نحو الحقائب وحملها بيديه، ثم توجه بها باتجاه حقيبة السيارة، في حين اقترب زياد من سيليا بذهول ولامس وجهها بيديه برقة، وهو يقول بدهشة تنبعث من عمق قلبه: _انتي اسمك ايه؟ ردت سيليا برقة: =سيليا. قال زياد بسرور، وقد بدت على وجهه إشراقة الارتياح: _انتي عسولة أوي. ردت سيليا ببشاشة: =ميرسي. بينما يتجهونَ جميعًا نحو السيارة، يلتفتونَ إلى نبض مزمار السيارات المجاورة، ليُعيدوا قافلتهم إلى أحضان البلدة. جلس المعلم حنفي في المقعد الخلفي بجانب أخيه، وعلى ساقيه حفيدته سيليا، بينما جلس زياد في المقعد الأمامي إلى جانب السائق أحمد. واستأنف المعلم حنفي سرده لبداية قصة زواج أحمد من جميلة في غياب العم حسين، وهو ينطق بأنفاس الاهتمام: _يا راجل ده من سبع سنين، الواد أحمد أعجب بجميلة بت ست بسملة وقالك هي دي فاتجوزوا وجابوا سوليا، لأ وفي أسيل الصغيرة آخر العنقود يا دوبك عمرها خمس شهور بس. تلفظ حسين بدهشة: =ياه ده أنا كنت فاكر إني هرجع ألاقيكم لسه بطولكم، ألف مبروك مع إنها جاية متأخر أوي. خرج أحمد من سكونه في السيارة، وبدأ يتحرك، وهو يقود بحذر مترقب، وفي لحظة من البهجة، قال بابتسامة: _الله يبارك فيك يا عمي، عقبال زياد. رد زياد بابتسامة: =ربنا يخليك يا أحمد. تساءل حسين بفضول ما إذا كانت الأمور قد تغيرت في غيابه: _أمال جلال، ونعمة، وهايدي عاملين ايه؟ ضحك المعلم حنفي، وبينما ارتسمت البسمة على شفتيه، قال بلُطف: =جلال الله يباركله عنده حمود وتقى دلوقتي. رد حسين بدهشة، وقد كان الاستغراب واضح على ملامح وجهه: _انت بتتكلم بجد يا راجل؟ أجاب المعلم حنفي بابتسامة تعبق بالفرح: =أمال ايه؟ بس مراته ليالي بت حلال. تساءل حسين بفضول، وعيناه تنطلقان في استكشاف الحقيقة: _ليالي مين؟ رد المعلم حنفي بصراحة: =ليالي بت الحاج سلامة الفار. كأن أحدهم صب مياة نارًا على رأس حسين، منذ ذلك الحين الأخير الذي شارك في مشكلة أم الديب مع عم سلامة، حتى أدرك حقيقة عداوتهم الصريحة. كيف يمكن لامرأة متسلطة بقدر عالٍ من الاستبداد أن تتقبل ابنة عدوها اللدود؟ وهو يقول ذلك بدهشة شديدة: _يا عم قول كلام غير ده! جلال اتجوز ليالي بت الحاج سلامة الفار؟ طب ازاي؟ نطق المعلم حنفي ببغضاء، وصوته مملوء بالاحتقار وعدم الرضا: =وهي أمه كانت راضية؟ دي ورتنا الويل عشان الجوازة تتم. ابتسم حسين، وكلماته تنطلق بنبرة من الفرح: _ألف مبروك يا حنفي عقبال نعمة. رد المعلم حنفي، وضحكه يملأ الجو بالبهجة: =هو آني مقولتلكش؟ نعمة اتجوزت وخلفت محمد. نطق حسين بصدمة: _لا يا راجل؟ بقى كل ده حصل وأنا معرفش؟ ده أنا أخاف أقولك عقبال هايدي تطلع هي كمان متجوزة! ضحك المعلم حنفي، وكلماته خرجت مع تلك الضحكة بسلاسة: =لا هايدي الوحيدة اللي متجوزتش، هي راضية تتجوز أساسًا؟ دي موريانا الويل وكل مايجيلها عريس ترفضه ومش عاوزة تتجوز ولا بتطيق سيرة الجواز. غريب الأمر، تخلل قلب زياد لحظة من الذعر عندما تلاقت أذنيه بسيرة محبوبته الأولى، عشق طفولته، ذاب بخياله وهو يتذكرها تنظر إليهم ببراءة من النافذة، وبين يديها عروسها المخلعة. تذكر كيف كانت ستسقط على الأرض الصلبة، وكيف لحقها بحُب لكنها لم تشكره، بل بكت بشدة وانطلقت نحو والدتها التي كانت تناديها. الكثير من الذكريات تغزو عقله، وكان يعتقد أن السفر مع والده للخارج بعد وفاة والدته سيمحو آثار هايدي من خلاياه، لكن بالعكس، ازداد حبه لها ضعفًا. استراحت روحه من فكرة زواج هايدي، مع اعتقاده بأن النصيب قدر لها حياة وردية مع شخص آخر، فقال: _مع إن يعني هايدي ماشاء الله عليها حلوة. ضحك حسين، وابتسامته تنم عن خفة وفرح داخليين: =وانت شوفتها فين؟ ده آخر مرة شوفتها كانت داخلة أولى ثانوي. رد المعلم حنفي بحبور، وقد تألق وجهه بالابتسامة الواسعة: _هايدي زي ماهي متغيرش شكلها، هي كبرت وبقيت آنسة، ربنا يحميها. تحدث حسين باهتمام: =ربنا يباركلك فيهم، طب والحاجة عاملة ايه؟ تغيرت ملامح المعلم حنفي فجأة، وانعكست حالته السابقة، حيث ذابت ابتسامته بمجرد سماع اسمها، الذي يعكر صفوه. بينما تأمل حسين هذه النظرة المريبة، شعر بالفزع وقال بصوت متردد: _ايه يا حنفي مراتك جرالها حاجة؟ نطق المعلم حنفي بضيق، وقد ظهر على وجهه الاستياء: =ده ياريت، ياريت... أهي متلقحة في البيت، دي ولية قادرة محدش يقدر عليها غير ربنا. ضحك حسين بعدما اطمئن قلبه، ورد بسكينة: _من يومها وهي كده...الله يمسيها بالخير كان عليها عمايل تشل. تحدث المعلم حنفي ببغضاء، بينما كانت نبرة صوته تحمل في طياتها حدة واضحة: =أهي عمايلها زادت أكتر من الأول، ومحدش قادر عليها. نطق حسين: _ربنا يهدي. في مكتب مالك الشقة، ترك جلال وليالي ينتظران لحضور عقد البيع، وسط صمت يشعران به بشدة، استغل جلال هذه اللحظة لينظر إلى زوجته ويقول بصوت مهدور: =افتحي التلافون صوريلنا فيديو. ردت ليالي بتفكير: _مش لما نطلع الشقة تاني؟ أجاب جلال بحماس يعكس طموحه في جني الأموال: =عرفيهم عملنا ايه! تحدث ليالي بتكاسل، وصوتها يحمل بين طياته خمولًا واضحًا، بينما كانت تفسر الفتور، وكأنها تبذل جهدًا ضئيلًا في التعبير عن كلماتها: _بصراحة مكسلة بس ماشي. استخرجت ليالي الهاتف من حقيبتها، وفتحت الكاميرا، ووجهتها نحو وجهها، وهي تبتسم، تنبعث البهجة من عينيها، وقالت: _ازيكم يا حبايبي؟ زي مانتوا عارفين احنا مستنين في المكتب عند صاحب الشقة، هيجيبلنا العقد ويجي، هصورلكم الشقة، متقلقوش هتعجبكم زي ماعجبتني، دي شقة إنما ايه؟ يرمح فيها الخيل... بس والله احنا نستاهلها ده احنا شوفنا كتير. ثم وجهت الكاميرا نحو زوجها، وأردفت: _زي مانتوا شايفين كده، جلال قاعد مستني الراجل يجي. أشار جلال بيديه بتعبير يعبر عن حبه للجمهور، وقال بابتسامة تغمر وجهه: =ازيكم يا جدعان؟ أنا قاعد مستني، ولو إن جلال مبيستناش حد بس آجي على نفسي عشانكم، أمال ايه؟ تحدثت ليالي ببشاشة: _أيوه أصل احنا ناويين نصورلكم فيديوهات كتير من الشقة الجديدة بس ادعولنا نوضبها، أصلها لسه على الطوب بس يلا ربنا المستعان... أشوفكم في فيديو جديد، سلام. أغلقت ليالي الكاميرا بعدما أنشأت فيديو جديدًا تعتبره الأقوى في تاريخ فيديوهاتهم، وبيدين متعجلتين، فتحت تطبيق اليوتيوب لتشارك السعادة مع جمهورهم، وفي هذا الوقت الحاسم، نطق جلال ببهجة تنم عن روحه المرحة: =ده هيبقى فيديو جامد. بينما كانت ليالي تتأمل في فرحها المتناثر، هبت صدمة عارمة حينما تبيّن لها فجأة أن قناتهم قد أغلقت دون سابق إنذار أو سبب واضح، وكأنها تعبّر عن الفزع، فانطلقت صرختها بنبرة مرتجفة: _يا نهار أسود يا جلال... القناة اتسرقت! استولى جلال على الهاتف من يد ليالي بحدة، وانفجر قائلًا باستغراب: =وانتي ايه عرفك يا بت؟ وقفت ليالي هي الأخرى، وصدحت بصوت حزين: _القناة مش راضية تفتح، يا مصيبتي السودة. صرخت ليالي، وهي تعول بخوف محتشد في عينيها، بينما كانت أصابعها ترتجف من شدة القلق، وكأنها تخشى أن تكون العواقب جسيمة، في حين كان وجهها يعكس مزيجًا من الرهبة قال جلال بحسرة: =يا خراب بيتك يا جلال. نشبت ليالي الهاتف من قبضة زوجها، وعبّرت عن خوفها بتعابير وجه مترقبة: _هات وريني! فتحت ليالي حسابًا آخر لتتأكد مما إذا كان إغلاق القناة حقيقيًا أم مجرد عطل مؤقت من هاتفها، وعندما بحثت عن القناة للمرة الثانية، أكدت الكارثة، حيث اختفت جميع الفيديوهات التي عملوا عليها بجهد خلال الأشهر الماضية، ومعها ذهبت آمالهم. فنطقت بأسى مكلوم: _يا لهوي شقانا وتعبنا راح...الحقني يا جلال الحق، القناة اتسرقت. فقدت ليالي وعيها وسقطت على الأرض بقوة، بعدما تحطمت آمالها التي كانت تتساند بها على جدار التطلع لحياة أفضل. بسرعة انقض جلال نحوها، وهو يرجها ويحاول إيقاظها، ويصرخ قائلًا: =ليالي! الحقيقة أن من فعل هذا الأمر هايدي حتى تتخلص من استغلالهم لها فقد عكروا مزاجها الرائق في أوقاتها السعيدة بدخولهم عليها، وإن لم تنفذ طلبات أخيها في التو والحال يسرد لها قسيمة من المسبة، أما يداه فكانت دومًا مستعدة لوطأها فوق وجهها، وحينما عاد مالك الشقة إلى مكتبه محمل بالأوراق اكتشف كارثة تغزو مكتبه فقد انتهى الأمر بنقل ليالي إلى المستشفى، ومن بعد ذلك ردم حلمهم في بئر الحسرة، مرت الأيام وحاول الزوجين الرجوع إلى حياتهم الطبيعية التي اعتادوا على البقاء فيها، ونسيان أمر القناة، والرضاء بالأمر الواقع، وفي يوم من ضمن الأيام العسيرة كانت هايدي منفردة في غرفتها تسمع الأغاني، وتهرب من مرارة الواقع فجأة تلقت رسالة على الفيس بوك من زياد ابن عمها، وبسرعة فتحتها بفضول لا يوصف، فكان حديثه كالأتي: _هايدي أنا بحبك من زمان، وكنت متردد أكلمك في الموضوع ده، خوفت ترفضيني، خصوصًا يعني إني سمعت إنك رافضة الجواز. ارتسمت البهجة على وجه هايدي رغم رفضها لكن كون أحدهم يضعها في اولوية اهتماماته كفيلة بشطب أي حزن من سطور إرهاقها، وقد عادت إلى طبيعتها المعترضة، وهي تكتب له رسالة محتواها كالآتي: =مش هقدر أتجوز دلوقتي أنا مش مستعدة، تقدر تشوف حياتك ممكن تلاقي حد أحسن مني. كتب زياد لها، وهو متمسك بعزم لا يتزعزع على الزواج منها، معبرًا عن إصراره العميق على ألا يخسرها مهما كانت الظروف، فقد كانت كلماته مليئة بالصدق، والعاطفة، تعكس قوة مشاعره وحرصه على الاستمرار في بناء حياة مشتركة معها، قائلًا: _اديني فرصة يا هايدي، مش يمكن لو جربتي تلاقي إنك كنتي غلطانة؟ كانت هايدي تخشى فكرة أن عائلتها ذو مقام رديء بين بقية البشر، وأن من يناسب هذه العائلة ويدخل في دائرتها يخسر الكثير هو وأسرته سواء كانت خسارة نفسية، أو جسدية، أو حتى مادية، فكانت زيجة أخواتها حيال عينيها كشاشة تعرض المآسي، لذا قالت بإحراج: =بص أنا مش هكدب عليك، انت عارف أهلي مين، معنديش استعداد بعد ما أوافق تغير رأيك لمجرد إنهم مش عاجبينك! لم يهم زياد كل ما تقوله هايدي من حجج فارغة، فإصراره كان يقوده نحو الزواج منها بشتى الطرق، فقال بإلحاح: _وأنا مقدرش أغير رأيي، أنا شاريكي بكل حاجة عيوبك، ومميزاتك ومعنديش مشكلة! لأول مرة لم تجيب هايدي الرد القاطع مثلما فعلت في المرات السابقة، أعطت نفسها فرصة للتفكير في إن كان زواجها من ابن عمها قد يبوء بالنجاح أم الفشل، فنطقت بتردد: =أديني فرصة أفكر. رد زياد بانتظار، وقد اتسمت نبرات صوته بالترقب، بينما كانت ملامح وجهه تعكس الأمل: _مستنى ردك يا هايدي ونفسي إنك توافقي. قالت هايدي بخجل: =ماشي يا زياد هفكر وأرد عليك. حصل زياد على قبول في كلية التجارة، مثل أحمد أخيها، مما جعل هايدي تشعر بالخوف الشديد والتردد، وهي غير قادرة على اتخاذ قرار واضح. تفوهت هايدي مع نفسها بصوت خافت، يعبر عن القلق والحيرة التي كانت تعتريها: =هو أنا ليه خايفة؟ مش هو ابن عمك؟ يعني مش واحد غريب عليكي وأكيد مش هيبصلك بصة وحشة زي أي حد غريب! بدأت هايدي أن تسترجع ذكرياتهم أيام الطفولة، حيث تذكرت لحظات كانت فيها متيمة بزياد، ثم استحضرت فترة سفره التي تسببت لها في بعض الحزن، لكنها تمكنت من نسيانه مع مرور الوقت وانشغالها بمشاغل الحياة، وعندما خرجت من غرفتها، كانت مبتسمة، فتوجهت إليها أم الديب قائلة: _مالك يا بت فاشخة ضبك كده ليه؟ تلفظت هايدي باشمئزاز: =ايه الألفاظ المقرفة دي؟ اسمها بتضحكي ليه، ايه اللي قولتيه ده؟ ردت أم الديب بصياح، وصوتها ينم عن احتدام مشاعرها: _وهي حتة مفعوصة زيك يا بت هتعلمني أقول ايه ومقولش ايه؟ نطقت هايدي بغرور: =حتة مفعوصة؟ أنا مش صغيرة يا ماما واللي في سني مخطوبين ومتجوزين. قالت أم الديب بدهشة: _ايهي ده انتي عمرك ما اتكلمتي الكلام ده يا بت، انتي عاوزة تتجوزي ولا ايه؟ تفوهت هايدي بتردد، وصوتها كان يرافقه خفوت، وعدم يقين، بينما ارتسمت على وجهها ملامح الحيرة: =لا طبعًا، بس أنا يعني جايلي عريس، هو بصراحة قمر وحلو ووسيم، بس انتي يعني... ردت أم الديب بفظاظة: _انتي ايه؟ أجابت هايدي بخوف: =ايه يا ماما مالك؟ هو حد من عيلتنا. تلفظت أم الديب بشك، وقد بدت على وجهها علامات الريبة والتساؤل، بينما كانت نبرة صوتها تحمل شدة من التردد: _من عيلتنا؟ تقصدي مين يا بت؟ تراجعت هايدي للخلف بسرعة، وقالت بترقب: =زياد ابن عمي حسين. يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة