في تلك اللحظة المثيرة للفضول، فتحت هايدي الباب، ودخلت إلى الصالة حيث كانت أم الديب تجلس وحدها، محادثة نفسها بهمسات متقطعة وكأنها فقدت صوابها، فشعرت هايدي بموجة من الدهشة تعتريها، وقالت بتعجب، وملامح وجهها تعبر عن الاستغراب: _انتي بتكلمي نفسك ولا ايه يا ماما؟ أجابت أم الديب بصوت فَظّ: =جاية تهببي ايه يا بت؟ ردت هايدي بنظرات ماقتة: _نزلت أغيّر عشان هنروح نصلي التراويح...مش هتيجي معانا؟ تفوهت أم الديب بسطوة: =روحوا انتوا. ردت هايدي بجزع: _ماشي. عادت هايدي إلى غرفتها بخطوات هادئة، تسحب الباب خلفها برفق لتستعد لأداء صلاة التراويح، حيث ارتدت إسدال الصلاة الأزرق الذي يعكس طهرانية اللحظة الروحانية، بينما في شقة جلال كان المعلم حنفي يجلس على الأريكة، وهو يتناول القطائف اللذيذة بنهم ظاهر، وبسعادة تغمر وجهه، قال بحماس واضح، وصوت مليء بالرضا: =القطايف دي جواها ايه؟ ردت ليالي برقة، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، وعينيها تتلألأان بنظرة تشي بالحنان: _محشية مكسرات يا حمايا. تحدث المعلم حنفي بتلذذ واضح، وكأنه يستمتع بكل لقمة من القطائف وكأنها قطعة من الجنة، قائلًا بنبرة مفعمة بالمتعة، وهو يمسح بقايا الشربات عن شفتيه بابتسامة عريضة: =لا حاجة حلوة أوي تفتح النفس...تسلم ايدك. تفوهت ليالي بابتسامة ناعمة، وتألقت عيناها بوميض من الفرح الصادق، قائلة بصوت ملؤه الاطمئنان: _بألف هنا يا حمايا. وأردفت لزوجها بهدوء، بعد أن رسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها: _هدخل ألبس أنا، والعيال عشان نروح نصلي التراويح...مش هتصلي معانا يا جلال؟ نهض جلال بثبات، وقد ارتسمت على ملامحه علامات الجدية، ثم قال بانشغال: =لا روحوا انتوا، أنا ورايا مشوار. تحدث حامد بتطفل واضح، مقاطعًا الحديث الجاري، وعيناه تتنقلان بفضول بين الحاضرين، قائلًا باندفاع: _رايح فين؟ رد جلال بعصبية: =وانت مالك يا عم بتحشر نفسك في اللي ملكش فيه ليه؟ وقف حامد فجأة، وقد تفجرت من ملامحه علامات السُخط العارم، وصوته يرتجف من فرط الانفعال، ثم قال بصوت جهوري: _جرا ايه يا عم بس مكنش سؤال. رد جلال بغلاظة تنطلق من دواخله بشكل مفاجئ: =خليك في حالك...أروح مطرح ما أروح ميخصكش! نهضت نعمة في مكانها، وشبكت يدها في يد ابنها محمد بلُطف، قائلة بحنان: _يلا يا محمد عشان نطلع نلبس، ونروح نصلي التراويح. صعدت نعمة بابنها إلى شقتها بخطوات هادئة، استعدادًا لقضاء صلاة التراويح برفقة ليالي، وأبنائها، وهايدي. في المقابل بمنزل أم قمر الدين، بعد تناول وجبات الطعام، اجتمعوا في الحديقة على كراسي مرتبة حيال شاشة عرض ضخمة، حيث تمتعوا بمشاهدة المسلسلات المحببة لهم. تحيطهم الحلويات الشهية، والعصائر الطازجة، والمكسرات اللذيذة، مما أضفى على الجو طابعًا من الراحة، والتأمل. في البُعد الآخر من البيت، كانت سيليا تلهو بحماس مع خالاتها منى، ونالا، يملأن البيت بضحكاتهن، وأصواتهن البريئة، وفي هذا السياق، وبينما كانوا جميعًا مستمتعين بلحظاتهم الجميلة، وقف علاء الدين فجأة، فأثارت كلمات أم قمر الدين بتعجبها تفاعلًا مفاجئًا: =رايح فين يا حبيبي مش هتقعد معانا؟ أجاب علاء الدين بعجلة، وعبّر عن استعداده للخروج: _لا يا Mom أنا هخرج مع صحابي، مش عايزة حاجة؟ ردت أم قمر الدين ببشاشة مليئة بالتفهم: =لا يا حبيبي خد بالك من نفسك، ومتتأخرش. رد علاء الدين بابتسامة: _حاضر...باي. نطقت سامية، ونرمين بحُب: =باي. غادر علاء الدين السهرة العائلية، واتجه إلى سهرة أخرى مع أصدقائه، حيث انعقدت بجو من البهجة. في الأثناء، كان باسم يتحدث بشكل مستمر، ملفتًا الأنظار بحديثه الشيق، محاولًا إضافة لمسات من الفكاهة إلى الجو المحيط بالحضور: _بقى معقول متعرفوش أخر إنجازاتي؟ ردت نرمين بفضول مفعم، محاولة استيضاح المعلومة بتساؤل واضح، مبدية استعدادها لاستكمال الحوار بشكل نشط: =إنجازات ايه يا بابي؟ قالت جميلة بتعجب: _ايه يا بابي طمنا! أجاب باسم بابتسامة تشذا بالتفاؤل، وبمتابعته لردود أفعالهم، وهو ينتظر بفارغ الصبر تفاعلهم الإيجابي تجاه هذا الخبر المُبهج: =أنا فتحت قناة تليفزيون...الأوبنينج كمان كام يوم. تفاجأ الجميع عند سماع هذا الخبر، بما فيهم قمر الدين، الذي نهض من مكانه بسرعة، وبادر بالتعبير عن سروره بابتسامة تعكس انبهاره، فقال بذهول: _بجد والله؟ ضحك باسم، وهو يجيب بابتسامة صادقة تعبر عن فرحته، معبرًا عن ردة فعله الإيجابية وابتهاجه بشكل مباشر ومرح: =طبعًا. عانق قمر الدين والده بمودة، ومن داخله يتمنى له كل خير، وسعادة، ثم قال بنبرة عالية غنية بالتقدير: _ألف مبروك يا حبيبي. تحدث أحمد بفرحة: =ألف مبروك يا عمي. رد باسم بسعادة مفعمة بالتواضع، مُعلن فرحته: _الله يبارك فيكم. ضحكت سامية بابتسامة تنبعث من دواخلها تعكس روحها المرحة: =طب ايه يا بابي مش هتشغل بنتك حبيبتك معاك؟ ضحكت أم قمر الدين بابتسامة مشرقة تنم عن دهشتها، حيث أعربت عن حالة الذهول التي أثيرت فيها، وقالت بتعجب: _مانتي بتشتغلي يا بنتي عايزة ايه تاني؟ نظر باسم لجميلة بابتسامة تعبق بالود، وقال بترقب: =جميلة هي اللي هتشتغل فيها! وقفت جميلة في موقعها، وسط جو من الفرح الذي انتابها بشدة، حيث أدركت بكامل وعيها وامتنانها مدى الجهود الجبارة التي بذلها والدها من أجلها على مدار السنوات. في لحظة غير متوقعة، اقتربت منه بخطى ثابتة، وانطلقت بتعبير عن سعادتها الكبيرة بصوت مرتفع، ومغمور بالعاطفة: _بجد يا بابي؟ قول إنك بتهزر! تضاحك باسم بابتسامة تنطلق من قلبه، وواصل حديثه بلغة واضحة، ومفهومة: =لا مش كده، وبس... مدير القناة مش حد غريب. تحدثت نرمين بفضول عارم، حيث بدت علامات الاستفهام تلوح في عينيها وصوتها، تسعى لاستكشاف المزيد، وفهم التفاصيل بدقة: _مين يا بابي؟ نظر باسم لأحمد، وقال: =أحمد جوز جميلة. تعرّضت روح أحمد لصدمة عنيفة عند مواجهته لهذا الخبر الصادم، حيث تجاوزت مشاعر الصدمة والدهشة حدودها الطبيعية. لم يجد أحمد لسانه الكلمات المناسبة للتعبير عن مشاعره المتداخلة، لكنه تمكن ببراعة من التعبير عن دهشته العارمة بكلمات ملونة، معبرًا عن حالة الاستغراب التي تسيطر عليه بشكل لافت: _حضرتك بتتكلم بجد؟ أجاب باسم بتأكيد: =طبعًا. تحدث أحمد بتعجب منين، حيث أظهرت ملامح وجهه الدهشة الواضحة، وكأنه لم يصدق ما سمع أو رأى، مما جعله يفتح فمه قليلًا ويعبر عن استغرابه بطريقة لافتة للنظر: _طب، والشركة؟ رد باسم بثباتة: =لا لا سيبك من موضوع الشركة ده خالص...اللي انت داخل عليه هينقلك نقله تانية...أنا حابب علاء الدين يمسك مكانك. تلفظ أحمد بفرحة غامرة، وابتسامة عريضة تملأ وجهه، حيث انبعثت البهجة من عينيه وعباراته: _مش عارف أقول لحضرتك ايه بجد!. بس كل ده كتير عليا! رد باسم بإنعام: =ولا كتير ولا حاجة أنتوا أولى من الغريب... مش كده، ولا ايه؟ عانقت جميلة والدها بعمق من شدة سعادتها، وفي لحظة الاحتضان، قالت بصوت ملآن بالامتنان: _ميرسي يا بابي...بجد ربنا يخليك لينا. نهضت سامية مكانها، وعانقت أختها عناق حار ينم عن مشاعرها الصادقة، وفي لحظة الاحتضان، قالت بسعادة مُفرحة: =مبروك يا جميلة. ثم نظرت لأحمد، وواصلت بكل تقدير: =مبروك يا أحمد. ردت جميلة، وأحمد في آنٍ واحد: _الله يبارك فيكي. لكن أم قمر الدين تعلم تمامًا أن علاء الدين، الشاب المتهور، لا يمكنه تحمل المسئولية، إذ يعيش حياته بلا هموم ويستمتع بكل لحظة، وبقلق عميق، قالت تعبيرًا عن مخاوفها المتزايدة: =بس علاء الدين انت عارف إنه مالوش في الشغل! كان باسم مصممًا بقوة على أن ينقش في قلب ابنه الأصغر تلك القيم النبيلة، ليتخلص من تلك الأخطاء الدنيئة التي انتقلت إليه من أصدقائه، مؤكدًا بأنه لا بد له من تشكيل شخصيته بشكل صحيح ورفع مستوى تفكيره، متأملًا في المستقبل بتفاؤل وثقة كبيرة في قدرته على توجيهه نحو السلوك الصحيح والنجاح في الحياة حيث قال: _علاء الدين مبقاش صغير، ولازم يتحمل المسئولية زي أخوه. رد قمر الدين، وهو يضم رأيه إلى رأي والده، بتأكيد متزايد، وثقة دفينة في الحاجة إلى توجيه أخيه نحو اتخاذ القرارات الصائبة، معلنًا عن اتفاقه معه بالكامل، واستعداده لدعم هذا النهج التربوي الهام: =عندك حق يا بابا...هو فعلًا مابقاش صغير، ولازم يشتغل، ويشارك معانا. رد باسم بعقلانية الأبوة، مؤكدًا على أهمية فهم وتقدير آراء الأبناء، ومبديًا استعداده لتبني النصائح، والتوجيهات من أولاده: _أولادي يا بسملة هما اللي هيشيلوني مش الغريب... ابني مش هيهون عليه يخدعني أو يضربني في ضهري لأن مصلحتنا في الأول، والآخر واحدة! تنهدت أم قمر الدين بقلق رحيب، وقالت بلهجة مليئة بالتأمل: =عين العقل يا باسم ده التفكير السليم...أتمنى إن علاء الدين يوافق. في منزل أم الديب، بعد أن جهزت ليالي، ونعمة، وأبناءهم، نزلوا برفقة هايدي لقضاء صلاة التراويح في المسجد. وأثناء مرورهم في مدخل المنزل، تفاجئوا بوجود أم الديب على عتبته، محجبة عنهم الطريق. فقالت نعمة، بتعجب على وجهها، تعبيرًا عن استغرابها: _انتي ايه اللي مقعدك هنا ياما؟ ردت أم الديب بنظرات شرسة، كأنها سهم من الانتقام يخترق الهواء، وكلماتها الحادة كانت كالصخب الذي يعلو في ليلة هادئة، مستعدة للصراع، وهي تتأمل بشكاسة: =مزاجي كده. نطقت نعمة بعجلة: _طب عدينا ياما عشان منتأخرش. صاح حمود في وجه جدته بحديث يمزج بين التربية البذيئة، والوعيد: =وسعي يا ستي بدل ما أخبطك بالطوبة! جلجلت ليالي في وجه ابنها بكلام ينطلق كالبركان المتجهم، تصف استيائها بوضوح، وموضحة موقفها بكل قوة، وحزم، وهي تنظر إليه بعيون تعكس التوتر: _اسكت يا حمود انت دلوقتي! وصوبت ليالي نظرها باتجاه أم الديب، وواصلت بكل ثقة: _وسعي يا حماتي...عدينا! أشارت أم الديب بيدها بتعنت أمامهم في ذلك المكان المحجوب، كأنها ترسم خطًا غير قابل للتجاوز بينهم وبين ما وراءها. وقالت بعناد: =ماتعدوا هو حد حايشكم؟ نطقت نعمة باستعجال: _ياما الله يسترك عدينا الصلاة هتفوتنا! تحدثت أم الديب بنظرات متأججة: =كلتوا، وشبعتوا يا بت منك ليها؟ صوبت نعمة نظرها نحو الأرض، حيث انبلجت الرهبة على محياها، وقالت بصوت يتردد في أرجاء المدخل: _مانتي ياما اللي بتعملي مشاكل، ولو كنتي زودتي فيها كانت المشكلة كبرت أكتر. ردت أم الديب بنبرة جلفة: =محدش فيكم هيطلع من باب الدار ده النهاردة! تفوهت ليالي بصياح يفوح بالشجن، كأنها تجسدت في تلك اللحظة كل المشاعر المكبوتة: _بقولك ايه يا حماتي عديها على خير، أنا خلاص جيبت أخري منك...ده انتي مفيش يوم يعدي معاكي إلا، وانتي عاملالنا مشكلة جديدة! حاولت نعمة التلاعب بأم الديب، حيث انتابتها ردود أفعال مُتضاربة من التخطيط. أدركت في تلك اللحظة الفارقة أن عقل أم الديب يشبه عقل النملة، فعلى الرغم من تقدمها في السن وخبراتها المكتسبة، إلا أن عقلها الصغير يبدو أنه لا يتجاوزها، كما لو أنه يفتقر في دقائقه البسيطة وتواضعه الكبير دروسًا للحياة، وحكمة غامرة. ومع كل هذا، لم تكن نعمة تخلو من الاستياء، فبينما تراودها أفكارها المتشابكة، أبقت على ابتسامة مستترة بين الشفتين، وهي تقول بتُرهة: =عدينا بس ياما، وأنا أوعدك هجيبلك الأكلة اللي بتحبيها، وأنا راجعة لا، ومش بس كده هجيبلك العصير اللي بتموتي فيه! ردت أم الديب بابتسامة فرح تغمر الغرفة بنورها الدافئ، كأنها تعبّر عن فرحة عميقة لا توصف، مشعة بالأمل، تنطق بلغة القلوب قبل الألسنة، وتعكس روحًا متفائلة: _هتجيبيلي عصير الجرجير يا بت؟ أجابت نعمة بابتسامة: =أه ياما، وهنزلك طبق محشي كبير. ردت أم الديب بابتسامة فرح: _عدي انتي، وابنك، وأختك هايدي. وضعت ليالي يدها بعنف على خصرها، وهي تعبر عن اعتراضها على قول أم الديب، حيث انتقلت من حالة الهدوء إلى العصبية في لمحة من الزمن. تبدلت ملامح وجهها، وارتفع حاجبيها بتعبير عن استنكارها، بينما تلقت نظرات حادة من أعينها تتوجه باتجاه أم الديب، لم تتردد ليالي في التعبير بصياح قاطع: =يعني ايه تعدي هي، وابنها؟ طب وأنا ، وعيالي نظامنا ايه؟ تلفظت أم الديب بصخب: _صوتك ميعلاش يا بت دباح الحمير! أدركت نعمة نشوب المشكلة بينهم حتى تتضخم، خاصةً وأن ليالي لن تبقى صامتة هذه المرة، ولن تتسامح أو تتأنى. كانت الأمور تتزايد في تعقيدها، وفي هذا الوقت الحرج، وفي لحظة فاجأها القدر بفكرة مباغتة وجديدة تمامًا. أفاضت نعمة بصرخة من السعادة المفاجئة، حيث أعلنت ببهجة غامرة: =اسكتي ياما مش ليالي عاملالك حاجة حلوة مخصوص ليكي انتي بس، وكمان كل ماحد يطلب منها تقولهم لا دي بتاعت حماتي. انصدمت ليالي بشدة لدى سماعها كلمات كاذبة تنبعث من نعمة، فردت أم الديب بصوت يحمل لونًا من الاستفزاز: _نزلوهالي، وبعدين هفكر. ردت ليالي بصياح: =يوه يا نعمة...ده مفيش وقت أنا لسه هطلع، وأعمل؟ اقتربت نعمة من أذن ليالي، وقالت بنبرة خافتة: _معلش يا ليالي خديها على قد عقلها مانتي عارفة أمي! صعدت ليالي الدرج ببطء متنقلة بين الدرجات للوصول إلى شقتها، وعلى الرغم من تعبها المنهك، وإرهاقها الشديد، إلا أنها لم تتردد في أن تجهز وجبة الطعام اللذيذة، مع إعداد طبق من الحلويات الشهية، وكوب عصير منعش لتعويض حماتها بعد يوم شاق. وبعد الانتهاء من واجباتها، نزلت من الشقة بخطوات ثابتة، وكانت تظهر على وجهها ملامح الاستياء، وقالت بانزعاج: =خدي. نسيت أم الديب كل ما حدث بمجرد أن بدأت في تناول أول إصبع من محشي الباذنجان، حيث أدخلت الطعام إلى فمها ببطء وانتباه، متجاهلة تمامًا الأحداث السابقة، وصرّحت بتجاهل تام: _عدي يا بت منك ليها. سحبت ليالي ملابسها بيدها بعنف، وهي تنفخ بفمها باحتدام ملحوظ، مستاءة، ومعانية من الضيق النفسي، فقالت بجلبة حارة: =ايه الهم اللي اتحط علينا ده! تحدثت أم الديب بصياح: _بتقولي ايه يالي تضربي في جنابك؟ مرت ليالي بأولادها، وخلفها هايدي من جانب أم الديب، وسط صمت ملحوظ يعكس التوتر، وفي تلك اللحظة الحرجة، تشبثت نعمة بولدها بحنان، حيث انعكس القلق والحذر على وجهها، وبدأت تتحدث بصوت هادئ مليء بالرهبة: =دي بتقولك يارب الأكل يعجبك. ردت أم الديب بصياح: _غوروا من وشي! غادر الجميع، مشعرين بالتعكر في المزاج بسبب الشجار الذي نشب بينهم وبين أم الديب، واتجهوا إلى مسجد السيدات. بينما في منزل عم سلامة، كانت تقف تباهي في المطبخ بعد الإفطار، حيث كانت تستعد لتجهيزات وليمة اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك. كان من المقرر حضور ليالي، وجلال، وأطفالهما، بالإضافة إلى هبة، وزوجها، وابنتهما، وفي هذا الوقت الحساس، دخل عم سلامة إلى المطبخ بخطوات متهملة، ووجه بشوش، وقال بتبجيل: =الله ينور يا أم ليالي. ردت تباهي بابتسامة، وهي تشكل أصابع الكفتة بحرفية: _هو أنا حيلتي كام سلامة؟ تحدث عم سلامة: =جهزيلنا الشاي...أخواتي جايين، اجهزي. ردت تباهي: _ماشي يا سلامة. عم سلامة هو رمز للتناقضات، فقد يبدو وجهه عابسًا ولكنه في الحقيقة يحمل داخله الفرحة العميقة، والحزن الصادق. تكاد تكون مشاعره غامضة، فلا يمكن لأحد أن يعرف بالتحديد إذا كان يشعر بالسعادة أم الحزن. إنه رجل ذو ملامح قاسية، فنادرًا ما يبتسم أو يضحك، وحتى حديثه يكون جافًا. هذا هو الطابع الذي اعتاد عليه منذ صغره، والذي يجعله فريدًا من نوعه، وبعد أن انتهت تباهي من تجهيز أصابع الكفتة، رن هاتفها فذهبت غرفتها، وأمسكت به، واستجابت للمكالمة لكن كانت الصدمة حينما سمعت بكاء ابنتها، وهي تقول: _تعبت منها ياما دي مررت عيشتنا حتى الأيام اللي بنستناها من السنة للسنة مسوداها علينا، وكل يوم ياما لازم تتشاكل معايا بأي شكل المهم تتخانق، وخلاص! غضبت تباهي من أجل ابنتها، فخرجت كلماتها بتأثر: =دي ست قادرة، ومفترية، وتستاهل كل اللي بيحصل لبتها مع أم أشرف...يا بتي ده كله سلف، ودين. تُعتبر هبة أخت ليالي، سلفة نعمة، إلا أنها تشهد معاملة أفضل بكثير من حماتهم أم أشرف بالمقارنة مع طريقة تعاملها مع نعمة، التي تكون أقسى وأكثر صرامة. وفي هذا السياق المؤلم، بدأت ليالي بالانتحاب، وهي تعبر عن آلامها: _نعمة غلبانة، وغلب الدنيا كله فيها...أمها هي اللي زي العقربة...أنا تعبت ياما، وكل يوم أتحايل على جلال يشوفلنا شقة بعيدة، وهو ظروفه منيلة بستين نيلة، ورغم كل ده صابرة، وبقول استحمليها يمكن ربنا يهدي. ردت تباهي بكمد: =تعالي يا بت أقعدي عند أمك، واقفلي شقتك، وولا تعبريها دي ست حرباية، وشَكالة، ولسانها عايز يتقطع من لغلوغه. تفوهت ليالي بانتحاب: _أنا مش هسكت ياما، وهفضل ورا جلال لحد مايشوفلنا حل ده محدش في البيت ده قادر عليها. ردت تباهي بنبرة حنونة: =اصبري يا بتي لحد سواد الليل، وانتوا كده كده جايين بكرا ساعتها نتكلم براحتنا، ونشوفلك حل، وربنا ينتقم منها، ويوقعها في شر أعمالها. بعد انتهاء الوقت، وبلوغ الساعة الحادية عشر منتصف الليل، عاد أحمد وجميلة إلى المنزل مصحوبين بابنتيهما، وكانوا ينبضون بالسعادة، والبهجة لهذا الخبر المفرح. فور وصولهم، ألقت جميلة بكلماتها بنبرة ممتلئة بالفرح: _مش مصدقة إن أخيرًا بابي هيشغلنا مع بعض في نفس القناة! رد أحمد بسعادة: =ولا أنا... ده أكتر خبر فرحني في حياتي. تحدثت سيليا ببراءة: _مامي هو انتي هتبقي مذيعة زي خالتو سامية؟ ضحكت جميلة، وقالت برقة: =أيوة يا روحي بس خالتو سامية مذيعة كبيرة، ومشهورة، لكن مامي لسه في بداية المشوار. ردت سيليا بسعادة غامرة تتجلى في ابتسامتها الساحرة، وكأنها ترقص على أنغام فرح داخلي لا يمكن كبته: _ينفع أظهر معاكي يا مامي، وأعمل باي لصحابي؟ داعبت جميلة وجه ابنتها بلُطف، وبينت حنانها العميق بلمسة خفيفة تعكس الرعاية الأمومية الطبيعية. حيث نظرت إلى زوجها بعيون مليئة بالحب، وبينما كانت تضحك، ألقت بكلماتها التي تنم عن المحبة الدائمة: =ممكن بس لو مدير القناة وافق! ردت سيليا بذكاء: _خلاص قوليله يا مامي، وممكن يوافق! ضحك أحمد، وقال باستجابة: =وأنا موافق يا سيليا إنك تظهري! ضحكت الفتاة بابتسامة جميلة تنعكس على محياها، وخرجت من شفتيها بلطف كأنها تترقب مفاجأة مليئة بالألوان الزاهية. ثم فتحت فمها ببطء، وبينما كانت ترفع عينيها لتلتقط نظرة من حولها، نطقت بكلماتها بأناقة مفعمة بالرغبة في مشاركة الفرحة: _هو انت مدير يا بابي؟ ضحك أحمد، وقال بفرحة: =أيوة أمال احنا فرحانين ليه؟ كانت سعادتهم بالمهنة الجديدة كالنيران المشتعلة التي طغت على كل شيء، حتى تلاشت ذكرياتهم بأسيل كالظلال في الظهيرة. تحول وجه جميلة إلى خريطة مندهشة مفاجئة، وخرجت كلماتها: _احنا نسينا حاجة مهمة!...أسيل هنسيبها مع مين؟ انفجر صدح أحمد في الهواء كالبرق، والضربة التي وُجِهت إلى جبينه ترنحت كأمواج البحر. ثم خرجت كلماته بصدمة مفاجئة: =ازاي نسينا حاجة زي دي؟ كده هنضطر حد يستني التاني يخلص، ويرجع. ردت جميلة بتفكير: _صح مفيش حل غير كده. كانت ليالي تجلس في المنزل على أريكة صالتها، وحزن الكون يتلاشى من بين قلوب البشر، ولكنه اجتمع بأكمله في قلبها. كلما حاولت نسيان الماضي ودفنه، قامت أم الديب بحفر حفرة أوجاع جديدة في نفسها. وكلما قررت تجاوز النزاعات، بدأت أم الديب بإثارتها من جديد. شعرت ليالي بأن والدة زوجها تشكل الكابوس الأكبر في حياتها، والمصدر الأول والأخير لحزنها. كيف يمكنها الهروب من هذه الأوجاع بعد أن أنجبت طفلين وارتبطت عن قرب بزوجها؟ دخل جلال إلى الشقة ولاحظ وجه زوجته المكتئب. ووقف أمامها، وقال بتعجب في صوته، يبحث عن السبب وراء حالتها النفسية السيئة: =مالك يا بت لاوية بوزك ليه؟ ردت ليالي بصوت حاد: _مفيش حاجة ياخويا. جلس جلال على سيف زوجته، وقال بصوت حاد: =بقولك ايه يا ليالي اتكلمي عالطول! أجابت ليالي بامتعاض: _أمك يا جلال مش سايباني في حالي. رد جلال بتعجب، مبديًا استغرابه العميق، وقال بصوت هادئ: =عملت ايه تاني؟ نطقت ليالي بنبرة صوت مختنقة، وكأنها أوشكت على البكاء، وقالت بصوت متقطع من التأثر: _نازلة ياخويا، أنا وأخواتك، والعيال، ودي قاعدالنا على باب البيت، وحالفة ما حد فينا يعدي، وعمالة تشتري، وتبيع فينا لحد ما أختك نعمة خلتني أطلع متغصبة أجيبلها الأكل، وأنزل بيه، وخدته مننا وعدتنا بعد طلوع الروح! صوب جلال نظره بعيدًا، حيث تمركز تفكيره، وأخذ يتأمل لحظة طويلة قبل أن يقول بتردد: =أمي عايزة واقفة جامدة يا ليالي علشان تبطل شغل الحموات ده. ردت ليالي بانتحاب: _أمانه عليك ياخويا تشوفلنا حل في موضوع الشقة، وخلينا نخرج من البيت ده على خير قبل ماحد فينا يتجنن، ولا يموت بقهرته! تفوه جلال باختناق: =مانتي عارفة الظروف يا ليالي...بس ربك يسهلها. ردت ليالي بنهم: _ماتكلم ست بسملة دي ست غنية أوي، ومعاها فلوس كتير...كانت تشوفلنا صرفة، وتبيعلنا الشقة، وناخد شقة في حتة تانية. نطق جلال بإحباط: =بس احنا ملناش كلام معاها، ومش جلال اللي يجري ورا الناس...أنا هبقى أشوف خالي ضايع. صرخت ليالي بصوت مرتفع، قائلة بحنق واضح في كلماتها: _لا خالك ضايع لا...ده فلوسه كلها حرام. رد جلال: =مش أحسن من قعدتنا مع أمي؟ تلفظت ليالي ببكاء، حيث تأثرت وتعبت من الأحداث المؤلمة التي مرت بها، وهمست بين الدموع بإنكسار: _اعمل أي حاجة إلا خالك ضايع ده...احنا عايزين ربنا يباركلنا. نطق جلال باحتدام: =خلاص يا ليالي خليكي مع أمي، ومتبقيش تشتكي! دخل جلال الغرفة، فرأت ليالي وضعه المستفز، فزادت نارها، وهي تعول بصوت مرتفع، وتضرب يديها في فخذيها بعنف، قائلة: _ماشي يا جلال متبقاش تزعل لما أبدأ الحرب مع أمك! بينما في اليوم التالي، في تمام الساعة الثانية عشر ظهرًا، ذهبت ليالي بأبنائها إلى منزل عائلتها، بينما ذهب جلال إلى عمله، عدا نعمة، وحامد، وأبناءهما سيتناولون الإفطار مع أم الديب هذا اليوم. وفي صالة منزل عم سلامة، كانت الأسرة تجلس مع بعضها، وقال الوالد بصوته الحنون: =حماتك دي أنا مشوفتش زيها طول حياتي..إنسانة عجيبة أنا لو مكان المعلم حنفي كنت طخيتها بالنار، وارتاحت منها. ردت ليالي رد متأجج: _أه والله يابا هي غريبة بعقل؟ البت هايدي حكيتلي في السر أنها لقيتها قال ايه ماسكة السكينة، وعاوزة تدبح الكلب علشان توفر الفلوس...هو في حد عاقل يعمل اللي بتعمله؟ اتسعت أعين تباهي من صدمتها، فتأملت لحظة في وجه ابنتها، ثم نطقت بصوت مرتفع مليء بالدهشة، وكأنها تحاول فهم الحالة التي وصلت إليها أم الديب: =اللهم احفظنا يارب...تأكل عيالها لحمة كلاب؟ أجابت ليالي ببغضاء، وصدح صوتها بحسرة: _دي بخيلة بخل السنين ياما، وقلبها ميت. تحدث صابر باستعراب: =وانتي ايه اللي مصبرك على كده يا ليالي ياختي؟ ردت ليالي بشجن: _جلال ظروفه منيلة...أعمل ايه بس؟ دخلت هبة، وأشرف، وأثناء دخولهما بابنتهما، وقف عم سلامة في الحال، وعانق زوج ابنته بحنان، قائلًا بترحيب: =يا ألف مرحب يا أشرف يابني. رد أشرف، وهو يعانق حماه، بابتسامة دافئة تصف الفرحة الكبيرة في قلبه، وقال بهمس مليء بالمحبة: _ازيك يا حمايا؟ واحشني! تفوه عم سلامة بابتسامة واسعة: =الحمدلله. وعانق ابنته بحنان، وواصل بصوت مليء بالاشتياق: =ازيك يا هبة؟ أجابت هبة ببشاشة: _الحمدلله يابا. تحدثت تباهي باستياء، وعبرت عن مشاعرها بشكل حاد: =تعالي يا بتي أقعدي جنب أختك، وشاركيها همها مع حماتها الفقرية! جلست هبة بجانب ليالي، وأبدت تعجبها بتعابير وجهها، وقالت بصوت متسائل: _ايه اللي حصل يا ليالي؟ نهضت ليالي من مكانها، وتنهدت ببطء، قائلة بتأثر: =احكيلها انتي ياما، وأنا هدخل أشوف الأكل. دخلت ليالي المطبخ، وفي نفس الوقت، رويت والدتها ما حدث للبقية. بينما في منزل أم الديب استحضرت والدتها خواطر، ثم دخلت الشقة بصحبتها. عندما رأى المعلم حنفي، والدة زوجته، اعتقد أنها جان، وليست مجرد إنسانة بشرية، ومع وجود خواطر، كان المعلم حنفي ساخطًا، ومتجهم الوجه. بينما أم الديب، تغمرها السعادة وتنير حياتها، حيث قالت بصوت ينبع من الفرح، والاعتزاز: _أدخلي ياما، منورة الدنيا كلها. أم الديب، عكاز ووالدتها العجوز التي لا تستطيع صلب مقامها بدونه، وفي هذا السياق، خرجت خواطر بابتسامة رضا تعبر عن تقديرها، واحترامها العميقين، وقالت بصوت ينم عن الافتخار: =الله يسترك، ويطعمك مايحرمك. رد المعلم حنفي بكآبة: _ايه ده انتي هنا يا حاجة؟ أجابت أم الديب بترقب: =أمي هتفطر معانا النهاردة. نطق المعلم حنفي بضيق: _وماله. وأردف بصوت خافت لنفسه: _ده يوم أغبر من أوله. تحدثت أم الديب بصخب: =انت بتبرطم بإيه يا حنفي؟ رد المعلم حنفي باختناق: _مببرطمش...أنا رايح الدكان يا ولية وهبقى أرجع قبل المغرب بنص ساعة. رفعت أم الديب حاجبها بتعبير من الدهشة، وقالت: =مانت مش فالح غير في كده...هو انت تعبان في ايه؟ خرج المعلم حنفي من المنزل، وقال بخَرَع: _طب السلامو عليكو. جلست أم الديب، ووالدتها العجوز على الأريكة، وبمجرد خروج المعلم حنفي من المنزل، دخلت نعمة الشقة، وهي تحمل أكياس الخضروات، ووراءها ابنها محمد. مدت نعمة يدها بحنان، وقالت بابتسامة تكشف عن الترحيب: =ازيك يا ستي عاملة ايه؟ ردت خواطر بابتسامة: _عال العال...ازي جوزك حمو يا بت؟ ضحكت نعمة، وبينما تبتسم قالت بمرح: =بيسلم عليكي. دخلت نعمة المطبخ لتحضير طعام الإفطار، بينما كان محمد يلهو مع نفسه على أرضية الصالة. وهنا بدأت الألاعيب والأفكار الشيطانية تنبعث من فم خواطر، وتغزو أذن أم الديب. فقالت بنبرة خناسة: _جوزك شكله مبيحبكيش يا بسمة! ردت أم الديب بشناءة: =وهو يعني اللي يتحب؟ قالت خواطر، وهي تشرد الكراهية من أعماق قلبها تجاه المعلم حنفي: _ده راجل مخه تعبان يا بسمة! ضحكت أم الديب، وبينما تبتسم، قالت بصوت ينبع من السخرية: =منورة الدنيا ياما. ونادت نعمة قائلة: =هاتي لستك كوباية ماية يا بت! صخبت نعمة، وخرجت من المطبخ في الحال، قائلة باعتراض: _يوه مايه ايه...هي مش صايمة؟ ردت خواطر بثقة: =أنا مبصومش زي ابني ضايع...قالي متصوميش انتي بقيتي عضمة كبيرة...قولتله اللي تشوفه يا ضنايا يا حبيبي. كانت هايدي تسمع كل ما يدور في الخارج، وهي على سريرها، وفورًا قالت باشمئزاز: _عيلة زبالة...بختي الأسود إن أنا اتولدت وسطهم! تحدثت نعمة بعجيج: =حرام يا ستي انتي مش عيلة صغيرة عشان تعملي كده! نهضت أم الديب من مكانها، وصاحت بصخب: _انتي مالك يا بت؟ ستك تعمل اللي هي عايزاه! ردت نعمة بفزع: =أنا غلطانة. التفتت نعمة نحو الناحية الأخرى، ونادت أختها بصوت مرتفع: =يا هايدي تعالي ساعديني. خرجت هايدي من غرفتها، وقالت باستجابة: _حاضر. دخلت هايدي المطبخ، وساعدت أختها في التحضيرات، وبالقرب من أذن نعمة، قالت بصوت خافت: _تصدقي بالله انا قرفت والله. ردت نعمة بنبرة خافتة، كمن يهمس في الظلام الدامس، بلطف يشبه لحن الرياح الهادئة في ليلة هادئة، وكأنما تمنح كل كلمة وقتها لتتأمل فيها قبل أن تتردد في الهواء: =هو انتي لواحدك؟ مانا كمان قرفت، وطهقت...ليالي معزومة عند أهلها النهاردة، وسابتني في الهم ده لواحدي! تفوهت هايدي بضيق وهي تتنهد، كموجة من الأنين الخافت تتزايد في دواخلها، وهي تحمل في صدرها أعباء الزمن، وأحزان الأيام، تاركة كلماتها تتساقط كأوراق الخريف المتناثرة في الرياح الباردة: _ده يا بختها والله أهي ارتاحت منها يوم. نادت أم الديب نعمة بصياح: =كوباية الماية يا نعمة. ردت نعمة بصوت عالٍ: _حاضر أهو. هذا اليوم الأول من وجبة الإفطار لأسرة أحمد في منزلهم بمفردهم حيث كان أحمد مشغولًا في عمله، وفي الوقت نفسه، قامت جميلة برعاية ابنتها أسيل، فغيرت ثيابها المتدنسة، ثم دخلت المطبخ لتجهيز الطعام للمرة الأولى بمفردها، ولم يفوتها لحظة حتى حضرت سيليا لتقدم المساعدة لوالدتها، فأعلنت بصوت مغمور بالحماس: =مامي انتي هتعمليلنا أكل ايع النهارده؟ استخرجت جميلة العجان من الخزانة، وهي تتأمله بابتسامة رقيقة تعكس فرحتها باللحظة، وقالت بصوتٍ ينبض بالتركيز: _هنعمل بيتزا بيبروني، وفرايز...ايه رأيك؟ وضعت سيليا يدها برفق على شعرها الناعم، وهي تفكر بانغماس، كأنها تتأمل في أفق الأفكار، حيث تترنّح بين خيوط الأمل، وأضواء القرارات المستقبلية: =الله حلو أوي يا مامي...أنا عايزة أساعدك! ردت جميلة بابتسامة: _روحي هاتي الفلور من التلاجة. نطقت سيليا: =حاضر. استخرجت سيليا عبوة الطحين الباردة من المبرد، وبدأوا بتجهيز العجين في عجان البيتزا بإتقان، حيث امتزجت روائح الدقيق بالماء، والخميرة الفورية لتشكل سيمفونية الخليط المثالي. ثم قطعوا الخضار بمهارة فائقة، وفي هذه اللحظة، تجلّت بسمة دافئة تنبض بالسعادة، والرضا، وجميلة تقول بلطف ينبعث من قلبها: _شابوه يا سيليا...أنا مبسوطة بيكي بجد. قالت سيليا بتمني: =امتى أسيل تكبر بقى عشان تساعدنا! ضحكت جميلة، وفي عينيها بريق يعكس فرحة لا توصف، وقالت ببساطة متواضعة: _لا لسه بدري أوي عليها. ردت سيليا: =أوكي...نانا بسمة هتيجي امتى؟ أجابت جميلة وهي تقطع الفلفل الأخضر، بينما تتأمل في الألوان الزاهية، والنكهات الطازجة التي تملأ المطبخ، وينعكس على وجهها النقاء: _لسه محددناش بس هتيجي قريب أوي. نطقت سيليا باشتياق: =أوكي يا مامي ياريت في أقرب وقت! ضحكت جميلة، وقالت بحدب: _ متقلقيش! بعد أن انتهت جميلة من تقطيع الخضروات بدقة، تركت العجين يختمر ببطء في زاوية المطبخ الدافئ، ثم بدأوا في صنع البيتزا سويًا بتناغم. مضت الساعات وعاد المعلم حنفي إلى المنزل، متجهم الحاجبين، ومعه يرافقه ترقب الأمل الميت في قلبه، يتمنى أن تتلاشى همومه وأن يتبدل الظل السائد بنور الأمل كسحابة تذوب في أفق السماء، وفي لحظات الانزعاج، كانت نعمة قد صنعت الفتة بالصلصة، والبط بأناملها الحانية. نطق المعلم حنفي بصوت ساخط، معبرًا عن كراهيته: =السلامو عليكو. رد حامد بابتسامة دافئة أثناء جلوسه على الأريكة، وكأنما تتساقط أشعة غروب الشمس الدافئة على وجهه، مما يصف راحة البال، والسعادة الداخلية التي يشعر بها في هذه اللحظة المريحة: _وعليكم السلام يا حمايا...تعالى! جلس المعلم حنفي بجانب زوج ابنته، وقال بصوت خافت: =هي الولية لسه لازقة؟ رد حامد بتعجب: _ولية مين؟ قال المعلم حنفي بضيق، مظهر غضبه بعبارات صارمة، ونبرة صوت مشحونة بالاستياء، مما ألقى بظلال من الهم: =لا متاخدش في بالك. خرجت أم الديب من المطبخ، وفي لحظة من التأمل العميق، عبّرت قائلة: _منورة الدنيا ياما. ردت خواطر بوجه عابس، حيث تأتي عبارتها محملة بالشحناء: =منور بيكي انتي لواحدك يا بسمة. تلفظ المعلم حنفي بصياحٍ كامد، صدح صوته في الصالة كالرعد في السماء: _هي لواحدها ليه؟ هو مينفعش ينور بيا أنا كمان؟ أجابت خواطر بنبرة حادة، كأنما تمزقت كلماتها من بين شفتيها بقوة: =أنا مبحبش غير بسمة بتي! وقف المعلم حنفي مكانه، وصاح فيها بصوت يتراقص على حدود الاهتياج: _ياختي ربنا ياخدك، ويريحنا منك! اقتربت أم الديب منه، وهي تشرد نار الغل من عينيها، كأنها تتصاعد من جسمها المشدود. يبدو أن المشكلة ستكبر بينهم، وتتفاقم بمرور كل كلمة تتبادلانها، وسينتهي مطاف المعلم حنفي في مائدة الإفطار. يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة