الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر

11 0

كانت جميلة تشعر بالاشمئزاز البالغ من الطريقة التي استخدمتها أم الديب في استكشاف الأكياس بيدها المتجولة بعشوائية، فكأن تلك الأيدي تتفحص محتوياتها كما لو كانت تبحث عن كنز مفقود، مما دفع جميلة إلى إلقاء نظراتها المنزعجة التي تناثرت في كل مكان، كأنها سهام مسمومة، وفي تلك اللحظة، كانت أم الديب تبتسم ابتسامة وديعة، وكأنها لم تلاحظ أي شيء من سخط جميلة، ثم عبرت بمرح قائلة: _ريحتها حلوة...ايه اللي جوا ده؟ نظرت جميلة إليها نظرة مفعمة بالاشمئزاز، تحمل في طياتها استياءً عميقًا لا يمكن إخفاؤه، ثم قالت بصوت متهدج يكاد يقطر بالازدراء: =سيبي الأكل يا طنط...خلاص المغرب قرب أوي! ردت أم الديب باشتياق ملحوظ في صوتها: _استعجلوا عم الشيخ ألا آني على أخري. تعجبت هايدي من الاستعجال الذي بدا على أم الديب، وعبّرت قائلة بصوت متسائلًا: =نعمله ايه يعني يا ماما هو بمزاجه؟ ده كل حاجة بميعاد. خرجت أم الديب من حجرة الطهي وجلست بجوار أفراد عائلتها، وبعد دقائق من تجمع العائلة على طاولة الطعام، سمعوا صوت المؤذن يُعلن أذان المغرب. في هذه اللحظة، أطلق المعلم حنفي كلامه بتقوى: _اللهم لك صومت، وعلى رزقك أفطرت. أشارت أم الديب بيدها نحو طبق اللحم، وقالت ببساطة متناهية: =ناولوني الأكل بسرعة. اشترى أحمد لحومًا مشوية مليئة بالنكهات المُغرية، حيث تضمنت الأطباق الفراخ المشوية، والكباب الشهي، والكفتة المميزة. ولكن لم تكتف الوليمة بذلك فقط، بل امتدت لتشمل الحمام المحشي بتوابله الغنية، والملوخية الشهية المطبوخة بإتقان، والمكرونة البشاميل التي تذوب في الفم، وعلى الطاولة، وجدنا طواجن من الأرز المنمق بالتوابل والبهارات الشرقية، وطواجن من الخضار الطازج المصنوع بحنكة فائقة. إنها وليمة رائعة تحمل في طياتها الكثير من اللذة والتميز، حيث تمتزج الأصوات والألوان والنكهات في مداها الفني لتخلق تجربة غنية، ومثيرة للحواس. وفيما كان المعلم حنفي يتناول طعامه ببهجة، قال: _براحة يا ولية الأكل هيقف في زورك! كانت أم الديب تلتهم الطعام بشهية جائعة، كأنها تعتقد أن هذه الفرصة لن تتكرر لها في حياتها مرة أخرى. كانت تنقض على الأطباق بنهم، وتنزلق قطع الطعام من فمها كالمطر المتساقط وتتناثر في طبق المعلم حنفي الذي كان يجلس بجوارها. وصوت بلعها كان يعلو ويملأ الهواء المحيط، معبرة بصوت غليظ عن امتنانها لمذاق الطعام الممتاز، فنطقت بفرح: =ده الأكل طِعم أوي يا عيال. تحدثت جميلة باشمئزاز: _بألف هنا يا طنط. نطق جلال، وهو يتلذذ بحلاوة مذاق الطعام: =يا سلام يا سلام أهو ده الكلام الصح. بعد مضي ساعة وقليل، انتهت العائلة من تناول الطعام وتنظيف الأطباق من شدة الجوع الذي كان ينخر بأعماقهم. وفي لحظة من الضيق الناتج عن الشبع الجسيم، وضعت أم الديب يدها المرتاحة على بطنها الممتلئ، وقالت بإرهاق: _الأكل كبس على نفسي يا عيال...حد يشدني. سحبت نعمة أم الديب نحوها بكل قوتها، وقالت بصوت مليء بالاعتراض: =انتي مكنتيش راحمة نفسك ياما! جلس جلال على الأريكة، وقال بإنهاك: _تسلملي ياخويا...ياريت نحبس بالعصير الله يكرمك. نهض أحمد في مكانه، ثم ألقى بنظرة متأملة في الفضاء، وبصوت متأني قال: =أه طبعًا اديني خمس دقايق. دخل أحمد المطبخ برفقة زوجته جميلة، وأخته هايدي، حيث بدأوا بتحضير العصير في الكؤوس بروح من التعاون، وفي لحظة ما، عندما نظرت جميلة إلى الحلوى التي اشتراها جلال، وجدتها تشبه العجين وتبدو غير مناسبة للتقديم. فعبّرت عن انزعاجها بينما قالت: _مش معقول هما جايبين الحاجات دي منين؟ نظر أحمد باشمئزاز للحلوى، وقال: =هو جلال اللي جايبها؟ ردت هايدي بسخرية: _أه أمال ايه، ولو كنت قولتله آجي معاك كان زعق وعمل مشكلة...أصل محدش بيفهم غيره. تحدثت جميلة بغثيان: =بقولك ايه شيل الحاجات دي...في دوناتس من امبارح. نطق أحمد بتعجب: _دوناتس ايه يا جميلة؟ مانتي عارفة أنهم ميعرفوش الكلام ده. تفوهت جميلة باشمئزاز، وبتعبير يدل على عدم رضاها: =بليز خدهم بس وأنا هبقى أنزل الحاجات دي لأي حد محتاج. خرج أحمد بالكعك المحلاة ووزعه بين أفراد العائلة، وعندما وصل الدور إلى جلال، قال بابتسامة: _حلوه القرص المخرومة دي... انت جايبها من أنهو فرن؟ رد أحمد بصدمة: =قرص مخرومة؟ تناول جلال كعكة اللوتس بلذة، وعبّر قائلًا بصوت ملآن بالإعجاب: _لا بس طعمها ايه زي العسل. وواصل مع أبنائه: =خد يا حمود انت، وأختك. فر الأطفال نحو جلال لتناول الكعكة المحلاة، وفي هذا الوقت، قالت ليالي بغيظ: _احنا عندنا من البتاعة دي كتير في الفرن اللي على أول الشارع. خرجت جميلة من المطبخ، ووجهت كلامها بأسلوب حيوي، قائلة: =دي دوناتس يا ليالي مش قرص، والكلام الغريب ده! تناولت أم الديب الكعكة المحلاة بلذة، وابتسمت وهي تقول برضا تام: _تسلم ايديكي يا جميلة...هاتولي منها كيس. قررت هايدي أن تلقي بنفسها في معركة الحديث، متعهدة بإنقاذ ما يبدو أنه لا يمكن إنقاذه في مظهرهم قبال جميلة، بغية تصحيح الأوضاع وإلقاء الضوء على الأمور بشكل دقيق: =علفكره يا ماما دي مش قرص ومبتتحطش في أكياس! ردت أم الديب، بينما كانت تتناول قطعًا من الكعكة بهدوء، مستمتعة بقوامها الناعم الذي يذوب في الفم: _اسكتي انتي يا بت، هو آني هتوه عن القرص؟ ده هتلاقيها في بلدنا الواحدة بجنيه ونص. شعر أحمد بإحراج شديد أمام زوجته، حيث اجتاحته موجة من الخجل جعلت وجنتيه تكتسيان بحمرة خفيفة، فابتسم ابتسامة خجولة، محاولًا إخفاء توتره، وجزّ على أسنانه بملامح مترددة، وهو يقول بصوت متقطع: =منورين يا ماما. نطقت أم الديب بحُب: _منور بيك انت وجميلة. بعدما انتهت العائلة من شرب العصير المنعش الذي أعدته جميلة بمهارة فائقة، خرجت جميلة، وليالي، ونعمة، وهايدي إلى البلكونة الفسيحة المزينة بأبهى الزهور، وأروع النباتات التي تروي النفس وتبث في الأرجاء شعورًا بالانتعاش، فقد كان المشهد بديعًا، حيث تتعانق الألوان الزاهية، وتتناغم في لوحة طبيعية أخاذة. وبينما كانت النسائم العليلة تداعب وجوههن وتبعث فيهن إحساسًا بالسلام، عبّرت نعمة عن رغبتها العميقة في أن تحظى بفرصة للعيش في مكان يمتاز بهذا الرونق البديع، قائلة بشغف واضح: =يا سلام يا جميلة ياختي ده ياريتني عايشة في مكان زي ده كانت نفسيتي اتحسنت كتير....ده أنا مقولكيش كفاية أمي بس ومشاكلها اللي تفقع المرارة. اختصرت جميلة كل ما كان يجول في خاطرها من أفكار، ومعانٍ في كلمتين بسيطتين، فقالت برقة: _أها ربنا يديكي حاجة أحسن من كده. تحدثت ليالي ببغضاء: =متفكرنيش بأمك يا نعمة! ضحكت نعمة ضحكة صافية تنم عن سرور لا يوصف، ثم قالت بنبرة مرحة، وعينين تلمعان بالفرح: _معلش ياختي...المؤمن دايمًا مصاب. نطقت هايدي، وقد غمرتها مشاعر الامتنان، وهي تتذكر الوليمة الفاخرة التي أعدها أخوها وزوجته بكل حب، فقالت بتقدير: =شكرًا يا جميلة، بجد اليوم كان حلو أوي. ردت جميلة بابتسامة عريضة، تعكس دفء قلبها وصفاء نيتها، وقالت بصوت هادئ مفعم بالود: _العفو يا روحي، حلو بيكوا انتوا. قالت ليالي بدهاء: =شكرًا ياختي ده من ذوقك. في منزل عائلة حامد، حضرت هبة وهي تحمل ابنتها بين ذراعيها بحنان، ونزلت إلى شقة أم أشرف، حيث قابلتها بابتسامة دافئة، فقالت لها بنبرة مفعمة بالتقدير: _أقعدي ارتاحي يا هبة. ردت هبة: =حاضر يا ماما. جلست هبة بتأنٍ على الأريكة المريحة، وهي تحتضن ابنتها الصغيرة برفق، ثم بدأت أم أشرف تتحدث بصوت حميمي، مملوء بالخبرة، محاولة مشاركة أفكارها، وقصصها: _حامد مطنشني بدل مايفطر عندي يوم، رايح عند أخو نعمة. تحدث عبد الغني بصوته الثقيل المليء بالحكمة، ووجهه ينبعث منه السكينة، وقد كانت كلماته محملة بالتوجيه، وهو يشارك أفكاره وتجاربه بأسلوب ملهم، ليساعد الآخرين في فهم الحياة: =اعزميهم يوم يا أم أشرف. تحدثت أم أشرف: _ناولني التليفون يا أشرف يابني. أحضر أشرف الهاتف وسلمه لوالدته، التي استخدمته للاتصال بحامد، ثم قالت بابتسامة: =ألو يا حامد...ازيك؟ رد حامد ببشاشة وجهه المنيرة، وهو يجلس بين أفراد العائلة بأجواء من الألفة: _الحمدلله، انتي و أبويا وأشرف عاملين ايه؟ وجهت أم أشرف كلماتها بصوت حاد: =بخير يا حمو....مش ناوي تيجي يوم عندنا؟ أجاب حامد: _وأنا أقدر آجي من غير إذنك ياما؟ ردت أم أشرف، وعلى وجهها عبوس: =ليه هو انت محتاج عزومة؟ أنا عازماك بكرا عندي انت وابنك. نطق حامد بتعجب: _طب ونعمة؟ أجابت أم أشرف بنظرات متجهة بكراهية صوب نعمة، كأنها ترسل إليها رسالة صامتة بأنها لا ترحب بوجودها في هذا المكان: =خليها عند أهلها هما أولى بيها...أصل الأكل على القد. رد حامد بصوت خافت، وعيناه ترمق أفراد عائلة نعمة بالقلق، حذرًا من أن يُلاحظ حديثه من قِبَل أحدٍ منهم، كما لو كان يخشى اندفاع ردود فعلهم إذا سمعوا ما يقول: _بس كده نعمة هتزعل مننا! تفوهت أم أشرف بتدليس: =قولها إنك معزوم عند واحد صاحبك. رد حامد بصوت خافت، كأنه يرغب في أن يكون ملاحظة لدرجة أقل من قِبَل الآخرين، مما يدل على توتره في اللحظة الحالية: _ماشي ياما...سلميلي على الحاج والموجودين. تحدثت أم أشرف: =طيب يا حامد مع السلامة. قال حامد بابتسامة: _مع ألف سلامة. بعد مضي ساعتين من الزمن، وبينما كانت العائلة تتجه خارج منزل أحمد، قاطعت خطواتهم سكون المبنى المحيط، معبرين عن سعادة يملؤون بهما قلوبهم. فاحتضن المعلم حنفي ابنه بحنان عميق، وكانت الابتسامة تتفتح على وجهه، معبرًا بحرارة قائلًا: =نبقى نشوفك أول يوم العيد. رد أحمد بلُطف: _حاضر يا بابا ربنا يسهل. عانقت جميلة أم الديب، وقالت بإحسان: =نورتونا يا طنط انتي، وأونكل، وكلكم بجد نورتونا! تفوهت أم الديب ببهجة: _انشاالله تنستري يا جميلة يا غالية. عانقت نعمة جميلة، وقالت بابتسامة تعبق بالدفء: =الله يخليكي ده نورك انتي. تحدثت سيليا بزهزقة: _هشوفك تاني ياتقى! ردت تقى بضحكة بريئة: =أنا هجيب عروسة نلعب بيها عندي. قالت سيليا ببراءة: _أوكي وأنا هجيب معايا بقية العرايس. نادت ليالي ابنتها بصوتٍ ينطلق بمزيج من الاستعجال، قائلة: =يلا يا تقى! أجابت تقى: _حاضر يا ماما. وأشارت بيدها لسيليا بلُطف، وواصلت بكلماتها بلا تردد: _باي يا سيليا. أشارت سيليا بكف يديها في الهواء، وقالت بصوتٍ واثق: =باي يا تقى. تحدث أحمد باكتهاء: _مع ألف سلامة. رد المعلم حنفي ببشاشة: =الله يسلمك. نزلت العائلة في المصعد الكهربائي، وركبوا سيارتهم حيث وجدوا مكانًا واسع للجلوس، ثم قالت ليالي بدهشة: _هما محطوش ليه من علبة الحلويات اللي جيبناها؟ أجاب جلال بسخرية، وهو يدير مفتاح السيارة باتجاه الماتور، معبرًا بنبرة مستهزئة: =تلاقيها مش قد المقام ولا يمكن شالوها تتاكل يوم تاني. ردت هايدي بوضوح: _هي بصراحة كان شكلها مقرف أوي. صاحت أم الديب قائلة بانفعال: =انت جايب لأخوك حلويات بايظة ولا ايه يا ولا؟ رد جلال بعصبية جارفة، وهو يقود السيارة، حيث تفاعلت عضلات وجهه مع كلماته كالبركان المتجه نحو الانفجار، معبرًا بلسان الحال عن غضبه اللافت: _وربنا ماحصل ده حتى كان شكلها يفتح النفس. ظهر بوز ليالي الملتوي من على بعد كالهلال المنير في سماء الغضب، وقالت بنبرة ساخطة تتردد في الأفق كالرعد الجارف: =حوسة علينا عمالين نصرف ونبعزق وبرضة مش عاجب. تحدثت أم الديب بصياحٍ يُفرِد في الفضاء، كلماتها كالصاعقة المنفجرة في السماء السوداء: _لمى نفسك يا بت، ولا انتي مستخسرة فيهم شوية الحاجات اللي جيبتوها؟ ردت نعمة بعدالة: =ملكيش حق يا ليالي..ده أحمد الله يباركله كان صارف، وجايب حاجات كتير وكلها الله أكبر عليها طلعت زي السكر. نطقت أم الديب بامتعاض: _ايهي قوليلها يا نعمة. خرج جلال عن شعوره بعدما ضربت الدماء رأسه، فصاح بكلماتٍ تنبض بالإحساس، كأنها نبعت من أعماقه المضطربة: =خلاص مش عاوز نص كلمة! تحدث المعلم حنفي: _آني هانام ياض، ولما يخلصوا خناقة أبقى صحيني. ذاب المعلم حنفي في نومه العميق، وبعد مضي ثلاث ساعات على الطريق المتعب، وصلت العائلة إلى منزلهم البسيط في القرية الهادئة، حيث انتشرت السكينة بين جدرانه المتهالكة. تفرق أفراد العائلة ببطء ليتوجهوا إلى شققهم، تاركين وراءهم أصوات الكلام الودي في الهواء الطلق، وفي شقة نعمة، شعر حامد ببعض التردد يتسلل إلى قلبه مثل الغيوم المتشكلة في سماء الصيف الحارة. لم تكن وليمة والدته غدًا مجرد حدث عابر، بل كانت محطة تجمع العائلة بأكملها، تلك العائلة التي تمثل له عالمه وأساس حياته، لذا قال بتلجلج: =بقولك يا نعومي...أنا معزوم بكرا عند واحد صاحبي، وبفكر آخد محمد معايا أصلها عزومة رجالي وكل واحد هيجيب عياله. دخلت نعمة الغرفة، وعبّرت بتعجب واضح في صوتها، وتعابير وجهها: _صاحبك مين ده؟ دخل حامد الغرفة عقب زوجته، وقال بتردد كأنما يترقب رد فعلها بانتباه واضح: =لا ده واحد انتي متعرفيهوش. ردت نعمة بذكاء: _طب روح انت...عايز تاخد محمد معاك ليه؟ تلفظ حامد بتردد: =مانا بقولك يا نعمة كلهم هيجيبوا عيالهم علشان العيال تلعب مع بعض. لم يتغلغل حديث حامد في عقل نعمة، فهي تخشى على ولدها كأنها تحاول حمايته من كل ذرة هواء، ولذا، بينما تتأمل وجهه الهائم بالتردد، وعيناه الملتفتتين بحذر حول الغرفة، قالت: _تلعب مع بعض؟ انت بتقول ايه ياخويا؟ أنا الكلام ده مش داخل دماغي...سيب الواد هنا ماهو بيلعب مع ولاد خاله جلال! نطق حامد بإحباط: =خلاص بشوقك يا نعمة أنا بس كان قصدي خير أصل صاحبي ده ربنا يزيده من فضله عنده فيلا إنما ايه حاجة من الآخر، وعامل حتة في الجنينة مليانة ألعاب من اللي قلبك يحبها. ردت نعمة برهبة: _لا أنا ابني ميبعدش عني، والحتة اللي يروحها رجلي على رجله...روح انت وسيب محمد هنا! شعر حامد أنه ليس هناك جدوى في إقناع نعمة بتلك الحجج الفارغة، فألقى كلماته بثقل كالصخرة الثقيلة في بحر الصمت: =بشوقك يا نعمة، هعمل ايه طيب؟ اللي تحبيه! استفاقت ليالي في اليوم الثاني، وبينما خرجت من غرفتها، وجدت جلال يجلس بلا حراك على الأريكة، لم يغادر بعد إلى عمله المعتاد. رسمت ابتسامة طاغية تملأ شفتيها المتوشحة بالفرح، وهمست له بصوتٍ ينبض بالحب: _صباح الخير يا جلال. رد جلال بابتسامة: =صباح الفل. نطقت ليالي بصراحة: _العيال نفسهم يغيروا جو برا. أجاب جلال بدهشة: =يغيروا جو ليه احنا مش امبارح كنا عند عمهم؟ ردت ليالي بأمل: _لا ياخويا نخرج نتفسح ونفطر في حتة حلوة. تحدث جلال بحيرة: =موعدكيش النهاردة يا ليالي ده أنا امبارح دافع مبلغ يدبح خليها يوم تاني. نطقت ليالي بابتسامة: _طيب ياخويا متنساش! عندما خرج جلال من الشقة، وأوصدت ليالي الباب وراءه، نزل جلال ببطء على الدرجات، يفكر في أحلامه الضائعة، وأماله المتلاشية. فجأة، جاءت نعمة مع ابنها، ووقفوا أمام باب الشقة. لحظة التواجد هذه كانت غير متوقعة بالنسبة لليالي، التي فتحت الباب بتردد، وأبدت اندهاشها الخفي برؤية ضيوفها. بينما كانت تتأملهم بلا حرف، أخذت نعمة تبتسم بلُطف وتقول بصوت ودي: =صباح الفل يا ليالي. عانقتها ليالي بقوة، وابتسمت وهي تقول: _صباح الهنا...أدخلي! وقبلت وجنة محمد بحنان، ثم واصلت بابتسامة تمتزج فيها الفرحة: _ازيك يا محمد؟ رد محمد: =الحمدلله. تحدثت نعمة: _حمو هيفطر برا النهاردة مع جماعة صحابه وكان عايز ياخد الواد معاه بس أنا مرضتش. ردت ليالي بابتسامة خافتة: =أقعدي نفطر مع بعض النهاردة...ده أنا مقولكيش بقى ده جلال مجهزلنا حتة خروجة إنما ايه هتعجبك أوي. جلست نعمة على الأريكة برفقة ابنها، وعبرت عن فرحتها: _بجد يا ليالي؟ جلست ليالي على كرسي الأريكة، وبينما كانت تحتضن ابنتها، قالت بابتسامة تمتزج فيها الامتنان: =أيوه أمال ايه...بس مش النهارده. تبدلت ملامح ليالي فجأة إلى الاستياء، وأردفت بصوت مكسور: _ده يا عيني صرف اللي في جيبه على شوية الحاجات اللي جابهم. ردت نعمة: =لا ده ربنا يعينه...يلا مش مهم كده كده الأيام جاية كتير. وضعت ليالي يدها برفق على خذها، وفي لحظة تأمل عميقة، قالت بصوت هادئ: _هنعمل أكل ايه؟ ده احنا أول كام يوم قضيناهم مصاريف لحد ماخلصنا اللي معانا. ردت نعمة: =نعمل أي حاجة يا ليالي وخلاص انشالله نقضيها فول وطعمية وشوية بطاطس. ردت ليالي بمكر: _لا ياختي متبقاش السنيورة هناك بتاكل كل ما لذ وطاب واحنا هنا مقضينها فول وطعمية...متقلقيش عندي كيس لحمة في التلاجة هطلعه نعمل عليه شوية خضار. تذكرت نعمة في الحال ما تملكه في مبردها، وقالت بانتباه ملموس: =حلو أوي يا ليالي وأنا عندي فوق صدر فرخة نقطعه رفيع ياختي، ونعمله بانية جنب شوية مكرونة وبطاطس. ضحكت ليالي بابتهاج، وقالت بهزل: _ده احنا ليلتنا حلوة. ونهضت، وواصلت: _قومي قومي خلينا نلحق نخلص قبل ما أمك تطب علينا زي القضا المستعجل. قهقهت نعمة هي الأخرى بشدة، ومضت بخطوات خفيفة نحو المطبخ، حيث انضمت إليها ليالي استعدادًا لتجهيزات طعام إفطار اليوم. أما جلال، فقد غادر برفقة خاله ضايع، الذي كان في حالة من الاستعداد الملحوظ بسبب قرارهما المفاجئ بزيارة إحدى منازل الشباب. وفي لحظة من الفكاهة، قال ضايع: =جاهز يابن أختي؟ أجاب جلال بحماس: _جاهز يا خالي. انقض جلال، وضايع إلى المنزل كأنهما قد نهشا الأرض بطريقة الأسود المفترسة تجاه فريستها، حيث انكسر الباب إلى شقين تحت يد ضايع القوية، مثنيًا الأسلحة نحو الشباب الجالسين في منزلهم بحذر. تحدث ضايع بصوت مليء بالقوة: =اطلع ياض باللي معاك انت وهو! تحدث جلال بصوت ينفر القلوب، مطلقًا صياحه بينما يوجه الأسلحة باتجاه وجوههم: _يلا يا شوية رمم خلصوا! انشده صابر عندما خرج من المرحاض وواجه ضايع، وجلال وهما يحملان الأسلحة، فقال بصدمة ملموسة: =جلال؟ في هذه اللحظة العسيرة، كان جلال في حيرة شديدة، وكانت الشكوك تلف حوله، وهو يجد نفسه أمام واقع صادم. رؤية أخو زوجته برفقة الشباب. فتحدث بكلمات متقطعة: _انت بتعمل ايه هنا؟ وقف صابر ثابتًا أمام جلال، ولا يتوقع أبدًا أن جلال سيكون لصًا في يوم من الأيام. تأمل صابر للحظة، ثم صرخ بدهشة هائلة، صدحت أصداؤها في الغرفة المظلمة، وكأنها تكونت من حروف نار ترتفع في الهواء الملبد بالظلام: =انت اللي بتعمل ايه هنا يا جلال؟ تحدث ضايع بتخمين: _مش ده أخو مراتك يا جلال؟ أجاب جلال بتردد: =أه يا خالي. غمز ضايع بعينه بشكل مريب، وقال بنبرة فاسقة: _طب جدعنة مني أنا مش هعملكم حاجة...بينا يا جلال على بيت تاني! وقبل أن يغادر، واصل بتوعد: _اللي هينطق حرف أنا همسحه من على وش الدنيا فاهمين؟ رد الجميع برهبة شديدة، وأعينهم تتجه نحو سلاح ضايع الشرس الذي لا يتهاون، حيث انطلق الصمت المرعب يملأ الصالة، وكأنهم يتأملون في وجه الخطر الذي يتجسد أمامهم بكل قسوة: =فاهمين. اندمجت نظرات جلال وصابر معًا، حيث كانت عين صابر تعبر عن صدمته العارمة من المشهد الذي وجده أمامه، وتعكس تساؤلاته وخوفه من ما قد يحدث بعد ذلك. بينما كان جلال يحاول تقديم تفسير لما حدث، ويتردد في خطواته خلف خاله ضايع، الذي يمثل تهديدًا مستمرًا. في الوقت نفسه، اتجه صابر بسرعة نحو الهاتف المحمول، حيث بدأ بالاتصال بعم سلامة في محاولة يائسة لإيجاد حلًا للموقف المتوتر، ووجهه يعبر عن الاضطراب العميق: _ألو يا حاج...الحقني! بعد أن خرج ضايع من المنزل، انبهر بالشباب الجبناء وهو يضحك بلا انقطاع. وفي تلك اللحظة، قال بابتسامة تحمل السخرية: =بس شكل أخو ليالي عيل طري. نطق جلال بتفان: _لا يا خالي هو بس مالوش في الحوارات دي. وقف ضايع إزاء إحدى المنازل، ليتأمل في واجهتها البيضاء المشرقة بألوانها الزاهية التي تعكس أشعة الشمس بشكل مدهش: =أنا هدخل البيت، وانت تعالى ورايا. رد جلال: _تمام يا خالي. كانت أم الديب جالسة في صالة شقتها، وهي تقشر الجزر ببطء على الأرض، حيث كانت أضواء الشمس تتسلل من خلال النوافذ الكبيرة، مما يمنح المكان أجواءً مشرقة. فجأة، خرجت هايدي من غرفتها المجاورة بخطى خفيفة ووقفت تحتجب بصمت معبّرة عن اشمئزازها من هذا النوع من الطعام، حيث عبرت بلسان ضاحك عن استيائها من رائحة الجزر ومظهره المبعثر على الأرض: =انتي هتعمليلنا سلطة ولا ايه؟ ردت أم الديب بتعجب: _سلطة ايه يا بت؟ آني هسلقلكم شوية جزر تاكلوه في ساندوتشات. نطقت هايدي بسخط: =ايه العك ده يا ماما هو حد قالك إننا أرانب؟ تفوهت أم الديب بضجيج مفزع، يمزج بين صوت الاستغراب والصخب المتقطع، معبرة عن دهشتها من ردة فعل هايدي تجاه الجزر: _ده اللي عندي إن كان عاجب يا بت! قالت هايدي بصياح عالٍ، ينطلق من عمق استياءها مظهرة رفضها لرؤية والدتها تقشر الجزر على الأرض: =أنا مستحيل أفطر معاكي...أنا لو كلت من اللي بتعمليه ده هروح على المستشفى بعدها عالطول. أمسكت أم الديب نعلها بيدها بقسوة، وانطلق الصياح من حنجرتها بنغمة تحمل في طياتها انزعاجًا شديدًا واستياءً لا يمكن إخفاؤه: _امشي يا بت الكلب! وجهت أم الديب ضربة قوية بالنعل نحو ابنتها، وبسرعة هائلة اندفعت هايدي في وقتها دون تردد للصعود إلى الطابق العلوي، حيث حاولت الابتعاد عن شر أمها المفاجئ، وفي حين كانت أم الديب تقشر الجزرة باندفاع، جلجلت باستياء من سلوك هايدي: _البت مش عاجبها حاجة وحاطة راسها في العالي، حد يقولها إننا غلابة على قد حالنا! في الأعلى، قالت ليالي لهايدي حينما وجدتها خائفة، بصوت زاخر بالتعاطف، محاولة تقديم الدعم في وقت الضيق: =أدخلي ياهايدي...تعالي! دخلت هايدي شقة أخيها، وقالت بعصبية: _أنا مش هفطر مع ماما شوفولي حل معاها! خرجت نعمة من المطبخ، وهي تحمل طبقًا من الطعام، وقالت بابتسامة ودية تنعكس على وجهها المضيء: =مانتي لو كنتي تتجوزي وتتستري في بيت جوزك كان زمانك مرتاحة منها لكن انتي اللي عاجبك كل ده. تفوهت هايدي بكمد: _وأنا علشان أهرب من ماما أقوم أتجوز وأتدبس في بيت، ومسئولية؟ جلست النساء على الأريكة، وبينما كانت الأجواء مليئة بالهدوء، قالت ليالي بحكمة: =اسكتي يا نعمة والنبي...أختك هايدي عندها حق أهي على الأقل بطولها ومرتاحة...مش وراها بيت، وعيال وكل يوم تصحى على صوت اللي عايز ياكل، واللي عايز يشرب، واللي عايز يستحمى، ده غير المسح والكنس...ده انتي في نعمة يا هايدي! ردت هايدي بحنق: _قوليلها، وأنا عليا بإيه ده كله؟ تحدثت نعمة: =انتي حرة اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه. تحدثت ليالي بابتسامة واسعة تعكس تقديرها: _كلي معانا ده الأكل بإذن الله هيكفي وزياده. ردت هايدي بخجل: =هساعدكم...خلي ماما تاكل ساندوتشات الجزر اللي بتعملها! ضحكت نعمة، وقالت بذهول: _هي أمي لسه فيها العادة المنيلة بستين نيلة دي؟ أجابت هايدي بصفو متعكر، حيث تجسّدت التعبيرات الحزينة على محياها، وتناغمت مع حالة الجو المغيمة التي تلفّ المكان: =أمال ايه؟ لأ وبتتكلم كأنها لحمة! ضحكت ليالي، وقالت باستهزاء: _سيبك منها دي كبرت وخرفت. في منزل عم سلامة، عندما اتصل ابنه به وهو في العمل، قال له بصدق ووضوح ما حدث بينه وبين جلال، ثم عاد إلى المنزل، وهو في صدمة جسيمة لم يتخيل أبدًا أن زوج ابنته يصبح لصًا في يوم من الأيام . خرجت تباهي من المطبخ حينما سمعت صوت زوجها، وقالت بترحيب: =انت جيت يا سلامة؟ لكن الصمت كان يحيق بعم سلامة وهو يجلس على أريكة منزله، مستغرقًا في أفكاره العميقة، التي كانت تتراقص في ذهنه مثل شظايا ضوء القمر على سطح الماء، فلم يكن ثمة صوت يُسمع سوى تنفسه البطيء، وإيقاع قلبه الهادئ، حتى قطعته تباهي بصوتها الناعم، قائلة بتعجب: _مالك مابتردش ليه؟ تردد عم سلامة في بداية الأمر أن يخبرها بالحقيقة المستعصية، فكتم أنفاسه لبضع لحظات، محاولًا أن يجد الكلمات المناسبة التي تستطيع أن تعبر عن تلك المشاعر المتلاطمة في صدره، ومع ذلك، وجد نفسه غير قادر على الاحتفاظ بهذا العبء الثقيل أكثر، فقرر أخيرًا قول الحقيقة، وانطلقت كلماته بنبرة حادة تحمل في طياتها الكثير من الحنق: =جلال جوز بتك. نطقت تباهي بفضول: _ماله؟ رد عم سلامة بصياح: =البيه ضحك علينا، وفهمنا إنه شغال على التوكتوك وفي الآخر داخل يتهجم على ابنك، وصحابه هو، وخاله ضايع قتال القتلة! ارتاع قلب تباهي بصوتها المرتفع الذي كان كجرس إنذار يتردد صداه في أرجاء الصالة، وقد تفاقم التعجب على وجهها، وتحول كلامها إلى صراخ حاد يشبه نحيب الأم المكلومة. تساءلت تباهي بصوت مخنوق عن مصير ابنها الغالي، واشتعل قلبها بنيران الخوف من فكرة تعرضه للأذى على يد جلال، وخاله الضال الذي لا يعرف الرحمة، وبدأت تتلوى الكلمات من خلال صوتها المذعور: _ابني جراله حاجة يا سلامة؟ رد عم سلامة بضجيج، وكأنه بركان قد انفجر بعد صمت طويل، وبدت في صوته نبرة الندم على زواج ابنته من جلال، الذي اعتقد يومًا أنه سيكون لها الملاذ الآمن. فقال بلهجة يختلط فيها الغضب بالاستياء العميق: =متخافيش يا أم ليالي، متخافيش ابنك كويس وصاغ سليم... أنا بتي ليالي ضاعت كانت تتقطع ايدي قبل ماتمسك في ايد جلال...كانت جوازة الشوم، والندامة! نزلت دموع تباهي كالشلال، متدفقة بحرقة، وهي تقول بصوت متهدج، ومفعم بالأسى: _يا حبيبتي يا ليالي يا قلب أمك...مش كان زمانك عايشة متعززة، ومتجوزة جوازة تشرف؟ مش كفاية أمه؟ يطلع جلال هو كمان كده... يا بختك المايل يا ليالي يا بتي. وضع عم سلامة يده فوق رأسه التي كادت أن تحترق من بركان الأفكار السامة التي تتصاعد في ذهنه بلا هوادة، وأخذ نفسًا عميقًا وكأنه يحاول أن يستجمع شتات نفسه، ثم قال بصوت مختنق يحمل بين ثناياه أوجاع السنين: =ده اللي عرفناه...أمال اللي مستخبي؟ ده زمانه عامل بلاوي أكتر ده احنا لسه ياما هنشوف من عيلة الديب. ردت تباهي بنواح: _أنا هكلم بتي أقولها...أطمن عليها! تلفظ عم سلامة بصياح: =أقعدي متروحيش في حتة بدل مايعمل حاجة في ابنك...ده احنا محيلتناش غير حتة واد واحد! جلست تباهي حيال زوجها، وهي تضرب يدها على ساقيها من فقدان حيلتها، وقد غلبتها دموعها التي انهمرت كالمطر في ليلة عاصفة، وقالت بصوت متألم من البكاء: _أمال أعمل ايه يا سلامة؟ قولي ياخويا أعمل ايه بس؟ رد عم سلامة بحصافة: =سيبينا نخطط بشويش. دائرة العجائب في منزل عائلة الديب حيث دخلت أم الديب المطبخ بخفة، وهي تسلق الجزر بأناملها الماهرة التي تتحرك كالراقصة على حبال مشدودة، تتلاعب بالخضراوات ببراعة فائقة. فتحت باب الثلاجة بمهارة، واستخرجت الجرجير الأخضر الفاسد، الذي لم تتردد في التخلص من فساده بقبضة ثابتة، تظهر فيها علامات التوفير. بدأت في عصر الجرجير بحرفية، ملاحظة كل تفصيلة لتحضير عصير لذيذ يتناغم فيه نكهات الطبيعة مع بعضها البعض. كل هذا الجهد لم يكن سوى جزء من جهودها الدؤوبة لتوفير المال، والصحة الأفضل لأسرتها، فكانت تعرف قيمة كل قرش تنفقه، وكيف يمكن أن تجعل كل وجبة تحمل بصمة العناية. لكن لم تكن تدرك أن زوجها الذي يحمل اسم المعلم حنفي، المعروف بحسه الشديد بالنظافة، يصل إلى مستوى الاشمئزاز من الروائح الكريهة التي تنبعث من المكان، بينما هو يستنشق الهواء بانزعاج واضح. فبعد أن شاهد مشهدًا فوضوي من تجهيز العصير، لم يتمكن من إخفاء استياءه، حيث أعرب بصوت ينطلق من بين شفتيه بغثيان: _ايه الريحة دي يا ولية؟ أجابت أم الديب بصوت غليظ كالرعد يزلزل أرجاء الدار، وقد بدت في نبرتها قوة: =بسلق جزر. رد المعلم حنفي بدهشة: _وانتي بتخنيلي صوتك ليه يا ولية؟ ماتردي زي مابكلمك! وصوب نظره على الخضروات المصفوفة بعناية أمامه، وكأنها تحمل نجاسة بين أوراقها الخضراء، وواصل حديثه بنبرة حازمة تتخللها لمسات من الفضول: _وايه ده انتي عاملالنا سلطة على الفطار؟ ردت أم الديب بسخرية: =أه ياخويا عاملالك سلطة... عاجبك كُل مش عاجبك اشرب من الترعة اللي قصادنا. رد المعلم حنفي بخوف: _لا وعلى ايه؟ آني ألحق نفسي قبل مايجيلي تسمم. صعد المعلم حنفي هو الآخر إلى شقة جلال. فتعجبت هايدي حينما رأته، وقالت بشك: =أوعى تقول إن حصلك زي ما حصلي! رد المعلم حنفي بوجه عابس: _وآني ايه عرفني باللي حصلك؟ أمك الله يكرمها عاملالنا سلطة على الفطار...لا صرفت وكلفت النهاردة. ضحكت ليالي، وقالت بشفقة: =الله يكون في عونك يا حمايا من اللي انت شايفه. جلس المعلم حنفي على الأريكة، ونطق بضيق: _ده أنا شوفت، وبشوف اللي محدش شافه...الولية دي ابتلاء من عند ربنا عشان يختبر صبري، وآني استحملت تلاتين سنة، وآني متغصب ويا عالم باقيلي قد ايه من عمري لما لسه هستحمله! خرجت نعمة من المطبخ، حاملة في يديها طبقًا مليئًا بأطيب الأطعمة التي أعدتها بإتقان، ووجهها مشرق بالسعادة، معبرًا عن رضاها التام عما صنعته: =متقولش كده يابا...ده ربنا يطول في عمرك. تحدثت ليالي بابتسامة: _ربنا يخليك لينا يا حمايا، وعقبال ماتشوف أحفادك في الزفة وتوصل تقى لعريسها كمان. رد المعلم حنفي بحزن عميق، ويأس شديد في الحياة: =أبوها يوصلها...ده آني كبرت، وعجزت، ورجلي مابقتش شايلاني. نطقت ليالي بابتسامة: _ربنا يديك الصحة يا حمايا...أقعد ارتاح بس ده أنتوا هتاكلوا أكل هتحلفوا بيه طول حياتكم. رد المعلم حنفي بمحبة: =الله يخليكي يا ليالي.. ليالي بت جدعة. في منزل عائلة حامد، تعجبت أم أشرف من مجيء حامد دون ابنه، كما كانوا قد اتفقوا مسبقًا على مجيئهم معًا. بينما تتأمل وجه حامد المتفاجئ، عبّرت بقولها الحاد: _مجيبتش محمد معاك ليه؟ رد حامد بإحباط: =نعمة مرضتش وفضلت أحور وأألفلها حوارات مصدقتنيش وقالتلي رجلي على رجل ابني. تحدثت أم أشرف بكمد: _ليه ان شاء الله هي مش مآمنة على الواد مع أبوه؟ ليه هتاكله ولا هتخطفه؟ ده احنا اللي نخاف منها هي وأمها! جلس حامد على الأريكة، وقال بتثبيط: =أنا سيبتها براحتها وبعدين لو كنت خدته كان زمانها مش مبطلة إتصالات، أصلك انتي متعرفيش هي بتخاف عليه ازاي! جلست أم أشرف على الأريكة، وجسدت كل كلمة من كلامها ببرودة شديدة: _فضها سيرة بلا نعمة بلا زفت...انت عامل ايه يا حامد؟ أجاب حامد: =الحمدلله كله تمام. خرجت هبة من المطبخ، وتفاجأت بوجود حامد، فابتسمت ببهجة، وقالت بترحيب: _ايه ده ازيك عامل ايه؟ نطق حامد بسرور: =الحمدلله. ردت هبة بفضول: _أمال نعمة مجاتش ليه؟ لم تمهل أم أشرف حامد للرد، بل سرعان ما نطقت بدلًا منه، قائلة بلغة تعبير جلفة: =نعمة تعبانة! ردت هبة بتعجب: _غريبة مع إن أنا مكلماها امبارح كانت كويسة يعني. تفوه حامد بانشراح: =لينا زيارة تانية عندكم أصلك وحشتيها وعايزة تقعد معاكي شوية. ردت هبة: _تنور، مانت عارف غلاوة نعمة عندي عاملة ازاي! رد حامد بابتسامة: =وانتي غالية عندها دي بتعزك أوي! جزت أم أشرف على أنيابها، وبتعبير حاد قالت: _اطلعي ارتاحي يا هبة وأنا هشوف الأكل. ردت هبة: =لا يا حماتي أنا داخلة أشوف. دخلت هبة إلى المطبخ مستمرة في تتبع الطعام الموجود على الموقد، بينما قال حامد بسخرية تامة، كأنه ينتقدها: _بتحبي تريحيها أوي يا حاجة. ردت أم أشرف بنبرة حادة، منطلقة بشكل لاذع: =هبه مرات أخوك بعتبرها زي بتي وأكتر. قال حامد: _ربنا يزيد المحبة. في منزل أم الديب، لم يحضر جلال بعد، وكان الجميع مجتمعين في شقة ليالي حول الطاولة، باستثناء أم الديب التي كانت تنتظر تناول وجبة الإفطار بمفردها في شقتها. وفي هذا السياق، صرّح المعلم حنفي بأسلوبه المعهود بتعبيراته العميقة، حيث قال ما يلي: =باقي قد ايه يا عيال؟ نظر حمود في الساعة، وبتأمل عميق عبّر قائلًا: _باقي عشر دقايق يا جدي. تحدثت تقى بأُوام: =ماما هاتيلي أشرب! صبت ليالي المياه الباردة في الكوب برفق، وسلمته لابنتها معبرةً بحديثها: _خدي! وواصلت مع المعلم حنفي بتضايق: _جلال اتأخر أوي يا حمايا، أنا قلبي واكلني عليه! أجاب المعلم حنفي بأهكومة: =متخافيش جلال يتخاف منه ميتخافش عليه. ردت نعمة، وهي تحرك الملعقة أمامها بانسيابية فائقة: _لا انتي اطمني...جلال محدش يقدر عليه غير اللي خلقه. دخل جلال الشقة، محملًا معه كيسًا من الحلويات، فأدركت ليالي الفرصة، وقالت بلهفة: =كده يا جلال اتأخرت علينا كده ليه؟ تلفظ جلال بإرهاق: _كنت بشتريلكم شوية حاجات...دخلوها جوا! أخذت نعمة الحلويات من أخيها ودخلت بها إلى المطبخ، حيث كانت تتنقل بين الرفوف والأدراج بحثًا عن مكان مناسب لتخزينها. وفي هذه الأثناء، أظهر المعلم حنفي فضوله الطبيعي الذي لا يُخفى، حيث نطق: =ايه أخبار الشغل؟ جلس جلال بجانب والده، وأعرب عن أفكاره بشكل عميق: _لا الشغل اليومين دول حاجة تمام أوي... ده يارب يفضل كده عالطول. رد المعلم حنفي بوجه متهلل: =أصل أنا راجل لماح جلال ميدخلش باللي في ايده ده غير وربنا كارمه. ضحك جلال، وتفوه بافترار: _أمال هبخل عليكم؟ وواصل، وهو ينظر حوله بفضول: _أمال أمي فين؟ أجابت نعمة: =أمك هتفطر لواحدها تحت. فرح جلال عندما علم باختفاء والدته، وابتسم بفرح غامر يعكس سعادته وارتياحه في غيابها: _أحسن برضة... جهزوا نفسكم بكرا ده أنا هاخدكم في خروجة...هنفطر برا يا عيال! عادت نعمة من المطبخ، وجلست بجانبهم، في حين أعربت ليالي بسعادة عارمة، ونبرة صوتها تنطلق بكامل البهجة: =بجد ياخويا؟ أجاب جلال بسعادة: _أيوه أمال ايه؟ تلفظت ليالي بسرور: =يخليك لينا ياخويا وميحرمناش منك. تحدث حمود: _جدي انت مش قولتلي هتجيبلي عربية لعبة؟ رد المعلم حنفي بتشتت: =متقلقش ياض هبقى أشوفهالك بكام وأجيبهالك. تفوه جلال، وهو متعجب من غياب حامد، وفي كلماته تنساب لمسات الاستفهام، تعكس حيرته من الوضع المفاجئ: _أمال جوزك فين يا نعمة؟ مش شايفه يعني! أجابت نعمة ببلاهة: =معزوم عند واحد صاحبه. ضحك جلال، وقال بمجانة: _ارتاح منك يوم. قالت نعمة بانفعال: =بقى كده يا جلال؟ ليه ياخويا هو أنا بعمله ايه بس؟ رد جلال بوضوح: _النسوان زن ووجع دماغ. تحدثت ليالي بتعجب، وفي صوتها انعكست لمسات الدهشة، معبرة عن تساؤلاتها بكلام مغمور بالعجب: =ايه الكلام ده يا جلال؟ انت بتلقح عليا بالكلام؟ قال جلال باستبانة: _لا يا بت بس النسوان كلهم شبه بعض...كلامهم كتير. ردت ليالي بانزعاج: =رد انت يا حمايا واتكلم قوله حاجة! ضحك المعلم حنفي، وبينما يمتدح الوضع، قال: _لا ياض مفيش حد كلامه كتير غير أمك ده انت مراتك، وأختك نسوان جدعة، ومتربية بتفهم في الأصول...ده ياريت كنت اتجوزت واحدة زيهم ده آني متجوز راجل. ردت ليالي بتأثر: =معلش يا حمايا، ربنا مش بيدي كل حاجة. وقف المؤذن على المنبر، وأطلق تكبيراته ببهاء، كأنها نسيم منعش يعبق برائحة الإيمان ويملأ الأفئدة بالسكينة الروحية. وفي تلك اللحظة المهمة، كانت الأسر في القرية تنتظر استماع الأذان كما تنتظر الأزهار عناق الشمس في صباح الربيع، وكانت ترتسم على وجوههم علامات التأمل في كلمات الأذان التي تحمل معاني الطمأنينة، فقالت ليالي: _كلوا بسم الله. نطق المعلم حنفي بصوت خافت، كأنه ينبعث من داخل بؤرة عميقة من التقوى: =اللهم لك صومت وعلى رزقك أفطرت...بسم الله. بدأت العائلة بتناول الطعام، أما في منزل عائلة حامد، فكانت أم أشرف تستضيف ابنها حامد، وأخيه أشرف، وزوجة أخيه هبة، ووالدهم. قامت الأم بوضع قطعة الدجاج أمام حامد، وفي لحظة من التهكم اللطيف قالت: _كل يا حامد يابني تلاقي مراتك مابتعرفش تطبخ. مد حامد يده، وهو ينزع جلد قطعة الدجاج، وقال: =مين قالك يا حاجة بس؟ نعمة بتطبخ وبدأت تظبط أكلها. ردت أم أشرف بسخرية: _وهي هتطلع شاطرة لمين؟ ده أمها بسمة كل الدنيا عارفه إنها ست عكاكة وبتاكل أي حاجة تيجي في طريقها. أجابت هبة، وهي تتناول الملوخية بمتعة: =لا يا حماتي متخافيش... نعمة، وليالي أختي صحاب، وليالي ماشاء الله بتعرف تطبخ فنعمة بتتعلم منها. ردت أم أشرف، وهي تأكل الأرز بتركيز واضح: _كويس ما الحاجة عندكم شاطرة عشان كده أنتوا الاتنين طالعين زيها... دي كانت تبقى مصيبة لو طلعتي زي نعمة. تحدث أشرف بثقة: =لا يا أمي متخافيش مانتي عارفه هبة كويس. ردت أم أشرف بابتسامة خافتة: _هبة بتي غنية عن التعريف. قالت هبة بابتسامة: =حبيبتي يا ماما. بعد مرور نصف ساعة من انتهاء المعلم حنفي من تناول طعامه وقف مكانه، وأمسك بكوب الشاي بين يديه، وبدت علامات التعب واضحة على محياه، فبان حينها أنه قد قضى يومًا شاقًا في العمل، حيث قال بمدح: _تسلم الأيادي. ردت ليالي: =بالهنا، والشفا يا حمايا. أما أم الديب، فكانت تتناول الطعام بمفردها، حيث انتهت من تناول خمسة عشر جزرة مسلوقة بنكهة ممتازة، فكانت معجبة بطعم الطهي، وعبّرت عن اعجابها قائلة: _يا سلام على الحلاوة...مش فاهمة الأكل ده مش عاجبهم في ايه؟ خليهم يتبطروا على النعمة لحد ماتغور من وشهم. فجأة دخل المعلم حنفي إلى الشقة محملًا بالتحلية، ووجهه عابس ينبعث منه البغضاء. بدا وكأنه يحمل أعباء اليوم الطويل الذي قضاه، فنطق بترقب: =خدي يا ولية ياكش يطمر في جتتك. ردت أم الديب بفضول: _ايه دهو يا راجل يا مخلع؟ أجاب المعلم حنفي بضغينة: =تمر باللبن. أحتضنت أم الديب طبق التمر المغمور بالحليب، وكأنها تحتضن ذكريات الأيام الجميلة التي مرت بها. نظرت إليه بعيون تنبعث منها عشق لا يوصف، وفي لحظة من الانسجام مع الذوق الرفيع، همست بصوت متعطش، كما يهمس الساحر بأسراره الجميلة: _مين اللي عامله؟ رد المعلم حنفي: =وآني ايه دراني؟ يلا السلامو عليكو. اتجه المعلم حنفي إلى عمله فيما كانت أم الديب تتلذذ بتناول التمر بالحليب، وفي شقة جلال، قالت ليالي بصوت خافت يتغلغل في الهدوء المحيط، وهي تقترب بخجل محبوس من زوجها: _بقولك ايه ياخويا أوعى تجيب أمك معانا في خروجة بكرا...ده احنا بنستناها من السنة للسنة وأنا مش ناقصة أمك تبوظهالنا! أجاب جلال، وهو يلتهم التمر بالحليب، بتعابير وجه تنم عن استرخاء مطلق، وكأنه يعيش لحظة من النعيم في غمرة النكهات اللذيذة التي تمتزج في فمه: =مينفعش تقعد لواحدها يا ليالي...يعني كلنا نخرج وهي قاعدة في البيت لواحدها؟ ده بسببك هتعملنا فيلم دراما. ردت ليالي باستشاطة: _ده ايه الحظ المنيل ده؟ هو يعني يإما تيجي معانا وتبوظلنا أم الخروجة، يإما تعملنا مشكلة عشان مجاتش معانا؟ تحدث جلال، وهو يحتسي الحليب من الطبق بتركيز يشبه تركيز الفنان أمام لوحته، حيث ينغمس في كل قطرة تملأ فمه باللذاذة: =كبري دماغك منها اعتبريها مش موجوده يا ليالي. تفوهت ليالي بسخط: _ماتسيبها لواحدها هي يعني العفريت هياكلها؟ أمك ميتخافش عليها دي يتخاف منها. رد جلال بلا مبالاة: =تلاشيها خالص، ولا كأنها قدامك. قالت ليالي بامتعاض: _برضة اللي فيك فيك مش هتغيره! خرجت نعمة من المطبخ، وأبدت على وجهها بسمة تعكس رضاها بالطعام الذي أعدته، وبينما تلمع عيناها ببريق الاعتزاز، قالت بصوت ينم عن الاستعجال: =أنا نازلة مشوار على السريع. ردت ليالي: _ماشي يا نعمة، خدي بالك من نفسك! قالت نعمة بابتسامة: =حاضر يا ليالي، يلا سلام. تفوهت ليالي ببشاشة: _مع السلامة. فيما خرجت هايدي، ونعمة مع ابنها من الشقة، أغلقوا الباب وراءهم. أما ليالي، فدخلت غرفتها لتأخذ قسطًا من الراحة بعدما غسلت الأطباق ورتبت المطبخ. بينما دخلت هايدي شقة أم الديب. انطلقت نعمة برفقة ابنها في طريقهما لشراء حجاب جديد، وفي منتصف الطريق، بادرت نعمة بالقول لابنها بصوت ينم عن الاهتمام العميق: =هنروح نسلم على ستك ومرات عمك. رد محمد بألم: _أنا مزنوق ياما. نطقت نعمة، وهي تسير بطفلها في الطريق: =أدخل عند ستك... احنا قربنا أهو... بس مش عايزين نطول علشان لما أبوك يرجع البيت يلاقينا وميقلقش، بس لو اتأخرنا شوية هرن عليه أعرفه. وصلت نعمة إلى منزل عائلة زوجها، وطرقت الباب، ففتح لها حماها الباب بينما يتألق وجهه بابتسامة تعبيرية. ابتسمت نعمة بودّ، وقالت: _ازيك يا حمايا؟ رد عبد الغني بإباء: =يا أهلًا وسهلًا... خشي انتي ومحمد عبال ما أصلي، وأرجع. قالت نعمة بابتسامة: _ماشي يا حمايا. خرج عبد الغني من المنزل لقضاء الصلاة في المسجد القريب منهم، وفي غيابه، واصلت نعمة حديثها وهي تحتفظ بالسكينة في صوتها: _أدخل يا محمد. دخلت نعمة، وتقدمت لتحية حماتها، إلا أنها وجدت حامد متجلجلًا يجلس في الصالة. عزم زوجها على الوقوف فورًا، وبادر بتعبيراته المذهولة، وتملكت وجهه التعبيرات التي تنم عن التوتر بعد لحظات من الصمت المحموم، نطق قائلًا بصوت ينطلق من داخله بكل تردد: =انتي ايه جابك هنا يا نعمة؟ يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة