فتحتُ أم أشرف الباب ووقفتُ إزاءها بوقار لا يتزعزع! وعاودتها الصرخات بعد نزول هبة على ضجيج أم الديب، فردتُ أم أشرف بصوت مرتفع: _يلا يا رمامة من هنا، أنا لساني ميخاطبش أمثالك! اندهشت أم الديب من الكلمات التي قالتها لها أم أشرف، حيث تعتبر نفسها شخصيةً كبيرة بلا منازع، لا تسمح لأحد بتجاوز حدوده عليها، وعلى أولادها. همست بدهشة: =رمامة؟ آني رمامة يا بت الكلب؟ انطلقت أم الديب بطيارة هجومية نحو أم أشرف، فأمسكت برقبتها ونفذت سلسلة من اللكمات بينما تتعالى صيحاتها. نزل أشرف وانضم إليهما حامد بعد خروجه من الغرفة. تواصلوا في تكبيلها، لكنها أصرت بعناد على مواصلة الضرب. صرخت بسخط، وعبّرت بعصبية جسيمة: _نافشة ريشك علينا ليه؟ فيكي ايه زيادة عننا يا بت الشباشب؟ ده الله يرحم أبوكي كان بيخيط الشبشب اللي اتقطع منه عشان مستخسر يشتريله واحد جديد...الله يرحم أبوكي، وجدك التملي...ده انتي لو نسيتي اللي جرا أجيبلك الدفاتر تتقرى يا بت الكلب! قالت أم أشرف بنواح يغمره التهديد: =آه... بقى بتمدي ايدك عليا يا بسمة؟ ده أنا هسجنك ومش هخليكي تشوفي الشمس تاني. في منزل ليالي، كان جلال جالسًا على السرير يقلب في هاتفه المحمول، وكلما مرت اللحظات ازداد عدد مشاهدات الفيديو حتى وصل إلى خمسين ألف مشاهدة. اندهشت عيناه من المشهد الذي رآه وشعر بأنه في حلم، فنادى زوجته بصدمة كبيرة: _يا ليالي الحقي يا بت...الفيديو جايب ناس كتير ده احنا اتشهرنا وليلتنا فل! دخلت ليالي الغرفة، وقد كانت عيناها تتلألأان بشغف، كأنهما نجمتان متألقتان في سماء صافية، ثم أقبلت على الحديث بلهفة ملحوظة، حاملةً في نبرات صوتها دفقًا من الحماس الذي يملأ المكان، وكأنها تروي قصة مشوقة انتظرت طويلًا لتشاركها: =وريني كده. بعدما تيقنت من حديث زوجها، الذي كان مفعمًا بالأمل، ضربت يدها بفرح على صدرها، وكأنها تحاول أن تسجل هذا الشعور العميق في أعماق قلبها، ثم نطقت بابتهاج لا يُخفى، وكلماتها تتدفق كنسيم صيفي عذب، تعبر عن ارتياحها: _يا خبر أبيض ده بجد...لأ والناس بيقولولنا اعملوا تحديات وكتروا من المقالب. نطق جلال، وهو يعبر عن سعادته بوضوح لا يمكن إنكاره، حيث رفع عينيه نحو السماء، ثم أطلق ابتسامة واسعة تجسّد كل ما في داخله من بهجة: =يا سلام، والله ولعبت يا زهر. وقف على السرير وانطلق في رقصه، متخيلًا مستقبله المزدهر بالثروات، والمنازل، والسيارات، وحياة مليئة بالفخامة كحياة الأثرياء. ضحكت ليالي على أداء زوجها الغريب للرقص فوق السرير، وقالت: _اسألنا البت هايدي، عايزين نسحب الفلوس ونشتري شقة جديدة...كفاية فقر بقى تعبنا. نطق جلال بسعادة: =اصطبري يا ليالي وبكرا الفلوس تتحدف علينا من كل ناحية! ردت ليالي، وهي تغمرها فرحة واسعة، ولهفة لا يمكن كتمانها، ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة تنبض بالحياة: _يارب ياخويا هو انا أكره؟ وفي أعقاب المشاحنات، والتصادمات الكبيرة بين أم الديب، وأم أشرف، اجتمع الجيران حولهم متسائلين عن ما يجري. كانت أم الديب تنام فوق أم أشرف، وتوطئها بنعلها المتسخ، وتنفجر في صرخات تقول: =يلا يا زبالة انتي والعرة هبة! نطقت هبة بعجيج، يفيض بالبغضاء مطلقة صرخة شجن تنبض بالاستياء. تجذب الانتباه وتملأ الجو بقسوة غير متوقعة: _احترمي نفسك بدل ما أمسح بكرامتك الأرض! قال أشرف بصياح: =أنا هاخد إجراء قانوني وهرفع عليكي قضية سب وقذف، وهعملك محضر تعدي... أنا هوديكي في داهية! وقفت أم الديب في مكانها بثبات، كالجبل الصامد في وجه الرياح العاتية. بينما هي تجسّد القوة والشجاعة بأقصى درجاتها. كان موقفها راسخًا، وعزيمتها تتجلى في كل تفاصيلها، ثم صرخت بشجاعة: _أم الديب ما بتتهددش...آني أخوف مخافش... ده انتوا ليلتكم طين معايا قال حامد بصياح: =اتكلي على الله من هنا يا حماتي! عندما قال حامد ما قاله، استمرت أم الديب في التمسك بأم أشرف وعادت لوطئها بجبروت وقسوة من جديد، حيث أطلقت كل طاقتها السلبية المكبوتة في صيحاتها المرتفعة: _مش هسيبك يا ولية غير لما آخد حق نعمة بتي. بينما كانت ليالي مستسلمة لحضن النوم، انخرط جلال في تفحص شاشة هاتفها، ابتعد عن الواقع ليستكشف أحدث الأحداث. وفي تلك اللحظة الفارقة، صدمته مكالمة واردة من حامد، فاشتعل كبرياؤه بلهيب العناد. رغم حزن أخته، تحول إلى دافع قوي يرفض اتصال حامد، وبكل ثقة أعلن بغرور: =مش هرد ما هو جلال دلوقتي بقى حلو وبينقط عسل..مبشوفكش ياض غير وقت المصلحة! على الرغم من رفض جلال للمكالمة، إلا أن حامد استمر في محاولة الاتصال به مرارًا، مما زاد من انزعاج جلال وأثار إختناقه، حتى عبّر بحرارة: _أما انت عيل زنان بشكل...عاوز من أمي ايه؟ كلما يُلغى الاتصال، يعود حامد مرة أخرى للمحاولة، حتى رد جلال بقلب فاتر، وهو يصرخ في وجهه قائلًا: =انت ايه ياض معندكش دم؟ اتصلت مرة ومحدش عبرك... عمال ترن كل شوية ليه؟ أجاب حامد بعجيج: _أمك منورة في الحجز... شوف حد يطلعها، سلام. انقطعت خيوط المكالمة قبل أن تبدأ، حيث لم يمنح حامد "جلال" فرصة للرد، ما دفعه للتعبير بتعجب ملحوظ، فقال بصدمة: =أمي؟ ايه اللي ودا أمي هناك؟ نهض جلال من سريره، وانطلق ليتوجه نحو مركز الشرطة، وفي الأعلى، عند منزل نعمة، تلقت نبأ الحادثة من جلال بنفسه. وفي لحظة الصدمة، وجهت يديها بقوة لتلامس وجهها، فقد تحققت مخاوفها، وتحقق ما كانت تتوقعه، فصاحت بعنف: _يا نهار أسود، جيبتي مصيبة لنفسك ياما... ما قولتلك بلاش مسمعتيش كلامي ليه؟ يا ترى هببتي ايه! خرج محمد من الغرفة على صراخ والدته، وببراءة الأطفال قال بصوت هادئ: =في ايه ياما؟ نشبت نعمة في يد ابنها، وقالت بعنف: _تعالى معايا. نزلت نعمة برفقة ابنها إلى شقة أم الديب، وهناك صادفت هايدي في حجرتها، حيث تجسدت الحياة اليومية بألوانها المتناقضة، وعلى الرغم من تداول المصائب حولها، كانت هايدي تنغمس في عالم موازٍ داخل حدود غرفتها، كأنها فقدت تمامًا الوعي بما يجري حولها من مشكلات. نطقت نعمة بصوت مرتفع يحمل بين الحروف نبرة الخوف: =خلي محمد معاكي... أنا رايحة مشوار مهم أوي! تعجبت هايدي من استعجال نعمة، ووجهها القالق، حيث انعكست على محياها آثار التساؤلات. فتحدثت: _مالك في ايه؟ نطقت نعمة باستعجال: =هقولك بعدين، يلا بالعافية. خرجت نعمة بسرعة من المنزل وهي تجري، وفي لحظة من التعجب، نطقت هايدي بينما كانت تتأمل: _من يوم ما جيت الدنيا وأنا مشوفتش يوم عدل في البيت ده... هقول ايه طيب؟ بيعشقوا المشاكل ميقدروش يعيشوا من غيرها يوم... يارب صبرني! في رحيق اللا مبالاة يعيش المعلم حنفي، مشابهًا لهايدي في غياب الوعي تجاه الكوارث التي تندلع تحت يد أم الديب. جلس في متجر عصائره، يستمتع بطعم العصير ويستمع إلى أنغام الأغاني كمن يعزف سيمفونية الإهمال، وبنظرة ممزوجة بالسعادة، همس في نفسه: =لا كده مزاج... لا تقولي أقعد في البيت مع الولية النكد دي، ولا أسمع منها كلام يكرهني في عيشتي أكتر مانا كارهها. طوال مسيرة حياة المعلم حنفي، كان يعصف به وجود ثلاثة أشخاص يتشاركون في نفس الدائرة: أم الديب، وخواطر، وضايع. تصارع عقله مع فكرة فقدان أحد أفراد هذا الثلاثي الذي كان يعكس الشقاء بمعنى أدق. لم يكن يخطر في باله أن القوة الحمائية القائمة بينهم قد انتقلت إلى رحمة الآخرة، وفي لحظة من السعادة، همس في دخيلته: =أمها ماتت؟ مش مصدق نفسي يلا عقبالها هي وأخوها ضايع... أشوف فيهم يوم، أه ماهو ذنبي ده آني راجل غلبان. في قسم الشرطة، كانت نعمة تتسارع بخطى مُتسارعة نحو جلال وهي تنهمر دموعًا، وعندما وصلت، سألته بقلق يتخلله الانفعال: _أمي مالها؟ تفوه جلال بعجيج: =أمك مابتسكتش غير لما تعملنا مشاكل مع الخلق...ضربت حماتك وسلفتك، وحدفت جوزك بالطوب، وسمعتهم كلام أبيح. صفعت نعمة وجهها بيدها، وهمست بصراخٍ يعزف على وتر الألم: _يا مصيبتي... بقى كل ده يطلع من أمي؟ قال جلال بغضب: =هو أساسًا مبيطلعش غير من أمك يا نعمة... ادينا صابرين لحد مانشوف هنهبب ايه في ليلتنا الزرقا دي. تلفظت نعمة ببكاء: _يارب أنا تعبت دي مابقتش عيشة...أموت نفسي ولا أعمل ايه؟ يا جلال قولي! أجاب جلال باستياء: =أنا ذات نفسي مابقتش عارف... يلا بقى خليها تعدي. خرج العسكري وفي يده أم الديب، فجذب انتباه أولادها القلقين الذين جرّوا نحوها بفضول لمعرفة آخر التطورات. في لحظة من التوتر، قالت نعمة: _عملتي ايه ياما؟ قالت أم الديب بانتحاب، يتردد صداه في أرجاء نقطة الشرطة، وكلماتها تحمل وزنًا كبيرًا من القوة: =كنت بجيبلك حقك يا بت...ايه بلاش أجيب حقك؟ تفوهت نعمة بصراخ: _حقي ايه بس ده انتي ضيعتي حقي بعد اللي عملتيه ده! قال العسكري بصخب: =يلا أنا مش فاضيلكم. خرج جلال عن سيطرة مشاعره حينما تفاجأ بالعسكري يتحدث إليه بأسلوب غير لائق، فلم يكن يستسلم للحديث مع أي شخص بهذا التلكؤ. فانقلب وجهه إلى الاتجاه الآخر، كأنه يرفض الانخراط في حوار يحط من كبريائه، وقال: _ما تتكلم عدل يابا ومتخلنيش أعملها معاك! وبعد لحظات من الغيظ، تذكر جلال أن لديه أحكامًا، وأنه في حال تفاقم الوضع، ستقوم الشرطة بالقبض عليه. سرعان ما انعقدت أفكار الهروب في ذهنه، فقال بتحجج: =طب بقولك ايه يا نعمة أنا هروح أشتري حاجة وراجع. قالت نعمة بدهشة: _حاجة ايه بس في اللي احنا فيه ده؟ خرج جلال وهو يلاحق خطواته بسرعة، قبل أن يمسكه الشرطي، لكن لسوء الحظ، ناداه العسكري بصوت حاد، كأن نبرته الصوتية كانت سهمًا يخترق الهواء: =جلال حنفي أقف عندك! بمجرد أن نادى العسكري جلال، تلبَّس جسد جلال بالخوف، وشعر بأن اللحظة المصيرية قد حانت، فابتلع ريقه بصعوبة وأدار جسده باتجاه آخر بقلق متزايد، وكأنه يوشوش بين أنين الخوف وضيق الحال، ووسط خطواته الترددية، نطق بتلعثم: _ايه يا باشا انت عارفني؟ تفوه العسكري بابتسامة: =ومين ميعرفكش؟ ده انت فيديوهاتك مكسرة الدنيا. شعر جلال بالراحة حينما اكتشف أن العسكري من أشد معجبيه، فتنهد وهو يلاحق أنفاسه، وقال بصوت مخفف عنه الضغط: _ما تقول كده من الأول ده انت وقعت قلبي في رجلي...أه مانا الحمدلله ربنا أكرمني وفيديوهاتي كسرت الدنيا في يومين بس بفضل الله. قال العسكري بابتسامة هادئة، تنم عن الطمأنينة، كأنها إشراقة أمل في أفق هادئ. كانت ابتسامته تتسم بالدفء: =سلم على الحاجة. تلفظ جلال بحبور: _يوصل. عندما غادر العسكري، خفت قليلًا أضواء الفزع في عين جلال، وأطلق بصوت متردد معبرًا عن قلقه المستمر: =يا نهار أسود ده ميعرفش إن أمي في الحجز عندهم، أنا هخلع قبل ما أروح في داهية وأحصلها. نادت "نعمة" جلال: _يا جلال...انت رايح فين؟ لكن جلال لم يكن جاهزًا للرد، وظل يتقدم في ظل هذه الظروف العصيبة دون التوقف. نطقت نعمة بكمد، وهي تشعر بالوحدة المطبقة عليها في هذه المشكلة المعقدة، كما لو كانت الأحداث تلتهمها دون أي أمل في النجاة: =يا نهار أسود أعمل ايه أنا دلوقتي؟ يا عيني عليكي ياما. خرج حامد، وأشرف، وهبة، وحماتها من غرفة الضابط، وعلى وجوههم السخط العارم، والغيوم السوداء تعتري محياهم. وقف حامد أمام زوجته بضيق متأجج، وصاح فيها كالرعود الجارحة في السماء المظلمة: _بقى أنا أمي تتعجن ضرب من أمك يا نعمة؟ أنا مش هسكت غير لما حق أمي يرجع! نظرت نعمة إلى هبة بعينين مليئتين بالحزن العميق، كأنها تعكس بحرًا من المشاعر المتلاطمة. ثم نطقت بقهر، وكلماتها تنساب ببطء كأمواج هادئة: =قوليلهم حاجة يا هبة! مانتي عارفة إن أنا مليش ذنب...ده أنا جربت وراها الحقها وهي أبدًا راسها وألف سيف تيجيلكم. قال أشرف بصياح مدوّ، يتردد صداه في الأرجاء، وكأن صرخته تحمل ثقل العواطف المكبوتة، وتنطلق بقوة لا يُستهان بها. كان صوته يرتفع، متجاوزًا حدود الصوت الطبيعي: _أمك لازم تاخد جزائها، مراتي وأمي يتاكلوا علقة سخنة منها والموضوع يعدي عادي؟ ده أنا ههد الدنيا علشان حقهم يرجع. وواصل لوالدته ببغضاء: =يلا يا أمي. نطقت نعمة بشجن: _يا هبة فهميهم اللي فيها...متاخدونيش بذنب أمي! خرجت العائلة من قسم الشرطة، وقد كانت جاهزة تمامًا للتقدم بطلب القصاص من أم الديب ولتحقيق الانتقام العادل الذي كانوا يعتبرونه حقهم في هذه الظروف، وعندما وصلت إلى مكان آمن، أخرجت نعمة هاتفها المحمول من حقيبتها، وطلبت الاتصال بخالها، أبو محمد، الذي كان معروفًا بصفته الشيخ التقي والمُعتبر من الشخصيات البارزة في العائلة، وسألته أن يكون سندًا لها في مواجهة هذه المحنة الصعبة، وتطلب منه الدعم والمشورة لمساعدتها في تجاوز هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها: _ألو يا خالي انجدني أبوس ايدك. رد أبو محمد بقلق: =ايه يا نعمة في ايه؟ قالت نعمة باستعبار: _أمي حاجزينها في القسم...ضربت حماتي وسلفتي وحدفت الطوب على جوزي وشتمت أخوه شتايم أبيحه. تلفظ أبو محمد بصدمة: =استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم...فهميها إنها خدت ذنب كبير على اللي عملته ده ولازم تتوب عنه! تفوهت نعمة بإعوال، وكان صوتها يرتفع بصعوبة، يعكس مدى تأثير الوضع عليها. كانت كل كلمة تنطق بها محملة بألم واضح، وتعبير وجهها يعكس عمق مشاعر الإحباط: _مش وقت الكلام ده يا خالي... أحب على ايدك تعالى عشان خاطري خرجها. قال أبو محمد بانزعاج: =هو أنتوا يا بنتي متعرفونيش غير في المصايب وبس؟ أجابت نعمة بإعوال: _مانت عارف إن خالي ضايع وجلال عليهم أحكام، ولو دخلوا هيتمسكوا، وأبويا مش هيرضى، ده احنا ملناش غيرك. قال أبو محمد بكمد، وقد كانت ملامح وجهه تتجسد بأثر الحزن، والهم العميق: =يارب صبرني على ده ابتلاء... هقول ايه؟ المؤمن دايمًا مصاب، وأنا ابتليت بأخ وأخت أبشع من بعض. صمت قليلًا، يفكر بتردد، ولكن في النهاية، أطلق كلماته بحذر: _أنا جاي. تلفظت نعمة بفرح: =كتر خيرك يا خالي، أنا مستنياك. عاد جلال إلى المنزل، ووجد ليالي واقفة بكل قوة، وثبات. وضعت يديها على خصرها بقوة، وكان وجهها ملتفًا بغضب. فصاحت بصوت يتجلى فيه الاستياء: _بقى أنا أختي هبة تتضرب من أمك يا جلال؟ قال جلال بصخب: =وأنا أعمل ايه هو أنا اللي ضربتها ولا أمي؟ ما أمي متنيلة في الحجز وأنا رجلي دي مش هتعتب عتبة القسم دي مرة تانية، ده أنا كنت هضيع يا ليالي...كان زماني قاعد مع أمي دلوقتي بناكل عيش، وحلاوة! تلفظت ليالي بصراخ: _أختي هبة خط أحمر، واللي أمك عملته ده أنا مش هسكت عليه! تحدث جلال بضجيج مرتفع، كان يملأ المكان بوضوح، بينما كانت كل جملة تخرج منه محملة بطاقة هائلة: =ما تعملي اللي تعمليه أنتوا هتوجعوا دماغي ليه؟ نزع جلال الهاتف من يد زوجته بعنف، وقال: =هاتي أم الموبايل خلينا نشوف. نظر جلال إلى قناة اليوتيوب بحثًا عن آخر التطورات، وفوجئ بحالة مستمرة من التقدم، والازدهار. تناسى مؤقتًا ما ألمه، وغمرته مشاعر السعادة. فأعرب قائلًا: =اللهم صلي على النبي... زغردي يا بت الفيديو وصل ستين ألف! قالت ليالي بصدمة: _ستين ألف؟ ستين ألف مرة واحدة؟ يا مانت كريم يارب...اندهلي هايدي تشوفلنا الحوار ده آخرته ايه! صعد جلال إلى أعلى بئر الدرج، حيث كانت الخطوات تصدر صدى واضحًا في المكان، فنادى هايدي بصوت مرتفع، ملئه الإلحاح. طالب منها أن تستجيب فورًا لندائه: =يا هايدي....هايدي...هايدي. خرجت هايدي من الشقة، وفي يديها محمد ابن نعمة، تحتفظ به بعناية كما ورثت توجيهات والدته. فقالت بدهشة: _عايز ايه؟ قال جلال بصوت عالٍ: =اطلعي يا بت عاوزينك في حوار. ردت هايدي بتكاسل: _طيب. صعدت هايدي برفقة الطفل محمد، ودخلت إلى شقة جلال، حيث كانت الأجواء تنبض بالترقب. بمجرد دخولها، توجهت ليالي نحوها بوجه متلألئ بالرحابة، ثم قالت بصوت رقيق، يعكس دفء مشاعرها، وحرصها على استقبالهما: =أقعدي شوفيلنا الفيديوهات دي هنستلم فلوسها امتى. قالت هايدي باستجابة: _هاتي. أمسكت هايدي بالهاتف وجلست على الأريكة بجانب محمد، وجلال، وزوجته. جلسوا باهتمام شديد، ينتظرون استلام أرباح اليوتيوب، حتى يحققوا العيشة الثرية التي يحلمون بها، وبعد مرور عشر دقائق من فحص هايدي للقناة، شعر جلال بالضيق، فقال بلغة تنبض بالمشاعر: =انتي كل ده بتشوفي؟ تفوهت هايدي بتمعن: _خلاص أهو... بصوا أنتوا فاضلكم حاجة بسيطة أوي، وتكونوا مؤهلين لإستلام الأرباح...بس اللي أنا مستغرباله أنتوا ازاي وصلتوا لده كله وأنتوا مش عاملين أي إعلانات! نطقت ليالي بسعادة، وقد كانت كلماتها تنبض بالفرح الحقيقي، والبهجة الصافية، كأنها تعبر عن انتصار أو حدث سعيد. كان صوتها مليئًا بالاحتفاء، بينما كانت ابتسامتها تعكس عمق سعادتها: =كله من فضل ربنا وكرمه لينا... أهو رزق وجالنا لحد عندنا نقوله لا؟ قالت هايدي بذهول: _أكيد لا بس ده في ناس ممكن تقعد سنين علشان بس فيديوهاتهم توصل... بصراحة حاجة غريبة أوي. تلفظ جلال بفرحة عارمة، وقد كانت نبرات صوته تعكس سعادة خالصة، وكأن كل كلمة ينطق بها كانت تفيض بالاحتفال: =فكك ياما...احنا عاوزين ناخد الفلوس. تفوهت هايدي بحنكة: _لا انت علشان تستلم الفلوس لازم تعمل فيزا. قال جلال بدهشة: =ايه البتاعة دي؟ تلفظت هايدي: _حساب في البنك يعني. نطقت ليالي بذهول: =وهو احنا حيلتنا بنوك في البلد الفقرية دي؟ أبقى روح يا خويا البوسطة اعمل حساب. تفوهت هايدي بسخرية: _بوسطة ايه؟ بقولك بنك! قال جلال بتفكير: =خلاص يا بت منك ليها... هبقى أروح بكرا الصبح في البلد اللي جنبنا... فيها بنك إنما ايه على مستوى. أفحمته هايدي بردها حينما قالت: _ده مش بنك... دي مستشفى! رد جلال بإحراج واضح وعناد شديد، وكأن كلمات التعليق كانت تتسرب من بين شفتيه بصعوبة، تترجم تردده وعدم ارتياحه في الموقف: =ماجرا ايه يا بت؟ هو لازم تتكلمي وتحشري مناخيرك وخلاص؟ انتي ايه فهمك...أنا سألت وقالولي بنك. قالت هايدي باشمئزاز: _براحتك. تفوه جلال بصوت حاد، يتسم بالحدة، وكأن كل كلمة ينطق بها تخرج من حنجرته كالسهم. كانت نبرات صوته قاسية: =ماهو براحتي حد قالك إنه براحتك انتي؟ تلفظت ليالي باستغراب: _خلاص يا جلال في ايه؟ مكنتش كلمة البت قالتها. نهضت هايدي مكانها، وقالت: =أنا نازلة، تصبحوا على خير. ردت ليالي بابتسامة: _وانتي من أهله. بعد عودة أحمد، وجميلة إلى المنزل واستلامهما لأسيل من مُربية الأطفال. في هذه اللحظة، يمتزج الفرح، والحنان حينما تحتضن أسيل بعد عمل يوم شاق. هدية الحياة الذي جعلها ربهم جزءًا من عالمهم الصغير. لا يمكن وصف مدى السعادة الذي يغمرهم في هذا الوقت المميز، فكل لحظة مع أسيل تبعث على السرور في قلوبهم، نطقت جميلة بابتسامة عذبة: =ميرسي، أشوفك بكرا. قالت مُربية الأطفال بتبجيل: _أوكي يا جميلة هانم. وأشارت لسيليا بود: _باي باي سيليا. ردت سيليا بابتسامة: =باي باي! في أعقاب خروج المربية من المنزل، انعكس حنان جميلة في إغلاقها الهادئ للباب، وبمجرد جلوسها على الأريكة، احتضنت جميلة ابنتها الصغيرة، أسيل، بقلب ينبض بالأمومة. كانت الأم بحالة من السكينة تحاول نقل دفء حنانها إلى الطفلة. بينما تتأمل في عيون أسيل، أخذت تنطلق بكلمات رقيقة كأنغام الحنان لسيليا، قائلة: _عملتوا ايه طول اليوم ومامي برا؟ أجابت سيليا باستياء: =مامي أنا... أنا جعانة أوي وطنط مأكلتنيش، فضلت أقولها هاتيلي أكل قالتلي مش دلوقتي. قالت جميلة بصدمة واضحة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الذهول، وكل كلمة نطقت بها كانت تعبر عن استغراب عميق ومفاجأة غير متوقعة: _يعني ايه؟ عندما خرج أحمد من غُرفة النوم، استجاب لحديث ابنته ببراءة، بينما كان يحمل في يده ساعة اليد التي اقتلعها بغضب، ثم وضعها فوق الطاولة. أبدى أحمد بصوت ينطلق باحتدام مكبوت واستعداد للتصدِّي لأي مشاكل محتملة: =ايه تاني حصل يا سيليا... اتكلمي! أجابت سيليا بخوف: _أسيل عيطت كتير يا بابي، وهي كانت قاعدة بعيد ماسكه الفون... روحت طبطبت عليها لحد ما سكتت. تلفظ أحمد بعصبية: =وهي كده ايه لازمتها؟ ده من أول يوم وبتعمل كده أمال بعد كده هتعمل ايه؟ تفوهت جميلة بغضب جسيم، وقد كانت كلماتها تتدفق بنبرة شديدة: _ومين قالك أصلًا إن هيكون في مرة تانية؟ أنا هكلم مامي تشوف هي جايباها منين! دخلت جميلة بخطواتٍ سريعة، نشبت الموبايل بيدٍ مستعجلة، وبادرت بالاتصال بوالدتها، سائلة عن جذور ظهور تلك المربية الفاشلة، الخالية من مفهوم المسئولية. صدح صوتها بلغة غاضبة، كأنها تقدم رسالة تحمل في طياتها عتابًا، واستفهامًا: =ألو يا مامي...البيبي سيتر اللي جاتلي دي جات من أي داهية؟ ردت أم قمر الدين بصدمة: _أوه ماي جاد يا جميلة، مالك في ايه؟ تفوهت جميلة بعصبية: =ردي عليا يا مامي! أخذ أحمد الهاتف منها بحزم، وواصل كلامه بنبرة مشحونة بالعصبية، فقال بصوت ينبعث منه الاستياء: _ألو يا طنط بسملة...ازاي حضرتك تبعتي حد متعرفيش عنه حاجة؟ أجابت أم قمر الدين بدهشة: =مش معقول، هي عملت ايه؟ قال أحمد بشحناء: _الأستاذه اللي بعتيها والمفروض إننا نآمن على البنات معاها طلعت عديمة المسئولية، والضمير...سايبة أسيل تعيط وماسكة الموبايل، وسيليا تقولها أكليني تقولها مش دلوقتي! تلفظت أم قمر الدين بتعجب واضح، وقد كانت تعبيرات وجهها تحمل مزيجًا من الاستغراب، والدهشة: =ياه بقى عملت كده؟ أنا بجد مصدومة، خلاص متزعلوش نفسكم أنا هعاقبها. نطق أحمد بعصبية: _ياريت ولو حضرتك معملتيش كده أنا اللي هعمل! قالت أم قمر الدين بكمد: =لا لا بليز ملكش دعوة أنا هتصرف...باي دلوقتي. انتهت المكالمة الهاتفية بين أحمد، وأم قمر الدين، وفيما كانت جميلة تجلس، تحمل ابنتها أسيل وتضم سيليا في حضنها، تمتلك جمالها الطبيعي ولكن على وجهها ينبعث الانزعاج. فنطقت بكلمات ممزوجة بالفضول: _مامي هتعمل ايه؟ جلس أحمد على مقعده بتثاقل، وقد كانت ملامح وجهه تعكس عمق الإحباط، ثم تنهد بعمق، كأن تنفسه يحمل كل ما يعانيه من توتر. بعد لحظة من الصمت، قال بوضوح: =مقالتش... بس ادينا هنشوف. في منزل أم قمر الدين، اتصلت بمربية الأطفال وأخبرتها بضرورة حضورها إلى القصر لأمر ضروري. كانت تتحدث معها بكل عصبية، وكأنها تنوي فرض عقوبة عليها بسبب ما قامت به مع حفيدتها، وفي لحظة غاية في الاستياء، صرحت قائلة: _تيجيلي دلوقتي على الفيلا حالًا! ردت المُربية باستفهام: =في ايه بس يا هانم؟ تلفظت أم قمر الدين بعصبية واضحة، وكل كلمة تنطق بها تحمل في طياتها موجة من الانهيار. كانت نبرة صوتها تتسم بالشدة: _تيجي حالًا مفيش نقاش...يلا أنا مستنياكي. تفوهت المربية بحذر: =حاضر مسافة الطريق أكون عند حضرتك. انتهت المكالمة بينهما بسخط يتسلل إلى قلب أم قمر الدين، وقلق يعكس على محيا المربية. جاءت "منى"، وهي تلاحظ للمرة الأولى عصبية والدتها، وأعربت بحماية، وفضول ملفتين: _مالك يا مامي متعصبة ليه؟ أجابت أم قمر الدين بوجه عابس: =سيبيني دلوقتي يا منى لو سمحتي! ردت منى بدهشة: _اهدي طيب يا مامي علشان أعصابك! تفوهت أم قمر الدين بغضب: =قولت سيبيني! بعد مرور رُبُعِ ساعة، وصلت مُربية الأطفال إلى القصر، وفور لمحها لها، نهضت "أم قمر الدين" باحتدام مُشتعل، واقتربت منها بخطوات محددة. تجلى على وجهها تعبير الغضب الملتهب، وبصوت يرتفع بكل ثقل الانزعاج، قالت بكلمات تخترق الهواء بحدتها: _انتي ملكيش شغل عندنا تاني، مفهوم؟ ارتجف جسد المربية، وهي تعجز عن فهم سبب صياح أم قمر الدين لها، وبصوتٍ متردد، قالت: =ليه هو حصل حاجة؟ أجابت أم قمر الدين بجلبة: _لا خالص، الهانم جاية تشتغل وتاخد فلوس على حاجة هي معملتهاش... بقى سايبة أحفادي الاتنين ومش شايفة شغلك؟ سايبة دي تعيط ودي تقولك أكليني وانتي ولا هنا؟ أمال قاعدة تعملي ايه؟ قالت المربية بنبرة رهبة، وقد كانت كلماتها تتسرب ببطء، تنم عن خوف واضح وقلق متزايد. كان صوتها يرتجف قليلًا، بينما كانت عينيها تلمعان بلمعة من التوتر: =هفهمك يا هانم، أنا النهاردة مكنتش في المود! تفوهت أم قمر الدين بعجيج: _مكنتيش تيجي...كنتي تكلمي أي حد فينا وتعتذري واحنا هنقدر موقفك...الشغل مفيهوش تهاون! تلفظت المربية برهبة: =اللي حضرتك تشوفيه! اتجهت أم قمر الدين بخطوات ثقيلة نحو حقيبتها الفاخرة الموجودة على طاولة الأريكة، وبكل قوة استخرجت منها حزمة النقود. ثم قامت بتسليمها للمربية بحركة عنيفة، وصاحت بصوتٍ كامد: _ده شغل النهاردة...مش عايزة أشوفك تاني! وواصلت حديثها بصياح، وهي تشير بيدها نحو الباب: _يلا اتفضلي! غادرت مُربية الأطفال بعد أن استلمت الأموال. اتصلت أم قمر الدين بجميلة لتطمئنها، مُحاولة البقاء هادئة على الرغم من مزاجها المتعكر. بنبرة لطيفة، قالت: _خلاص يا حبيبتي أنا طردتها وأوعدك هشوفلك بيبي سيتر تانية! قالت جميلة بإحباط: =لا يا مامي...أنا واضح اإن شغلي هيسبب مشاكل كتير في البيت، بفكر اعتذر لبابي وأقعد في البيت آخد بالي من البنات. نطقت أم قمر الدين باعتراض واضح، وكان صوتها يحمل نبرة من التحدي، وعدم الرضا: _لا يا حبيبتي انتي أكيد مدرستيش كل السنين دي علشان في الآخر تقعدي في البيت... أنا هشوفلك واحده تانية أحسن بكتير وصدقيني مش هتندمي المرة دي! ردت جميلة بشجن: =ميرسي يا مامي متحرمش منك. قالت أم قمر الدين بابتسامة خافتة: _ولا يحرمني منك انتي وأخواتك... يلا عرفي جوزك وروقوا مفيش حاجة مستاهلة! ردت جميلة بحبور: =حاضر يا مامي. بعد أن دخل أبو محمد قسم الشرطة لإخراج أم الديب وفشل في ذلك، حيث خرج، ووجهه يعكس نظرات يأس وضيق. شعرت نعمة بأن خروج والدتها قد باء بالفشل، فقالت بحزن: _ايه يا خالي طمني؟ نظر أبو محمد إلى الأرض، وهو يتلقى أنفاسه بعمق، وكأنما يحاول أن يلتقط أنفاسه وسط حيرة كبيرة، لا يدري كيف يبدأ حديثه أو ماذا سيقول. بعد لحظات من الصمت والتفكير، رفع وجهه ببطء، وقد تجلى فيه بوضوح ألم داخلي وحرقة، ثم قال بصوت يائس: =يشهد ربنا إن أنا عملت اللي عليا... منفعش يا نعمة، أمك عاملة كوكتيل اتنين في واحد...محضر تعدي، ومحضر سب وقذف، ناقص ايه تاني معملتهوش يا نعمة؟ ضربت نعمة يديها بعنف على فخذيها، وقالت بشؤم، وندمت على أيام العيد التي من المفترض أن تكون سعيدة، لكنها انقلبت بالمصائب فوق رؤوس الجميع: _ده عيد ايه ده؟ امبارح ستي تموت والنهارده أمي في الحجز؟ يا بختك الأسود يا نعمة! قال أبو محمد بنبرة هادئة: =خدي بالك من نفسك يا نعمة وادعيلها. تفوهت نعمة بفقدان الأمل، وكلماتها تنبض بمرارة الإحباط والاستسلام، تعكس كل ما تشعر به من يأس، وعدم يقين: _يعني مفيش حل يا خالي؟ أجاب أبو محمد: =سيبيها على ربنا...ربنا يهدي أمك. قالت نعمة بترح: _ليه كده ياما ليه بس؟ عاجبك اللي احنا بقينا فيه دلوقتي؟ عادت نعمة إلى شقتها، ذلك المنزل المعتم يعكس حالتها النفسية، فواجهت شاشة سوداء تعكس حالها الداكن، كانت تغمض عينيها وتتمنى الموت، وتشعر وكأن كل ما حدث في الأيام الماضية هو عبور في وادٍ مظلم دون نور في نهاية النفق. في اليوم التالي، استيقظ جلال بنشاط، وحيوية متجددة، وقرر زيارة البنك في بلد قريب من بلدهم. عند دخوله، توجّه نحو الموظف الجالس خلف النافذة بابتسامة طيبة، وقال بلهجة حميمية: =السلامو عليكو يا حاج. نطق الموظف، وهو منشغل في قضاء عمله: _وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... اتفضل. قال جلال بابتسامة خافتة: =عايز أعمل حساب عندكم. سأله الموظف بانشغال: _عايزوا لإيه يا أستاذ؟ أجاب جلال بفخر: =والله يابا بص... أنا عاوزوا للنت أصل عقبال أملتك عملت قناة على البورنامج الأحمر، واتشهرت وعاوز أستلم الفلوس. وضع الموظف ورقة البيانات حيال جلال، وأخذ يركز نظره عليها وهو يحاول ترتيب أفكاره. كان كل حركة يقوم بها مدروسة بعناية، وكأنه يريد التأكد من أن كل شيء في مكانه الصحيح. ثم نظر إلى جلال بجدية، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يبدأ في شرح التفاصيل، وقال: _طيب ممكن تملي بياناتك هنا. استلم جلال ورقة البيانات وألقى نظرة عليها، لم يفهم شيئًا واضحًا، ولكنه كان مصممًا على استكمال الإجراءات. فقال بإصرار: =وماله مفيش مشكلة. لم تعتاد أم الديب على الجلوس بصمت، وفي هذا السجن المظلم، حيث يخيم الفراغ الشديد، تشبثت بالنساء وقاتلتهم بأيديها وأرجلها، كمصارعة محترفة في ساحة القتال. كانت تترك واحدة وتندفع نحو الأخرى بقوة، محدثة ضجة لا يستطيع أحد السيطرة عليها. صرخت السيدة، واستنجدت بالعساكر وبقية النساء حولها، قائلة بصوت يحمل الضياع: _آه انجدونا يا عساكر يالي برا! قالت أم الديب بصراخ وقت الشجار: =مالك يا ولية؟ بقى آني غلطانة إني ضربت أم أشرف اللي تتشك في جنابها؟ تفوهت عالسيدة بإعوال: _ده كان يوم أسود يوم ما قولت رأيي! قامت النساء بخبط الأبواب بأيديهن بينما كانوا يستنجدون بالعساكر، بعد أن فشلوا في فض النزاع. نطقت إحداهن وهي تتشبث بالباب الحديد، وأطلقت آخر صرخة أمل، قائلة بيأس: =افتحوا الباب احنا بنموت. نطقت الأخرى بصراخ: =افتح يا عسكري... الفتوة اللي معانا هتموتنا. تفوهت الثالثة بنحيب: _افتحولنا الله يستركم. يتضح أن سبب هذا الشجار يعود إلى خطأ النساء في التعبير عن آرائهن، وهنا تظهر روح الديكتاتورية لدى أم الديب، حيث تستشير الناس في آرائهم ولكن في النهاية تفعل ما تشاء. لم تترك النساء شأنهم، بل تمسكت بهم جميعًا، وسحبتهم نحوها في الداخل لتضعهم على نفس المستوى في أرض السجن. فصاحت بعدوانية مفرطة، كمن تهيمن على ساحة المعركة: =ماهو علشان آني غلطانة فهوريكم أم الديب دي تبقى مين يا شوية جرابيع! بعد معاناة طويلة من قبضة النساء، حضر العساكر وأمسكوا بأم الديب بقوة، ونقلوها إلى مكتب الضابط، حيث كان عسكري واحد لم يكفّ عن محاولة السيطرة على تلك المرأة الجبارة. وعندما أصبحت أم الديب في عهدة الضابط، وقف العسكري أمام الضابط بوقفة احترام، ورفع يديه في الهواء، معبّرًا بصوتٍ عالٍ: _تمام يا فندم. نهض الضابط وهو يلقي نظرات شر على أم الديب، ينوي تربيتها على ما فعلت، فقال بنبرة حادة كصوت قاضٍ ينطق بحكم العدالة، ترتسم على وجهه تعبيرات الحزم والقوة: =امشي انت. أجاب العسكري بصوت عالٍ: _أوامرك. عندما خرج العسكري من غرفة الضابط وأوصد الباب بعناية، وقف الضابط في وجه أم الديب بكل حذر، حيث تأمل في عينيها كمن يقرأ كتابًا صعب التفسير. رُفِع حاجبه بتحدي، كانت تلك رمزًا لاستعداده للمواجهة مع هذه القوة الجارفة. تحدث بنبرة ساخرة، كأنه يعزف على أوتار السخرية، وقال بكلامٍ ملتبس بين التهكم، والاستهجان: =عاملالي فيها جامدة؟ بقى نازلة ضرب في الستات اللي معاكي جوا؟ اعتمدت أم الديب، كعادتها، على وسيلتها المألوفة للهروب من التحديات الصعبة، وهي البكاء، ولكن دون وجود الدموع. بصوت هزيل ومهتز، نطقت: _ايهي محصلش ده هما اللي اتلموا عليا وعدموني العافية يا سعادة الباشا! قال الضابط بسخرية، فكانت تعبيرات وجهه تتسم بالبرود، والابتسامة الساخرة التي ارتسمت على شفتيه تعكس الاستهانة بالموقف: =ماهو باين، أصل شكلك ست غلبانة. تلفظت أم الديب بنحيب: _أوي أوي يا باشا... ده ربنا العالم بيا. قال الضابط بصياح: =يا عسكري. دخل العسكري المكتب في الحال، وقد ارتسمت على وجهه علامات الانضباط، بينما تجنبت خطواته أي صوت غير ضروري. توجه نحو الضابط الذي كان يقف حيال المكتب، ثم تحدث بنبرة صارمة، تعكس حزمًا، واحترافية عاليتين: _الست دي تدخل حجز انفرادي. تفوه العسكري: =أوامرك يا باشا. تلفظت أم الديب بنواح: _ايهي هو آني عملت ايه؟ ده آني ست غلبانة ومسكينة ومكسورة الجناح يا سعادة الباشا! قال العسكري بصياح: =يلا! وثبَّ العسكري، وهو يضع الكلبشات في يد أم الديب، وأدخلها إلى حجرة الاحتجاز الفردية، كي لا تتورط في صراع مع النساء. أما في منزل جلال، كانت ليالي تجلس في غرفتها على السرير، تتحدث مع أختها هبة في الهاتف. وعلى لسانها الذي انبعث بالتأثر، قالت: _ولا يهمك يا بت... إذا كان ابنها ذات نفسه مش طايقها أمال احنا نعمل ايه؟ تصوري ياختي إن حمايا لما جه امبارح بالليل وعرف إنها في الحجز سجد لله شكر وقال الحمدلله... ده شايف منها المُر... ده أنا يمكن اللي مصبرني عليها شوية إنها بتعمل كده مع كله مش أنا بس! تفوهت هبة بكراهية: =حماتك دي أجارك الله منها، حيه عاملة نفسها عبيطة ومش فاهمه حاجة وهي دماغها مصفحة...دي شيطان يا ليالي! قالت ليالي بتأثر: _معلش ياختي حقك عليا هاتيها فيا...أهو محدش معبرها ولا ساءل فيها...خليها كده لحد ما يبانلها صاحب. تفوهت هبة ببغضاء: =ربنا ينتقم منها. نطقت ليالي بابتسامة: _يارب ياختي...يلا معطلكيش عاوزة حاجة؟ ردت هبة بملامح صلبة: =سلامتك. قالت ليالي بحُب: _الله يسلمك...سلام. انتهت ليالي من محادثة أختها، ثم قامت بتجهيز الغداء، وفيما ترتب الأطباق، تفكر بفكرة تراود ذهنها، حيث تصوِّر الطعام وتخيله كما لو كانت تسجله في فيديو. بسعادة مرسومة على وجهها، نطقت: _وهو احنا خسرانين ايه؟ احنا أولى بأي فيديو يجيبلنا فلوس... نفسي أغير الشقة بقى. فتحت ليالي الثلاجة واستخرجت الطماطم، والباذنجان، والفلفل الأخضر، والثوم، وأخذت التوابل. ثم فتحت الكاميرا وبدأت بتصوير الخطوات ببراعة، وبينما تعكس الكاميرا تفاصيل الطهي، تتحدث ليالي بلغةٍ طلاقة، تشرح كل تفصيلة بوضوح، فتعبر عن مفرداتها ببراعة، تتحدث بعاطفة عن محبتها للطهي، وتعبيرها الفني عبر الطعام: _ازيكم يا حبايبي عاملين ايه؟ أهلًا بيكم في قناة يوميات جلال الشبح وليالي... النهارده هنزلكم أكلة إنما ايه فاخر من الآخر بس ركزوا معايا...أنا جيبت هنا بطاطسايتين وبتنجانه كبيرة، وشطة خضرا، وتوم. هنقطع البطاطس، والبتنجان يا حبايبي زي مانتوا شايفين كده. دخل حمود وأفسد الفيديو على والدته حينما خرج صوته فيه وهو يقول بصوته القذر: =تقى عملتها على نفسها ياما... روحي شطفيها! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة