في المطبخ، حيث كان العبير الزكي يتسلل من القدور, ويرتفع لينساب في أرجاء المنزل، كانت النساء يتكاتفن ويتعاونن وكأنهن نحلات في خلية واحدة، كل واحدة منهن تساهم بجزء من جهدها لإتمام الوليمة. وسط هذا التعاون المفعم بالدفء، وبينما كانت الأيدي تعمل بانسجام، التفتت ليالي نحو جميلة بابتسامة مشرقة، وقالت لها بنبرة مليئة بالدهاء: _وانتي بتعرفي تطبخي؟ أجابت جميلة، بينما كانت يدها تتحرك برشاقة وهي تقلب العصير بملعقة خشبية كبيرة، وعيناها تلمعان بلمحة من الحماس، وقالت بصوت ملؤه الحيوية، والابتسامة ترتسم على شفتيها: =أكيد بس الأكل المصري مش أوي. نطقت ليالي بتعجب، وقد ارتفع حاجباها قليلًا وظهرت على وجهها علامات الدهشة، وقالت بصوت مليء بالتساؤل: _أمال بتطبخي في بيتك ايه؟ نطقت جميلة بفطنة، وعيناها تشعان بحنكة، حيث اختارت كلماتها بعناية، وقالت بلهجة واثقة: =لا دي حاجات انتي مش هتعرفيها. ردت ليالي بكَمَد: _ومعرفهاش ليه؟ شايفاني جاهلة؟ نطقت جميلة: =لا خالص بس الأكلات دي مش مصرية. خرجت نعمة من المطبخ، حيث كانت ترتدي مئزرها المُلطخ ببعض آثار الطهي، وتوقفت عند الباب، وسألت بنبرة تجمع بين الفضول، والاستفهام: _باقي قد ايه يا عيال؟ صوبت نعمة نظرها سريعًا نحو الصالة فلم تجد أحدًا، وكأنما كانت تبحث عن إجابة لشكوكها العالقة في الهواء، فواصلت بنبرة يملؤها الشك: _العيال شكلهم نزلوا عند جدهم. دخلت نعمة غرفة النوم بخطوات حثيثة، ونظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار لتكتشف بقلق أن الوقت المتبقي حتى أذان المغرب لم يعد بالكثير، فاستدارت بسرعة وعادت إلى المطبخ بخطوات سريعة، حيث اندفعت نحو النساء العاملات، وقالت بعجلة ونبرة تنم عن قلقها من اقتراب موعد الإفطار: _يلا همتكم معايا ده مفيش وقت. قبل موعد الإفطار بربع ساعة، تدفق الجميع نحو شقة أم الديب، حيث كانت الأجواء تعج بالنشاط والتعاون، فالنساء، والأطفال كانوا منهمكين في مساعدة بعضهم البعض بكل همة، ونشاط؛ بعضهم يسكب المشروبات العطرة في الأكواب البلورية، والبعض الآخر يرتب الأطعمة الشهية في الأطباق المزخرفة، وآخرون يسيرون بخطى وشيكة حاملين هذه الأطباق نحو المنضدة الريفية المزينة ببساطة. أما الرجال، فقد كانوا يجلسون في زاوية، يراقبون في صمت هذه الحركات الدؤوبة، وكأنهم يشاهدون لوحة حية من العمل الجماعي. وفي هذه الأثناء، نظر المعلم حنفي إلى ساعة هاتفه، ثم رفع رأسه بدهشة، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب، وقال: =ياه ده مش باقي غير عشر دقايق! ردت ليالي بصوت عالٍ، وقد ارتفع صدى كلماتها ليملأ المكان، وهي تنحني برشاقة لتضع طبق الأرز المعمر، الذي كان يتصاعد منه البخار محملًا برائحة سائغة تفتح الشهية، في الطبق المزخرف، وقالت بنبرة تحمل في طياتها مزيجًا من العجلة: _خلاص يا حمايا قربنا نخلص. بعد أن انتهوا من أول مرحلة من تجهيز أطباق الطعام، حيث جلسوا جميعًا برمتهم أمام المنضدة الريفية في تشكيلة دائرية، وكان بعضهم يجلسون على الأرض فوق المفرش البلاستيكي المُبطن بأطباق الطعام، والمشروبات مرتبة إزاء التلفاز، انتظارًا للآذان المبارك للإفطار. وفي هذا الوقت، خفض أحمد صوت التلفاز، ممهدًا الطريق لسماع النداء الديني، والآن، كانت العائلة بأكملها في حالة من الترقب المتوتر للحظة الفارقة عندما يُعلن المؤذن "الله أكبر". كان الشوق يسيطر على كل واحد منهم، وكان الطعام الشهي الذي يعطي من رائحته النفاذة والمغرية يثير اشتهاء منين لالتهامه بمجرد وقت الإفطار، وأخيرًا، جاءت اللحظة الحاسمة عندما أذن المؤذن بتلاوة عبارة "الله أكبر"، فقد ذكر بعضهم دعاء الإفطار بتضرع، في حين انقضى صبر البعض الآخر الذي طالهم الجوع. وفي هذا السياق، قال المعلم حنفي بصوت يتسم بالإيمان: =اللهم لك صومت، وعلى رزقك أفطرت. تحدثت أم الديب: _كلوا يا عيال. بدأ الجميع في تناول الطعام، وكانت حنية قلب الأمهات تطغى على شعورهن بالجوع، حيث اهتموا بتنظيف قطع الدجاج من الجلد والدهون قبل أن يضعوها في أفواه أطفالهم. كانت كل واحدة منهن تحمل طفلها على ساقيها أو على حافتها، وكانت الأمهات دائمًا على استعداد لتلبية احتياجات أطفالهن بكل حنان، واهتمام. بينما، لم يكن الرجال يولون اهتمامًا كبيرًا لأمور أطفالهم، بل كانوا مستمتعين بشكل كبير في تناول الطعام المغذي، وبعد نصف ساعة، انتهى الجميع من تناول الطعام، حيث جمعت النساء الأطباق، والأكواب، والملاعق وحملوها إلى المطبخ للتنظيف، في حين جلس الرجال على الأريكة مشاهدين المسلسلات التلفزيونية بعد أن غسلوا أيديهم بالمرحاض، وفي هذا الوقت، أعرب المعلم حنفي عن سعادته بمنظر العائلة المجتمعة بعد هذا اللقاء الرمضاني الدافئ: =تسلم الأيادي ده أنا مدوقتش أكل بالحلاوة دي. رد جلال بسعادة: _بالهنا والشفا يابا. ثم نادى زوجته: _فين الحلويات يا ليالي؟ أجابت ليالي بصوت عالٍ: =هايدي هتجيبها أهو ياخويا. كانتا جميلة، وهايدي يقمن بتوزيع الكنافة المغطاة بالمكسرات اللذيذة، والقشدة الطازجة، وكذلك البسبوسة المغموسة في الشيرة الساخنة داخل الأطباق، بتوزيع مُتساوٍ يعكس اهتمامهما بالتفاصيل، وجمالية العرض. في الخارج، زاد وزن أم الديب بعدما استمتعت بتلك الوجبة اللذيذة حتى لم تعد قادرة على الوقوف بشكل مستقيم، وفي هذا السياق، بينما تحاول أم الديب التعامل مع هذا الثقل الجديد الذي أصبحت تشعر به، قالت بنبرة معبرة عن الحالة البدنية: _حد يشدني آني مش قادرة أتحرك! سحبها أحفادها الأربعة: حمود، وسيليا، وتقى، ومحمد، ولكن قوتهم الجماعية لم تكن بمثل ربع قوة أم الديب، ففي لحظة من عدم التوازن، فقدوا السيطرة عليها، وتحولوا إلى أربعة رجال نحفاء يحاولون سحب سيارة نقل ثقيلة على طريق مُحطم. وفي هذه اللحظة المأساوية، سقطت أم الديب فوقهم بينما كانوا يحاولون سحبها، مما أدى إلى صراخهم في آنٍ واحد. سرعان ما وقف الآباء باستثناء المعلم حنفي الذي لم يتصدى للوضع لسحب أم الديب بعيدًا عنهم، وفي هذه اللحظة التوترية، صاح جلال بصوت مرتفع، وكانت نبرته تعبر عن الاستغراب، والقلق في آن واحد: =يا نهار أسود...أوعي ياما! نجح جلال في سحب أم الديب، وعندما استقرت الأمور، وقف حمود، ومحمد هادئين كما لو أن شيئًا لم يحدث، في حين دخلت الفتيات المطبخ، وهن يبكين بكاءً عميقًا وباسلًا، وكل واحدة منهن تتشبث في ثياب والدتها بينما تتساقط الدموع بغزارة. وفي هذا السياق العاصف، صرخت تقى بصوت مليء بالألم: _يا ماما! نطقت سيليا بصراخ: =مامي! صدح انتحاب ابنتها أصاب قلب جميلة بصدمة عميقة، فأسرعت بترك كل شيء وركضت لتحتضنها بين ذراعيها، وفي تلك اللحظات الحرجة، عبرت عن خوفها بكلمات مؤثرة، قائلة بنبرة تعبق بالحنان: _بتعيطوا ليه؟ حملت ليالي ابنتها بفزع، وفي لحظة من القلق العميق، تلفظت بحديث ينبع من القلب: =مالك يا تقى بتعيطي ليه انتي، وبت عمك؟ ردت تقى ببكاء: _ستي وقعت علينا. صرخت ليالي، قائلة بتوجس: =يا لهوي، وريني جسمك! فحصت ليالي جسد ابنتها بدقة لتتأكد من خلوها من أي كسور قد تعرضت لها، وعندما اطمأنت على سلامتها، أحتضنتها برفق وقُبِّلتها برأفة من رأسها. في هذه الأثناء، خرجت تقى، وسيليا من المطبخ وبدأوا في نسيان ما حدث لهم، حيث استمتعوا باللهو مع بعضهم البعض، ثم خرجت جميلة، وهايدي حاملتين أطباق الحلوى اللذيذة، وبدأوا في توزيعها بين الجالسين. بعدما استلم المعلم حنفي طبقه، لم يتمالك نفسه وابتسم براحة، وسعادة، وأعرب بنبرة تعبر عن فرحته: _تسلم ايدك يا جميلة يا بتي. ردت جميلة بابتسامة: =بألف هنا يا أونكل. تناول المعلم حنفي البسبوسة المغموسة بالمكسرات بلذة، وبينما كان يستمتع بها، أطلق ابتسامة بهيجة تعبيرًا عن رضاه التام عن الطعم اللذيذ، وقال: _طبق الحلويات إنما ايه عظمة على عظمة. تلفظ جلال، وهو يأكل الحلوى: =ناولوني كوباية عصير. ردت أم الديب بنبرة حادة: _مانت لسه شارب! نطق جلال بعصبية: =وانتي مالك ياما، ما أشرب تاني، وتالت هو انتي دافعة جنيه من جيبك؟ تفوهت أم الديب بصخب: _احترم نفسك بدل ما أقلع اللي في رجلي، وعلى نفوخك! وضع جلال الطبق جانبًا بعد أن انتهى من تناوله، ثم وقف مكانه، وصاح بصوت مرتفع، يعبر عن شعوره الداخلي بألفاظ تنطق بالاندفاع: =ماجرا ايه ياما الكلام ده انتي شايفاني عيل صغير، ولا ايه؟ خرجت نعمة من المطبخ مهرولة، وتبدو على وجهها آثار القلق، وقد امتلأت عيناها بالذعر، كما لو أنها شاهدت شيئًا مخيفًا هناك، وتفوهت: _أحب على ايديكم نفر نفر... استهدوا بالله. تحدث المعلم حنفي بعصبية، صوته يرتفع بينما يحاول التفوق على الضجيج الذي يلتف حوله كالضباب، محاولًا إيصال رسالته رغم الانزعاج الواضح في ملامحه: =ماتتهدي يا ولية، وتسيبي الواد يشرب! وأردف بنداء ليالي: =هاتيله كوباية عصير يا ليالي. أجابت ليالي بصوت عالٍ: _حاضر يا حمايا. في قصر أم قمر الدين، بعد أن تناولت العائلة الطعام، جلسوا في الصالون. فقالت "دينا هانم"، والدة سارة، خطيبة قمر الدين، بابتسامة تملأ البهو بالدفء: =الأكل يجنن يا بسملة. ردت أم قمر الدين بابتسامة: _بألف هنا يا دودي. كان القمران يتأملان بعضهما البعض، وهما يجلسان على الأريكة نفسها. حينها، أطلَّ قمر الدين بابتسامة مُشرقة تنعكس في عيونه، وألقى بكلماته الرقيقة كأنها نسيم لطيف يعانق الهواء: =مش هنخرج بعد الأكل يا سارة؟ ردت سارة بتردد: _مش عارفة يا قمر الدين بس اسأل بابي. ضحك قمر الدين بابتسامة تنم عن سعادته الغامرة، ثم قال بصوتٍ مليء بالحب: =أسأله؟ أكيد طبعًا هيرفض... انتي عارفة بقالنا كتير مش فاضيين، وكل مانتي تفضي يكون أنا عندي شغل فبصراحة حاسس أنها فرصة هايلة بما إننا فاضيين النهاردة. ردت سارة بتفكير: _خلاص أنا هقول لبابي، وأتمنى إنه يوافق. لاحظت أم قمر الدين حديث قمر الدين، وسارة، وسمعت صوتهما وهما يتحدثان بهوى، فظنت أن بينهما أسرارًا مكنونة. فابتسمت بحب، وقالت بصوتٍ واضح مليء بالتفهم: =بتتكلموا بصوت واطي بتقولوا ايه؟ ضحك قمر الدين، وقال: _لا ده موضوع كده متدخليش نفسك فيه يا ماما! ضحكت أم قمر الدين بابتسامة تعبق بالدعابة، ثم قالت بمزاح: =من أولها كده بتخبي على مامي؟ ضحكت سارة، وقالت بخجل: _لا خالص يا طنط هنقول لحضرتك بعدين. نظر باسم لرشدي والد سارة، بعبقرية لا مثيل لها، ثم بفرحة تتجلى في عينيه وهو يبتسم، قال: =منورين الدنيا...سعيد بوجودكم. نطق رشدي بابتسامة: _متشكر يا باسم ده نورك انت، وبسملة هانم. ردت أم قمر الدين بتبجيل: =ميرسي. في منزل أم الديب، بعدما انتهت النساء من غسل الأواني والأكواب، تجمعوا متراصين أمام التلفاز، وبين أيديهم أكوابهم الممتلئة بالعصير، وأطباقهم المحملة بالحلوى، ولم يكن هناك إلا لحظة من الصمت البهيج يملأ الصالة، حيث لم يستطع أحد إلا أن يعبر عن سعادته بابتسامة لا توصف، وفي هذا الجو الدافئ، والمليء بالمشاعر، قالت أم الديب بفرح: _منورة الدنيا يا جميلة يا مرات ابني يا غالية. ردت جميلة بابتسامة: =ده نورك انتي يا طنط. قالت أم الديب، وهي تتلذذ بطعم الحلوى اللذيذة التي تذوب ببطء في فمها، وابتسامة الرضا تزين وجهها كلما انطلق صوتها بكلام ينبعث منه دفء الأمومة: _حلوة ياختي الحاجات اللي انتوا جايبنها دي...طعمها حلو أوي انتوا جايبنها منين؟ غضبت ليالي من كثرة إشادة أم الديب لجميلة، وزوجها، فاستفاضت بالكلمات كأنها نهر من الحقد المتدفق: =ايه يا حماتي؟ ماحنا بنجيبلك برضة...ده الحلواني اللي على أول الشارع حلو، وكل الناس بتشكر فيه. ردت أم الديب بشحناء: _حاجته ماسخة ملهاش طعم زي أكلك. تفوهت ليالي بعصبية: =أنا أكلي ماسخ مالوش طعم يا حماتي؟ أجابت أم الديب بكراهية: _أمال ايه؟ ده آني اللقمة وقفت في زوري من كتر ما أكلك ناشف، ومالوش طعم. سرعان ما تدخل المعلم حنفي في الحديث، وقصف جبهة أم الديب بكلمات حادة كأنها صاعقة من الاحتدام: =لا يا ولية هي وقفت في زورك علشان بتاكلي بسرعة، والأكل مش ملاحق يعدي من كتر الحَش اللي بتحشيه. صاحت أم الديب قائلة بامتعاض: _لم نفسك يالي تضرب في جنابك! ردت نعمة بروح العدالة: =ملكيش حق ياما مانا مساعداها في الأكل. تفاجأت أم الديب من مساعدة ابنتها لليالي، فقالت بدهشة: _ايهي انتي ساعدتيها يا بت؟ أجابت نعمة، وهي تستمتع بمذاق الكنافة: =أيوه ياما ده هي عملت حاجات بسيطة بس تعبت برضة. تراجعت أم الديب عن رأيها في الحال عندما علمت بمساعدة نعمة لليالي، إذ تعتقد بأن ابنتها تختلف عن زوجة ابنها من وجهة نظرها. فابتسمت بلُطف، وقالت بامتداح: _الأكل زي العسل يا نعمة طول عمرك بتعرفي تطبخي يا بت. ردت ليالي بسخط: =هو مش كان ماسخ، ومالوش طعم من شوية؟ دلوقتي بقى زي العسل؟ دخل المعلم حنفي في نوبة ضحك لم يستطع خلالها ملاحقة أنفاسه، ثم قال بابتسامة واسعة: _ أمك عليها حاجات. ضحك الجميع، بما فيهم جلال، ثم قال بصوت مرح: =ماتهدي اللعب ياما مع ليالي. قال أحمد بضحك: _أنا عايز أفهم بس انتي بتقيمي الأكل على حسب مين اللي عامله؟ امتزجت ضحكات الجميع في بعضها، فلم تستطع عيون أم الديب أن تستقر على أحدهم. كانت تنظر لزوجها تارة، وأبناءها تارة، وهي تشرد نار الكراهية، والغل من عينيها، كأنما تتسرب السموم من دواخلها في كلماتها المعبرة بصوت حاد: =ايهي انتوا بتضحكوا على ايه؟ لو وشي مكتوب عليه نكتة عرفوني! ضحكت نعمة، وقالت بدهشة: _ربنا يهديكي ياما. عندما بلغت الساعة الثامنة، انتهى الجميع من ليلتهم السعيدة، وحان وقت الإياب إلى المنزل. وقف أحمد ونطق بكلمات تنبعث منها حنين الفراق، ولحظات السعادة التي عاشها مع الأحباء: =يلا يا جميلة. حمل أحمد ابنته أسيل على ذراعه، ووقفت جميلة في مكانها، تمسك بيد ابنتها سيليا، وفي لحظة مليئة بالتآلف، قالت برقة: _احنا هنمشي بقى يا طنط. نهضت نعمة، وردت بتعجب: =هو انتوا لحقتوا يا جميلة؟ عانقت جميلة نعمة بود، ووجهت لها قبلة تعبر عن محبتها العميقة، وأجابت: _الطريق بياخد وقت، علشان نلحق نوصل، ونرتاح. وقف الجميع بما فيهم المعلم حنفي، فقال بإلحاح: =ماتباتوا، وتقضوا معانا يوم تاني كمان! عانق أحمد والده بحنان ينبع من القلب، ثم صافحه بيد معتزة، وقال بابتسامة: _لا مانتوا ليكوا يوم عندنا ان شاء الله. تحدثت أم الديب بإصرار: =بات ياخويا، وقضوا معانا يومين كمان. ردت جميلة باعتراض: _سوري يا طنط مش هينفع خالص، لازم تيجوا عندنا قريب! عانقت أم الديب جميلة بإحسان ينبع من عمق العلاقة بينهما، وتبادلوا القبلات بينما تعبر كلماتهما عن الرابطة العائلية القوية، والمحبة الصادقة، فقالت: =وماله ده احنا هنيجي من صباحية ربنا. ضم جلال أحمد لحضنه بشدة، ثم صافحه بيدٍ ممتلئة بالاعتزاز: _خد بالك من نفسك ياض، ولو حد دايقك كلمني، وأنا هاجي أعمل معاه الصح! ضحك أحمد، وقال بسخرية: =هو أنا عيل صغير يا جلال؟ رد جلال بنبرة حادة: _اسمع اللي بقولك عليه! أهزق أحمد، وقال: =ماشي يا عم. تبادل الجميع العناق والمصافحة، ونزلت العائلة بأكملها خلف أحمد، وجميلة، وابنتيهما، وهم يتتبعونهم حتى وصلوا إلى السيارة. ركب أحمد، وجميلة سيارتهما، وغادروا برفقة أطفالهم. في ذلك الوقت، نزلت دموع أم الديب حزنًا على مغادرة ابنها وأسرته، وفي لحظة تعبير عن الأسى، والحنين العميقين، قالت بانتحاب: _الواد معاه بتين صغيرين هيتبهدلوا على الطريق، ما كان سابهم هما حِمل بهدله؟ رد جلال بدهشة: =جرا ايه ياما هو مركبهم على جمل، ومسافر بيهم في الصحرا؟ ماهو معاه عربية، وقاعدين فيها معززين مكرمين! نطقت نعمة بدهشة: _ايه ياما الأفورة دي بس؟ متخافيش عليهم! تفوهت أم الديب بعجيج: =انتي بتشتميني يا نعمة؟ تعجبت هايدي من بلاهة أم الديب، ولكنها في الحال قررت التدخل، وهي تتلفظ باستهزاء: _هي جات جنبك؟ عندما استشعر جلال بداية نشوب المشاكل، صاح فيهم بصوت ينطلق بالقوة: =يلا اطلعوا، وبلاش مشاكل! غادر جلال مُتجهًا نحو المنزل، وفي تلك اللحظة ناداه المعلم حنفي بصوت ينطلق عبر الهواء: _خدني معاك يا جلال! غادر الجميع المكان عدا أم الديب. طغى الشح في هذه اللحظة على أمانتها، حينما نظرت بعينيها وجدت كلبًا هامدًا في حالة من الاندثار، وقد ودع حياته منذ أيام. اقتربت أم الديب منه بحذر شديد، وقررت تفريزه في المثلج ليحل محل لحوم الأبقار. وفي لحظة من التأمل الحزين، قالت لنفسها بحُنكة: =اللحمة غالية هو آني معايا فلوس أشتري، وأعمل أهي لحمة ببلاش تكفينا شهر رمضان، والعيد كمان. قبل أن تصعدا نعمة، وهايدي، لاحظتا تأخر أم الديب، فعبّرت نعمة بتعجب ينطوي على اهتمامها، وهي تستفهم: _هي أمك مجاتش؟ نظرت هايدي بتعجب، وكانت كلماتها تنبع من فضول مُلتهب، حينما أجابت: =لا...هي مجاتش ليه؟ خرجت نعمة من مدخل المنزل، ونبرتها تتناغم مع هدوء المكان، فنطقت: _مش عارفة، تعالي نجيبها. ذهبت نعمة، وهايدي لإحضارها، وأثناء مرورهما شاهدوها من بعيد، وهي تسحب الكلب وتمشي به اتجاه الحظيرة. نظرت نعمة لهايدي بصدمة، ومشوا في صمت مُتجهين نحو الحظيرة، حيث وضعت أم الديب الكلب على الأرض ودخلت لتحضر السكين. عادت بسرعة، وقبل أن تتقمص دور الجزار، دخلت نعمة، وهايدي فجأة، وهم يصرخون من تلك الكارثة التي كانت ستحدث، وفي صدى الفزع، قالت نعمة بصوتٍ مليء بالذهول: =انتي بتعملي ايه ياما؟ ارتبكت أم الديب بمجرد رؤيتهم، وكانت كلماتها تنبعث منها بتردد: _انتوا ايه اللي جابكوا هنا؟ اقتربت نعمة من أم الديب، وصدحت باستفهام: =بتعملي ايه ياما؟ نطقت هايدي باشمئزاز : _انتي هتدبحي الكلب؟ صاحت أم الديب في وجههم، وهي تتلعثم في حديثها، وكلماتها تنطلق بتلجلج: =أدبحه ايه يا بت؟ ده كان...ده هو... ردت نعمة بضجيج: _هو ايه؟ أجابت أم الديب باستياء: =الكلب طالعله حاجة في ضهره كنت هشيلهاله...ده يا عيني بيتعذب، وكل يوم أسمع صوته، ومحدش من أهل المنطقة هاين عليه يوديه للداكتور. نطقت نعمة بصياحٍ مُفزع، وهي تُحاول كبت الرعب الذي ينتابها، وتشك في كل شيء حولها: _بقولك ايه ياما أنا مش مصدقاكي، بقى عاوزة تأكلينا لحمة كلاب؟ احنا للدرجادي بنهون عليكي؟ انفجرت أم الديب في وجه نعمة بكمد لاذع، وصاحت بصوت يهز الأرض: =لحمة كلاب ايه يا بت هو آني جيت ناحيته؟ انتي هتلبسيني مصيبة؟ خرجت هايدي من الحظيرة، وعلى شفتيها القليل من الأوجاع المتجمدة، وهي تتقيأ بشكل متكرر، وصوتها يندلق بصرخة مفزعة تمزق الصمت: _آه، مش قادرة. خرجت نعمة بسرعة مذهلة لتنقذها، وبمجرد أن أمسكت بها بين يديها بقوة، تحدثت بارتجاف: =مالك يا هايدي؟ أجابت هايدي باشمئزاز: _قرفانة. بوجود هايدي في الصيدلية، ونعمة تحملها بين يديها لاستلام العلاج المناسب بعد مرحلة تقيؤ متواصلة، وبعد أن تناولت هايدي الدواء، قالت نعمة للطبيب بإحراج: =هعدي عليك الفلوس مع حمو جوزي انت عارفنا ده احنا جيرانك. رد الطبيب بابتسامة: _مفيش مشكلة يا نعمة. نشبت نعمة يدها في ذراع هايدي، وهي تسندها بحنان، وكلماتها تتدفق برفق: =يلا يا هايدي! بعد انكفائهم إلى المنزل، استلقت هايدي على سريرها، تضع يدها بحنان على بطنها، ونعمة جالسة بجوارها تطمئن عليها بحب، ثم قالت لها بتأثر: _عاملة ايه دلوقتي يا هايدي؟ أجابت هايدي بإعياء: =زي مانتي شايفة كده، ماما خلاص اتجننت...في حد عاقل يعمل اللي هي بتعمله ده؟ ردت نعمة برقة، وصوتها يندمج مع صوت أختها بإحسان: _بيني، وبينك أنا هيحصلي حاجة من عمايل أمي دي عليها حاجات تشل ده أنا بحمد ربنا إني مطلعتش زيها. تفوهت هايدي بإنفعال: =محدش فينا طالعلها...جلال الوحيد اللي زيها في كام حاجة كده. قالت نعمة باستياء: _جلال طيب، وجدع انتوا بس اللي مش فاهمينه، ومش باصين غير للوحش اللي فيه. ردت هايدي ببغضاء: =ده كل ما فيه زي الزفت، شاوريلي على حاجة واحدة كويسة بس! تفوهت نعمة: _لا انتي غلطانة يا هايدي في اللي بتقوليه ده! بعد ساعة، عندما سكن المعلم حنفي في متجر المشروبات الخاص به، كان يُغمر نفسه في أعماق الدفعة الخامسة عشر من طبق الحلويات، حيث كان يتذوقها بلذة وكأنه يجرب الحلوى لأول مرة في حياته، وكانت ابتسامته تعكس البهجة العميقة، وفي هذا الوقت دخل جلال برفقة ابنه حمود، وعندما وصلوا إلى المكان، قال جلال بتأمل: =خش ياض أقعد جنب جدك. جلس حمود على الكرسي المجاور له بشغب متأملًا حوله بابتسامة تنطق بالضجيج: _ازيك يا جدي؟ وصوب نظره المتلهف نحو طبق الحلوى المزين بألوانه الزاهية، ونكهاته المُغرية، وواصل حديثه بشغف ظاهر في عينيه: _ انت بتاكل ايه؟ جلس جلال على الكرسي حيالهم، مستشعرًا عيون الجميع مركزة عليه، ثم نطق المعلم حنفي بصوت جهوري، كأنما يخترق به جدار الصمت المحيط: =عم إسماعيل كان معدي الله يباركله دخل سلم عليا، واداني الطبق ده. رد جلال بتعجب: _انت فيك صحة تاكل يابا؟ ده انت ضارب طبقين كبار عدم اللا مؤاخذة، وشارب كوبايتين عصير ده غير طبق الحلويات! تلفظ المعلم حنفي بكلام يشبه السيف عندما يلمع في ضوء الشمس، مخاطبًا الجميع بنبرة تحمل في طياتها القوة: =جرا ايه ياض يا خسع؟ بقى باصص لأبوك في لقمته؟ رد جلال: _لا بس خف يابا، واعمل ريجيم عشان صحتك. نطق المعلم حنفي بغرابة: =يعني ايه ياض؟ أجاب جلال بحصافة: _نظام غذائي يا حاج عشان تخس. تفوه المعلم حنفي، وهو يتناول الكنافة بلذة واضحة على وجهه: =قول لأمك الكلام ده هي الأولى بيه، دي مسحت الأطباق في السحور، والفطار...ده أنا كان في دبوس فرخة هموت عليه راحت ساحباه مني بت المهبوشة! ضحك جلال، وقال: _معلش يابا تتعوض يوم تاني. حك جلال فروة رأسه بحركة مترددة، وكأن أصابعه تبحث بين خصلات شعره عن شجاعة مفقودة، وفي النهاية أردف بنبرة تجمع بين التردد، والرغبة في الحديث: _المهم ليالي قرفاني ليل نهار عاوزه شقة جديدة، وأنا حالي على قده. رد المعلم حنفي برزانة: =هي تلاقيها باصه لجميلة. أجاب جلال بضيق: _أيوه يابا من ساعة ماراحت هناك، وهي عماله تزن ليل نهار فوق دماغي، وإلا عاوزة شقة جديدة. نطق المعلم حنفي، وهو يأكل بشهية واضحة تعكس استمتاعه بالطعام، متحدثًا بحزم: =غيرلها نظام الشقة يا جلال يمكن ترتاح شوية. تلفظ جلال بكمد: _ماهو هيحتاج فلوس برضة أمال انت فكرك ايه؟ هو في حاجة ببلاش؟ منذ أن دخلت جميلة حياتهم، عاشت ليالي في حالة من الغيرة الحارقة التي تأكل قلبها كالنار في الهشيم، فهي دومًا تشعر في أعماقها بأن جميلة الأفضل في كل شيء، إلا أنها أمام الناس كانت ترتدي ببراعة ثوب الثقة بالنفس، وتُظهر رضاءً تامًا ولا مبالاة مصطنعة تُجاه جميلة. لو كانت نار البركان حارقة لمحيطه، فإن نار غيرة ليالي كانت أشد بغيضًا وألذع بغداقة. بعد مرور ثلاث ساعات وصل أحمد وأسرته الصغيرة إلى منزلهم، وبدت على وجوههم علامات الإرهاق. دخل أحمد الغرفة بخطوات ثقيلة، ووضع ابنته أسيل بحنان على سريرها، ثم خرج من الغرفة وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، وسأل سيليا برقة وعينيه تلمعان بالتعب: =ايه رأيك يا سيليا في يومنا النهاردة؟ أجابت سيليا بسرور: _جميل أوي أنا لعبت كتير مع تقى، ومحمد، وحمود، لعبنا استغماية، وفتحي يا وردة. عانق أحمد ابنته بدفء، كأنه يضم العالم بأسره بين ذراعيه، وقال بسعادة غامرة: =ايه رأيك زي ماحنا روحنالهم، هما يجوا عندنا يوم؟ ردت سيليا بلهفة: _بجد يا بابي؟ ده أنا عايزة أوريهم أوضتي، والعرايس بتوعي. قال أحمد بابتسامة تتسم بلون الأمل، كأنها شروق شمس تنير وجهه المضيء بالحب: =كمان كام يوم هنعزمهم، وهيجوا يلعبوا معاكي هنا. قفزت سيليا في الهواء مثل فراشة ترقص على ألوان قوس قزح، قفزاتها كانت متتالية كأنها تتلاعب بالجاذبية، وهتفت بصوت مرتفع ينبعث من داخلها بشغف: _هيييه أخيرًا؟ ضحكت جميلة ضحكة ينعكس فيها شموخها، وقالت بنبرة تنبض بالحياة: =طيب يلا يا سيليا غيري هدومك...متنسيش إن احنا رايحين لجدو باسم، ونانا بسملة بكرا! ردت سيليا بسعادة غامرة تتلألأ في عينيها كالنجوم في السماء الصافية، وكلماتها خرجت معبرة عن فرحها: _يعني هلعب مع لارا؟ عانقتها جميلة بحنان يتدفق كنهر هادر، وكانت الابتسامة تتسلل إلى وجهها كالشمس تنير كل زاوية من وجودها، وقالت بلهجة ممتزجة بالبهجة: =أيوه طبعًا...أدخلي غيري هدومك! ردت سيليا بفرحة: _حاضر. دخلت سيليا إلى غرفتها بخطوات هادئة، وغيرت ملابسها بعناية متناغمة، تتلاشى تدريجيًا في ألوان الليل المهدئة. خلال لحظات، خلدت للنوم براحة تامة، وفي الوقت نفسه، دخل أحمد وجميلة إلى غرفتهما، يبدون متأملين في جمال الهدوء المسائي، واستعدوا للنوم بعد يوم حافل بالأحداث. في الساعة الثالثة من منتصف الليل، استيقظ جلال فجأة من نومه، وكأنه استدعي بواسطة أحلام مضطربة. حاول بجدية إيقاظ زوجته بلطف، يبحث عن تناول الطعام، وهو يقول: =قومي يا ليالي جهزيلنا لقمة ناكلها قبل ما الفجر يأذن! ردت ليالي بنعاس: _حاضر ياخويا. قاومت ليالي نعاسها بصرامة، ووقفت وهي تحاول مغالبة نومها الذي يغمرها كل ليلة، ودخلت المطبخ بخطوات هادئة لتحضير السحور، وفي الوقت نفسه، خرج جلال إلى الصالة وجلس على الأريكة أمام التلفاز بنظرة تراقبية تمتزج فيها بين الاسترخاء والانتظار. بينما في شقة نعمة، كانت تنظم الطعام بدقة فوق المنضدة الريفية، وكانوا جميعًا يتجمعون أمام التلفاز كأسرة واحدة. مد حامد يده باتجاه الطبق المليء بقطع الباذنجان المقلي المغموس بنكهات الخبز المحمص، وكانت كلماته تنبعث من بين شفتيه كمن يعبر عن لذة لحظات التلاحم بين الأحباء: =تسلم ايدك يا نعمة. ردت نعمة، وهي تتناول البطاطا المقلية ببساطة، كأنها تغمرها ذكريات الطفولة، وكانت تتنفس بين كل لقمة وأخرى نسيمًا من الرضا: _بالهنا، والشفا ياخويا. قال حامد، وهو يتناول الطعام بتركيز، كأنه يستمتع بكل قطعة بطعمها المشبع، تاركًا انطباعًا من الراحة في وجهه: =مش هتصحي محمد ياكل؟ أجابت نعمة، وهي تأكل: _لا هو كده كده مبيصومش...الواد لسه صغير. رد حامد، وهو يأكل بتركيز ، مُبديًا بهدوء تام استمتاعه الكامل بكل لقمة: =لما يكبر يبقى يصوم...بس أحسن حاجة إننا مش هناكل عند أمك النهارده. تفوهت نعمة بذهول: _مين قالك ياخويا؟ ماحنا هنفطر عندها زي امبارح. وضع حامد رغيف الخبز جانبًا بحركة مفاجئة، وكأنه يرمز بذلك إلى استياء عميق، وقال بصوت محموم ينطلق كصخب العواصف: =مابقولك ايه يا نعومي بلاش أمك أنا مباخدش راحتي... دي كانت ضاربة عينها في طبقي أنا حاسس إني كنت قاعد قدام رادار! توقفت نعمة عن تناول الطعام، وكانت ابتسامتها الدافئة قد تلاشت، بدلًا من ذلك، قد ظهرت علامات الامتعاض على وجهها، وكان صوتها ينطلق بحدة واضحة، وهي تعبر عن مشاعرها بكل جرأة: _جرا ايه يا حمو قصدك ان أمي عينها وحشة ولا ايه؟ أجاب حامد بضيق: =أمك مستخسره فينا اللقمة اللي احنا دافعين حقها... ده إن كان عليها عايزة تستولى على الجمل بما حمل، واحنا ناخد على قفانا بأكبر فردة شبشب فيكي يا مصر. ردت نعمة بصدمة: _ايه الكلام اللي بتقوله ده ياخويا؟ بقى أمي هتبصلك في لقمتك؟ ده ان كان عليها تطلع اللقمة من بؤها عشان احنا ناكل! تلفظ حامد باشمئزاز: =مابلاش الكلام ده يا نعومي، أنا بطني هتقلب! وقفت نعمة مكانها، وردت بعجيج: _طب، والنعمة دي مانا واكلة معاك...كل لواحدك! ملأ الاحتدام صدر نعمة، ودخلت غرفتها ساخطة، وجلست على سريرها، والكمد يشرد من عينيها، فدخل حامد الغرفة، وجلس على سيفها، وقال بابتسامة: =متبقيش كده يا نعمة أنا مقصدش ده أمك الخير، والبركة. بكت نعمة حزنًا على والدتها، وقالت بعصبية: _نقطنا بسكاتك..ده أنا أمي زي النسمة. شَرَق حامد، وهو يضحك على كذب زوجته فنظرت له نظرة حادة فتوقف عن الهزل في الحال. بينما في شقة أم الديب، وفي لحظة من الكوميديا السوداء، كانت تتناول الطعام برفقة زوجها على المنضدة الريفية، المعروفة بالطبلية البلدي، وكانت الكراهية تسكن بينهما ككيان غامض، حتى حينما ألقى المعلم حنفي قشور اللب في طبق أم الديب بشحناء غير مبررة، صرخت في وجهه، قائلة بجلبة: =يا راجل يا عرة بقى بترمي قشر اللب في طبقي؟ مانت كلت، وشبعت، ومليت كرشك...لكن آني أولع بجاز... مانت هاين عليك تولع فيا عشان تخلص مني، وتاخد الدار ليك لواحدك! رد المعلم حنفي بصياح: _احترمي نفسك يا ولية ألا أقوم أدغدغ الطبلية باللي عليها فوق نفوخك! وقفت أم الديب مكانها، واقتربت بخطوات ثقيلة من المعلم حنفي، وحركت يديها بحركة مُتسارعة نحو الأعلى، كأنها تمهّد لضربة قاضية تطاله. تفاجأ المعلم بتصرفها المفاجئ، فتجنب ضربها، ولكنها بقيت مصرة على إظهار احتدامها بوضوح، مُعبّرة بصوت غليظ عن استيائها من تصرفاته الغير مقبولة: =تدغدغها على مين؟ احتمى المعلم حنفي في ذراعه كالأسد المنهزم، وابتلع ريقه بصعوبة كأنه يخاف من سخطها المشتعل كالنار في القش: _لا يا ولية هو حد يقدر يكلمك نص كلمة؟ ده انتي الخير، والبركة...أقعدي كملي لقمتك! ردت أم الديب بصياح: =مش قاعده سديت نفسي. في غرفة هايدي، كانت المشاكل المستمرة بين والديها تشكل عبئًا ثقيلًا على كاهلها، حيث كانت تُسبب لها الألم العميق، بل وصلت إلى درجة أنها كانت تضرب رأسها بيديها بشكل عصبي، وتتمنى في أحيان كثيرة أن تجد الراحة النهائية في الموت، لتفلت من هذا الجحيم الذي يحيط بها، فنطقت: _ياربي بقى...ده حرفيًا كل يوم، يخربيت كده أنا تعبت منهم... ربنا يريحني منهم بقى دي عيشة قرف! دخلت أم الديب إلى غرفتها بعد يوم مُزعج، فاستلقت على الفور وغمرتها آهات الإرهاق، وفي ذات اليوم، عندما فاق الجميع من نومهم عند الساعة الثالثة وقت العصر، نزلت نعمة كعادتها حتى يتم الاتفاق على كيفية إعداد طاولة الإفطار لهذا اليوم. وقالت ليالي بنبرة متعبة، ومحتاجة للتفكير: =متبقاش أكل من امبارح يا نعمة؟ أجابت نعمة بإحراج: _لا...أمي الله يباركلها خلصت الأكل. ردت ليالي بتفكير: =ده احنا كده هنضطر نعمل أكل جديد. تفوهت نعمة: _خلينا نغير بقى...احنا نعمل شوية محشي، وفرختين، ولسان عصفور، وحلة رز كبيرة، وصينية بطاطس. نطقت ليالي: =طب بقولك انتي جهزي المحشي عبال مانا أجيب القطايف، وأحشيها. دخل حمود إلى الغرفة محملًا بكيس القطايف، والكنافة، فلما رآته ليالي، عبرت عن دهشتها بنبرة من الاستغراب: _اتأخرت ليه؟ أجاب حمود: =الدنيا زحمة مش كفاية إن أنا روحت؟ سحبت ليالي الأكياس من يد حمود بقوة مفاجئة، وأعربت عن امتعاضها بصوت مرتفع قائلة: _عيل لمض...هات. بدأت ليالي في حشو القطايف، معبرة عن براعتها في التحضير. وعلى جهة أخرى، بعد أن جهزت أسرة جميلة للخروج، توجهوا إلى منزل أم قمر الدين حيث كانوا ينتظرون نرمين، وزوجها وائل، وطفلهما، وسادت أجواء الفرح، والانسجام حينما تبادل الجميع العناقات، والقبلات بحرارة، وفي هذه الأجواء الودية، قالت جميلة بابتسامة تعكس السعادة الصادقة: =وحشاني أوي يا نرمين. ردت نرمين، وهي تحتضن وتقبل أختها بحنان، كأنها تعبر عن مشاعر الأخوة، والصداقة التي تربطهما منذ زمن بعيد: _وانتي أكتر يا حياتي. مدت نرمين يدها، وصافحت أحمد بابتسامة دافئة، تعكس تقديرها له: =ازيك يا أحمد؟ أجاب أحمد ببشاشة: _الحمدلله، انتي عامله ايه يا نرمين؟ ردت نرمين بابتسامة: =بخير. نزلت أم قمر الدين، وباسم من الطابق العلوي، حيث انعقد اللقاء العائلي، فانعم بين الرجال الأحضان، وبين النساء تبادلن القبلات، وفي هذه الأجواء الدافئة، والمفعمة بالمحبة، لم تتمالك جميلة نفسها، وقالت بسعادة غامرة: _مامي وحشتيني أوي! قالت أم قمر الدين باشتياق، وهي تضم ابنتها بقوة إلى حضنها الدافئ، كأنها تحتضن الأمان في تلك اللحظة المميزة: =وانتي أكتر يا جميلتي! عانق باسم ابنته جميلة بدفء، في حين مدت أم قمر الدين يدها نحو أحمد، وهي تبتسم ببهجة: =هاي يا حبيبي أخبارك ايه؟ رد أحمد بابتسامة: _الحمدلله يا طنط. تحدث باسم في تلك اللحظة بكل ود: =ازيك يا جميلة؟ أجابت جميلة بابتسامة تنم عن حبها الصادق: _الحمدلله يابابي عانقت أم قمر الدين حفيدتها سيليا برقة، وقالت بلين: =سيليا روح قلب نانا من جوا. ردت سيليا بابتسامة مليئة بالحنين لجدتها: _نانا بسملة...ليه خالتو سامية مجاتش هي، ولارا؟ مررت أم قمر الدين يدها اللطيفة على شعر حفيدتها الحريري، وضحكت بابتسامة توضح حنانها العميق: =متقلقيش يا عمري انتي..شوية وهيجوا. جلست العائلة في الصالون الفاخر، تنتظر بشغف سامية، ومعتز، وابنتهما لارا، في حين كانت أم الديب تعود إلى المنزل من الحظيرة، بعد أن قطعت لحم الكلب، وسلخته، ووضعته بدقة داخل الأكياس. عادت دون أن تخفي أثار جريمتها، وفي تلك اللحظة، تعجبت هايدي من رؤية أم الديب تحمل أكياس المشتريات، علمًا بأنها لم تكن تشتري أي شيء عادةً، فقالت بارتياب: _ايه ده يا ماما؟ ردت أم الديب بتنكيل: =دي فضلة خيري...لحمة بقري إنما ايه زي الزبده. لكن هايدي ليست مغفلة، فلا يمكن لأم الديب أن تكذب عليها بسهولة، وتخفي أمامها حقيقة تلك الجريمة المكشوفة بشكل واضح. فصاحت هايدي بصوت ينبض بالحق: _انتي عملتي اللي في دماغك برضة؟ أنا مستحيل آكل من اللحمة دي... دي لحمة كلاب! ردت أم الديب بجلبة ملآنة بالضيق، متوعدة بأنها لن تتسامح مع أي محاولة لكشفها: =وطي صوتك يا بت...لحمة كلاب ايه؟ ده آني لسه شارياها من عند الجزار دلوقتي. تفوهت هايدي بذكاء: _أنا مستعدة آجي معاكي دلوقتي حالًا عند الجزار اللي اشتريتي منه اللحمة! نطقت أم الديب بدهاء: =قفل ومشى...ده آني لحقته على آخر لحظة. قالت هايدي بصخب: _انتي بتكدبي، وأنا مش مصدقاكي! ردت أم الديب بصياح مدوي، وهي تنذر بأنها لن تتردد في إيذاء من أساؤوا إليها، كان صوتها يتعالى كالعاصفة المهولة، معبرة عن قوة الانزعاج: =اتكتمي يا قليلة الرباية بدل ما أديكي علقة سخنة... عدي يومك يا هايدي! دخلت أم الديب المطبخ بخطوات ثقيلة، ووضعت الأكياس بحذر داخل المثلج، في حين أصرت هايدي بسخط على إثبات صحة إحساسها أمام نفسها، وأمام الآخرين، لذا قالت: _ماشي يا ماما بس أنا مش هسكت على اللي عملتيه ده! خرجت هايدي من المنزل بثبات، واتجهت نحو الحظيرة، ولسوء الحظ وجدت الباب مغلقًا بإحكام، لكن هذا لم يكن عائقًا عن اكتشاف الحقيقة المروعة التي كانت تشعر بها بداخلها. استحكمت عقلها ونظرت عيناها حولها ببحث شديد، حيث لاحظت قالب الطوب الذي بدا وكأنه يناديها. ذهبت هايدي بخطوات مُتسارعة، وأحضرت القالب، وباستخدامه كسرت النافذة بشكل متهور وقفزت داخل الحظيرة بحذر، وما لبثت أن واجهت صدمة كبيرة عندما وجدت بقايا الكلب المتناثرة في كل مكان حولها، مما جعلها تعول بصوت عالٍ من شدة الفزع. أدارت وجهها نحو الجانب الآخر من الحظيرة بصمت، ووضعت يدها المرتجفة على فمها، كادت أن تستفرغ من تعاسة المنظر الذي ظهر حيالها. فقالت بتلجلج: =أنا مش مصدقة اللي أنا شايفاه ده بجد مش مصدقة! أثناء موعد الإفطار، كانت العائلة مجتمعة حول المنضدة الكبيرة التي كانت تنثر عليها أطباق الطعام المتنوعة، والشهية. نظرت أم الديب بدهشة إلى كمية الأصناف الموجودة، حيث امتزجت الألوان والنكهات لتشكل لوحة طعام مبهرة تعكس جهودهم الكبيرة في التحضير، فنطقت بشح: _ايه كل الأكل ده؟ أجابت نعمة ببشاشة: =معلش ياما احنا في رمضان، ورمضان ميحلاش غير باللمة، والأكل الحلو. نطقت أم الديب باستخسار: _عمالين تصرفوا، وولا هاممكم حاجة، وبعدين تيجوا تشتكوا من الفقر. تلفظ جلال بامتعاض: =لما تبقي تصرفي أبقي اتكلمي! ردت أم الديب بضيق: _الكلام ده ميرضيش ربنا، ولا يرضي حد..شيلوا الأكل ده، وسيبوا نصه ليوم تاني. تفوهت ليالي بعناد: =مفيش حاجة هتتشال يا حماتي، الأكل هيكفينا، ومش هيفيض منه حاجة... ربنا مايكتب على حد البخل. وطأت أم الديب يدها بقوة على صدرها، وصاحت بصوت ينبض بالإستغراب: _انتي بتلقحي عليا بالكلام يا بت؟ قصدك إن آني بخيلة؟ ردت ليالي بلا مبالاة: =وأنا اتكلمت، ولا قولت حاجة يا حماتي؟ قالت نعمة بكمد: _وربنا مانا متكلمة أنا تعبت منكم. تلفظ جلال بعجيج: =قسمًا بالله ياما إن ماسكتي لا نلم الطفح ده من هنا، وهنطلع فوق، وخليكي انتي هنا تاكلي تراب! تفوهت أم الديب بصياح: _لم نفسك مانت عيل صايع مش لاقي اللي يربيك آني اللي غلطانه إني قعدتكم في بيتي، ونسيت عمايلكم السودة. ازداد العناد في داخل جلال حتى نهض، وأطلق صياحًا بصوت مرتفع، قائلًا باحتدام: =قومي يا ليالي انتي ونعمة، وربنا ماحنا طافحين عندك، وشوفي مين هيطفح عندك تاني! وقفت نعمة بسخط عارم، وألقت كلماتها بصوت مليء بالانزعاج، قائلة: _يا جماعة مش كده أنا اعصابي تعبت منكم. جمع الجميع أطباق الطعام من على المنضدة بتعاون، ورتبوها بدقة فوق أيديهم قبل أن يصعدوا بها إلى شقة جلال. وعندما وصلوا، جلسوا في صمت، كأنهم يحاولون تجاهل ما حدث وإخفاء الكمد المتبادل، وفي هذا الجو المتوتر، قال المعلم حنفي بتأني: =أنا شكلي هطلق أمكم قريب، دي ولية غم بشكل...ده كل يوم على الله تعمل مشكلة! تمنى جلال أن تنتهي هذه العلاقة المعقدة، ليتمكنوا أخيرًا من الراحة، والابتعاد عن المشاكل المتكررة، فنطق بتأجج: _والله يابا أنا لو منك كنت طلقتها من أول اسبوع ده انت يتعملك تمثال على صبرك عليها. رد المعلم حنفي برهبة: =خايف من خالك ضايع لا يتجنن في نفوخه، ويخلص عليا. تلفظت نعمة باعتراض: _حرام عليك يابا بقى تطلقها بعد كل اللي استحملته معاك؟ ماهي ياما عاشت معاك أيام فقر، وتقشف. قال المعلم حنفي بعصبية: =ده هي وش الفقر كله مانا لو متجوز ست بحق، وحقيقي كانت وقفت في ضهري إنما دي واخدة مالي، وتعبي أول بأول، ومش مدياني فرصة! تحدثت ليالي بافترار: _معلش يا حمايا أبقى بات عندنا ده انت هتنور الدنيا. رد المعلم حنفي برضا: =الله يخليكي يا ليالي انتي بت أصول، وجدعة. عندما أذن الشيخ في الجامع، تمددت الأيدي نحو الملاعق والأطباق، وكل فرد يردد دعاء الإفطار بما فيهم المعلم حنفي الذي قال بتعبد: _اللهم لك صومت، وعلى رزقك أفطرت. في محفل أم قمر الدين، استقرت العائلة كلها حول مائدة طويلة تتألق في رحاب حديقة القصر، وخلفهم الأضواء المُبهرة والزينة الرمضانية المشرقة. قبل أن يبدأوا في استهلاك الطعام، نطق باسم بكامل سعادته، معبرًا عن الفرحة العارمة التي تغمرهم جميعًا: =كل سنة، وانتوا طيبين. رد الجميع بابتسامة: _وحضرتك طيب. أردف باسم بأُلفة: =وإن شاء الله السنه الجاية يكون قمر الدين اتجوز، وقاعد معاكم هو، ومراته، وأولاده...كل سنة، وانتوا بألف خير....أنا سعيد جدًا بوجودكم حواليا، وأتمنى إننا نفضل دايمًا متجمعين في الخير. ردت سامية بإعزاز: _ربنا يخليك لينا يا بابا، وميحرمناش من وجودك. نطقت جميلة بصبو: =حبيبي يا بابي. تحدثت أم قمر الدين مع الجميع برثاء: _كلوا يا ولاد...الأكل هيعجبكم جدًا. نطق علاء الدين باشتيهاء: = الكتاب باين من عنوانه. تحدثت سيليا بسعادة متفائلة، ووجهها ينبض بالحيوية: _الله يا مامي الأكل جميل أوي! تفوهت جميلة بابتسامة: =بالهنا، والشفا يا روحي. تحدثت أم قمر الدين مع الجميع بلباقة، كالنجمة التي تنير سماء الليل، تنبعث منها أفكار تجذب الآخرين وتلهمهم، فتملأ الأجواء بروح الود: _كلوا كويس يا ولاد...أوعوا حد يقوم، وهو طبقه فاضي! ضحك قمر الدين بابتسامة تملأ الحديقة المضيئة بالبهجة، وقال بصوتٍ مغمور بالدفء: =متقلقيش أنا همسح الطبق ده دلوقتي حالًا! بدأت العائلة في الاستمتاع بوجبة الطعام الشهية، وفي منزل أم الديب، كانت تجلس على أريكة صالتها، تستمع بانتباه متزايد إلى صوت الملاعق المرنة التي تتداعى على أطباقهم الشاهقة في الطابق الأعلى، وفي قلبها، كانت تلمح تفاصيل دقيقة لخططها الخفية لهم، معتدية بمشاعر معقدة من الكراهية المكبوتة، وحلمت بفرصة لإيذائهم. لكن مع تصاعد الامتعاض داخلها، فجرت سخطًا عارمًا، مخرجة كلمات ملتهبة تعبر عن مشاعرها المقهورة: _بقى آني يتعمل فيا كده؟ يطلعوا كلهم، ويسيبوني قاعدة لواحدي، ولا حد معبرني؟ ماشي يا جلال! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة