الفصل الثاني والثلاثون

الفصل الثاني والثلاثون

12 0

فوق، في منزل نعمة، حيث كانت تجلس على الأريكة بعد يوم مرهق، غارقة في التعب، إذ بها ترى زوجها، حامد، يدخل إلى المنزل حاملًا أكياسًا ممتلئة بالخضار، والفواكه، تلك التي وعدها بها سابقًا، وبابتسامة خفيفة، وكأنه يريد أن يُشعرها بالاطمئنان، قال حامد بنبرةٍ دافئة: _السلامو عليكو. ردت نعمة بابتسامة: =وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ربنا يعينك داخل شايل ومحمل. نهضت نعمة بسرعة، راغبة في مساعدة زوجها، حيث شعرت بالامتنان والحرص على تخفيف عنه عبء اليوم الطويل. بدأت في حمل الأكياس معه، بينما هو جلس ببطء على الأريكة محاولًا استعادة أنفاسه من عناء التسوق، وبنبرة متعبة تكشف عن الإرهاق الذي ألمَّ به من طول الجولة في الأسواق، قال حامد بتعب: _آه يانا، ده السوق ده طلع حوار، أنا ايه خلاني أتعبط في دماغي وأقولك هجيبلك الحاجة؟ رغبت نعمة، التي كانت دائمًا تحرص على اختيار أفضل، وأطزج المنتجات لعائلتها، في التأكد من أن زوجها قد تمكن من انتقاء الخضروات بعناية كما ينبغي. لذا، نظرت إليه بعينين تحملان بعضًا من الشك، وقالت بنبرة متسائلة مليئة بالتردد: =أوعى يكون البياع ضحك عليك، واداك حاجات بايظة! رد حامد بابتسامة واثقة ترتسم على وجهه، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال ليؤكد لها معرفته وقدرته على تلبية توقعاتها: _لا، ودي تيجي مني برضة؟ هو حد يقدر يضحك عليا؟ كانت نعمة تنحني قليلًا وهي تفتح الأكياس واحدة تلو الأخرى، عينُها تفحص الخضروات بدقة، باحثةً عن تلك العلامات التي تدل على جودتها. لكنها، ومع كل نظرة تلقيها، بدأت ملامح وجهها تتغير تدريجيًا من الترقب إلى الذهول، حتى تجمدت ملامحها بالكامل حينما اكتشفت أن نصف الخضروات في الأكياس كانت فاسدة، غير صالحة للاستخدام. رفعت عينيها نحو حامد، وقلبها مثقل بالصدمة، لتقول له: =يا نهار أسود، الراجل ضحك عليك يا خايب واداك البايظ اللي تحت! أخذ حامد الأكياس من يد نعمة ببطء، محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه، لكنه كان يشعر بقلق متزايد يتسلل إلى قلبه. نظر داخل الأكياس بعناية، محاولًا تمييز الخضروات التي بدت غير سليمة، وبينما كان يتفحص كل قطعة، رفع رأسه نحو نعمة بعينين مليئتين بالدهشة، وقال بارتباك: _يا خبر أبيض، أنا ازاي فاتتني حاجة زي دي؟ شعرت نعمة بغمّة ثقيلة تجثم على صدرها، وكأن الخيبة قد اجتمعت لتثقل روحها. كانت تتمنى لو أنها أخذت على عاتقها مسؤولية شراء الخضروات بنفسها، خاصة بعد أن أدركت أن زوجها الطيب قد وقع ضحية لخديعة بائعٍ لا يعرف للضمير طريقًا، بائعٍ بلا مبالاة اختار أن يضع في الأكياس أسوأ الأنواع وأردأها، متجاهلًا أي اعتبار لأمانته، وقالت، بصوت يخفي وراءه الكثير من اللوم الذاتي: =ما كنت روحت بدالك أحسن، علينا بإيه الخسارة دي؟ نظر حامد إلى نعمة بعيون تلمع بحدة، وقد شعر بالمسؤولية، والجرح في آنٍ واحد. كان يستطيع رؤية الندم في ملامحها، وكأنما يريد أن يضع حدًا لأي نقاش حول الموضوع، وقال: _ليه علشان تتسرمحي مع أختك، وخطيبها؟ ردت نعمة بعد أن ضاقت بها المشاعر، وقد تراكمت داخلها أحاسيس الإحباط: =تاني يا حمو؟ هو احنا مش قولنالك رايحين نجيب الفستان والبدلة؟ مانت عارف الشبكة كمان يومين. قال حامد بانزعاج، إذ شعرت نعمة بأن قلقه لم يكن فقط من سوء الخضروات بل من مسألة أكثر عمقًا، حيث اعتقد أن نعمة قد اعتادت على إخفاء الحقائق عنه، وتزييف الأمور بطريقة غير حقيقية: _انشالله تكون بكرا، كنتي عرفيني يا نعومي، ده أنا حتى جوزك مش راجل غريب. وضعت نعمة الأكياس جانبًا بيدين ارتجفان من التوتر، ثم رفعت حاجبها في حركة تعبيرية تحمل الكثير من الصرامة، وتقدمت نحو حامد، وأطلقت كلماتها بلهجة حازمة، كأنما تريد أن تقطع الجدل، وتوضح موقفها بشكل قاطع: =وأنا ايه عرفني بس؟ أنا كنت نازلة، ورايحة السوق، وأمي صممت، ومكنش قدامي حل غير كده! تغاضى حامد عن ما فعلته زوجته، محاولًا تجاهل الكمد الذي سببه الموقف، وقرر أن يتجاوز الأمر ليواصل حياته بشكل طبيعي. قال بلهجة هادئة تحاول أن تبعث الطمأنينة، كما لو كان يرغب في طيّ صفحة الخلاف، والبدء من جديد: _سماح المرة دي يا نعمة، بس المرة الجاية مش هعديها! تعجبت نعمة من قوة شخصية زوجها المفاجئة، وقد أعاد هذا التغيير المفاجئ توجيه مشاعرها نحو استغراب كبير، وقالت بإستغراب، محاولة فهم كيف أن هذا الجانب القوي كان قد غاب عنها طوال الفترة الماضية: =ومن امتى الكلام ده بقى ان شاء الله؟ أجاب حامد بثقة، وهو يقرر بوضوح أن يضع نهاية لأي جدال حول هذا الموضوع: _من النهارده، مانا جوزك مش رجل الكنبة اللي في بيتكم! تلفظت نعمة بشجن، حيث اختلطت في صوتها مشاعر الأسى: =ماشي يا حمو. ثم أخذت نعمة الخضروات، والفواكه، ودخلت المطبخ وهي ما تزال متعجبة من تحول سلوك زوجها المفاجئ، محاولة استيعاب تلك اللحظة. في هذه الأثناء، كان حسين، وزياد جالسين في البلكونة، حيث تسلل إلى أذنهما أصوات صراصير الحقل التي أضفت على الأجواء الليلية طابعًا مميزًا، وبينما كان الحوار بينهما يجري في ظل هذه الأجواء، قال حسين بهدوء: _تلبسها وتتهنى بيها يا زياد يابني، وتفرح بشبابك. لم يكن زياد يتوقع أبدًا قمة السعادة التي وصل إليها، وهو يقترب من تحقيق حلمه مع معشوقته بعد فترة طويلة من الرفض من والدتها، التي كانت تعدّ عائقًا كبيرًا في طريقه. بدا له الوقت وكأنه يقف ساكنًا، فاليومان المتبقيان على حفل الخطبة كانا كأنهما سنتان، كل دقيقة تمر كأنها ساعة، مليئة بالانتظار. وسط هذا الشعور العارم، والذي يشبه السير على قشر البيض، قال بحبور عميق يعبر عن إحساسه بالتحقق: =الله يخليك يا بابا، أنا بجد مش مصدق إني أخيرًا هخطب هايدي! أنا كنت دايمًا بحلم أكون معاها أو حتى توافق عليا، وساعات كنت بقول لنفسي ده حلم بعيد بس هقدر أوصله، وأحققه! قال حسين بدهشة، وهو ينظر إلى ابنه، الذي يبدو وكأنه فتى أحلام كل الفتيات، وقد وجد فيه فرصة نادرة لن تتكرر بسهولة: _ومتوافقش عليك ليه هو انت قليل؟ ده انت ربنا يحفظك مالي مركزك، وكل البنات تحلم ترتبط بواحد زيك. لكن زياد كان يدرك بوضوح أن الرفض لم يكن نابعًا من أي عيوب شخصية فيه، أو من عدم استحقاقه، بل كان يعزى إلى طموحات محددة تملكها النساء، والتي تتمنى شيئًا معينًا لشريك حياتها. كان يعرف أن كل فرد يحمل تطلعاته الخاصة، ورغباته في الشخص الذي سيشاركه حياته، ولذلك قال بواقعية: =مش معنى إني من وجهة نظرك مفييش غلطة يبقى أنا حلم أي بنت! الرفض عمره ما كان لأنك ناقص حاجة، وفي شيء غير مكتمل! كل إنسان له أحلام معين غير التاني ولو ملقهاش في اللي قدامه طبيعي عمره ما هيشوفه مناسب! ضحك حسين على حديث ابنه، الذي بدا وكأنه صادر عن نضج فئة الكبار، يعكس حكمة تتجاوز عمره. كانت ضحكته تحمل في طياتها فخرًا عميقًا، إذ رأى في كلمات ابنه تعبيرًا عن النضج، فقال بفخر: _انت بقيت تقول كلام كبير أوي! كبرت يا زياد، كبرت وهشوفك عريس...الله يرحمها أمك سابتك وانت لسه في الإعدادية...سابتك في الدنيا وحدك وأنا اللي اتوليت كل أمورك، وبقيتلك الأب والأم، ومقدرتش أحرمك من حاجة! ظهرت ابتسامة زياد المشرقة، والتي برزت فرحته العميقة، بينما نظر إلى والده بأعين مليئة بالحب، وقال له بكل عاطفة: =طبعًا يا بابا أنا مقدر كل ده، ربنا يخليك ليا يارب، وميحرمنيش منك أبدًا! ظل الجميع يتحدثون حتى تأخر الوقت، وذهب كل منهم إلى سريره، وفي يوم الخطبة، وبالتحديد في الساعة الثانية بعد الظهر، في منزل أم الديب، تحركت خبيرة التجميل مزودة بحقيبتها الكبيرة التي تضم كافة الأدوات اللازمة، وكانت كل عشر دقائق تتواصل عبر الهاتف مع هايدي، مسترشدةً إياها بتفاصيل المكان الذي بدا كمتاهة بالنسبة لها حتى تمكنت من الوصول إليه. استقبلتها نعمة بفرح بالغ، ووجهها يشرق بالغبطة، وأدخلتها إلى غرفة هايدي حيث تبادلتا العناق، استعدادًا للبدء في رحلة التحضير السعيدة. بينما في نفس الوقت، كانت أم الديب جالسة مع شقيقتها سعاد في المطبخ، مستلقيتين على عتبته، يتحدثان كعادتهم عن أحوال الحياة، وبينما هما مشغولتان في تبادل الأحاديث، قالت سعاد بفضول، وهي تسعى للاستفسار عن نوعية الطعام المقدم في هذه المناسبة: _وهتعملوا أكل على كده يا بسمة؟ أجابت أم الديب، وهي ترتشف الماء من الكوب النحاسي الذي كان يلمع في ضوء المطبخ، بنبرة تعكس جديتها: =لا ياختي، المكان اللي احنا رايحينه هما اللي هيعملوا كل حاجة، يارب الأكل يكفي بس! قالت سعاد بانشراح، وهي تستشعر أجواء الاحتفالية، معبرة عن سعادتها لما ستقدمه المناسبة من أطباق، وأصناف متنوعة: _هيكفي، وهيفيض كمان! عند هايدي في غرفتها، وبعدما استخرجت خبيرة التجميل جميع أدواتها من حقيبتها بعناية، ووضعتها بشكل منظم أمامها على الطاولة، وقفت أمام حامل الهاتف الذي كان يتيح لها التواصل السلس مع أي استفسارات. نظرت إلى هايدي باهتمام بالغ، وقالت لها بجدية: =حابة اللوك يكون عامل ازاي؟ أجابت هايدي بفرح: _شوفي ايه اللي يليق عليا واعمليه. تفوهت خبيرة التجميل، وهي تغمس أصابعها برفق في كريم الترطيب، متجهةً نحو وجه العروس، وكان كريم الترطيب ينساب بين أصابعها، حيث بدأت تدلك به وجه هايدي برقة، قائلةً بلهجة مليئة بالاحترافية: =خلاص سيبيلي نفسك خالص! ردت هايدي بسعادة، وهي تشعر بارتياح عميق تجاه العناية التي تتلقاها، بينما كانت نعمة جالسة على السرير في الغرفة، تتناول الجوافة، وتراقب أختها بكل إعزاز. كانت ملامح وجه نعمة تعكس شعورًا بالاعتزاز، وهي ترى كيف تتلقى أختها العناية اللازمة في هذا اليوم الخاص: _حاضر. في الأعلى، في شقة جلال، اشترت ليالي في اليوم السابق فستانًا رخيصًا، لكنه كان يتمتع بجمال لا يوحي بثمنه المنخفض، ليظهر بشكل أنيق. في المقابل، اشترت لتقى فستانًا جديدًا، وحذاءً لامعًا، رغم ممانعة جلال في البداية، ومع ذلك، فقد تغلب رأيها على معارضته، فهي لم تكن ترغب في أن يتألق أحد غيرها في ذلك اليوم الفريد. بينما كانت تقف أمام المرآة، توزع بعناية خليط القهوة، والعسل على وجهها، لتمنح بشرتها إشراقة مميزة، كان جلال جالسًا على السرير يتابعها في صمت. بعد لحظات من السكون، خرج من صمته، وسألها بفضول: =هو كان لازمنا فساتين وبتاع يا ليالي؟ أجابت ليالي، وهي تنزع بقايا ماسك القهوة، والعسل من أصابعها برفق، وتحرص على إزالة كل آثار الخليط بحذر: _أمال ايه يا جلال؟ ما دام الشبكة هتتعمل في قاعة يبقى لازم نكون على سنجة عشرة، ده الكاميرات هتبقى شغالة في كل حتة. دخل حمود الغرفة، وهو يبدو على وجهه آثار الإحباط، وكأن السخط قد تراكم على كاهله. كانت خطواته تعبر عن عدم الرضا، بينما قال: =اشمعنا أنا مجيبتليش بدلة؟ تلفظ جلال بشح، وهو يعبّر عن رفضه لفكرة شراء الثياب لأبنائه، حيث بدا وكأنه يستخسر تكلفة تلك المشتريات، ويعتبرها عبئًا ماليًا غير مبرر: _البس البدلة اللي جيبنهالك في فرح عمتك نعمة. صدمت ليالي يدها على صدرها بقوة، تعبيرًا عن دهشتها من الموقف، بينما كان صوتها يرتفع بصخب يعكس حجم استيائها، قالت بصدمة: =يالهوي يا جلال دي متدخلش فيه! ده الواد كبر! قال جلال بدهشة: _وأنا قاعدلكم على بنك فلوس لما انتي، والعيال تشتروا فساتين، وبدل؟ أجيبلكم فلوس منين لكل ده؟ حكمت ليالي عقلها في تلك اللحظة، واستغلت ذكاءها، ومهارتها في إدارة المواقف، وقالت برصانة: =خلاص أنا هتصرف! ثم دخلت غرفة أطفالها الضيقة، التي كانت مزدحمة بالألعاب، والكتب، وفتحت الخزانة الضئيلة التي كانت تكتظ بالملابس الصغيرة. استخرجت منها البنطال الأسود، والقميص الأزرق لابنها، الذي كان يتبعها بخطوات مترددة، وأمسكت بالملابس بحرص، قائلةً باهتمام: _مش لازم بدلة يعني... خد يا حمود البسه. قالت تقى بغباء، دون أن تعير الأمر الكثير من التفكير، بينما كانت كلماتها تتدفق بدون وعي: =اشمعنا أنا يا ماما معنديش قميص زي ده؟ ضحكت ليالي، وعبرت عن ضحكتها بتلك النغمة التي تحمل في طياتها مزيجًا من الدهشة: _ده لبس ولاد، البنات الحلوين اللي زيك بيلبسوا فساتين، زي الفستان الجميل اللي جيبتهولك، ويلا هحطلك شوية روج على خفيف، وهتبقي زي القمر. دخل جلال على حديث زوجته العجيب، وقد بدا متعجبًا من رغبتها في تزيين طفلة صغيرة كما لو كانت عروسًا كاملة، وهو غير قادر على استيعاب هذا التناقض، وقد تجلى فزعه في صياح مرتفع، يعكس حجم انزعاجه: =جرا ايه يا بت انتي اتعبطتي ولا ايه؟ هتحطي الأحمر والأخضر لحتة عيلة صغيرة؟ قالت ليالي بصياح يتنازع مع نبرة جلال العالية، حيث كان صوتها يرتفع في محاولة للتعبير عن إثبات وجهة نظرها: _اسكت، هو احنا كل يوم عندنا مناسبة؟ وبعدين ده أنا هحطلها على خفيف، لأ وايه هكويلها شعرها هيبقى زي الحرير. سأل جلال بفضول، بينما كان يحاول فهم دافع زوجته وراء تزيين الطفلة بهذا الشكل غير المعتاد: =ده اللي هو ازاي يعني؟ دخلت ليالي غرفة نومها، بينما كان زوجها، وأطفالها يتبعونها بخطواتهم، فرفعت جسدها بجهد وهي تقف على أصابع قدميها، ونجحت بفضل عزيمتها في إحضار مكواة الثياب من علو الخزانة العالية دون أن تطلب مساعدة جلال بفضل طوله الفارع، وبعدما حصلت على المكواة، ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، مليئة بالإنجاز. في تلك اللحظة، كان جلال يقف مندهشًا، فقال باستفهام واضح: _انتي هتعملي للبت شعرها بدي؟ ضحكت ليالي، وعبرت عن فرحها من قدرتها على تحقيق ما أرادته، ثم قالت بتأكيد واثق، وهي تنظر إلى جلال بابتسامة مفعمة بالحيوية: =أمال ايه؟ ده أنا ياما أمي عملتلي شعري عليها، لا تقولي كوافير يطلب مننا شيء وشويات ولا عفريت أزرق. خرج جلال عن شعوره، وهو يرى زوجته تبذل جهدًا مضنيًا في إنجاز مئات المهام من أجل حفل، بينما دوره لم يتعدَّ الاستحمام، وتصفيف الشعر. بدا عليه الضيق، كأنما استشعر ضغوطات الأمور تتزايد بشكل غير عادل. قال بصوت يعكس كل مشاعر الاستياء: _وربنا دماغكم رايقة، أنا هدخل آخدلي دش على السريع، وهنزل، وأنتوا خليكم مع نعمة. ردت ليالي بفزع: =ماشي ياخويا. دخل جلال المرحاض، بينما كانت ليالي مشغولة بتسخين المكواة، استعدادًا لفرد شعر ابنتها بأقل الإمكانيات المتاحة، محاولةً تحقيق أفضل النتائج رغم الظروف البسيطة. في الوقت نفسه، لم يتمكن أحمد، وجميلة من الذهاب إلى عملهما هذا اليوم بسبب الأهمية القصوى لحفل خطبة هايدي، الذي كان اليوم المنتظر منذ سنوات طويلة لكل أفراد العائلة. بينما كان أحمد واقفًا في غرفة الثياب، يجرب البدلات المختلفة لاختيار الأنسب، كانت جميلة تقوم بتسريح شعر سيليا بعناية، وبعدما انتهت من ذلك، دخلت بأسيل إلى المرحاض لتغسل جسدها، وتستعد ليوم الحفل الكبير. وفي خضم هذا الوقت الصعب المليء بالتحديات، اتصلت أم قمر الدين بهاتفها، مما جعل جميلة تخرج من المرحاض بسرعة، تاركة أسيل تلهو بألعاب الماء. نشفت يديها، وأمسكت بهاتفها، وقالت بدهشة بينما كانت تحاول فهم هوية المتصل: _مين ده؟ حينما تأكدت جميلة من هوية المتصل، ارتسمت على وجهها ملامح الفرح، وسرعان ما تحولت دهشتها إلى فرحة عارمة. ارتفع صوتها، وقد أضاءت عينيها بشعاع الأمل، بينما ردت بفرح يعبر عن مدى سعادتها، قائلة: _ألو يا مامي عاملة ايه؟ قالت أم قمر الدين بفضول: =الحمدلله يا حياتي، انتي عاملة ايه انتي، وأحمد، والبنات؟ أجابت جميلة بحنو، في الوقت الذي كانت تحاول فيه أن تشارك فرحتها: _الحمدلله كلنا بخير، قوليلي بقى هتعدوا علينا ولا احنا نعدي عليكم أحسن؟ تلفظت أم قمر الدين باكتراث، وقد بدا عليها الاهتمام، والمشغولية بما يحدث: =لا يا حبيبتي احنا هنعدي عليكي، بس احنا مش هنطول... باباكي أول مرة يحضرلهم مناسبة، وانتي عارفة أنه مش فاضي خالص، ده فضى نفسه بصعوبة! تفوهت جميلة بسكينة: _أيوه يا حبيبتي ربنا معاه، هو فعلًا معندوش وقت خالص، بس أنا مبسوطة أنك انتي وبابي جايين معانا. ردت أم قمر الدين بينما كانت تصعد على درج قصرها الهادئ، الذي يعبق بأجواء الاستقرار، وترافق خطواتها خلفية موسيقية أجنبية هادئة تعزز من شعور الراحة. كانت ملامح وجهها تتسم بالجدية: =خلاص يا حبيبتي جهزوا نفسكم، وأه صحيح أنا جايبالهم معايا جيفتات تحفة، يارب تعجبهم. دائمًا كانت جميلة فخورة بوالدتها السخية، التي لا ترفض طلبًا لأحد، وتضع دائمًا احتياجات الآخرين قبل احتياجاتها الخاصة. فقد كانت تعبر عن إيثارها من خلال تقديم كل ما في وسعها لخدمة من حولها، حتى ما في يديها لم يكن مخصصًا لها بل للآخرين. مما جعل جميلة تشعر بحب تجاه والدتها، التي كانت رمزًا للعطاء اللا محدود، وقالت: _طول عمرك كريمة يا مامي وصاحبة واجب! قالت أم قمر الدين بصبوة، وقد تخللت نبرتها مشاعر الحنين، مما أعطى صوتها طابعًا مليئًا بالعاطفة: =طبعًا يا حياتي، ده لو احنا منعملش كده أمال مين اللي يعمل؟ ضحكت جميلة برقة، معبرة عن شعورها بالسرور، وكانت ضحكتها ناعمة، مليئة بالدلال، بينما قالت: _طنط بسمة هتفرح بيكي أوي. ردت أم قمر الدين ببشاشة، وهي تستقر على كرسي أرجواني في الطابق العلوي من القصر، حيث كان الكرسي يضيف لمسة من الفخامة إلى أجواء المكان. كان تعبير وجهها مليئًا بالود، بينما كانت تستمتع بلحظات الاسترخاء في هذا الفضاء الهادئ: _ده أكيد، بس اللي مستغرباله إن هايدي أخيرًا هتتخطب، ده كله كان بيقول أنها رافضة الجواز تمامًا! تلفظت جميلة بسعادة، وهي تشرح أصدق أمانيها للعروس هايدي في يومها المنتظر. كانت كلماتها ملآنة بالتمنيات الطيبة: =ماهو خلاص جه الشخص اللي غيرلها تفكيرها، كلهم بيقولوا أنه شخص كويس أوي ومناسب ليها. قالت أم قمر الدين بانشراح، وقد برزت على وجهها البهجة: _ربنا بيقرب كل اتنين شبه بعض لبعض، يلا مبروك ليها ربنا يفرحها. ردت جميلة بابتسامة: =يارب يا مامي، خلاص أنا هستناكوا بقى. نطقت أم قمر الدين بسرور: _أوكي يا حبيبتي. بعد مرور ساعتين في منزل أم الديب، كانت هايدي قد انتهت من وضع المكياج، وارتدت فستانها الجميل الذي أضفى عليها الأناقة، وقد فضلت خبيرة التجميل بإضافة لمساتها الأخيرة، حيث زينت أظافر هايدي الاصطناعية باللون الأزرق اللامع، وصنعت لها حجابًا متينًا يتحمل تحركات اليوم الذي قد يكون مليئًا بالنشاط. أضافت أيضًا العطر الزكي فجعلت الأجواء أكثر روعة. في هذه الأثناء، كانت نعمة، وليالي، وأطفالهم، بعد أن ارتدوا فساتينهم البسيطة، وثياب الصغار الرائعة، قد وضعوا المكياج الطفيف، وأدوات الزينة التي تكمل الإطلالة بشكل مثالي. نزلوا جميعًا إلى شقة أم الديب لمشاركة هذا الحدث الرائع، حيث كان المنزل يملأه صدى زغاريد النساء، مما أضفى جوًا من الاحتفال، وعندما رأت نعمة أختها التي أصبحت عروسًا جميلة، لم تستطع تصديق تحولها المدهش، فتعالت صرخاتها باغتباط، قائلةً: =بسم الله ماشاء الله... الله أكبر. خرجت أم الديب من المطبخ، محملة بكيس الملح الخشن الذي كان يرمز إلى حمايتها، وتعويذتها لابنتها من أي عين حاسدة قد تصيبها في هذا اليوم الخاص، وقد ارتفعت نبرتها بصياح حاد، بينما قالت بحرص: _حصوة في عين الأعداء... حصوة في عين دباح الحمير، وعياله كلهم واحد واحد. دخلت أم الديب غرفة العروس بين النساء، وهي تحمل كيس الملح الخشن، وبدأت ترش الملح في الهواء باندفاع، مما جعل الحبات تتناثر وتستقر في كل مكان. للأسف، طار الملح إلى عين ليالي، مما تسبب في شعورها بألم حارق لا يُطاق. صرخت ليالي من شدة الألم، بينما وضعت يدها على عينها، محاولةً تهدئة الحرقان الذي كان يتسبب في انزعاجها، وبدأت تنوح بصوت عالٍ: =آه عيني! تشبثت نعمة في ليالي، وقد بدت على وجهها ملامح القلق، وهي تحاول أن تطمئن على حالتها وسط الفوضى. كانت يديها ترتجفان قليلًا بينما كانت تحاول تهدئة ليالي ومساعدتها، وقالت: _مالك يا ليالي عينك جرالها ايه؟ صرخت ليالي بقوة، وهي تلف في الغرفة كمن فقد السيطرة، وقد بدا واضحًا عليها الألم الجسيم، وكأنها ذبابة موطوءة فوق رأسها. ارتفعت صرخاتها عاليًا، بينما كانت تصيح بشدة، قائلة: =نار في عيني يا نعمة! انصدمت هايدي مما حدث لزوجة أخيها، وتجمعت على وجهها ملامح الذهول. لم تستطع استيعاب الموقف، وأثارت مشاعر الفزع في قلبها. صرخت بصوت عالٍ، قائلةً: _روحي اغسليها بسرعة! هرولت ليالي إلى المرحاض بسرعة، وهي معبرة عن ألمها، وحالتها المتردية، وفتحت صنبور المياه بشدة، محاولةً غسل عينها من الملح المزعج الذي دخلها. كانت حركة يديها عصبية، وسريعة، في محاولة يائسة للحفاظ على المكياج الذي زين وجهها. بينما كانت نعمة تراقب الموقف بقلق، وجهت حديثها إلى والدتها بصخب، قائلةً بعجيج: =ماجرا ايه ياما؟ ايه اللي انتي عملتيه ده؟ صرخت أم الديب بغلاظة، بينما قالت بحدة: _برش الملح بدل ما أختك تاخد العين وتروح فيها. ردت نعمة بجلجلة: =وهي هتاخد العين من مين بس؟ هي لا أول ولا آخر واحدة تتخطب، هي يعني بتعمل اللي محدش عمله؟ قالت هايدي برهبة، خائفةً من أن يفسد ما تبقى من يومها الخاص، بينما كانت تحاول أن تستجمع أفكارها، وتبحث عن حل سريع. كان صوتها يرتجف قليلًا: _أبوس ايديكم عدوها على خير، امسكوا نفسكم النهارده، واتحكموا في أعصابكم! ردت أم الديب بصياح: =وهو حد كان عمل حاجة يا بت؟ عادت ليالي وهي تنشف عينيها من المياه بمنديل ورقي، محاولةً إزالة آثار الملح، والحفاظ على المكياج بأقصى ما تستطيع. بدت على وجهها علامات التعب، بينما كانت تحاول استعادة هدوئها. في تلك الأثناء، كانت نعمة تنظر إليها بقلق، قائلةً بلهجة مفعمة بالاهتمام: _عاملة ايه دلوقتي يا ليالي؟ أجابت ليالي بتعب: =خفيت شوية. وبعدما هدت قليلًا واستجمعت قوتها، وقد بدت عازمة على مواجهة الواقع بكل شجاعة، صرخت في وجه أم الديب كما تصرخ العاصفة الهوجاء التي تعصف بكل ما يعترض طريقها، قائلة: _ما تلمي نفسك يا حماتي، حد قالك إننا طبق فول؟ وبعدين مالك ومال أبويا، وأخواتي؟ قالت أم الديب بفظاظة عارمة، وكأنها موجة جارفة تهدم كل ما يمر في طريقها، بلهجة تجسد قسوة لا تتهاون في استنكارها: =هو آني جيبت سيرته يا بت؟ قولت سلامة؟ ولا هو اللي على راسه بطحة؟ حينما استشعرت نعمة وقوع كارثة جديدة، أُغرِقَت بحالة من الذعر جعلتها تتجه نحو أم الديب، وتدفع بها وبمن معها إلى الصالة، في محاولة يائسة لتهدئة الأوضاع قبل أن تتفاقم الأمور، وتخرج عن السيطرة. حيث كانت تُفكر بعمق حول كيفية حماية فرحة هايدي من أن تتعرض لأي ضرر، وقررت أن تكون صامتة حتى تستكمل هايدي فرحتها، وفي خضم هذا التوتر، نطقت هايدي برهبة: _علشان خاطري مترديش عليها وعديها النهارده... أنا طول عمري رافضة الجواز وخايفة منه، ومتعقدة بسبب ماما، ويوم ما ربنا يهدي الدنيا تقوم هي خارباها تاني! طمأنتها ليالي بردودها العقلانية المتزنة، مستعينة بقدرتها على التحليل المتأنٍّ، حيث قالت بعبارات تجسد الحكمة التي تفيض من ملامحها: =لا يا هايدي متحطيش في دماغك... أمك أنا حسابي معاها بعدين، متشغليش بالك، مش هنخلي اليوم يبوظ بسبب عباطة أمك. رن هاتف ليالي في تلك اللحظة، وقطع صمت الغرفة المتوتر، مما جعلها تخرج بخطى متعجلة نحو الخارج لترد على المكالمة. ومع عبور عتبة الباب، تحدثت بصوت خافت: _ألو يابا، انت فين؟ تبادلت ليالي الأحاديث مع والدها عبر الهاتف، وهي تأمل في أن يتمكن من الوصول في الوقت المناسب قبل أن يغادر أفراد العائلة المنزل، متمنية أن يسير كل شيء وفق ما هو مخطط له، وبعد فترة قصيرة، وصل زياد إلى المكان، متأنقًا ببدلته الأنيقة، وبرفقته والده حسين، إلى جانب مجموعة من الأقارب، والزملاء الذين حضروا للمشاركة في المناسبة، وفي ذات الوقت، ظلت أم الديب واقفة في البلاكونة، ممعنة في رش الملح في الهواء بنية طرد أي طاقة سلبية قد تعكر صفو الحفل، حتى تسببت هذه الحركة غير المتوقعة في أن يسقط الملح على عين المعلم حنفي، الذي كان ينظر إلى الأعلى، مما جعله يصرخ بصوت عالٍ يعبر فيه عن ألم شديد، قائلًا: =عيني يا ولاد الـ***! هرول جلال بسرعة نحو والده، مستشعرًا القلق، والخوف الباديين على وجهه، وهو يحاول التأكد من خلوه من أي مشكلة أو أذى قد يكون تعرض له، ومع نبضات قلبه المتسارعة، وصوته الذي ارتجف من شدة الفزع، قال: _مالك يابا؟ أجاب المعلم حنفي بصراخ مدوٍّ، وقد كانت نبرات صوته تنم عن الألم الشديد، والصدمة التي تعرض لها، مما دفع جميع الأنظار إلى التوجه نحوه بقلق بالغ، معبرين عن اهتمامهم الشديد بموقفه: =هاتولي مايه بسرعة! كان جلال يركض بلا توقف، يُسابق الرياح في محاولة يائسة لاستحضار المياه، علّه يستطيع بذلك مساعدة والده الذي كان في أمسّ الحاجة إليها، وفي حين كان جلال منشغلًا بهذه المهمة العصيبة، تجمع الرجال حول المعلم حنفي، عيونهم مغمورة بالقلق، يحاولون الاطمئنان على حالته الصحية التي باتت تبدو، للأسف، شديدة الخطورة، وبينما كان الجو، الذي كان في الأصل مفعمًا بالفرح، قد تحول تدريجيًا إلى حالة من الاضطراب، ظهر زياد في الأفق، بهيئته التي تعكس مكانته المرموقة كعريس الليلة. اقترب بخطوات حذرة، تعلو ملامح وجهه القلق، ثم سأل عمه بصوت متحشرج يكاد يخفي ارتعاشه: _مالك يا عمي؟ صرخ المعلم حنفي بصدح يخترق صمت الحي، موجعًا كل من سمعه، فيما كانت يداه المرتعشتان تتحسسان وجهه بعصبية. كانت أصابعه تتلمس عينيه كما لو كان يحاول التحقق من كارثة لا يريد تصديقها، مرددًا بصوت متقطع: =عيني يا خلق، نار في عيني! عاد جلال مسرعًا، بخطوات متعثرة تحت ثقل الهم، وهو يحمل بيديه دلو الماء الذي هرع ليحضره، وما أن وصل إلى حيث يجلس المعلم حنفي، حتى أفرغ الماء على عينيه المصابتين بحذر، لعل هذه المياه الباردة تستطيع تخفيف الحريق الذي يلتهمهما. ثم جلس جلال بجانبه على الرصيف، ويده على كتف المعلم، يبثه بصمت دعاءً صادقًا للشفاء. بعد أن اطمأن الجميع إلى أن حالة المعلم أصبحت مستقرة بعض الشيء، رغم الألم الذي لا يزال يعتصر قلبه، صعد زياد الدرجات بخطوات واثقة ليأخذ هايدي. كانت في انتظاره، لكنها لم تكن تعي تمامًا ما يدور حولها من اضطرابات، وما أن همّ زياد بالتحرك، حتى نطق حسين بقلق: _لا إله إلا الله، انت كويس يا حنفي ياخويا؟ تلفظ المعلم حنفي بتعب: =الولية دي آني مش هسكتلها بس عيني تخف الأول... آه يا عيني آه! قال حسين بصوت غلب عليه الشجن: _سلامتك يا حنفي. صعد زياد الدرجات المؤدية إلى شقة أهل العروس بخطوات حذرة، يحمل بين يديه باقة من الورد الأحمر، ألوانها النابضة بالحياة تناقض تمامًا المشاعر المعقدة التي كانت تجول في صدره. في الأعلى، كانت هايدي واقفة بظهرها، جسدها مشدود بالانتظار. من حولها، تجمع الحضور، وقد انشغل معظمهم بتوثيق هذه اللحظة بكاميرات هواتفهم. كانت هايدي تشعر بحرج شديد، إذ بدت وكأنها عالقة بين رغبتها في الانسحاب من هذا الموقف المحرج، وبين التزامها، ومع اقتراب زياد منها، شعرت بنبضات قلبها تتسارع، وقررت أخيرًا أن تواجه اللحظة. أدارت وجهها نحوه ببطء، وجسدها يكاد يخفي ارتجافه. ما إن تقابلت أعينهما، حتى تفجرت في عيني زياد دهشة لا توصف. كانت نظراته تحمل انبهارًا خالصًا، وكأن جمالها كان يفوق كل ما رآه من قبل. الكلمات خرجت من فمه، وهو يقول: =أنا مش مصدق، بقى انتي هايدي؟ ضحكت هايدي ضحكة خفيفة، كانت أشبه بنغمة عذبة رقيقة تلامس الأذن برفق. ارتسم على وجهها ابتسامة خجولة، زادتها جمالًا. ثم بادلته النظرة بنعومة، وهمست بصوت يكاد لا يُسمع من شدة خجله: _أه طبعًا. تلفظت أم الديب بصياح: =ايهي قصدك ايه؟ قصدك إن بتي عفشة ولولا شوية الحاجات اللي الكوافيرة حاطهملها هما اللي محلينها؟ آني بتي ضوفرها برقبة عيلتك! قالت نعمة بدهشة: _ماتتهدي بقى ياما، هو جر شكل وخلاص؟ على الرغم من كل ما صدر عن أم الديب من إساءة تجاهه، لم يسمح زياد لنفسه بالانجرار إلى مشاعر الغضب. بل على العكس، اختار أن يتجاوز تلك الإهانات بروح من التسامح، والاحترام. كان في داخله يعتبرها كوالدته الراحلة، لذا خاطبها بتبجيل، قائلًا: =أنا مش هرد عليكي علشان انتي في مقام أمي! تفوهت أم الديب بصياح، يحمل في طياته التمرد، دون أن تُلقي بالًا لما أبداه زياد من احترام. كان صوتها يعلو المكان وكأنها تحاول بحدة كلماتها فرض هيمنتها عليه، غير آبهة بمشاعره: _آني أصغر من أمك، أمك دوكها كانت ولية عجوزة، دي جايباك على كبر، بعد ما لفت على الدكاترة واحد واحد، وكلهم قالولها انتي مليسة، وعلى قلبك دهون قد كدهو. جلجل صوت نعمة في المكان، مفعمًا بسخط لا يمكن إخفاؤه، وكأن صبرها قد نفد من تصرفات أم الديب. لم تستطع أن تتحمل المزيد من الإهانات الموجهة إلى زياد، فشعرت بأن عليها التدخل، حتى لو كانت ستضع نفسها في موقف محرج. حيث قالت: =ايه ياما اللي بتقوليه ده؟ انتي عارفة بتقولي ايه؟ قالت هايدي بشجن، وقد غلب عليها الحزن من تطور الموقف، وهي راغبة بشدة في أن لا تتفاقم المشكلة بين الطرفين، وتؤدي إلى تركها تبكي وحيدة في زاوية هذا النزاع: _زياد علشان خاطري ملكش دعوة بيها! أجاب زياد برصانة: =متخافيش يا هايدي، يلا بينا! ثم نشب بيد هايدي بلين، فهبطت برفقة زياد إلى الأسفل، يتبعهما الجميع في أجواء احتفالية يطلقون الزغاريد، ويعبرون عن فرحتهم، عدا نعمة، وأم الديب اللتين ظلتا في الشقة، حيث كان وجه نعمة يعكس تفكيرًا جادًا. نظرت نعمة إلى والدتها، ثم خاطبتها بنبرة حازمة: _بقولك ايه ياما اتعدلي، وعديها على خير متخربيش الجوازة على البت، وامسكي لسانك شوية! كالعادة، أجابت أم الديب بصياح حاد، كان ينساب من فمها كأنها تتحدث من خلف جدار من الامتعاض: =وانتي مالك يا بت؟ آني أقول اللي يعجبني في الوقت اللي يعجبني، فاهمة ولا لا؟ ردت نعمة بانزعاج: _انتي هتفضلي لسانك طويل لحد امتى ياما؟ طب والله ده لو كان واحد تاني كان رد عليكي وما عمل اعتبار لحد! ازدادت درجة نواح أم الديب لدرجة أنها صاحت بقوة، وكأنها تحاول أن تعبر عن كل ما يختلج في صدرها من غضب. ارتفع صوتها ليملأ الصالة، محملًا بالاستفزاز، وقالت: =يرد عليا يا بت الكلب؟ أمك يتغلط فيها وانتي قاعدة تتفرجي؟ بدل ما تجيبيه من زمارة رقبته؟ أجابت نعمة بدهشة: _وهو كان اتكلم؟ ده انتي اللي شغالة غلط من ساعتها! وطأت أم الديب يديها على فخذيها بعنف، ساعية للبحث عن قوة تعينها على مواجهة الندم الذي يعتصر قلبها. كانت تعابير وجهها تجسد عمق الحسرة التي تعتريها، وهي تتلفظ: =يا عيني عليكي يا هايدي وقعتي نفسك في جوازة مالهاش لازمة، ده على رأي المثل، يا واخد القرد على ماله، يروح المال ويفضل القرد على حاله. قالت نعمة، وهي تسعى جاهدة لإعادة الأمور إلى نصابها، مُظهرةً قدرًا كبيرًا من الإنصاف في كلماتها: _الواد مش وحش ومفيهوش غلطة! بقولك ايه ياما أنا تعبت منك، أنا نازلة! تفوهت أم الديب بعجيج يرعد الأبدان: =داهية تاخدك، بت قليلة الرباية، بدل ما تبقى في صف أمها لا بتيجي عليا آني! نزلت نعمة، وقد بدت عليها الكآبة التي تعكس مدى تأثرها من تصرفات والدتها المستفزة، وكأن ثقل الموقف قد أثقل كاهلها. تلتها أم الديب، التي خرجت أيضًا، وتراكم الغضب على ملامح وجهها. صعد الجميع إلى سيارتهم التمناية التي كانت تحملهم برفقة العائلة، بينما العروس، التي وصلت إلى السيارة المزينة بالورود، صعدت إلى جانب عريسها، وتوجها معًا نحو مكان التصوير. بينما توجهت أم الديب، والمعلم حنفي، والبقية إلى القاعة حيث كان من المقرر أن ينتظروا وصول الآخرين، وصل جلال إلى القاعة، مُوقفًا سيارته بعناية بين صفوف السيارات المصفوفة، وحينما وقفت، قال جلال: _يلا انزلوا! كلما نظر حامد إلى أم الديب، كان شعور غير مبرر يعتريه، مما يجعله ينفجر في نوبة ضحك متكررة، لم يكن لها سبب واضح بالنسبة للآخرين. كان يتجلى في ضحكاته نوع من الفكاهة الشخصية، التي لم يتمكن أحد من تفسيرها. في خضم هذا المشهد، نظرت نعمة إليه بدهشة، محملةً مشاعر من الاستفهام، وقالت، محاولةً استيعاب ما يحدث: =بتضحك على ايه؟ نزل حامد من السيارة، وأخذ يقف متجمدًا في مكانه، وقد فتح فمه بزاوية ستون درجة، مما منح وجهه تعبيرًا غير معتاد، كان يلفت الأنظار بهذه الطريقة، محاطًا بنظرات الفضول من جميع الحاضرين، الذين لم يفهموا تمامًا مصدر هذا التصرف غير المألوف، حيث أجاب: _لا ولا حاجة. حينما نزلت العائلة برمتها من السيارة، كان حامد لا يزال يتابع أم الديب بحركاته المبالغ فيها، فكلما خطت خطوة على الأرض، انفجر في ضحك مبهم، كأنما كان يجد شيئًا مضحكًا بشكل لا يمكن تفسيره. استمر هذا الموقف في إثارة استغراب الجميع، إلى أن نظرت أم الديب إلى حامد بذهول، وكأنها لا تستطيع تصديق ما تراه، وقالت بصياح: =ايهي مالك يا ولا فشتك عايمة كدهو ليه؟ تزايدت ضحكات حامد بشكل مُتسارع، فكانت تنتشر في الهواء كأصداء غير قابلة للسيطرة، وقال، محاولًا تهدئة نفسه بصعوبة، لكن مع ابتسامة لا تفارق وجهه: _منورة يا حماتي. نطقت نعمة بانزعاج من تصرفات أسرتها البلهاء، وهي تسعى لتوجيه النقد بشكل غير مباشر: =ربنا واعدني باتنين يشلوا، أم لسانها عايز قطعه، وجوز أهطل ، أروح منهم فين بس يارب؟ حينما دخلوا الفندق، انبهروا بجماله المدهش، وتصميماته الفريدة، وألوانه الباهرة التي تزينت بها أرجاء المكان. كان كل ركن يعكس ذوقًا رفيعًا واهتمامًا دقيقًا بالتفاصيل. ومع دخولهم إلى القاعة، وجدوا المكان في حالة من الاستعداد المثالي لاستقبال العروسين، حيث كانت الموسيقى الهادئة تعزف في الخلفية، مهيئة الأجواء لبداية الاحتفال قبل أن يتحول إلى صخب. توجهت ليالي بنظراتها إلى كل زاوية، مذهولةً بما تراه، إذ لم يكن في حسبانها أن هايدي تختار لإقامة حفلتها مكانًا بهذه الفخامة، وقد أظهرت استغرابها حين قالت: _حلوة القاعة، بقى حماتي تعمل شبكة بتها هنا؟ دي ولا كانت تحلم. أجاب جلال، وهو يتلفت في كل زاوية حوله، مستمتعًا بكل تفاصيل الأجواء المحيطة: =أحمد أخويا هو اللي دافع في القاعة دي... مالها بس حتة الأرض اللي جنبنا؟ ماهي زي الفل وتساع من الحبايب ألف. حاولت ليالي أن تقلل من شأن أحمد، وزوجته، محاوِلةً بذلك أن تبث عدم التفوق في الأجواء. استخدمت أسلوبها بدهاء، قائلة: _ولا دافع ولا حاجة، ده تلاقيه حوار عاملينه علشان يطلعوه كريم، وبيفهم في الأصول. لكن جلال أكد لها الحقيقة، معبرًا عن قناعته الصادقة، وقال: =لا يا بت ده مطلع الفلوس من جيبه، ده ربنا يزيده اتنقل نقلة تانية من ساعة ما اشتغل مدير في قناة التلافزيون. ردت ليالي بحنق، بينما كانت نيران الغيرة تتأجج في قلبها، تجسد غضبها في تعبيرات وجهها التي حملت مشاعر الكره: _وايه يعني مدير قناة؟ ده لولا بس ست بسملة، وجوزها مكنش وصل لكل ده... بصراحة بيني وبينك حسيته اتجوزها جواز مصلحة علشان يقش شوية فلوس ويكبر على قفاهم! أثبت جلال صدق أخيه، الذي لم يعرف يومًا طريق الخيانة أو الخداع، من خلال دفاعه المستميت عنه بكل الطرق الممكنة. تجلى ولاء جلال، وإيمانه بأخيه في كل كلماته، حيث أظهر عزيمته القوية في البرهنة على نزاهة أخيه، وقد تلفظ: =لا أنا أخويا تمام التمام، أمال ايه؟ ده أنا أعرفه أكتر منك، هي جات معاه بالحظ، إنما الواد نيته سالكة. ضحكت ليالي، وقالت بسخرية: _ليه هي حماتي تخلف عيال نيتها سالكة؟ الثعبان مبيخلفش غير ثعبان زيه يا حبيبي! تحول جلال في هذه اللحظة الحاسمة، وهو يصرخ بصوت عالٍ يتردد صداه في الأفق، كما لو كان صرخته تعبيرًا عن صراع داخلي هائل: =جرا ايه يا بت؟ قصدك إن أنا مش سالك؟ تراجعت ليالي فجأة، وبدت عليها علامات الذعر، كما لو كانت قد شهدت شيئًا غير متوقع يثير في نفسها مشاعر الرعب، ثم نطقت بكلماتها بصوت مشحون بالرهبة، قائلةً: _لا العفو ياخويا مش قصدي! في حديقة شاسعة تمتاز بتنوع أشكال الزينة الرائعة التي تزينها، وتنتشر في أرجائها، تحت أضواء ساحرة تنعكس على كل زاوية، وفي ظل أعمدة التصوير المتعددة التي أُعدّت خصيصًا لالتقاط أجمل الصور للعروسين، كانت هايدي، وزياد يقفان معًا، بينما كان المصور يقف أمامهما، موجهًا كاميرته نحوهم بحرفية، ملتقطًا لحظات توثيقية لليلة الخطبة المميزة، وقد وجه المصور الأنظار إلى كيفية التكوينات المناسبة للتقاط الصور، وهو ينطق بأوامر مهنية ليلتقط أفضل اللحظات التي تعكس جمال المناسبة: = أقف بعيد وامسك بوكية الورد، وانتي أقفي قدام! أجابت هايدي باستعداد تام، وقد أشرقت ملامح وجهها بابتسامة دافئة تحمل في طياتها تألقًا: _تمام. وقفت هايدي في وضعية أنيقة، حيث جعلت وجهها يواجه الكاميرا، بينما كان زياد، الذي ارتدى بدلة سوداء أنيقة تضيف إلى مظهره أناقة، يقف على بُعد منها، ممسكًا باقة الورد برفق في قبضتيه، ويطل بابتسامة عذبة. في تلك اللحظة، كان المصور منهمكًا في التقاط العديد من اللقطات المميزة، ليجمع تفاصيل اللحظة بدقة، وبعد انتهاء جلسته التصويرية، اقترب المصور منهم، ليعرض عليهم الصورة الأفضل التي تم التقاطها. نظرت هايدي إلى الصورة بإعجاب شديد، وقالت: _حلوة أوي! نالت الصور إعجاب زياد بشكل كبير، حيث أظهر انبهاره، وعكست ملامح وجهه الرضا، وهو يعبّر عن تقديره للتفاصيل الرائعة التي وثقتها العدسة، وقال: =تسلم ايدك الصورة مظبوطة. تحرك المصور بسرعة ملحوظة، وكأن رجليه تعملان كعجلات خفيفة، مما يظهر احترافه، وكفاءته العالية في إدارة جلسة التصوير. ثم أشار بيديه إلى الموضع المناسب لتعديل حركة العروسين، متوجهًا إليهما بأوامر دقيقة، وهو ينطق بصوت محدد: _عايزين نغير الوضعية، تعالوا أقفوا هنا! نفذ العروسان بحرص تام كل ما طلبه منهم المصور، كأنهما قد سلموا أرواحهم له طواعيةً في سبيل توثيق لحظات خالدة ستبقى محفورة في الذاكرة. في الوقت نفسه، كان أحمد، وجميلة، بعد أن ارتدوا أفضل الفساتين، والبدل الفاخرة، في طريقهم متجهين نحو قاعة الحفل، حيث كانت أم قمر الدين، وباسم يتبعونهما في السيارة التي تليهم، مملوءة بأجواء من الفرح. كانت روائح العطور الفاخرة التي عبأت أجواء السيارة تنبعث بقوة، مما يزيد من حالة الرفاهية ويأسر الحواس. فجأة، ودون أي مقدمات، قالت سيليا بسرور: =خطوبة عمتو هايدي النهارده؟ أجابت جميلة، التي كانت مهووسة بالتقاط الصور، وهي تلتقط صورًا لنفسها بفرح، حيث كانت تبتسم وتنظر إلى الكاميرا بحماس: _أيوه يا حبيبتي. قالت سيليا باغتباط عارم، يشرح حماسها للحظة: =أخيرًا يا مامي عمتو هتتجوز! ضحكت جميلة بفرح، وكانت ضحكتها تعبر عن سعادتها، ثم قالت ببهجة: _أيوه يا روحي عقبالك. لا يريد أحمد أن يتخيل حتى مجرد فكرة زواج ابنته سيليا في المستقبل، فهو يجد في نفسه صعوبة بالغة في تصور نفسه عجوزًا، بعد أن كان في ليلة وضحاها، ذلك الشاب المرح الذي كانت أقصى طموحاته تتمثل في إحضار حفاضات فاخرة لبناته الصغيرات، وفي لحظة من التأمل العميق، قال بقلق: =ياه ده لسه بدري أوي! لكن جميلة، التي تمكنت من تخيل المستقبل، شهدت مرور السنوات وأصبحت أمًّا مسؤولة، بعد أن كانت في يوم من الأيام طفلة تلهو مع أخواتها في حديقة القصر، حيث كانت حياتها مليئة بالبراءة، والمرح، وعندما تأملت التغيرات التي طرأت على حياتها، قالت بحكمة: _خالص، الأيام بتعدي بسرعة، فين أيام لما كنت صغيرة؟ عمري ما كنت أصدق إن الأيام هتعدي بسرعة وهتجوز. تحدث أحمد وهو يقود السيارة بحرص، حيث كانت عيناه مركّزتين على الطريق أمامه، يتنقل بين النظر إلى اليمين، واليسار، وتدقيق التفاصيل لضمان سلامة السير: =كلنا كده، بس مش قادر أتخيل سيليا تبقى عروسة، وتسيبني، وأدخل أوضتها ملاقيهاش فازعل! أجابت سيليا بعفوية الطفولة، كما لو كانت تتحدث دون تكلف: _لا يا بابي أنا هجيلك كل يوم! ضحك أحمد على ردها، معبرًا عن سعادته، ثم قال بنبرة هزلية، تحمل تلميحات من المرح: =خلاص قررتي يعني؟ قهقهت سيليا، وقالت بمزاح: _طبعًا، وهدخل وأنا معايا حلويات كتير أوي! انتشر الضحك في الأجواء السعيدة، مما أضفى على اللحظة طابعًا من الفرح الخالص. فقالت جميلة ببشاشة: =طيب كويس، طالعة كريمة لنانا بسملة. عندما دخل الجميع القاعة، وجلسوا في ترقب لمجيء العريس، والعروس، توجهت أم الديب إلى المطبخ الفسيح المخصص للطباخين، وهو مكان يعبق بروائح الطهي الشهية. هناك، وبينما كان الصمت يلف المكان، تلفظت بكلماتها المتأثرة، التي حملت في طياتها مسغبة رهيبة: _املالي طبق على السريع، آني واقعة من الجوع! ترك الطباخ القدر من يديه، ووضعه جانبًا برفق، ثم التفت إليها بتركيز، وكأنه يحاول جاهدًا تذكر ملامحها المألوفة. كان إحساسه يوحي له أنه رآها من قبل، لكن تفاصيل الزمن كانت ضبابية، حيث قال بتدقيق: =انتي مين يا حاجة؟ أنا حاسس إني شوفتك قبل كده! بعد ثوانٍ من رحلة التذكر العميقة التي انشغل فيها ذهنه، والتي كانت مزيجًا من محاولة استرجاع الذكريات، وتصفية الغموض، قال بنفور: =هو انتي...؟ أجابت أم الديب بترقب: _أيون آني، ويلا ياخويا خلص هو احنا هنحكي ونتحاكى؟ تلفظ الطباخ بعبارات مشبعة بالرفض، وهو يواجه فكرة وجودها بينهم بشيء من الاستنكار، بعد أن خصم المدير منه مبلغ ألف جنيه بسبب منحها خبزًا ضخمًا مملوءًا بالكفتة المشوية، وتلك الحادثة أضافت إلى كاهله عبئًا ثقيلًا: =اطلعي برا، انتي مش كل يومين ناطالنا هنا، ده انتي خدتي ساندوتش كبير، وبسببك أنا أخدت جزاء من الشغل! ردت أم الديب بحدة، وكلماتها قُدمت من خلال سياج من الصلابة، تعبيرًا عن رفضها لأي نقاش: _تستاهلها حد قالك تصغر الشاندوتش؟ قال الطباخ بتهديد: =اطلعي برا يا حاجة، متخلنيش أندهلك الأمن! اقتربت أم الديب منه، وهي تتلفظ بصياح حاد، متحدية أي شعور بالخوف، وهي ترد على كل الاعتراضات التي واجهتها بلا اكتراث، قائلةً: _لا ياخويا أقف معووج واتكلم عدل، أمال ايه؟ النهارده خطوبة بتي وكلامك كله هيبقى معايا آني، فاهم ولا لا؟ أعاد الطباخ حديثه بحزم، مصممًا على ضرورة خروجها من المكان، وهو يقول بصوت يحمل بين طياته إصرارًا لا يتزعزع: =اتفضلي يا أم العروسة بلاش شوشرة! اقتربت أم الديب منه وملامحها مشبعة بالاحتدام، حتى أنها بثّت شعورًا بالخوف في قلبه. شعر الطباخ بوجود تهديد مهين قد يتعرض له في اللحظات القادمة. بنبرة متوحشة، قالت بوعيد لا يقبل الجدال: _بقولك ايه يا بتاع انت، لو ممليتش طبق قول على نفسك يا رحمن يا رحيم! رد الطباخ بخور: =خلاص، خلاص... عايزة ايه؟ أجابت أم الديب بضجيج: _تملالي طبق كبير على آخره، وإياك يا راجل انت تنزل أكل لليالي وأبوها دباح الحمير... الأكل مينزلش غير على ترابيزة ست هانم، وترابيزتي، وترابيزة أخواتي، وبتي نعمة... لو لمحتك بتنزل أطباق للتانيين آني هوريك الوش التاني! رد الطباخ بنفاد صبر، متمتمًا بكلمات لم يكن فيها سوى نبرة من الاحتراس: =حاضر. مدت أم الديب ذراعها نحو طبق المخلل الشهي، وسحبت الجزر المفضل لها، ثم تذوقته ببطء، وهي تتفنن في استمتاعها به. بعد أن أخذت قضمة كاملة، نظرت إلى الطباخ بعينيها المملوءتين بالعدوانية، وقالت بحدة: _وأوعى تفكر إني ست ظالمة، لا آني مش ظالمة! تفوه الطباخ بتلعثم: =لا طبعًا، هو حد اتكلم؟ قالت أم الديب بنبرة غليظة: _وعلشان آني ست طيبة، فهخليك تنزل أكل مُعتبر لليالي، وأهلها، وجوزي اللي ما يتسمى وأخوه. رد الطباخ بخرع: =اللي تؤمريني بيه! فاجأت أم الديب الطباخ بردها الصادم، الذي كان يحمل في طياته إهانة واضحة لليالي، والمعلم حنفي وأسرهم. بتلفظ وقح، طلبت منه بشكل غير لائق أن يهديهم جلد الدجاج، في إشارة استهزائية، وأضافت بجرأة مهينة، كأنها تساويهم بكلاب قذرة تجوب الشوارع، قائلة: _هتنزلهم جلد فراخ على شوية مصاريين! يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة