الفصل الخامس والعشرون

الفصل الخامس والعشرون

13 0

تحدثت أم أشرف بصخب عارم، معبرة عن صدمتها الجياشة التي اجتاحت كيانها، فتحركت أمعاؤها اضطرابًا، كأنها تتعانق خوفًا من الموت الذي يلوح في الأفق. لم تستطع أم أشرف أن تسيطر على مشاعرها الساخطة، التي كانت كالحمم المتدفقة من بركان غضب متأجج: _انتي بتقولي ايه يا ست انتي؟ اتجننتي في دماغك ولا ايه؟ اشترك أشرف مع والدته في صياحها اللافت للانتباه، فاحتدت نبرته وأخشن صوته، وبرزت عروقه كأنها حبال مشدودة على وشك الانقطاع، وهو ينطق بنبرته الجلفة والمليئة بالحنق المكبوت: =ده أنا هخرب بيتك! وضعت هبة يدها على صدرها، وكأنها تحاول كبح نبضات قلبها المُتسارعة، وقالت بضجيج يملأ المكان، بنبرة مفعمة بالاضطراب: _يا نهار أسود! نطقت أم الديب بقسوة قلب جسيمة، وكأنما صخر الجبال قد تجسد في مشاعرها، ونظرات الانتقام توثب من عينيها كنار مشتعلة تبحث عن وقود: =بقى يا ولية يا عرة عايزة تقضي عليا آني وعيالي؟ بالهنا والشفا على قلبك الحنش ده كانت لحمته زي الزبدة، مقولتيش يعني عجبك ولا لا؟ نطقت أم أشرف بصراخ يملأ الأجواء ويمزق سكون الحي، وكأنها بركان ثائر قد انفجر بغتة، موجهة كلماتها الحادة كالسكاكين: _انتي أكلتينا حنش؟ تأكد جلال مما يدور في رأسه كساحر يضم طائفة من الجان يعاونونه على كشف المجهول، فحدسه كان دليلًا قويًا مدعومًا بعلاقته الوطيدة مع أسرار أم الديب الحقيرة، حيث تحدث: =وربنا اللي في دماغي حصل، أنا كنت مقلق منك. تلفظت أم الديب بعجيج: _متخافش يا ولا آني عينت طبق لحمة بقرى بحق وحقيقي ليك انت وأخواتك، إنما اللي كلته أم أشرف وعيالها كانت لحمة الحنش. وسط أجواء مشحونة بالذعر، حيث البطون تتقلب من شدة الخوف كأنها على وشك التقيؤ، تقدم المعلم حنفي نحو أم الديب بخطوات ثقيلة، تحمل معها عبء اللحظة، ونطق بصدمة كبيرة: =جرا ايه يا ولية؟ انتي محدش همك؟ نطقت أم الديب بصياح: _اترزع انت مش وقتك! تفوهت أم أشرف بنواح يمتزج بالوعيد، وصوتها حمل معه ريحًا عاصفة من الغضب: =ده أنا هخرب بيتك! تشبثت أم أشرف بأم الديب بصلابة، وكأن نزاعهما قد اشتعل وسط بركان تنصب النار فيه صبًا، يحترق فيه الهواء من حولهم. بدأت المعركة بينهما كأنهما اثنان يتشاجران على حافة هاوية، والبقية حولهم يحاولون التدخل لحل الشجار القائم، مشهدًا يبدو كما لو أنه نذير هلاك لا مفر منه، ومع وطأة نسائية شرسة، سقط الاثنان على الأرض يتمرغان كالأسود المفترسة، تارة تكون أم الديب أعلى وأم أشرف تحت، وتارة أخرى العكس صحيح، حتى أصبح الجميع يحاولون الفصل بينهما بكل ما أوتوا من قوة. تمكنوا أخيرًا من شدّهما بعيدًا عن بعض، ولكن المعركة لم تنته في عينيهما. وسط هذا المشهد الفوضوي، فنطقت أم الديب بنواح: _اطلعوا برا بيتي، بس وأنتوا طالعين أبقوا عدوا على المستشفى أصل كلها خمس دقايق والسم اللي في الحنش مفعوله يبدأ. ظلت أم أشرف، وحامد، وأشرف، وزوجها، وهبة يجرون حول بعضهم بانتظار ظهور أعراض التسمم، كأن الموت يلوح لهم بموعد لقائه، حتى عاونهم جلال، وليالي وأخذوهم بالسيارة في سرعة جنونية نحو المستشفى، بغية إنقاذ الحالات الحرجة. في لحظة من الفزع، صرخت أم أشرف بارتياع: =الحقوني، مش عاوزة أموت مسمومة! نطق حامد بصراخ: _بطني بتتقطع مش قادر. رد أشرف بنواح: =آه. تفجرت الكلمات من فم هبة، إذ نطقت بنواح يعكس آلامها التي تكدست على مر الدقائق: _كان يوم أسود يوم ماسمعت كلامك وروحنا. تفوهت أم أشرف بإعوال: =وأنا هعرف منين إنها ناويالنا نية سودة؟ وضعت ليالي يدها برفق على كتف أختها، وكأنها تحاول أن تمنحها قوة من خلال لمسة بسيطة، وفي عينيها بريق من الأمل المتلألئ في آن واحد، وقالت بانتحاب ينبع من أعماقها: _متخافيش يا هبة، أنا معاكي ياختي. نطقت هبه بصراخ: =لو حصلي حاجة خدي بالك من بنتي! انطلقت ليالي بانتحاب ملؤه الشجن، وكأنها تنسج من دموعها قصصًا مؤلمة تتردد أصداؤها في أروقة السيارة: _فال الله ولا فالك، تُفي من بؤك بعد الشر، انشالله اللي يكرهك. وأردفت لزوجها بصراخ قوي يعكس حجم الضغط النفسي الذي كانت تعاني منه: =زود السرعة يا جلال شوية! أجاب جلال بضجيج: =أهو يا ليالي على أخري وربنا. كان جلال يجري بسرعة تصل إلى درجة أنه يتسلل بين السيارات بطريقة احترافية، يندفع دون توقف ويندفع بين الزرع، متجاوزًا الأشياء المرصوصة في الشارع بمهارة فائقة، مما كشف عنه كأمهر السائقين. كان تركيزه مصطبغًا بالكامل على الطريق أمامه، بالرغم من الأنباء الصاخبة والنواح المتكدرة التي تحيط به، حتى وصلوا إلى أبواب المستشفى المشرقة بأنوارها الزاهية. هرع جلال على ساقيه بمهل، حيث هرول بسرعة، يلتفت إلى موظفي الاستقبال ويطلب منهم العون، فقال: =الحقنا يا داكتور، معانا خمس حالات مسمومين. خرج الأطباء، والممرضون من حصونهم المكللة بالخبرة، ليقدموا العون الفوري للحالات الحرجة التي وصلت إلى المستشفى بحالة من الطوارئ القصوى، وبعد ذلك، فتح جلال الباب على مصراعيه بانسيابية، ممهدًا الطريق للممرضين الذين بدأوا في حمل الحالات الطارئة فوق الكراسي المتحركة، وعلى النقالة، مستعجلين في تحركهم كمن يقودون صاروخًا نحو قسم الطوارئ، وبينما يتابع جلال وليالي تلك اللحظات بخوف جسيم، استقبلهم الطبيب في طريقهم إلى المركز الطبي، وقد طال صياحه بين أروقة المستشفى، وهو يقول: _خدوهم على العمليات بسرعة! بينما هبة تتجه بسرعة نحو قسم الطوارئ، كانت تصرخ بأعلى ما فيها، وينطلق الصوت المشحون بالذعر عبر أروقة المستشفى الملتهبة بالنشاط. يصيبها الرعب نحو شأن ابنتها المسكينة، فتتساءل في عقلها المضطرب كيف سيكون حالها إذا ماتت وتركتها تواجه الحياة بأناملها الصغيرة وحدها؟. بينما تسير بخطوات متسارعة، تعبر هبة عن ألمها العميق بهذه الكلمات الصارخة: =آه يا ليالي. تتبعت ليالي أختها كنسر يترصد لمشكلات ما عويصة، ونطقت من دواخلها بصوت يرتفع: _متخافيش يا هبة هتقومي بالسلامة انتي وكل اللي معاكي... قلبي عندك ياختي، ربنا على الظالم والمفتري. وصلت الحالات الطارئة إلى قسم العمليات، فكانت ليالي تنتحب بصوت واضح يعبر عن فزعها الشديد على أختها. كانت تحتضن ابنة أختها هبة بين ذراعيها، تقدم لها حنان الأمومة بينما تغيب والدتها العليلة، وتعكس الأمل في عيونها المحملة بالدموع. نظرت ليالي إلى السماء الظليلة، تمنيًا أن تخرج أختها من غرفة العمليات بأخبار مُفرحة تعيد الحياة إلى وجوههم المنهكة: _أختي هبة... يارب استرها معاها... قومها بالسلامة علشان خاطر بنتها ملهاش غيرها. اقترب جلال من زوجته الباكية، وقال بصوت ينطلق من عمق الشك: =وربنا كان قلبي حاسس إن ده هيحصل، اشمعنا أمي عملت عزومة بعد ما مسكت الحنش؟ أجابت ليالي ببكاء متقطع، وهي تمرر أصابعها برفق على شعر ابنة أختها، بينما ينبعث منها حنان ملحوظ، ورعاية لا تضاهى: _أمك هتتحاسب حساب عسير على اللي عملته، هي فاكرة نفسها هتروح من ربنا فين؟ ربنا ياخدك ويريحنا منك، امتى بقى امتى؟ ظهر ظلال المعلم حنفي، ونعمة، يتجهون نحوهم بسرعة تدل على ملاحقتهم للمجهول، حاملين على محياهم رهبة كبيرة، تتعاظم مع كل خطوة يقتربون بها من الفوضى المتكشفة أمامهم، وحينما وصلوا إلى جلال، وليالي، وأسرتهم الصغيرة، انبثقت الأسئلة من نعمه بإعوال، وهي تتلفظ: =جوزي ماله يا جلال؟ أجاب جلال بتأثر: _أهو دخلوهم كلهم العمليات، ربك يسترها عليهم. نطقت نعمه بصوت باكي، ينساب كالنهر الجاري بينما يتجه حديثها باتجاه ليالي بشكل يعبر عن الخوف العميق الذي يسكن داخلها: =جوزي يا ليالي... مش عاوزة يحصله حاجة... منك لله ياما أروح منك فين؟ أعمل ايه يارب في اللي أنا فيه ده؟ عانقتها ليالي بكل أحساس، تعبيرًا عن تعاطفها العميق معها، حيث وضعت نفسها في مكانها لتشعر بنفس الألم الذي تعاني منه، ويداها تتمرر برفق على ظهر نعمة، والاثنتان تنهمران دموعًا بلا توقف، وفي لحظة من الحنان، حدثتها بود محاولةً منها لمد يد الراحة في تلك اللحظات اللصبة: _أمك ناوية على موتنا كلنا يا نعمة. ردت نعمة بانتحاب: =أنا ليه بختي أسود أوي كده؟ لما آجي الدنيا وألاقي دي أمي؟ ليه متكونش أمي واحدة تانية غيرها؟ أبدى المعلم حنفي تأثره بشدة، حتى أنه عبر عن استيائه بكلمات محملة بالشجن: _لا حول ولا قوة إلا بالله. لقد كان وقتًا حرجًا يمنع فيه الاستهتار، ولكن بالرغم من ذلك، نزع جلال الهاتف من يد ليالي بقسوة لافتة، كأنها عملية ميكانيكية تكشف عن طمع يتجاوز الحدود، حيث بدى الحماس يلتصق بنبرة صوته المتزايدة. تبيّن لليالي في تلك اللحظة المرهقة أن جلال ينوي تصوير فيديو جديد بهدف جني المال، وهذا الخبر أثار غضبها، فقاومت بقوة تلك الخطوة غير المقبولة التي تتعارض مع مبادئها الإنسانية، وبعبارة تنطلق بصدى العدالة، صرخت بصوت يملأ المبنى: =انت هتعمل ايه؟ أجاب جلال بجلبة: _هصور فيديو، ولا هو هيبقى موت وخراب ديار؟ خلينا نستفاد من أم الليلة السودة دي، وسعي! أزاح جلال زوجته بقسوة، وهو يتحدى الأزمات بكل الطرق الممكنة ليصنع فيديو يقوده إلى طريق مليء بالثروات، والمال، حلمه نهايته قصر فاخر يشرف على منحدرات الجبال، ومع ذلك، أصرت ليالي على موقفها بقوة، متحديه بلا رهبة، فقالت بدهشة: =احنا في ايه ولا ايه؟ أختي مسمومة هي، وحماتها، وجوزها وكلهم جوا حالتهم خطر وانت هنا بتصور؟ رفع جلال يديه لأعلى بتهديد واضح، كانت تلك اللحظة مشحونة بالانقسام الداخلي، حيث بدا وكأنه يستعد للإيذاء، لكن قلبه العاشق رفض الخيار البشع هذا، فاكتفى بنبرته المتوعدة التي تعبر عن قوة داخلية غير مستسلمة، وهو ينطق صارخًا: _وسعي من وشي يا ليالي خليني أصور أم الفيديو أهو يجيبلنا فلوس تهدينا شوية من ناحية اللي حصل. انطلقت ليالي بجلبة مدوية، تناثرت فيها الأصوات كأنها عاصفة هوجاء تقتلع الهدوء من جذوره: =وانت شايف إن الفلوس هتنسيني اللي جرا لأختي هبة؟ انزعج المعلم حنفي من كم الأحداث المروعة التي جاءت ملبدة برداء من الرعب المزعج، فكانت تلك التجربة مرهقة للنفوس ومنهكة للأبدان. خرج بصوته العالي، كأنه يشارك معهم في صرخة عارمة تعكس تأثره العميق لما يحدث حوله: _أقعدوا بقى هو احنا ناقصين مشاكل؟ وواصل لزوجة ابنه بضيق: _روحي يا ليالي خدي نعمة وأقعدوا ارتاحوا! تفوهت ليالي بعناد: =مش قاعدة يا حمايا! ابتعدت ليالي عنهم بخطى ثابتة، ورحلت بعيدًا لتواصل حلقة نواحها مع نعمة، وكأنها تنوي إيصال صدى الألم الذي يخيم على أرواحهم. بينما رفع جلال الهاتف بين يديه، مستعدًا لتصوير الفيديو كما خطط له، فتلفظ بكلمات تعبر عن إصراره: _السلامو عليكو... يؤسفني أقولكم إن هبة أخت ليالي كلت لحمة حِنشة، أه زي مابقولكم كده ومش هي وبس لا ده بالصلاة على النبي، هي وجوزها وحماتها وحماها وخدوا الكبيره حمو جوز أختي معاهم في الليلة دي، واحنا واقفين على أعصابنا وعايزين نتطمن بس لعله خير، أنا واقف أنا وأبويا قدام العمليات مستنيين خبرهم، أقصد مستنيين الداكتور يطلع يطمنا يعني..سلم عليهم يابا! لم يُبدي المعلم حنفي أهمية للأحداث العصيبة المحيطة به، فكان رد فعله عنيفًا، حيث أشار بيديه بسخط، معبرًا عن اعتراضه، وبعد ذلك، غادر المكان هو الآخر، تاركًا جلال يواجه اندهاشًا حقيقيًا في لحظات موثقة أمام الجمهور، وبينما ينظر جلال إلى الكاميرا، نطق بكلمات تنقل ما حدث: =أصل أبويا مالوش في التصوير والكلام دهو، أبويا راجل فلاح على قده، ربنا يديله الصحة... زي مانتوا شايفين كده المستشفى حكومي أصل البلد عندنا مفيهاش غير وحدة صحية واحدة بس أهي بتقضي الغرض، ادعولهم ربنا يقومهم بالسلامة وأشوفكم في فيديو جديد، سلام. أغلق جلال الكاميرا بانزعاج، ورفع الفيديو على اليوتيوب بطريقة غير دقيقة تحتوي على العديد من الأخطاء الإملائية، مما يعود جزئيًا إلى نقص التعليم فقد انتمى في السابق إلى الثانوي الصناعي. كان العنوان المختار كما يلي: "هبة، أخت ليالي مرتي وحمها وحمتها فا المستشفى أكلوا لحم حنش". بينما يواصل جلال التأمل فيما حدث، تابع بانبهار متجدد مع ذاته: =هو ده الكلام... أنا حاسس الفيديو ده هيتشهر شهرة من نار... قال ايه ليالي مش عاجبها، دي خايبة أهو بدل من وقفتنا على الفاضي نستفاد من البورنامج ده. ما زالت ليالي تنتحب بترحٍ كبير على أختها، تعبر عن مشاعرها بكلمات مؤثرة، ترنو إلى أن تجد لحظة تخفف عنها الحسرة: _يا هبة يا حبيبة أختك يا غالية، هتقوميلنا بألف سلامة انتي وجوزك وكلكم هتبقوا كويسين. مسحت نعمه دموعها برفق، في محاولة منها لاستعادة الهدوء الداخلي، وقالت بانتحاب: =يا عيني عليك يا حامد وعلى بختك. خرج الطبيب من العمليات، وقال لهم: _الحالات سليمة مفيهاش أي تسمم! انقض الجميع نحوه كما لو كانوا يلاحقون فنانًا مشهورًا يحظى بحبّ الجميع ويتطلعون إلى لقاءه، وفي هذا السياق، نطقت ليالي بصدمة ملحوظة، معبرة عن عجزها عن تفسير ما يحدث: =ازاي؟ تساءلت نعمة بفضول: _ازاي يا داكتور؟ أجاب الطبيب: =أيوه زي مابقولكم كده الحالات سليمة هما جالهم تسمم من عدم النظافة مش أكتر واحنا اديناهم مطهر معوي وهيبقوا كويسين، لكن مفيش أي سم والكلام الفارغ ده. تساءل جلال بذهول: _أمال مين اللي كل السم يا داكتور؟ أجاب الطبيب بوضوح: =أنا ايه عرفني؟ الحالات اللي عندنا سليمة الحمدلله. تركهم وغادر ليواصل أعماله الهامة، بعد أن بذل جهوده العظيمة في إنقاذ الحالات المستعجلة. في المنزل، كانت أم الديب مستلقية على الأرض، تصرخ هي، وابنتها هايدي، وكان صوتهما الوحيد يعتلي القرية، حيث يعيش الجيران في سكينة، بينما هما يكابدان الألم بصوتهما المؤثر. أما أم الديب، فكانت عاشقة للنواح، تعبر بإعوال عن حالتها الصحية العسيرة: _يا لهوتي بطني بتتقطع. تحسست هايدي بطنها بألم لا يُطاق، فتعالت صرختها عاليًا، كأنها تحاول إخراج كلماتها من بين أنياب الألم: =انتي شكلك بدلتي الاطباق... آه. انطلقت أم الديب بنواح عميق، فاختلطت أصواتها بالرياح العاتية وهي تحمل آلام السنين كلها في صوتها: _آه يا خرابي يآني، الحقوني يا خلق... الحقوني يا هُو... الحقوني يا عالم...يا لهوي! صرخت هايدي بندم: =ياريتني ما كلت حاجة من ايدك. ظلت هايدي تزحف على بطنها بصعوبة، حتى مرت على درج المنزل البارز الذي تسبب في جرح بطنها، وفخذيها. كانت تحاول الصمود حتى وصلت إلى مدخل المنزل، ثم خرجت من الدار بأكملها مستلقية على تراب الشارع. عندما رآها الجيران بهذه الحالة، هرعوا نحوها، مقدمين لها العون، وقال أحدهم بفزع: _مالك يا هايدي في ايه؟ نطقت هايدي بصراخ: =الحقوني كلت سم! تفجرت كلمات الجار بفزع واضح، إذ اهتز صوته كأنما حملته رياح الخوف، فعبرت نظراته المذعورة عن اضطراب داخلي، لذلك نطق برهبة: _يا خبر أبيض. حملها الجيران بأيادٍ متعاونة، مظهرين أخلاقهم النبيلة التي تحثهم على مساعدة الغير في وقت الحاجة، وبينما كان البعض منهم يصعد نحو أم الديب بعد أن سمعوا صوت صراخها المرتفع الذي شق سكون الحي، تسابقوا لحملها هي الأخرى رغم تعثرهم الشديد بسبب ثقلها، وبعد جهد جهيد وتعاونٍ ملحوظ نجحوا في نقلهم جميعًا إلى المستشفى. هناك، وعندما وصلوا إلى قسم الطوارئ، وقف جلال مذهولًا من وصولهم في هذا الوقت المتأخر، وتلفظ وهو يجري بسرعة بين الممرات، قائلًا بفزع: =ايه ده أمي وهايدي؟ مالكم جرالكم ايه؟ نطقت أم الديب بصراخ: _الحقوني! فرت نعمة مُسرعة عقب والدتها، وأختها، أصحاب الأبدان السقيمة، وكأن غمامة سوداء قد اجتاحت حياتها، تغلفها بالكآبة. كانت تنطلق بإعوالها المدوي مثل شلال لا يتوقف، فقالت بصدمة: =يا نهار أسود، هايدي وأمي؟ أدخل الممرضون الحالات إلى غرف العمليات بسرعة فائقة، يتنقلون كالنحل النشيط في خلية لا تهدأ. وبينما كانت ليالي تراقب المشهد بشماتة خبيثة، تفتر شفتيها عن ابتسامة ماكرة، نطقت بكلماتها المسمومة قائلة: _يا سبحان الله فعلًا من حفر حفرة لأخيه وقع فيها. تفجرت كلمات نعمة بانتحاب يائس، فقد انطلقت من شفتيها كأنها شظايا قلب مكسور: =آه ياما آه، ربنا يسترها عليكي انتي وهايدي. قبّلَ جلال ظاهر يده وباطنها، يثني على الرحمن لكونه محاطًا بحماية إلهية من دسائس أم الديب الخبيثة. قال بفرح غامر: _أحمدك يارب إن أنا مدوقتش من الطفح اللي هي عملته. اتسعت عينا ليالي كفتحة كهف مظلم عندما سمعت حديثه، وارتجفت بينما تذكرت حقيقة مُرة تسري كالسم في شرايينها، تمامًا كما حدث للبقية. فجأة، صدرت منها صرخة مذعورة، ملأت المكان برعبها: =أنا كلت حتة يا جلال! نطق جلال بفزع: _أدخلي معاهم الحقي نفسك. اتسعت عينا نعمة بنفس الطريقة التي اتسعت بها عينا ليالي، وارتجفت بدورها وهي تتذكر الحقيقة المُرة التي اجتاحت عقلها كالعاصفة. فقالت بصوت مرتجف: =وأنا كمان كلت! أزاحهم جلال بجبروته نحو غرفة العمليات، وكأنه جبل متين، وقال بصياح يشعله القلق: _خشوا كلكم، جرا ايه يابا بقى ينفع اللي بيحصل ده؟ دخلت نعمة، وليالي، يحاولان بجدية إنقاذ أنفسهم بأيديهم، بينما نظر جلال إلى المعلم حنفي بمفرده يعاني، وفي لحظة من الصمت العجيب، أطلق صياحًا طارئًا: _مالك يابا انت كمان؟ قول إنك اتسممت انت التاني، ده انت مدوقتش لقمة من اللي اتحطتلك. حزق المعلم حنفي، وملامحه تكشف عن شيء مكبوت في دواخله، يطلب النجاة قبل أن يتساقط في الهاوية التي لا مفر منها. وبلا تردد، ردَّ عليه بصوت متوتر: =محصور. فر المعلم حنفي نحو المرحاض، ويديه تلمسان بطنه كأنه يكافح لمنع نفسه من التبول، محاولًا الحفاظ على مكانته أمام الحضور، وفي اللحظات الأخيرة، وصل إلى هناك، في حين كانت العائلة برمتها داخل غرفة العمليات، مما أدى إلى تعقيد عمل الأطباء الذين كانوا يتدافعون للمساعدة. أبدى الطبيب اعتراضه على هذا السلوك الفوضوي، وصاح باعتراض: _يا جماعة مينفعش كده، ممنوع أهل المريض يدخلوا! أجاب الجميع بصوت واحد: =كلنا مرضى. رد الطبيب بذهول: _كلكم؟ دي حاجة عجيبة جدًا، أنتوا كلتوا ايه؟ انطلقت نعمة بصراخ مدوٍّ يمزق القلوب، وهي تقول: =أمي أكلتنا فتة لحمة، وطلعت لحمة حنشة يا داكتور، الحقني أحب على ايدك! سقطت نعمة بشكل مفاجئ من فوق شازلونج الفحص، ويدها تمتد نحو يد الطبيب بين الإخضاع، والتذلل، وهي تستغيث بيأس لإنقاذها قبل أن تفقد أثر الحياة، فقال الطبيب بصوت متعثر بالتأثر: _هنلحقكم كلكم بس اهدوا! في الخارج، كان جلال متعلقًا بهاتفه، وكل دقيقتين كان يلقي نظرة على التحديثات. كانت المشاهدات أكثر إثارة من المتوقع، ومعظم التعليقات كانت تعبر عن الدعم، حيث كان البعض يقول "ألف سلامة" وآخرون يطلبون "طمنا عليهم". وفي لحظة من الفرحة الشديدة، قال جلال بابتسامة واسعة: =والله واتشهرت يا جلال. مرت الأيام، فكانت أم أشرف، وهبة متجاهلين أم الديب، ولا يتحدثون إليها، فلم يعيدوا ثقتهم بها مرة أخرى. هناك حكمة تقول: "لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين". بينما كان حامد في منزله مع عائلته، والأمور كانت كما هي دون تغيير، بل على العكس زادت سوءًا بعدما قرر أن يتصالح مع زوجته في محاولة لاستعادة حياتهما السابقة، إلا أن القدر لم يمنحهما الفرصة في إصلاح أوراق حياتهما الملتوية، وفي الوقت نفسه، توجه جلال إلى غرفة هايدي لطلب مساعدتها في مجال اليوتيوب بما أنها أكثر خبرة فيه، وبينما كانا يتحادثان، قال جلال: =بت يا هايدي شوفيلي القناة كده. انزعجت هايدي لكثرة الطلبات، فشعرت كأنها مجرد خدمة تقدمها لهم، بدون أن يكون لها أي قيمة أخرى. بمجرد أن تنهي ما يطلبونه منها، تلاشت أهميتها. عبرت عن ضيقها بتنهّد عميق، وزفير متألم، قائلة بانزعاج: _كل حاجة هايدي هايدي... هو مفيش غير هايدي؟ رفع جلال يده نحو وجهها بحركة معتادة، ووجّه إليها عينيه المليئتين بالقسوة، وكلماته ارتفعت بسخط متحكم: =متبرطميش يا بت بدل ما أسقفلك على وشك! ردت هايدي بعصبية واضحة، إذ اشتعلت في عينيها نيران الغضب، وارتفعت نبرة صوتها لتكشف عن انفعالها، فخرجت كلماتها كالسياط: _يوه... أهو! خطفت هايدي نظرة متجاهلة إلى هاتف ليالي، ولتخلص نفسها من ثرثرته المزعجة، قالت بصوت مليء بالانزعاج: _روح استلم الفلوس وريحنا. نزع جلال الهاتف من قبضتها بلا رحمة، وابتسامة النصر تعلو شفتيه، ثم غادر وهو يتلفظ بسعادة متأججة: =يا مانت كريم يارب، أخيرًا هستلم الفلوس؟ انطلق جلال نحو البنك، وهو يشعر بلهفة تملأه، حاملًا في ذهنه الكثير من الأمور التي يجب إنجازها، وفيما كان يتقدم بخطوات مستعجلة، كان يتأمل في الأوراق التي يجب عليه إحضارها، والإجراءات التي يتعين عليه القيام بها. نطق جلال: =عاوز أستلم فلوس البورنامج الأحمر يا باشا. رد الموظف بدهشة: _برنامج ايه؟ أجاب جلال بصوت مفعم بالثقة، متحدثًا بكلمات مختارة بعناية: =اليوتيوب هو في بورنامج أحمر غيره؟ رد الموظف: _أه في كتير. بدأ الموظف بالبحث في الأوراق بعد أخذ بطاقة الائتمان من جلال، وفي اللحظة الحاسمة عندما تم تسليم خمسة آلاف جنيه، نظر جلال إليهم بعينين متفتحتين، وعبّرت ملامح وجهه عن الدهشة. ثم ألقى نظرة على الأموال، وقال: =دول كام؟ رد الموظف بانشغال ظاهر، إذ تشتتت نظراته بين الأوراق، والمستندات التي تملأ مكتبه، وكأن أعباء العمل قد طوقت حواسه، فتسربت كلماته بصوت متهدج: _قبضك الشهر ده خمس ألالاف جنيه. نطق جلال بسعادة: =انت بتتكلم بجد؟ تفاجأ الموظف وتلفظ بكلمات مليئة بالدهشة، إذ ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام: _وأنا ههزر معاك ليه؟ لم يمنح جلال لنفسه فرصة للاستماع إلى الموظف، بل سحب المال بسرعة من يده، واستلم بطاقة الائتمان ببهجة غامرة، وعاد إلى منزله بسعادة فائقة، وفور دخوله الباب، انطلقت ليالي بزغاريد تعبيرًا عن فرحها الشديد، حيث لم تستطع تصديق ما رأته عيناها: =خمس ألاف مرة واحدة يا جلال؟ ضحك جلال، وقال بحبور: _أوعي وشك يا بت... ركزي معايا يا ليالي، احنا هناخد منهم ٤٠٠ جنيه مصروف البيت والباقي هنشيله. نطقت ليالي بانشراح: =أيوه ياخويا ونلم القرش على القرش لحد مانشتري الشقة الجديدة... بس أوعى تعرف أمك حاجة! تحدث جلال بتعجب عميق، إذ ارتفعت حواجب دهشته وتبدت علامات الاستفهام بوضوح على وجهه: _وأنا عبيط؟ أمي مش هتعرف حرف عن اللي حصل، هي سايبة ولا ايه؟ جلس جلال على كنف زوجته في الأريكة، وهي تعد الأموال، وتشعر بأنها أخيرًا نالت نصيبها من الفرح، وتحقيق الأماني. بينما في الأسفل، في شقة أم الديب بعد أن علمت هايدي أخبار جلال الخاصة قررت ردم بئر فرحته العميق، وهي تسرد أسراره لوالدتها، ولكن أصابت أم الديب صدمة شديدة وكانت عباراتها تنطلق بذهول: =ايهي راح يستلم الفلوس من البورنامج يا بت؟ أجابت هايدي بشحناء، وعبارتها تنطلق ببغضاء: _أيوه ده جايله فلوس كتير الشهر ده. نطقت ام الديب باهتياج: =أما مقالش حاجه عن الموضوع ده ولا اتكلم عنه! ردت هايدي بتفكير: _مش عارفة بس هو قالي. نطقت أم الديب بامتعاض بارز، إذ اهتز صوتها بنبرة حادة تعكس استياءً عميقًا: =ماشي يا جلال بقى بتخبي على أمك؟ وماله يا جلال. كأنها ترسم خطتها الشرسة على جدران المشقة، حيث تنبثق الحسابات والتفاصيل الدقيقة كخيوط من نسيج الانتقام. فكما اعتادت، لا يمر موقف إزاءها إلا وتعبر عن نفسها بشدة، تجني ثأرها بنجاح متقن. فيما نزل جلال مصطحبًا ليالي عقب ظهره، كانت الأفكار تلعب في عقلهما بخطط محكمة لجني ثمار الازدهار، والوصول إلى أعلى المراتب في مخططاتهما المحكمة. وفي نيتهما صنع مقلب قوي في أم الديب، ليغيرا الموازين ويحققا أهدافهما بكل استراتيجية. تقدمت ليالي نحو حماتها بثقة، وهي تتلفظ بجدية: _هو مين اللي راكن عربيته قدام البيت ده يا حماتي؟ ردت ام الديب بلا مبالاة: =مين يا بت؟ تساءلت ليالي بقلق: _أنا اللي بسألك! نطقت أم الديب بتجاهل بارد، إذ تسربت كلماتها كنسمة خفيفة، غير مكترثة ولا مُبالية: =وآني ايه دراني ما اللي يركن يركن. تحدثت ليالي بضجيج: _هو انتي متعرفيش؟ دي شكلها عربية أحمد ابنك، دي داخلة في الحيطة ووشها مكسور. ملأ صراخ أم الديب ذرات الهواء حولها، ممزوجًا بالخوف، فظهرت الكلمات كأمواج تضرب شواطئ الصمت المحيطة. انطلقت بخطوات مذعورة، وكانت خطواتها ترسم دوائرًا من القلق على أرضية الشقة، وهي تنوح بصوت مليء بالحيرة: =يا خرابي...استرها يارب لا يكون حصله حاجة! خرجت هي وليالي إلى البلكونة، وعلى وجوههما قلق لا يخفى، يعكس تفحصهما المتوتر لتلك النائبة بنفسها. فيما كان جلال يظبط زوايا كاميرا الهاتف، استعدادًا لبدء تمثيليته البراعة على مسرح المقالب الخادعة، عيناه تلوحان حوله بخوف متزايد، خشية من هبوط أم الديب عليه في أي لحظة، وبعد أن تمعنت الوالدة النظر هنا وهناك دون أن تجد شيئًا كما أخبرتها ليالي، خرج الصوت منها بصياح: _ايهي هو فين ده؟ مفيش حاجة. تحدثت ليالي بتلعثم: =يبقى مشى يا حماتي، ربنا يسترها عليه، خلاص تعالي نخش جوا. قالت أم الديب بقلق عميق على ابنها أحمد، إذ كان صوتها مفعمًا بنبرات الاهتمام المتزايد: _آني هتصل أتطمن عليه. نشبت ليالي بيد حماتها، وقالت بخرع: =آه ده أنا افتكرت عربية ابنك لونها نبيتي، إنما اللي خبطت عندنا لونها أزرق. نطقت أم الديب بجلبة: _ايهي كده توقعي قلبي يا بت؟ ابتسمت ليالي ابتسامة حانية، تعبيرًا عن المكر الذي يختبئ في داخلها، وقالت بكل ثقة ممزوجة بالدهاء: =خشي يا حماتي لا تستهوي. قالت ام الديب بسخرية: _لا وانتي قلبك عليا أوي. أجابت ليالي بكراهية واضحة، إذ خرجت كلماتها مشوبة بنبرة حادة وملامح وجهها تعكس مدى الاستياء الذي يغمرها: =أمال ايه؟ ده انتي حماتي الغالية. بمجرد دخولهم صالة المنزل واستقرارهم فيها، بدأ جلال بتنفيذ المقلب المُحكم الذي كان يحضّره منذ فترة، فانطلق بصوتٍ عالٍ يملأ الغرفة بالصياح: _الحقي ياما الزريبة جالها قرار إزالة من الحكومة. لطمت أم الديب وجهها بقوة، وكانت تعبر عن ذلك الفعل بنواح مؤلم، صدحت كلماتها بصدمة، وهي تنطق بكلمات محملة بالألم: =يا لهوي. وأردفت بصدمة: =انت بتقول ايه؟ كاد جلال أن يبكي لحزنه، فخرجت كلماته بنبرة مهزوزة، تعكس مدى الأسى الذي يختنق به: _زي مابقولك كده ياما...أبويا لسه مكلمني في التلافون وقالي الحكومة بعتاله إن الزريبة لازم تتهد. رفعت أم الديب يديها الاثنتين نحو السماء، كأنها تتوسل بكل يأس. صدحت بصراخ يهز أسس المنزل، وكلماتها انبعثت كصدى يُوقظ الأموات من قبورهم: =يا خرابي، الزريبة اللي عيشت طول حياتي أبني فيها وطلع عيني عبال ما اتبنت وفي الآخر الحكومة عاوزة تهدهالي بكل سهولة؟ يا خراب بيتك يا أم الديب يا مصيبتك السودة. كأنها دجاجة تسعى للإباضة، وهي تطوف في أنحاء المنزل، صوتها الغليظ يلفت الانتباه، ولا يفارق آذانهم. وفي محاولة من جلال لإثبات نجاح الفيلم المصطنع الذي صنعه بمكر بمساعدة زوجته، جلس وقال بحالة من الاستياء العارم، وكأنه يحاول إخفاء شعوره الحقيقي: _أنا مش مصدق إن الزريبة هتتهد ياما، ده أنا اتربيت فيها وليا فيها ذكريات كتير. جلست ليالي على سيف زوجها، تتأرجح يديها فوق ساقيها، وكلماتها تنطلق بالاستياء، معبرة عن مشاعرها بشكل مؤثر: =يا حول الله يارب، ايه المصايب اللي بتتحدف علينا دي؟ مرة موت ستك، ومرة أختك وجوزها يتخانقوا ويسيبلها البيت ويمشي، ومرة أمك تدخل السجن، ومرة الحنش يدخل بيتنا، ومرة الزريبة يجيلها قرار إزاله... يا حول الله يارب ايه اللي بيحصل ده بس؟ نطق جلال بضيق: _مش عارف يا ليالي، المصايب عمالة تتحدف علينا ورا بعضها. تلفظت ام الديب بنواح: =يا عيني عليكي يا بسمة وعلى بختك المايل، عمرك ماشوفتي يوم عدل، ملكيش حظ في حاجة، لا جوزك ولا عيالك حتى الزريبة اللي شقيتي فيها هتتهد، لا آني زريبتي محدش يقرب ناحيتها، اللي هيفكر يقرب ناحيتها آني همسحه من على وش الأرض! تحدث جلال بتأثر عميق، إذ ارتجف صوته بخشونة، وبدت علامات التأثر واضحة على وجهه: _خلاص ياما آدي الله وآدي حكمته، هنعمل ايه طيب؟ قالت أم الديب بصخب: =جاك عملك في لقمة يا ولا، آني بيتي محدش يهوب ناحيته هما مش عارفين آني مين ولا ايه؟ ده آني أم الديب! أبدت ليالي تعاطفها، وكانت نبرتها متأثرة، تنطلق كلماتها كمنبع ينبعث منه الاستياء: _معلش يا حماتي إرضي بنصيبك، ده حتى البيت قديم وحالته حالة، حوسة علينا وعلى بختنا. ردت أم الديب بصياح: =وانتي مالك يا بت؟ طلعي نفسك منها...ده بيتي آني وآني اللي تعبت فيه يبقى تنقطينا بسكاتك! نطقت ليالي باهتياج شديد، إذ تجسدت نبرة صوتها في موجات متقلبة من الانفعال، وكأن كلماتها كانت تخرج كالنار من فمها: _بقولك ايه يا حماتي اعدلي نفسك معايا ألا وربنا هتجنن! قالت أم الديب بضجيج: =مسمعش صوتك يا بت دباح الحمير بدل ما أقوم أرنك علقة سخنة! تلفظ جلال بجلبة: =بس ياما، بس يا ليالي! وسط أجواء مشحونة بالشجار، نهض جلال وهو يضحك بصوت عالٍ، ما أثار دهشة أم الديب التي نظرت إليه بنظرات متسائلة. ثم قال بنبرة منتصرة، كأنه ينوي تأكيد نقطة معينة: _شربتي المقلب زي كل مرة ياما؟ قالت أم الديب بدهشة، إذ ارتسمت على وجهها تعبيرات الاستفهام والحيرة. كانت محاولة يائسة لفهم واقع غير متوقع: =انت بتقول ايه يا ولا؟ مقلب؟ انت بتعمل فيا مقلب؟ ضحك جلال بلا حدود، ثم أشار بإصبعه نحو الكاميرا، وكلماته تنطلق بإيماءة واثقة، وهو يرغب في لفت الانتباه إلى جانب محدد من الموقف: _أه ياما، بس بصي للكاميرا واضحكي للناس. انتزعت أم الديب نعلها فورًا، لا تتردد لحظة في الوقوف على وطأة ابنها، وزوجته الممثلة، حيث شعرت نفسها كجريح يطارد فريسته بلا هوادة بينما تهرول خلف جلال وليالي، وتتربص بنية صلبة على الانتقام. هرب الاثنان ببراعة على درج المنزل وصعدا إلى شقتهما، فاكتفت هي بمطاردتهما إزاء شقتها، وقالت بصوت يضمر الوعيد الحار: =ماشي يا جلال انت ومراتك ماشي، لولا إن رجلي تعباني كنت طلعتلكم بس آني هوريكم، قال الدار هيتهد قال، ده في أحلامك... والنبي مآني فاهمة ايه حوار البورنامج ده، ده الواد من ساعة ماعرفوا وهو ليل نهار ماسك التلافون... ماهو طبعًا يجري ورا الفلوس جري المهم ينفذ للمحروسة ليالي طلباتها. يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة