شعرت سيليا بمدى الرتابة التي تغمر الأجواء، فتسللت إليها رغبة جامحة للابتعاد عن هذا المكان الذي أضحت جدرانه تضيق على روحها. فتوجهت بنظرات ملؤها الرجاء إلى والدتها، وكأنها تطلب منها الخلاص، وهمست برغبة ملحة: _مامي أنا عايزة أروح البيت! ردت جميلة بصوت يفيض دفئًا، وكأن كلماتها كانت تحمل في طياتها عناقًا يواسي قلب سيليا: =حاضر استني شوية كمان، وبعدين هنروح. بعدما ودّعت أم قمر الدين، وباسم المكان، وعاد الفراغ ليخيم على القاعة، خطا أحمد عائدًا إليها، ليستقر على مقعده بين أفراد أسرته الصغيرة. لكن سيليا، التي ما زال شعور الضيق يسكنها، لم تستطع كتمان رغبتها في الرحيل، فالتفتت إليه، وقالت بنبرة ملؤها الرجاء: _بابي أنا عايزة أروح! تحدث أحمد بابتسامة هادئة تعكس التفهم: =ماشي يا سيليا هنسلم على عمتو ونمشي. وعدها أحمد بالمغادرة، بينما جلست ليالي، ونعمة، وعم سلامة على الطاولة، وقد أبدت ليالي رغبتها الصادقة في حضور والدتها، وأختها لهذا الحفل، وكأن كلماتها كانت تعبيرًا عن أمنياتها الحارة بأن يكونوا جميعًا جزءًا من هذه اللحظة المميزة، فتوجهت إليهم قائلة: _كان نفسي أمي، وهبة يجوا. لكن عم سلامة، الذي كانت بصيرته نافذة، وشديد المعرفة بتفاصيل الأحداث المقبلة، كان يدرك تمامًا ما قد يحدث بعد وصولهم. لذا، تحدث بصوت مليء بالفطنة: =لا يجوا ايه بس يا ليالي؟ انتي نسيتي حماتك بتعمل ايه؟ تدخلت نعمة في المحادثة، محاولًة تصحيح الصورة المشوهة التي كونها عم سلامة عن والدتها، والذي كان يراها في صورة متوحشة ولا يقتنع بأنها امرأة بسيطة، وذات قلب طاهر. فقالت بلهجة محملة بالإصرار: _انت فاهم أمي غلط يا عم سلامة، دي حنية الدنيا فيها، هي بس عصبية وساعات بتعمل حاجات غريبة، إنما هي طيبة. رد عم سلامة بسخرية: =ماهو باين، الكتاب باين من عنوانه. لم تكن ليالي وحدها من تمنت حضور تباهي، وهبة، بل كانت نعمة أيضًا تشعر بنفس الأمل. لذا، عبرت بعبارات ملؤها الرجاء، معبرة عن أمنيتها في رؤية هؤلاء الأحباء، قائلةً: _طب والله الفرحة كانت هتبقى اتنين لو الحاجة، وهبة جم. قال عم سلامة بهدوء تام، وكأن كلماته كانت تعبيرًا عن تفهمه العميق للموقف: =تتعوض في الفرح. ردت نعمة بفرحة: _ان شاء الله يا عم سلامة. رغبت تقى في الاستمتاع، واللعب مع ابنة عمها، تمامًا كما يفعل بقية الأطفال الذين يتنقلون بحيوية في الخارج. فتوجهت إلى والدتها، وقد علت وجهها علامات الحماس، وقالت ببراءة: =ماما أنا هروح ألعب مع سيليا! لكن مشاعر الكراهية التي تكنها ليالي تجاه جميلة حالت دون انخراط ابنتها في اللعب مع سيليا. فقد نشبت في فستانها بعنف، وسحبته نحو الكرسي بقوة، ثم نظرت إليها نظرة مفعمة بالقسوة، وقالت بلهجة حازمة: _لا أقعدي هنا متتحركيش! ألحت تقى على والدتها، وعبرت عن إصرارها برغبة ملحة في أن تنال فرصة اللعب، فتلفظت بعبارات مليئة بالاحتجاج، قائلةً: =علشان خاطري! لكن ليالي ظلت متمسكة بقرارها بكل عناد، ورفضت الاستجابة لرغبة تقى، فتحدثت بصوت صارم، يعبر عن عدم استعدادها للتراجع، وقالت بحزم: _مش هيحصل، هتفضلي قاعدة جنبي لآخر الفرح! ضمت تقى يديها إلى بعضهما البعض، وجلست على الكرسي بجانب والدتها بالإكراه، وكأنها تتجرع مرارة الاضطرار، ثم نطقت بعبارات مفعمة بالاستسلام، قائلةً: =يوه بقى. لكن بعد مرور نصف ساعة، وعقب انتهاء هايدي، وزياد من تناول وجبتهما الشهية على طاولتهما الفريدة التي تزينت بالسندويتشات المتنوعة، والكعك بالكريمة، والبف باستري، والمعجنات الشهية، والمشروبات المثلجة، عادوا إلى مقعد العروسين ليواصلوا الاحتفال بأجواء مفعمة بالفرح. في الوقت ذاته، كانت أم الديب قد أنهت تناول الطعام بكل شغف، حتى أنها لم تترك طبقًا واحدًا إلا وأفرغته، كأنها تناولت كل شيء بما في ذلك العظام، ومع اقتراب لحظة ارتداء الشبكة، ظهرت نعمة من بعيد، محملة بصينية مزخرفة بالورود، والزينة، بالإضافة إلى علبة الشبكة. تحركت بنعومة بينما كانت الكاميرا تسجل جمال اللحظات، وبرزت ليالي بجانب هايدي وهي تزغرد فرحًا، حتى وصلت أخت العروس، وقدمت الشبكة للعروسين. بدأ زياد بتجربة خاتم الخطبة، ووضعه بلطف في إصبع هايدي، ولكن في وقت غير متوقع، ظهرت أم الديب فجأة، وهي تصيح بقوة تعبيرًا عن مشاعرها، مما أضاف عنصرًا مفاجئًا إلى المشهد الاحتفالي، قائلة: _متلمسش ايديها يا ولا! قالت نعمة بانزعاج: =والنبي ياما تقعدي وتريحينا بقى، هي هتتخطب كل يوم يعني؟ تفوهت أم الديب بصخب، وبصوت عالٍ يعبر عن مشاعرها المشتعلة: _هي كلمة وآني قولتها، مش هعيدها يا بت! ردت نعمة بدهشة ملحوظة، وقد انعكست على وجهها ملامح الاستغراب، وهي تتساءل عن كيفية ارتداء الخاتم دون أن يلامس أصابعها: =هو ايه اللي ميلمسش ايدها؟ أمال هيلبسها الشبكة ازاي؟ قالت أم الديب بحنكة، وكأن كلماتها تحمل بين طياتها دروسًا: _آني ألبسهالها يا بت. وضعت ليالي يدها على خصرها، وعبرت عن استهزائها بطريقة واضحة، ثم قالت بسخرية: =ليه يا حماتي كنتي انتي العريس واحنا منعرفش؟ تلفظت أم الديب بعصبية، وكأنها لا تطيق سماع صوت ليالي الذي كان يثير أعصابها: _طلعي نفسك منها انتي ياختي! بعدما بادلته هايدي تلبيس الخاتم، وأخيرًا ارتدوا الشبكة بنجاح، ارتفعت الزغاريد في القاعة لتضاعف من حجم الاحتفالية، حيث ظل الجميع يصفقون بحرارة، وتزايدت أجواء الفرح، وفي لحظة أخرى، نهض الحضور ليرقصوا مرة أخرى، بينما جلست أم الديب على الطاولة برفقة أختها. في هذه الأثناء، استخرجت سعاد ورقة نقدية من فئة خمسين جنيهًا، وقدمتها لأم الديب كهدية مادية تتماشى مع أجواء الاحتفال، وقالت لها بكل بهجة: =مبروك يا أم الديب عقبال ما تشيلي عيالها. أخفت أم الديب المال بحذر في خزانة قماشية معلقة على عنقها، ثم تحدثت بصوت منخفض ولكنه مفعم بالتأكيد: _عقبال عيالك ياختي، أما مشوفناش حد من عيالك اتشبك يعني؟ أجابت سعاد بحسرة: =مانتي عارفة إن مي بتي لسه في الثانوية. أم الديب لم تكن من أنصار التعليم الذي يمكن أن يتسبب في زعزعة أحلام العذارى وأمانيهن، إذ كانت ترى أن المرأة ليس لها من ملاذ وستر سوى ظل زوجها، الذي يحيط بها ويحميها. من وجهة نظرها، كان التعليم الذي يروج لمفاهيم مغايرة بمثابة تهديد للأدوار التقليدية التي تفضلها وتؤمن بها، وكأنها تسعى لتطبيق هذا المعتقدات بصرامة على الآخرين. ففي هذا السياق، نطقت بكلمات مليئة باليقين، معبرة عن قناعتها الراسخة بأن مكان المرأة هو دار زوجها: _يا شيخة بلا تعليم بلا كلام فاضي، هما اللي اتعلموا خدوا ايه؟ دول مترصصين على القهاوي. على الرغم من أن أبناء أم الديب الأربعة قد حصلوا على مستويات تعليمية متفاوتة، حيث أتم جلال دراسته الثانوية وحصل على الدبلوم الصناعي، ونعمة نالت الدبلوم الفني، وأحمد حصل على بكالوريوس التجارة، وهايدي نالت بكالوريوس التربية، إلا أن سعاد كانت تتطلع إلى أن يحقق أبناؤها نفس المستوى من التعليم، على غرار ما أنجزه أبناء أختها. فقد كانت سعاد تأمل بشغف في أن يتلقى أبناؤها التعليم الذي يمكنهم من تحقيق النجاح، مثلما فعل أبناء أختها الذين كانوا مصدر إلهام لها. في خضم هذه الأفكار، تلفظت سعاد بتمني: =مانتي عيالك متعلمين يا بسمة، اسم الله عليهم اللي معاه الدابلوم، واللي معاه الكلية. لكن جاءها الرد صريحًا، حيث أحبطتها أم الديب بكلمات قاطعة تعكس اعتقادها الراسخ. قالت أم الديب بلهجة حاسمة: _ولا خدوا منها حاجة، قعدي البت وجوزيها، قبل ما الناس تتكلم وياكلوا وشنا. تفوهت سعاد بتفكير: =سنة كده ونجوزها تكون كبرت شوية. بعد ساعتين من الرقص الحماسي الذي جمع النساء في مجموعة والرجال في مجموعة أخرى، حيث تخلل ذلك التقاط العديد من الصور التذكارية التي توثق لحظات البهجة، انتهى اليوم بشكل رائع على عكس المتوقع. فقد كانت أجواء الخطبة قد أكتملت بنجاح، وبدأ الحاضرون، الذين توافدوا من مختلف الأماكن لتهنئة العروسين، يغادرون واحدًا تلو الآخر بعد أن صافحوا العروسين وتبادلوا معهم كلمات التهنئة، والوداع. بمجرد أن خرج الجميع من عتبة الفندق إلى الهواء الطلق، حيث بدأ الليل ينسج ستائره، اقتربت نعمة من أختها، واحتضنتها بحرارة، وقد علت وجهها علامات الفرح. كانت عيونها تلمع، ثم نطقت بعبارات مليئة بالسعادة، قائلةً: _ألف مبروك. ردت هايدي بسرور: =الله يبارك فيكي. بعد أن صافح الجميع العريس والعروس، وودعوا بعضهم البعض، بدأ كل واحد منهم يتوجه إلى سيارته عائدًا إلى منزله، بعد يوم طويل وشاق ملئ بالاحتفالات، وعندما وصلوا إلى منزل أم الديب، حيث كانت اللحظات الأخيرة من هذا اليوم المميز تتوالى، توقف زياد لحظةً عند عتبة المنزل. قبيل أن تخرج هايدي بفستانها اللامع الذي يبرز جمالها ويشع بريقًا تحت أضواء المساء، نظر زياد إليها بتعبير مليء بالحنان، وكأن لحظة الحقيقة قد أطلّت عليه فجأة. لم يستطع أن يصدق أن هذه المرأة الرائعة أصبحت خطيبته، وأنه سيشاركها حياتها. فبمشاعر ملؤها الفرح العارم، عبّر زياد عن سعادته بشكل صادق، قائلًا: _أخيرًا اتخطبنا يا هايدي؟ أنا مش مصدق، يعني خلاص بعد كده هقول أنك خطيبتي مش بنت عمي؟ أجابت هايدي بابتسامة: =أيوه طبعًا، الحمدلله أنها عدت على خير، أنا كنت خايفة أوي إن يحصل حاجة خصوصًا بعد ما خالي ضايع جه! رد زياد بنبرة حنونة، تحمل في طياتها عمق مشاعره: _مش قولتلك أنها هتعدي على خير؟ ثقي في ربنا بس! قالت هايدي بسكينة: =الحمدلله. فتحت نعمة الباب لهايدي برفق، وسحبتها برقة نحو الداخل، حيث صعد الجميع إلى الطابق العلوي. كانت هايدي في حالة من الذهول، غير قادرة على تصديق نفسها حتى دخل كل واحد إلى شقته الخاصة. بينما هايدي دخلت غرفتها لتغيير ثيابها بعد يوم طويل، قررت أن تستحم وتزيل مكياجها بعد أن شعرت بالتعب الشديد. في تلك الأثناء، غادر زياد إلى منزله مع والده، وكأن المهمة التي أنجزها اليوم كانت مرهقة بالنسبة له. هايدي بدأت بخلع فستانها المذهل، وتفكيك الدبابيس التي كانت تثبت حجابها، ثم توجهت إلى المرحاض لتستحم، وتزيل كل آثار المكياج التي تغطي وجهها. بعد عشرين دقيقة من الراحة، خرجت من المرحاض، وارتدت بيجامتها المريحة، وبللت شعرها باستخدام الزيت، وقامت بربطه بشكل أنيق. جلست على السرير، وهي تتنفس بعد يوم مليء بالأحداث، وأمسكت هاتفها لتتفقد الأخبار. تصفحت المنشورات لتجد زياد قد كتب منشورًا يعلن فيه عن خطبتهما، مرفقًا بصورة بسيطة لهما معًا. بدأت التهاني تتوالى في التعليقات، وعبّرت الناس عن تهانيهم. وبينما كانت تقرأ التعليقات المليئة بالتمنيات الطيبة، حدثت هايدي نفسها بسرور عارم، متخيلة كيف أن هذا اليوم سيظل ذكرى جميلة في حياتها، قائلة: _الحمدلله يارب، أنا مش مصدقة، أنا كنت دايمًا خايفة من فكرة إني أتجوز... خوفت من ماما ألا تبوظ الجوازة زي ما عملت في بقية أخواتي، بس الحمدلله أنها عدت على خير، شكرًا يارب. فجأة، دخلت أم الديب إلى غرفة هايدي دون أي سابق إنذار، وهي تحمل بين يديها صندوقًا كبيرًا محشوًا بالعديد من المفاجآت. تحركت بخطوات حازمة، وكأنها قد جاءتها مهمة واضحة. عندما اقتربت من هايدي، نطقت بفظاظة: =بصي يا بت، شوفي ست بسملة جايبة ايه؟ وقفت هايدي باندهاش، ونظرت إلى داخل الصندوق الذي كان مملوءًا بالعديد من المفاجآت، وعبرت عن دهشتها، قائلةً: _الله تحفة أوي! وقبل أن تمتد يد هايدي داخل الصندوق لتلتقط شيئًا ما، صرخت أم الديب فيها بقوة، ووجهت إليها رفضًا حادًا، قائلةً: =اصبري يا بت، ايدك متتمدش على الحاجات دهي! ردت هايدي باستغراب، وقد ارتسمت علامات الدهشة على وجهها: _ليه بقى ان شاء الله؟ قالت أم الديب بأنانية، وكأنها تعبر عن مصلحة شخصية محضة دون الاكتراث بمشاعر الآخرين: =هو كدهو، هبقى أديكي أي حاجة والباقي ليا. تفوهت هايدي بعصبية: _يعني ايه؟ أنا وزياد لينا حاجات كتير، وكل واحد عارف حاجته كويس، يبقى ليه تاخدي الهدايا بتاعتنا؟ كانت أم الديب تستخسر منح العروسين حقوقهم، كما أكدت عليها أم قمر الدين، وكأنها تسعى لنهب كل حقوقهم وتقييدها لمصلحتها الشخصية. بدت وكأنها تركز على تحقيق أقصى درجات السعادة لنفسها، حتى وإن كان ذلك على حساب الآخرين. في هذا السياق، تحدثت أم الديب بنبرة تحمل في طياتها تلميحات من الأنانية: =ملكوش حاجة عندي ومش هعيد كلامي، يلا يا بت سيبي التلافون دهو، واطفي النور، واتخمدي! تركت أم الديب الغرفة في تلك اللحظة، وخرجت دون أن تلتفت خلفها، مما زاد من حدة الاستغراب الذي شعرت به هايدي. وقفت هايدي، وقد ظهر على وجهها عدم التصديق، ثم نطقت بعبارات تعكس مدى ذهولها مما قالته: _أتخمد؟ بما أن هايدي كانت مستاءة، زفرت بفمها من شدة الإحباط، وبدت وكأنها قد استنفدت كل طاقتها. تركت هاتفها على السرير، وأطفأت النور بهدوء، ثم عادت إلى سريرها محاولةً الاستسلام لنوم متأخر. بدأت رحلتها نحو النوم بصعوبة، في محاولة منها لتجاوز أحداث اليوم المتعب. في اليوم التالي، استيقظت ليالي مبكرًا، وقررت أن تبدأ يومها بعناية خاصة. أخذت ابنتها إلى المرحاض لتقوم بتحميمها، وأخذت تدلك رأسها بلُطف بالشامبو. في تلك الأثناء، استيقظ جلال من نومه العميق، وشعر بتثاؤب يمتزج بالحكة في عينيه. خرج من غرفة النوم، وهو يهرش عينيه، متثاقلًا قليلًا. عندما وجد جلال زوجته في المرحاض وهي تقوم بتحميم تقى، توقفت لحظة مدهوشًا من مشهدها. نظرت إليه ليالي بابتسامة خفيفة، بينما استمر جلال في فرك عينيه، متسائلًا عن السبب الذي يجعلها تستيقظ في هذا الوقت. فقال بفضول: =صباحو. ردت ليالي بابتسامة مشرقة: _صباح الفل عليك يا جلال. سأل جلال بتعجب، وهو ما زال يهرش عينيه محاولًا استيعاب الموقف: =على الصبح كده؟ أجابت ليالي، وهي تواصل فرك شعر ابنتها برفق تحت المياه الجارية: _ماهو أنا رايحة لأبويا وأمي هقضي معاهم اليوم كله. قال جلال بنبرة جلفة، تصف تعجبه من تصرفات ليالي: =مابقولك ايه يا ليالي، جو أنك تخططي وتنفذي من ورايا بلاش منه، هو أنا آخر من يعلم؟ تفوهت ليالي بدهشة: _أخطط وأنفذ ايه؟ أمي وحشاني هروح أشوفها، ايه المشكلة يا جلال؟ رد جلال بعناد، وقد برز على وجهه الحزم: =مفيش مرواح، متجيش تخططي وفي الآخر تعرفيني، ده انتي حتى مخدتيش رأيي يا بت، ايه قرطاس لب قدامك؟ تفوهت ليالي بإحباط، وقد بدت مشاعر الاستياء واضحة على وجهها: _الله، مانت عارف إن أنا كل أسبوع لازم أزور أمي، متفاجئ ليه المرة دي يا جلال؟ قال جلال بإصرار، معبرًا عن موقفه بوضوح: =أنا هنا راجل البيت، وبقولك مفيش مرواح في حتة، أقعدي في بيتك مع عيالك، بلاش شحططه على السكك كل شوية! تلفظت ليالي بتعجب من إصرار زوجها: _وأنا هتشحطط ليه؟ دول في البلد اللي جنبنا، يعني ربع ساعة بالكتير وأكون عندهم، مالك يا جلال في ايه؟ رد جلال بغلاظة: =أنا كيفي كده، ويلا حضري الفطار! قالت ليالي بضيق: _طيب. جلس جلال على الأريكة، وضغط على زر التحكم بالتلفاز محاولًا إيقاظ نفسه من دوامات النوم التي كان قد غرق فيها. شعر بالتحسن تدريجيًا، وساعده ذلك في استعادة تركيزه، وإدراك ما يدور من حوله. في تلك الأثناء، كانت هايدي تتسلل بهدوء إلى الغرفة دون أن تسمعها أم الديب، التي كانت مشغولة في الحظيرة بحلب الأبقار. عندما دخلت هايدي الغرفة، حملت معها الهدايا التي كانت في الصندوق، وأخذت خطواتها بحذر نحو المطبخ، وحرصت على أن تكون صامتة قدر الإمكان. نظرت حولها بعينين حذرتين، لتتأكد من أن أم الديب لم تسمعها أو تلاحظ دخولها. بمجرد أن تأكدت من سلامة عودتها إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها برفق. ثم وضعت الصندوق فوق السرير، وجلست أمامه على حافة السرير، وقد تملكتها مشاعر الفضول. فتحت الصندوق ببطء، وبدأت تتفحص ما بداخله بعينين تتطلعان بشغف إلى محتوياته. بينما كانت تتأمل المحتويات، همست لنفسها بفضول: =يا ترى ايه اللي جوا؟ بدأت هايدي بفتح الهدايا، وأصابها شعور من الفرح مع كل شيء تكشفه. داخل الصندوق، عثرت على مجموعة من الفساتين الفاخرة التي تخص جهازها، وأدوات مكياج متكاملة تضيف لمسة من التألق لجمالها في يوم زفافها. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك أكسسوارات متنوعة تناسب كل فستان، تزيد من رونقها. بينما كانت تنبهر بكل قطعة تخرج من الصندوق، اكتشفت أيضًا هدايا لخطيبها، والتي شملت ثلاث بدل أنيقة تتألق بالألوان، والتفاصيل، بالإضافة إلى ساعات فاخرة تعكس ذوق أم قمر الدين الرفيع. لم تكتمل مفاجآت الصندوق بدون عطر من أغلى الأنواع، وبينما كانت تتفحص المحتويات، لاحظت أيضًا كعكة الخطبة التي كانت قد استخرجتها من الثلاجة، مصفوفةً بعناية كما لو كانت جزءًا من حفل إضافي. استشعرت عبير الكيك المحبب، فأثارت شهية هايدي بشكل كبير. بابتسامة عريضة على وجهها، حيث قالت هايدي بشهية مفتوحة: _الله تحفة...أما ألحق آكل قبل ما تيجي. خرجت هايدي من الغرفة مرة أخرى، وهي تحمل معها مشاعر الحماس بعد اكتشافها للهدايا المذهلة التي وجدتها في الصندوق. لكنها قبل أن تتمكن من الدخول إلى المطبخ، فوجئت بأم الديب تظهر فجأة أمامها، وهي تحمل قارور الحليب الطازج، الذي بدا وكأنه ثقيل على يديها. كانت ملامح أم الديب حادة، وعبرت عن استياء كبير، مما أعطى انطباعًا بأنها لم تكن في مزاج جيد. نظرت إلى هايدي بحدة، ثم سألتها بفظاظة: =وخداها ورايحة فين يا بت؟ أجابت هايدي بخوف: _هاخد حتة صغيرة. تلفظت أم الديب بكلماتٍ مشوبةٍ بشحٍ رهيب، كأنما كانت تنفث من أعماقها حروفًا متجمدة، تعكس ما يعتمل في قلبها من قسوةٍ: =متكتريش، يا دوبك هي حتة صغيرة! سألت هايدي بتلعثمٍ، وكأن الكلمات تتعثر على لسانها، وتتخبط في طريقها إلى الخارج: _حاضر، أجيبلك معايا يا ماما؟ ردت أم الديب بطمع: =وماله هاتيلي أكبر حتة. قالت هايدي بذهولٍ غامر، وكأن صدمةً عميقةً قد اجتاحت كيانها، جعلت ملامح وجهها تتجمد في لحظة من الدهشة التي تسلب منها القدرة على التفكير: _اشمعنا انتي تاخدي حتة كبيرة، وأنا حتة صغيرة؟ أجابت أم الديب ببخلٍ لا يمكن وصفه، وكأنها قد ابتكرت قانونًا جديدًا يخصها وحدها، يستند إلى أقسى درجات الاقتصاد في كل كلمة تُنطق: =آني أكبر منك، الكبير ياخد الأكبر. ردت هايدي بتعجب: _ده في قانون مين ده؟ تفوهت أم الديب بصياحٍ متقطع، وهي تلاحق أنفاسها في محاولةٍ يائسة للتمسك برباطة جأشها، وكأن كل صرخةٍ تخرج منها كانت تفتح نافذةً إلى عمق معاناتها: =وانتي مالك يا بت؟ يلا خشي وخلصينا! نظرت هايدي إلى أم الديب بنظرةٍ مشوبةٍ بالاشمئزاز، حيث ارتسمت على وجهها ملامح التذمر التي لم تستطع إخفاءها، ثم دخلت المطبخ بخطى حازمة، وبدأت في تقطيع الكيك بمهارةٍ دؤوبة. في تلك الأثناء، دخلت أم الديب خلفها بخطواتٍ متمهلة، حاملةً قارورة الحليب، ووضعتها برفقٍ على الأرض وكأنها تتعامل مع أشياء ثمينة. ثم خرجت من المطبخ، وذهبت للجلوس على الأريكة لتستريح بعد الجهد الذي بذلته. بعد أن انتهت هايدي من تقطيع الكيك إلى قطعٍ صغيرة، وتأنقت في وضع كل قطعة على طبق باستخدام الشوكة، خرجت من المطبخ في النهاية. بيدها الأطباق، ووجهها ينذر بشيء من الهدوء، ثم وقفت أمام أم الديب، وقالت بنبرة جافة: _خدي! سألت أم الديب بفضولٍ لافت، وكأنها تستجوب أعماق سرٍ خفي: =انتي حاطة لنفسك حتة كبيرة ليه؟ أجابت هايدي بحذر: _لا دي صغيرة خالص أهو. أمسكت أم الديب بقطعة الكيك في يدها دون استخدام الشوكة، وهي رافضة كل مظاهر التمثيل الاجتماعي. مدّت يدها بحركة مفاجئة، وقطعت قطعةً كبيرة من الكيك، ثم وضعتها في فمها دفعةً واحدةً، لتبتلعها بسرعة كما لو أنها تحاول أن تستفيد من كل لقمة في أقصر وقت ممكن. بينما كانت تلتهم الكيك، ظهرت على وجهها تعبيرات متباينة من التلذذ، وكأنها تتناغم مع الطعم الذي يلامس حواسها. ثم أطلقت تنهيدةً مكتومة، وقالت بصوتٍ خافت: =يا سلام، حاجة معتبرة... البتاعة دهي حلوة أوي. جلست هايدي بجانبها على الأريكة، وأعربت عن مشاعرها بابتسامة خافتة: _بالهنا والشفا. تحدثت أم الديب بنبرة ملؤها الطمع: =بعد ما أخلصها يا بت أبقي أدخلي هاتيلي حتة كمان. قالت هايدي في أعماق وجدانها بصوت غير مسموع، كأنها تتلو تأملاتها في صمت مطبق، فتتسلل أفكارها إلى ذاتها ببطء: _ماهي بتيجي عندي أنا وتقف. سألت أم الديب، وهي تستعد لمواجهة محتدمة، بكل عزم، وكأنها تقف على عتبة نزاع حتمي: =بتقولي ايه يا بت؟ ردت هايدي بكذب متقن، بينما تناولت قطعة الكيك بتلذذ، مستمتعة بكل قضمة وكأنها تنسج خيوط المراوغة في كل حركة من حركاتها: _بقولك حاضر. رن زياد على هايدي في تلك اللحظة، فنهضت مسرعة، وكأنها تطوي المسافة بين تفاصيل لقائه المرتقب. دخلت إلى غرفتها بقلق متوقد، ثم أجابت على المكالمة بابتسامة عاشقة، وكلماتها تتدفق كعذب الندى في الصباح، قائلة: =ألو. قال زياد بحنو، وكل كلمة ينطق بها تفيض بالحب: _صباح الخير يا هايدي. ردت هايدي بغرام يتلألأ في نبرات صوتها، وكل كلمة تحمل نسمات من العشق المتأجج، مما يجعل حديثها ينبض بألوان الحب المتوهجة، ويعكس عمق المشاعر التي تفيض من قلبها: =صباح النور. سأل زياد باهتمام بالغ، وكل حرف ينطقه يحمل معه شغفًا شديدًا، مما يجعله يتوق إلى معرفة كل تفاصيل حياتها: _صاحية من امتى؟ أجابت هايدي بحبور كبير، وكأنها تضيء الأفق بابتسامة ملؤها الفرح الخالص: =مش من كتير، صحيت وفتحت الهدايا، بجد تحفة أوي! دخلت هايدي إلى البلكونة لتتحدث مع زياد، تاركة وراءها قطعة الكيك بجانب والدتها. كانت أم الديب في حالة من الطمأنينة بعد خروج هايدي، لم تتردد في التهام قطعة الكيك بلهفة، وكأنها تستعيد لذتها في كل قضمة، بينما تتلاشى بقايا الكريمة والشوكولاتة على شفتيها. بمجرد أن انتهت من تناول الكيك، استقرت في معدتها بكل يسر، ودون أدنى تأنيب ضمير، ثم قالت بإعجاب، موجهة كلماتها بنبرة من الرضا: _حلوة حلاوة مش طبيعية. في البلكونة، جلست هايدي على الكرسي البلاستيكي المُتهالك، الذي كان يظهر على مر الزمن تجاعيده العديدة كأنها تحمل قصصًا من الأيام الماضية، وبينما كانت تستقر في جلستها، تساءلت بفضول: =هتيجي امتى صحيح؟ أجاب زياد بثقة: _نص ساعة كده وجاي. نطقت هايدي بنبرة خافتة، تحسبًا من أن يسمعها أحد، إذ كان هناك خوف في صوتها، وكأنها تحاول إخفاء كلماتها عن آذان أم الديب: =أنا شايلالك الهدايا في أوضتي، ماما امبارح مكنتش راضية تديني حاجة منها، وأول ما مشيت قومت فتحاهم. سأل زياد بفضول: _ولقيتي فيهم ايه؟ أجابت هايدي بصوت خافت، يكاد يُختفي تحت وقع خطوات الأبقار التي تسير في الشارع برفقة راعيها، كأنها نغمة رقيقة وسط جوقة من الأصوات الجبلية العالية: =مش هحرقلك المفاجأة، بس بجد طنط بسملة كريمة أوي أوي، هي الوحيدة اللي دايمًا فاكرانا في أي مناسبة! سأل زياد سؤالًا يشغل حيزًا واسعًا من فكره، متطلعًا إلى إجابة تحمل في طياتها معنى اللقاء بين أم الديب، وأم قمر الدين، وكأنه يبحث عن نقطة تلاقي بين عوالم تبدو متباعدة: _أنا عندي سؤال يعني، بس متفهمنيش غلط! ردت هايدي بهدوء: =لا عادي اسأل! قال زياد باستغراب، وعقله عاجز عن استيعاب فكرة أن أحمد، ابن بسمة المعروفة بشحها، قد تزوج جميلة، ابنة الأثرياء، وكأن القدر جمع بين النقيضين في حكاية يصعب تصديقها: _هي ايه اللي لمها على مرات عمي؟ أصل أنا شايف أنها مستواها المادي، والثقافي شكله عالي أوي. أعدلت هايدي جلستها بحذر، موجهة نظرها نحو باب البلكونة، خوفًا من أن تندفع أم الديب نحوها في أي لحظة، ثم قالت بصوت يحمل احتراسًا: =ماهي دي مامت جميلة، بص أنا هحكيلك من الأول لأنك متعرفش الموضوع بدأ ازاي! اعتدل زياد في جلسته هو الآخر، وكأنه يستعد لمواجهة غير متوقعة، ثم قال باستعداد: _احكيلي ياستي أنا سامعك! في الصالة، استيقظ المعلم حنفي من نومه، ليجد أم الديب تأكل الكيك بنهم، وبقايا الكريم متلاصقة بوجهها كآثار جريمة لذيذة، فنظر إليها باشمئزاز، وقال: =جاتوه على الصبح يا ولية؟ ردت أم الديب، وهي تغرق في لذة الكيك الذي يتفوق على كل ما ذاقته في حياتها، متشبثة بكل قضمة، وكأنها تلتهم ذكريات حلوة لم تُعطَ لها من قبل: _ده حلو حلاوة بشكل، ايه الطعامة دهي؟ قال المعلم حنفي بسخرية: =خفي طفح شوية، معدتك اشتكت! ردت أم الديب بصوت عالٍ، كضجيج عاصفة لا تعرف الهدوء: _وانت مال اللي خلفوك يا راجل انت؟ هي دهي بطني ولا بطنك؟ اقترب المعلم حنفي منها بخطوات واثقة، ونظر في وجهها بثبات كالصخر، وقال بشجاعة لا تهتز: =احترمي نفسك يا ولية، آني بقولك أهو! مسحت أم الديب بقايا الكريمة عن الطبق المصنوع من الأستانلس بانشغال، وكأنها لا تعير النقاش معه أي اهتمام، ثم قالت وهي تواصل عملها: _اركن ياخويا على جنب، متفصلنيش من المزاج اللي عاملاه إلا وديني هخلي يومك هباب! قال المعلم حنفي بخور: =لا وماله يا ولية؟ آني هدخل أتشطف وأروح الدكان أهو أرحملي من القاعدة في وشك اللي تغم. ردت أم الديب بصخب: _غور جاك داهية لما تاخدك، وتريحني منك. دخل المعلم حنفي المرحاض وهو مملوء بالانزعاج، ولكن عجزه عن الرد كان واضحًا، إذ كان يدرك تمامًا ما ينتظره من تداعيات، وبعد قليل، نزلت نعمة وابنها، وقالت للوالدة بلُطف: =صباح الخير ياما. تفوهت أم الديب، وهي تنزع بقايا الكريمة عن وجهها بطريقة عشوائية، ومقززة باستخدام طرف جلبابها، كأنها تسعى للتخلص من أثر غير مرغوب فيه: _صباح الورد عليكي يا نعمة. جلست نعمة بجانب والدتها، وقالت بإرهاق يفسر ثقل الأيام: =عايزة أروح السوق اشتريلي كام حاجة، بس بيني وبينك مشوار امبارح تعبني. قالت أم الديب باستهزاء، وهي تتلاعب بالكلمات لتقلب الموقف لمصلحتها: _وهو انتي جوزك حيلته اللضا؟ تفوهت نعمة بحيرة، وكأنها تبحر في غموض لم تجد له تفسيرًا: =حمو اداني مية جنيه، وقالي هاتي اللي ناقصك متكتريش، بس قليلين ميكفوش ومش عارفة أعمل ايه! كأن أم الديب عائدة من غيبوبة طويلة امتدت منذ أيام العصر الحديدي، تتعامل بعملة الإلكتروم وكأنها لا تعرف شيئًا عن التطورات التي حدثت عبر العصور. بدت وكأنها تعتقد أن المائة جنيه تعادل مليون جنيه، قادرة على شراء العالم بأسره، محاولة إقناعها بقيمة المال الذي تملكه، وبصوت يحمل مزيجًا من الجدية، قالت: _قليلين ايه يا بت؟ دول كتير أوي، الست الشاطرة تملي بيتها بخيرات ربنا كلها بعشرين جنيه، إنما الست الخايبة اللي ترجع بكيسين خضار، متبقيش عبيطة وتخلي الناس تضحك عليكي، اتعلمي من أمك يا بت! تفوهت نعمة بدهشة: =وده في اقتصاد مين ده ياما؟ هما عاملين سوق غير اللي احنا نعرفه؟ مانتي عارفة الحاجة غالية، ولا انتي عايزاني أعمل زيك وأروح أجيب الخضار، والفاكهة البايظة بأقل سعر؟ تلفظت أم الديب بصياح: _ايهي بقى آني بجيب خضار وفاكهة بايظين؟ تراجعت نعمة في الحال عن قولها، ووجهها يكتسي بالفزع، وقالت بقلق متزايد: =لا أقصد يعني بيكونوا مستويين أوي عن العادي. قالت أم الديب بوجه عابس، رافضة أي محاولة لفهمها: _ده انتي خايبة ومايلة، ده المستوي دهو يديكي أحلى طعم مش زي الناشف اللي يقطم السنان. نهضت نعمة بسرعة، ونطقت بحذر، وكأنها تخشى أن تثير رد فعل غير متوقع: =طب خلي محمد معاكي عقبال ما أروح أتسوق، والنبي تاخدي بالك منه ياما! قالت أم الديب بمكر: _بقى دهو اسمه كلام؟ ده آني أسيب اللي ورايا كله، وأقعد أحرسه ماهو ابن بتي الغالي. وواصلت حديثها إلى حفيدها بحنو، وكأنها تروي له قصة تملؤها مشاعر العطف: _تاكل ايه يا ولا؟ أجاب محمد: =فراخ مشوية. فرت نعمة للخارج بسرعة، متوجهة إلى السوق، بينما نادت أم الديب ابنتها بقوة، ساعية لاستدعائها من عمق بعيد: _بت يا نعمة خدي ابنك معاكي آني مش فاضية، قال فراخ قال هو احنا بتوع الكلام دهو؟ مانتوا كلكوا طمعانين فيا وإن كان عليكم نفسكم أموت علشان تورثوني، كله من ليالي بت سلامة، هي اللي بتلعب في دماغهم! خرجت هايدي من غرفتها بخطوات مترددة، وكل خطوة تأخذها تتطلب شجاعة غير يسيرة، ثم قالت: =زياد جاي كمان شوية. ظهرت كراهية أم الديب لزياد بوضوح، حيث تلفظت بكلمات مملوءة بعجيج من الاستياء، كأن كل حرف يعبر عن عمق مشاعرها السلبية تجاهه: _جاي يهبب ايه؟ هو كل يوم هينطلنا؟ احنا مورناش غيره ولا ايه؟ ردت هايدي بدهشة: =هو فين اللي كل يوم ده؟ احنا لسه مخطوبين امبارح! قالت أم الديب ببغضاء: _قوليله يخليه في بيت أبوه أحسنله، احنا مش ناقصين وجع دماغ. تفوهت هايدي بنفور من والدتها المزعجة، وكأن كلماتها كانت صرخات مستغيثة من الإزعاج الذي لا يُطاق: =في ايه يا ماما؟ اهدي شوية بقى! ردت أم الديب بصياح: _حد قالك إن آني بشد في شعري؟ زفرت هايدي بفمها، واتجهت نحو المطبخ، وهي تقول: =أوف. سألت أم الديب بتعجب، وهي تواجه موقفًا غير متوقع يستعصي على الفهم: _انتي بتعملي ايه ياللي تنشكي في جنابك؟ فتحت هايدي الثلاجة تبحث عن مكونات المشروب الذي تنوي تحضيره، وأجابت دون رغبة، كأنها تتحدث من بين أنفاس مشغولة بإعداد شيء يريح أعصابها: =هعمله حاجة نقدمهاله! نهضت أم الديب واقتربت منها، وقالت بصياح يعبر عن امتعاضها المتزايد، وكأنها تسعى لإحداث ضجة تستعيد بها سيطرتها: _خُشي أوضتك، هو احنا حيلتنا حاجة نحطهاله؟ ولا هو جاي على طمع وناوي يخلص على كل اللي عندنا؟ ماهو طمعان فينا من أولها. ردت هايدي بعقلانية: =أنا أتخيل أي حاجة في الدنيا إلا إن حد يطمع فينا، لان ببساطة احنا معندناش حاجة أصلًا! صرخت أم الديب، ورفعت يديها لأعلى كأنها تستنجد بأعلى السماوات، في محاولة يائسة للاستغاثة بالجيران، وكأن حياتهم أصبحت كتابًا مفتوحًا أمام الآخرين بسبب تصرفاتها الحمقاء. لم يكن في صوتها سوى نواحٍ يعبر عن خيبة أملها، ساعية بكل جهدها لجذب انتباه كل من حولها، قائلة بنواح متقطع: _يا لهوي البت بتعاير أمها بالفقر، البت مش عاجبها عيشتنا يا ناس، يا خرابي، ياريتني دفنتك وارتاحت منك... شوفوا يا ناس بتي بتعمل ايه فيا! قالت هايدي بدهشة: =هو في ايه؟ ايه الأوفر ده؟ في الشقة العليا لجلال، كانت ليالي واقفة في المطبخ، مشغولة بإعداد الإفطار، وصوتها يتخلل أرجاء المكان عبر الهاتف، حيث كانت تتحدث مع والدتها تباهي. بينما كانت تتعامل بحذر مع البطاطا، تغمرها في الزيت المغلي، كانت كل حركة تقوم بها مدروسة بعناية لتجنب أي حوادث، فكانت تتحدث بشجن عميق، لم يكن بإمكان زوجها سماع كلماتها، لكنها كانت تعبر عن مشاعرها عبر الهاتف، فقالت بصوت مليء بالاستياء: _لا مش جاية النهارده، أهو وقفلي زي الخازوق، مانتش رايحة، ومانتش جاية، وأنا هنا الراجل و، و، و. قالت تباهي، متعجبة من حال جلال الذي تغير بشكل مفاجئ في ليلة وضحاها، وكأن التحول الذي طرأ عليه كان دراميًا ولا يُصدق: =جوزك بقى صعب أوي يا ليالي، وبقى يتحكم تحكمات تخنق. ردت ليالي بجوى: _أه وحياتك عندي، تحسي إن أمه بتلعب في دماغه، وبتقويه عليا... بس ده طول عمره مبيسمعلهاش، اشمعنا المرة دي؟ يعني خلاص دلوقتي بقوا حبايب؟ كان لتباهي طريقة دبلوماسية متقنة في حل المشكلات، مستندة إلى خبرتها الطويلة في الحياة، وكان لديها رغبة داخلية قوية في التحدث مع جلال، ومحاولة إقناعه. في لحظة من التأمل، قالت بنبرة مهدئة، تتسم بالعقلانية: =ادهوني يا ليالي عاوزة أكلمه كلمتين. وضعت ليالي المصفاة فوق طبق على الرخامة، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول، بصوت هادئ يحمل نبرة من الأمل: _طيب استني. ثم خرجت إلى حيث كان جلال يجلس أمام التلفاز، وسلمته الهاتف بين يديه، وقالت بابتسامة محبة، تجسد كل مشاعرها الدافئة تجاهه: _أمي عايزة تسلم عليك. رفع جلال الهاتف إلى أذنه، وعادت ليالي لمتابعة أعمالها في المطبخ، بينما قال هو لحماته بتبجيل: =ازيك يا حماتي، ايه الأخبار؟ ردت تباهي، وهي تسير في ممر منزلها باتجاه غرفة النوم: _الحمدلله، انت عامل ايه يا جلال؟ تفوه جلال بتقدير: =كله تمام، حمايا عامل ايه؟ تحدثت تباهي بتردد، وهي تخشى أن يلقى طلبها بالرفض، وعيونها تعكس قلقها المتفاقم: _كويس الحمدلله، أما بقولك ما تيجي نسهر مع بعض النهارده، ده احنا مشوفناكش من زمان. رد جلال برفض: =عندي أشغال، ومش فاضي. حاولت تباهي إقناعه بطريقة غير مباشرة، وهي تقول، وكأنها تلمح إلى رغبتها بذكاء: _لا ربنا يعينك ويرزقك، طب ابعتلي ليالي والعيال ده أنا قاعدة زهقانة والبيت فاضي عليا. لكن جلال ما زال متشبثًا برأيه، وقال بصوت حازم، كأنه يثبت موقفه برغم كل المحاولات: =يوم تاني يا حماتي، نبقى نجيلك كلنا نسهر معاكي. تلفظت تباهي بإلحاح، حاملة في كلماتها كل مشاعر الشوق، وهي تتمنى قدوم ابنتها، وأحفادها: _ما تيجوا النهارده، يا عالم مين هيعيش لبكرا؟ قال جلال بعناد غير ملموس، وهو يتذرع بأعذار أخرى ليبرر موقفه، وكأن كل حجة يتلوها تحاول إخفاء تردد داخلي: =ماهو أنا مش فاضي يا حماتي، ده أنا بعد ما أفطر هنزل على التوكتوك... بفضل طول اليوم برا وبرجع آخر اليوم. أعادت تباهي حديثها من جديد، طالبة منه السماح بقدوم زوجته وأطفاله، وتحدثت بنبرة مسالمة: _طب اسمع ابعت ليالي، والعيال، وآخر اليوم أبقى عدي علينا وروحوا مع بعض. لأن قلب جلال، الذي يشبه الصخرة في قسوته، قد بدأ يلين نوعًا ما مع حديثها، لم يرغب في رفض مطلبها احتراما لها ولمقامها. فقال بابتسامة، تعكس مدى تغيّر مشاعره: =مع إني رافض ولسه قايل لليالي مفيش مرواح في حتة، بس تمام علشانك انتي بس يا حماتي! استقرت تباهي فوق سريرها، وضحكت برقة، وقالت: _جوز بتي طول عمري أقول عليه جدع، شكرًا يا جلال يابني ربنا يسترك. رد جلال بابتسامة، تعكس اعترافه بالطلب، وتقبله برضا: =الله يخليكي يا حماتي، عاوزة حاجة؟ قالت تباهي برضا: _لا سلامتك. نطق جلال، وهو يلتقط أنفاسه بعمق: =سلام. ثم نادى جلال زوجته بعد أن أنهى المكالمة، وقال بصوت مفعم بالقرار: =يا ليالي تعالي خدي تلافونك! وضعت ليالي الطماطم جانبًا وخرجت وهي تحمل الملعقة بيدها، حيث قال جلال بابتسامة، وهو يغمز بعينيه: =روحي لأمك، أنا عملت كده علشانها ومرضتش أزعلها. ظهرت بشاشة على معالم وجه ليالي، وتأكدت من احترام جلال لوالدتها، مما زاد من مكانته في قلبها، وسعدت بتصرفه النبيل، وقالت بلهفة، معبرة عن امتنانها: _طب وعلشان الخبر الحلو ده أنا هعملك الأكلة اللي بتحبها. دخلت ليالي المطبخ وهي ممسكة بهاتفها، تتابع خطوات صنع الفطور بدقة. في الأسفل، عند هايدي، أنهت تحضير مشروب الجوافة بالحليب، ثم اختارت فستان خروج بسيط يناسب المقابلة، وأكملت إطلالتها بمكياج خفيف جدًا ورشة عطر خفيفة. جلست على الأريكة في انتظار خطيبها زياد، ولكن كل هذه التحضيرات لم تنل إعجاب أم الديب. عندما دق الباب، أسرعت هايدي نحو البلكونة، متمكنة من تنفيذ حركتها بسلاسة، ورمت المفتاح لزياد ليصعد إلى الشقة. ثم عادت بسرعة إلى الداخل، حيث كانت أم الديب تراقب الموقف بتجاعيد وجه مشدودة. نظرت إليها بقسوة، ثم قالت بلهجة مشبعة بالانتقام: =كنتي احدفيه بقالب الطوب وخلصينا منه! ردت هايدي بصدمة، وكأنها لم تتوقع رد فعل أم الديب: _حرام عليكي يا ماما، امسكي لسانك شوية، وبلاش تتكلمي كلام مالوش لازمة! قالت أم الديب بهدوء: =ده آني ست غلبانة، وعمري ما أزعل حد مني. ردت هايدي بسخرية: _أوي ماشاء الله عليكي. أخيرًا صعد زياد، ومعه هدية صغيرة، وقال بوجه مبتسم، فكان تعبيره يفسر سعادته، وفرحته بلقاء هايدي: =ازيك يا مرات عمي؟ ردت أم الديب باشمئزاز، كأنه كلب نجس قادم من حاوية القاذورات بالشارع، وكل نظرة تعبر عن احتقارها العميق لمجيئه: _أهلًا ياخويا. نظر زياد إلى محبوبته بغرام، وقال باشتياق: =وحشتيني أوي يا هايدي! خجلت هايدي، وردت برقة، وكأنها تذوب في حرارة مشاعره: _وانت كمان! تحدثت أم الديب بصخب: =ايهي أنتوا فاكرين نفسكم متجوزين ولا ايه؟ ده أنتوا حيالله مشبوكين! سلم زياد الهدية لأم الديب، وقال باحترام، معبر عن تقديره: _دي حاجة بسيطة ليكي يا مرات عمي. أصابت أم الديب غبطة لا مثيل لها، وهي تستلم هديتها منه، فنهضت في الحال، ووجهها يتلألأ بالسعادة، وقالت بحماسة: =الواد زياد دهو محترم، ويستاهل كل خير. ثم دخلت الغرفة مُسرعة، وأوصدت الباب خلفها لتفحص ما أهداه زياد لها. بينما جلس العروسان على الأريكة، قالت هايدي بمزاح، وهي تراقب الموقف بعيون مليئة بالمرح: _احنا كده خلاص عرفنا نقطة ضعفها ايه! رد زياد بضحك: =لا إذا كان كده أنا مستعد أدخل كل مرة بهدية المهم تسيبنا في حالنا! ضحكت هايدي، وتنهدت بعمق، وقالت: _دي جننتني النهارده، ربنا يكون في عوني. خرج ابن نعمة من الغرفة، فقال زياد بابتسامة، تعكس سروره: =ازيك عامل ايه؟ أجاب محمد بغبطة: _الحمدلله. سأل زياد هايدي باهتمام، كأنما يبحث في أعماق روحه عن جواب يروي عطش فضوله: =ده ابن جلال صح؟ ردت هايدي بوضوح، وهي تضع النقاط على الحروف، لتكشف عن الحقائق بكل صراحة: _لا ابن نعمة. جلس محمد بجانب العروسين بعد أن أوصته أم الديب ليكون عزولًا، وذلك خشية من أن يجد زياد وهايدي نفسيهما بمفردهما دون رقابة. بينما في السوق، كان الفلاحون يتجولون لشراء الخضروات، والفواكه، والطيور، والأسماك، وسط أصداء نداء البائعين التي تعج بها الأجواء. من بين هؤلاء البائعين كانت نعمة، التي تقدمت بخطوات واثقة نحو البائع، وسألته بلُطف عن سعر الطماطم، في محاولة لمعرفة تكلفة ما ستشتريه: =بكام الطماطم يا حاج؟ أجاب البائع، وهو يتنقل بين الزبائن، ويسلمهم أكياس الخضروات، بصوت هادئ يختلط بدفء الشمس الصباحية: _الكيلو ستة ونص. أشارت نعمة إلى طلباتها، وقالت بثقة تامة: =هاتلي نص طماطم، ونص بطاطس، وربع فلفل. وأثناء انتظار نعمة، اقترب شاب يبدو أنه جاء بنية غير نية الشراء، بل ربما كان يتجول في السوق ليتسلى بإزعاج النساء المتجولات. كان الشاب يرتدي بنطالًا أسودًا ضيقًا، وفانلة بيضاء قديمة غير مناسبة تمامًا لمكان مثل السوق، بينما يلتف حول عنقه سلسلة فضية لامعة تتدلى بشكل مبالغ فيه. كانت هيئته غير منظمة، وعكست تفضيله الواضح للإثارة. نظرت نعمة إليه بنظرة غير مبالية، وعادت بنظرها إلى البائع، وهي مشغولة بانتظار إتمام طلباتها. في تلك الأثناء، تقدم الشاب نحو البائع بوقاحة، وأطلق بنبرة هزلية: _هاتلي كيلو خيار. ثم نظر الشاب إلى نعمة، وسأل بفضول مصطنع، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة: _الحلو واقف سرحان ليه؟ لم تتأخر نعمة في إصدار رد فعلها الصاخب دون أن تنطق بكلمة، فقد أصدرت ضجيجًا عاليًا يهز الآذان، ويثير انتباه الجميع من حولها. ثم قالت بنبرة حادة: =انت بتكلمني أنا؟ رد الفاسق بدهشة على وجهه، وكأنه فوجئ برد فعلها القوي: _أمال بكلم أمي؟ أه بكلمك انتي! رفعت نعمة صوتها بصياح مدوٍ، فتجمهر الناس من حولهم، تتأجج نفوسهم بشغف الفضول، متلهفين لاكتشاف الأسباب الكامنة وراء هذا الشجار المفاجئ الذي اجتاح الأجواء بحدة غير متوقعة، قائلة: =احترم نفسك بدل ما أقلع اللي في رجلي، وعلى دماغك! رد الشاب بصياح: _مش عيب اللي بتقوليه ده؟ قالت نعمة بصخب يعبر عن السخط المتصاعد: =انت خليت فيها عيب يا روح أمك؟ انتزعت نعمة رداءها بعنف من قدميها، ثم عمدت إلى دسه فوق رأسه، فتجمع بقية الناس بسرعة، في حين لم تكتفِ بذلك، بل بادرت بالاتصال بجلال، أخيها، ونطقت بصوت متألم ملؤه الانتحاب، يعبر عن معاناتها: _ألو يا جلال الحقني، وأنا بشتري من السوق جه واحد وعاكسني، الحقني بسرعة! نهض جلال بسرعة من على الأريكة، وقد امتلأ صوته بصياح حاد يعبر عن الاستعجال، والقلق، وسأل باستفهام: =انتي فين يا بت؟ أجابت نعمة بنواح: _السوق اللي جنب البيت، الحقني! أنهى جلال المكالمة معها بسرعة، ثم انقض كطائر جريح نحو السوق، يتحرك باندفاع يجسد مشاعر القلق التي تعتريه، وعندما وصل إلى مكان الحادث، لم يتردد في اقتلاع الفانلة من على جسده، وأخرج المطوى من جيبه في لحظة تأهب قصوى، وسط صرخات النساء المتعالية التي ملأت الأجواء. كان المنظر مروعًا، حيث اندفع كل واحد من الحضور محاولًا الهروب بعيدًا، يبتعدون عن مصدر الخطر، محاولين حماية أنفسهم من الأذية التي قد تصيبهم، وبينما كان الفزع يسيطر على الحشود، رفع جلال صوته بنبرة صارمة، تعكس عزيمته القوية واستعداده لتجاوز أي عقبة في سبيل الدفاع عن شرف عائلته: =هو فين؟ انت ياض اللي عاكست أختي؟ رد الشاب بخوف: _مش أنا. أشارت نعمة نحوه، وهي تعول بقوة، متكئة على مشاعر الاحتجاج التي تتعاظم في قلبها: =وربنا هو! تشبث جلال به بجبروت، وهو يتعامل مع الموقف بكل قسوة، حيث اتكأ بقوة على رأسه وجميع أجزاء بدنه، مما أسفر عن مشهد مؤلم. تجمهر الناس حولهم، وقد ضج المكان بصوت ارتفعت حدته بشكل كارثي، مما أضاف إلى الأجواء رهبة. في خضم هذا النزاع العنيف، وبحضور الفوضى، والصراخ الذي يملأ الأفق، صرخت نعمة. بينما كان جلال يوطأه بطغيان عارم، كان يسعى إلى تأكيد حقيقة مؤلمة: أن كل من ينتمي إلى دائرة عائلته هو بمثابة أسلاك كهرباء عالية التوتر، لا يمكن الاقتراب منها دون أن يتعرض المرء لخطورة الموت المحتم، فقال: =أختي خط أحمر يا روح أمك! رغم كل المحاولات اليائسة من قبل الناس لفصلهم، لم يكن هناك قائد يستطيع السيطرة على الوضع، فاستمر جلال في ما تبقى له من طاقة، حتى انتهى منه، مما أدى إلى تكسير عظام جسده وانفصاله إلى أجزاء متناثرة، وبعدما قضى جلال عليه تمامًا، وقف أمامه، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يصرخ بصوت مدوي، يعبر عن انتصاره، ثم قال: _علشان تبقى تعاكس أختي يابن الـ***. نطق الشاب بألم شديد، وهو ينازع في اللحظات الأخيرة من حياته، صوته كان متقطعًا، يعبر عن مرارة الهزيمة: _آه، آه. نظر جلال خلفه، ففاجأته رؤية ثلاثة آخرين، كل منهم يحمل سكينًا أو مطواة حادة، مما أضاف إلى الوضع تعقيدًا وخطورة بالغة. بدا أن النزاع قد تفاقم بشكل يتجاوز الوصف، كأنما تحول إلى مشهد يشبه العاصفة التي لا تعرف الرحمة. في خضم هذه الفوضى، نطقت نعمة بصوت مليء بالعويل، وهي تصفع وجهها بيديها: =يا لهوي يا لهوي! اقترب جلال منهم بثقة، كأنما هو أسد لا يهاب أي تحدٍ، يتحرك بخطى ثابتة تعكس شجاعته الفائقة، وعندما اقترب بما يكفي، نطق بكلمات مليئة بالشجاعة، معلن بوضوح استعداده لمواجهة أي تهديد: _أنتوا اللي جيبتوه لنفسكم! ثم بدأ جلال معركته العصيبة ضدهم، معركة كانت تكتظ بالشراسة، حيث تمازجت الأصوات المدوية للمطواة، والسكاكين مع صرخات الألم. وسط تبادل الضربات الشرسة، تلقى جلال ضربة قاتلة بسكين في جانبه، كانت من شدة قوتها تجعله ينحني من الألم، ويقع على الأرض، عاجزًا عن الحفاظ على صلب طوله، في مشهد يبعث على الرهبة. بينما كان صوت النساء يعلو بالعويل، تجمعت حولهم سحابة من الصرخات التي تعبّر عن الذعر. تقدم زعيم العصابة نحو جلال وهو يتسم بشراسة مطلقة، وقد ملأت عينيه نيران التحدي، وأخذ يصرخ بكلمات حادة، قائلًا: =اللي يجي علينا ميسلمش من شرنا، وانت جيت علينا فاستحمل! ثم تركوه وغادروا، وهو غارق في دمائه ويعاني من ألم عارم، كأنما هو غارق في بحر من المعاناة. اجتمعت الناس حول جلال، يهرعون لمحاولة نقله إلى المستشفى، وأولهم كانت نعمة التي اندفعت نحو جلال بكل سرعة، قلبها يملؤه الفزع. صرخت بأعلى صوتها، مشبعة كلماتها بالعويل الحار: _جلال أخويا! عندما جهزت ليالي الإفطار الشهي، وخرجت به إلى الطاولة، جلست في انتظار عودة زوجها الذي خرج فجأة، بينما كان أطفالها يلعبون حولها، يلتقطون شرائح الطماطم المتبلة بالكمون بمرح طفولي، وفجأة نطقت بدهشة، تعكس استغرابها من تقهقر جلال: =هو نزل راح فين؟ أمال قاعد يقولي جهزي الفطار أديني جهزته أهو. في تلك اللحظة، تلقت ليالي اتصالًا مفاجئًا من نعمة. رفعت سماعة الهاتف، وتعبير الدهشة لا يزال يكسو وجهها، ثم نطقت بصوت ملؤه الاستفهام: _ألو يا نعمة. نطقت نعمة بإعوال: =جوزك اتصفى في الشارع يا ليالي! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة