الفصل العاشر

الفصل العاشر

14 0

تلفظ جلال بضغينة: _بقولك ايه ياما فكك من الحوارات دي، أنا هنا الكلمة كلمتي، وأتخن تخين ميقدرش يمشي كلامه عليا! اقتربت أم الديب من جلال بخطوات سريعة، وصاحت به بصوت مرتفع مليء بالشكاسة، مستنكرة تصرفه، وملامحه الساخطة، محاولة إظهار سيطرتها المعتادة عليه، وعيناها تقدحان بالنيران، بينما تتابع كلماتها الهجومية: =جرا ايه يابن الجزمة هو انت حد داسلك على طرف؟ رد جلال بامتعاض جارف، وعيناه تشتعلان بالاحتقان، وصوته يرتفع بشدة ليقابل حدة صوت والدته، موجهًا كلامه بنبرة ثائرة: _ماهو متجيش النسوان تمشي كلامها على الرجالة... أنا كلمتي تتسمع من أول مرة معيدهاش تاني! تشبثت أم الديب في جلال بقوة، ووطأته بيدها الجلفة، قائلة بلهجة لا تخلو من الجهامة، محاولة السيطرة على زمام الأمور مجددًا: =تعالى يابن الكلب...بقى بتقول الكلام ده لأمك؟ نزعت أم الديب نعلها من قدمها بسرعة، وضربت به جلال فوق رأسه، مما أثار حنق المعلم حنفي بشدة من تصرفها الوقح، فقال بجلبة: _أنا كلب يا ولية يا بت الجزمة؟ تشبث المعلم حنفي في ثياب أم الديب بكل قسوة، فسقطا على الأرض سويًا، وهما يتقلبان تارة فوق وتارة أسفل، حيث وطأته أم الديب على وجهه بيدها وطأة صلدة، وسرعان ما أمسك شعرها فانخلع في قبضته وهي تصرخ بألم، ومن شدة انفعاله تغير لون وجهه إلى الأحمر كالدماء. وسط هذا الشجار العنيف، كان الحفدة يضحكون عليهم ويشيرون بأصابعهم نحوهم، وكأنهم يشاهدون فيلمًا كوميديًا وليس معركة حقيقية. أما جلال، فوقف ينفض ثيابه بيده بهدوء غريب، مشاهدًا ما يحدث أمامه. من شدة امتعاض المعلم حنفي، وغضبه العارم، نال لحم جسدها بأسنانه الحادة، ثم صرخ في وجهها قائلًا بحدة: _يا بت الجزمة ده انتي أمك شبه الراجل...يا ولية ده أنا فيا أنوثة عنك انتي، وأمك بياعة الجزر. وطأته أم الديب على وجهه بصلابة، وكأنها تحاول أن تسحقه تحت قدمها، ثم رفعت رأسها عاليًا، وبصوت مملوء بالعنفوان، صاحت: =حاطط أمي في دماغك ليه يا عرة الرجالة؟ مالك ومالها، وكل مايحصل مصيبة تجيب سيرتها؟ رد المعلم حنفي لها نفس الوطأة، ثم أطلق صياحًا قويًا: _بكرهها هي اللي بلتني بيكي. ضحك حمود، وتقى في وقت واحد، مما أثار دهشة الحاضرين، وبينما كانا يضحكان، قال حمود: =ستي بتضرب جدي. دوى جلال في أولاده بصوت ينبض بالقوة: _اطلعوا فوق... اطلعوا! فيما صعد أبناؤه بسرعة إلى شقتهم، كان المعلم حنفي، وأم الديب مازالوا في معركة شرسة، تصاحبها حركات متقنة من القتال. وفي المستشفى، أحضر باسم علاء الدين بالإكراه، وهو مُنهك تمامًا، ويعكس وجهه، وجسده علامات الجروح الناتجة عن الاشتباك. قبل أن يدخل إلى غرفة جميلة ليعتذر لها، همست أم قمر الدين بخوف عارم، تعبر عن رغبتها في أن تستأذن ابنتها في دخول أخيها الغرفة: =أرجوكي يا جميلة أوعي تنفعلي! شعر أحمد بما تريد أم قمر الدين فعله، فنهض مكانه بملامح كامدة تتجلى على وجهه: _طنط بسملة أنا مش هسمح باللي في دماغي إنه يحصل! ردت أم قمر الدين بابتسامة خجولة: =معلش يا حبايبي...معلش هو حس بالندم. نطقت جميلة بانتحاب مؤثر: _مش قادرة أبص في وشه مش قادرة! اقترب أحمد من زوجته بخطى ثقيلة وعانقها برفق، وفي الوقت نفسه دخل باسم إلى الغرفة ووقف يحدق حيال الباب بنظرات حادة، وجاء صوته محملًا بالجبروت، وهو يقول: =أدخل! دخل علاء الدين الغرفة، ووجهه مصوب نحو الأرض، وهو يسير بخطوات بطيئة، مترددة، ينبعث منها التراجع، حتى وقف إزاء سرير أخته وظل صامتًا، ثم خرج صوت باسم بنبرة حادة: =اعتذر لأختك، وجوزها وبوس على راسها! صرخت جميلة قائلة بصوت متجهم: _ابعدوه عني، ابعدوه...يا مامي بقى! تحدث علاء الدين بإحراج، وهو يثني رأسه لأسفل كشخص يعبر عن ندمه بأبسط الحركات، تاركًا الصمت يعبّر عن خيبته: =أنا آسف يا جميلة. واقترب منها، وقبّل رأسها بلُطف، ثم واصل كلامه بصوت هامس، ومليء بالندم: =آسف. دخلت رودي الغرفة في تلك اللحظة، فسألها باسم بتعجب ممزوج بالدهشة: _انتي مين؟ وقفت رودي بجانب فراش جميلة، ونظرت إلى باسم بابتسامة عميقة تعبر عن الدعم، وجمعت يديها بثقة، ثم همست برقة: =رودي حبيبة علاء الدين ابنكم. نطق باسم بتعجب: _وجايه هنا تعملي ايه؟ أجابت رودي بدلال: =سمعت إن جميلة عملت حادثة فجيت مخصوص أطمن عليها بنفسي، أصل أنا اتصلت بيه مردش. ونظرت لعلاء الدين، وواصلت بدهاء: =معرفش مبيردش ليه! رد علاء الدين بارتباك: _انتي كدابة...احنا صحاب، ومفيش حاجة بينا. تفوهت رودي بثقة: =لا في هتنكر يا علاء ولا ايه؟ ولا أطلعلهم قسيمة جوازنا؟ برقت عينا باسم، وكأنها تعبر عن مشاعر متناقضة من الدهشة، والتأمل، وقال بصدمة تعبيرية تكشف عن العجب في كلماته: _جوازكم؟ ثم نظر لعلاء الدين بنظرة تحمل في طياتها الكثير من التساؤلات، ثم أردف بصوت حاد مليء بالترقب: _انت متجوز في السر؟ اقترب علاء الدين من والده بخوف ملحوظ في عينيه، وقال بتلجلج: =لا يا بابا دي كدابة، أنا معرفش حاجة عن الموضوع ده. استخرجت رودي القسيمة من حقيبتها بحذر، وسلمتها بيد حازمة لوالده. في البداية، كان باسم يخشى أن ينظر إلى القسيمة ويكتشف شيئًا يصدمه بشأن ابنه، ومع ذلك، بدأ بالتدرج في قراءة محتوى الورقة بتركيز متزايد، وعندما تأكد من صحة حديث رودي، صخب بصوت مليء بالمؤاخذة: _حقير...انت عيل قذر. ووطأه بالقلم بقوة على وجهه، وتشبث في ملابسه بينما كان يصرخ بنبرة ملتهبة: _تربية زبالة. وسحبه بالإكراه معه خارج المستشفى، وخلفهم قمر الدين في حالة صدمة جسيمة، حيث أقصت الكلمات صدى قوي من داخله: =انت ازاي تتجوز في السر؟ انت اتجننت؟ رد علاء الدين ببكاء: _صدقني في سوء تفاهم...دي عيلة كدابة أنا معملتش حاجة ده احنا صحاب مش أكتر! فجأة، وبلا سابق إنذار، فقد باسم توازنه، وسقط على الأرض بعد أن أصابته ذبحة صدرية فتاكة، كأن الزمان توقف فجأة في تلك اللحظة المأساوية. هاجمه قمر الدين كالبرق المُشعل، وأطلق صرخته العنيفة التي ارتفع صداها في الهواء المشحون بالفزع: =بابا! تم نقل باسم إلى العمليات بالمستشفى، وحينها عبّرت أم قمر الدين عن ارتياعها بصوت مرتفع إزاء القسم، حيث اهتز صداها في أروقة المكان المليء بالفزع. وخلال هذا الوقت العصيب، فقدت توازنها وسقطت بألم، لكن أولادها كانوا هناك جاهزين، لمساعدتها في النهوض مجددًا، مُظهرين تضامنهم ورعايتهم العميقة. وفي الوقت نفسه، صرخت سامية بصوت عالٍ يعبر عن حزنها، وحاولت مواساة والدتها، قائلة بانتحاب: _اهدي يا ماما حرام عليكي نفسك. انهمرت الدموع من عيون نرمين، وهي تلامس برفق كتف والدتها، وصوتها يرتفع بشدة من التأثر: =اهدي أبوس ايدك متعمليش في نفسك كده! صاتَ قمر الدين في منتصف طرقة المستشفى. كان صداه يغمر الهواء الزاخر بالتوتر: _وديني ما هسكتلك يا علاء الدين! صرخت أم قمر الدين، وهي مُنهارة، وصوتها يندلع بالحزن الدفين: =أختك امبارح تضرب بالنار، و باباكي النهاردة يقع من طوله، ويدخل العمليات....يارب ده كتير أوي عليا أنا مش قادرة! دخل أحمد الغرفة، وهو شاجن مما حدث لوالد زوجته، فقالت جميلة بنشيج متأثر: _بابي ماله؟ أجاب أحمد باستياء، وهو ينشب بيد زوجته بقوة، عبارة عن رد فعل يعكس اللين في وجه الأحداث المُفزعة: =اهدي يا جميلة، أي حاجة هتعمليها هتكون غلط عليكي...أنا عارف إن المصايب كلها جات مرة واحدة بس إن شاء الله عمي هيقوم بالسلامة. نطقت جميلة بشجن: _كرهتك يا علاء الدين...ليه يا علاء تإذينا؟ رد أحمد، وهو يحاول مواساتها: =خلاص يا جميلة علشان أعصابك. بعد أن خرج الطبيب من غرفة العمليات، نظر إليهم بابتسامة تعكس الاطمئنان، وقال بهدوء: _الحالة صعبة، ودخلت في غيبوبة، ومفيش حاجة في ايدينا غير الدعاء. أقبل قمر الدين نحوه، وهو مصدوم تمامًا، وتفوه بصوت متأثر: =مفيش أمل يا دكتور؟ أجاب الطبيب بابتسامة: _في أمل أكيد، ولكن احنا بنحاول، والباقي على ربنا. غادر الطبيب إلى مكتبه بلا مقدمات، وفجأة، دون أي تفكير، تشبث قمر الدين في ثياب أخيه علاء الدين، وجلجل في وجهه بصوت محمّل بالانفعال: =قدامي! رد علاء الدين ببكاء فعال، صوته يتأجج بالحسرة، والضعف: _أنا معملتش حاجة. تحدثت أم قمر الدين بصرخة تنطلق من أعماقها، صوتها يرتفع معبر عن الاستياء: =متعملوش في بعض كده، انتوا أخوات...أخوات والله حرام اللي بيحصل ده كله...يارب قويني! في منزل أم الديب بعد المشاجرة العنيفة بينهم، قالت نعمة بانزعاج مشتد، صوتها يرن في الهواء معبرًا عن التضايق العارم: _ياما اتطلقوا، وريحونا بقى دي مابقتش عيشة ده انتوا كل يوم تتخانقوا، وتضربوا بعض، ولا أجدعها اتنين مصارعين...ياما حرام عليكي أنا تعبت من صداعكم...لا عارفة أنام، ولا عارفة أعيش، وجوزي، وابني طهقوا! تفوهت أم الديب بغيظ: =بقى عامله كل الفيلم ده يا بت عشان تسيبي أمك، وتاخديلك شقة برا؟ عايزه تبعدي عن أمك يا نعمة؟ ردت نعمة بانزعاج: _مقدرش ياما مانتي عارفة اللي فيها حمو على قده... ده يا سلام لو كان زي أشرف أخوه كسيب، وبيعرف يطلع الجنية من تحت الأرض...كان نفسي ياما أعيش في شقة فخمة زي شقة هبة...شقة كبيرة، وحلوة، ده يابختها حماتها بتحبها، ومعتبراها بنتها إنما أنا بت البطة السودة، وبختي أسود! تلفظت أم الديب بصداح فظ: =انشالله عنها ما حبتك يا بت، وآني اللي ميحبش عيالي محبوش...هي بس عاملة رباطية مع أنبوبة الغاز أم ليالي. قالت نعمة بانفعال: _يوه، ماجرا ايه ياما لازمتها ايه التريقة دي؟ ردت أم الديب بصوت جلف يعكس الحزم في كلماتها: =اسمعي يا بت أنا أحبلك الخير محبوش لمرات ابني... انتي اللي هتشيليني مش هي! تلفظت نعمة، وهي تضحك بسخرية: _مفييش صحة أشيلك ياما. وطأت أم الديب نعمة على كتفها بعنف، وقالت لها بصياح مليء بالتوبيخ: =اطلعي فوق يا بت...عيلة مشافتش رباية! بينما في الطابق العلوي عند ليالي، أخبرها أولادها بما حدث وهم يضحكون بفرح، فقالت تقى بابتسامة مرتسمة على شفتيها وهي تنظر إليها بتأمل: _ستي ضربت أبويا، وجدي. نظرت ليالي لابنتها بنظرة حادة تعبر عن التبكيت: =يخيبك أوعي تتكلمي قدام أبوكي، ولا تقولي الكلام ده! ضحك حمود بلا توقف، وأثناء ارتسام ابتسامته العريضة، قال بمرح تام، وهو يضع يده على فمه كما يفعل دائمًا عندما يكون ممتلئًا بالفكاهة: _دي بططت جدي تحت منها ياما. ضحكت ليالي بصوتها العذب الذي ملأ المنزل بالبهجة، ثم قالت بابتسامة تكشف عن بريق عينيها اللامعتين: =والنبي جدك ده غلبان، وبخته أسود...هو ازاي بعد ده كله مطلقهاش، وخلص منها؟ دخل جلال الشقة وهو يبدو متضايقًا، وعبارة الامتعاض تتسلل من شفتيه بينما يلقي نظرة حوله إلى الفوضى التي تسود المنزل: _أنا هدور على شقة برا...يغور البيت باللي فيه. رفعت ليالي حاجبها بتعجب واضح، وصدح صوتها بحدة يكشف عن استيائها العميق، كأنها تحاول إيصال رسالة واضحة بكلمات رصينة: =ليه ياخويا انت اتجننت في عقلك؟ علشان أمك تدي الشقة لأخوك يستنفع بيها؟ رد جلال بسخرية وهو مسترخٍ، حيث تجلى ذلك في نبرة صوته المستهزئة: _وانتي مين قالك يا ليالي إن مراته هتوافق تقعد فيها؟ دي باصه لفوق أوي...يعني هيسيبوا العيشة الفل، وهيبصوا لشقتنا؟ فكرت ليالي بعمق فيما قاله جلال، وبعد تأمل دقيق، وتحليل شامل، أدركت صحة كلامه، فأجابت باقتناع تام: =عندك حق...طيب، وانت هتلاقي حد يشتريها، ولا أمك هتقفلنا زي اللقمة في الزور؟ أجاب جلال بتفكير: _أمي مينفعش تعرف حاجة غير بعد مانبيعها. بعد أن مضى يومين من الألم الموجع الذي عاناه باسم، قدموا أبناؤه إلى زيارته اليومية المعتادة، حيث كانوا يأتون ليطمئنوا عليه ويغادرون لأعمالهم، ثم يتبادلون الأدوار بينهم. وفي حضور العائلة برمتها، وقف علاء الدين أمام سرير والده، بدت علامات الندم واضحة على وجهه، وهو ينتحب بسبب ما تعرض له والده بسببه. بكى بشدة، وبصوت مكسور قال: =أنا آسف يا بابا حقك على دماغي. وصوب نظره على والدته، التي كانت تجلس على الكرسي بجانب أخوته، وواصل حديثه بينما لاحظ التبرم الباسل في ملامحها: =وآسف يا ماما. ونظر لبقية أخواته الذين كانوا يجلسون حول السرير، وتابع حديثه بصوت مترع بالندم: =وآسف ليكم كلكم. وأحنى رأسه لأسفل، معبرًا عن شجنه العميق، وواصل حديثه بينما كانت دموعه تنهمر بحرية: =أنا غلطان غلط كبير، وحاسس بالذنب ناحيتكم سامحوني أنا مليش غيركم ده أنا ابنكم حتة منكم هتسيبوني لمين؟ ثم اقترب من والدته، وأثنى ركبتيه حيالها، وهو يمسك بيدها بكل حنان، وتوسل إليها قائلًا: =اضربيني يا ماما اعملي اللي انتي عايزاه بس متبعدونيش عنكم...أنا عارف إن نفسكم أبطل طيش الشباب اللي أنا فيه ده، وأبقى راجل قد المسئولية زي قمر الدين، أخلي بالي من مستقبلي، وحياتي...أنا هتغير علشانكم، وهكون واحد تاني أحسن بكتير....أوعدكم! ثم قبّلَ قدم والدته، ورأسها، وهما الاثنان ينتحبان، وفجأة وقف قمر الدين أمامهم، وصاح بصوت صارم، كلامه يتناغم مع صدى الألم الذي يعتري الغرفة: _انشف، وبطل لعب العيال ده، ومن بكرا هتنزل الشركة، وتشتغل، وأي غلطة في الشغل مش هسمح! وقف علاء الدين تُجاه أخيه، وهو يتأمل في عينيه بدموع تنهمر، وقال بصوت مكسور، ومليء بالأسى: =أنا تحت أمركم في اللي تقولوه. نطقت أم قمر الدين بحزن ناء، وصدى قهرها انعكس في كلماتها بينما ترقبها الجميع بقلق: _باباكم مالوش غيركم بتكسروا ضهره ليه؟ ده ياما تعب عشان بس يعيشكم في المستوى ده، وكل الناس تحلف بيكم، ويتمنوا يبقوا في ربع اللي انتوا فيه. اقترب علاء الدين من والدته بخطوات هادئة، وعانقها برقة، وفي لحظة الانسجام العميق بينهما، قال بصوت ينبع من القلب المتألم: =حقك عليا يا ماما...أنا آسف والله. بعد كل هذه المشاعر الفياضة، قبلت أم قمر الدين اعتذار ابنها بقلب مفتوح، ودخلت غرفة ابنتها بنفس المستشفى، حيث اقتربت من سريرها ببطء، وألقت عليها نظرة مليئة بالحنان، ثم قالت بابتسامة تنم عن قوة الروح: _عاملة ايه دلوقتي يا حبيبتي؟ أجابت جميلة بإعياء: =الحمدلله يا مامي. عانقت أم قمر الدين ابنتها بحدب متجسد، وقبّلت رأسها بلُطف، ثم قالت بصوت ينبع من عمق الحنان: _هتكوني أحسن. ثم تنهدت، وأردفت: _أنا جيت أكلمكم كلمتين...حافظوا على بيتكم علشان خاطر سيليا، والبيبي اللي جاي، وبليز أي مشكلة متدخلوش نفسكم فيها نهائي...علاء الدين متهور وعقله لسه منضجش. ونظرت لأحمد على الأريكة، وواصلت: _وهايدي أختك لسه صغيرة، ويمكن مش عارفة ايه الصح، وايه الغلط، وكلنا غلطنا لما كنا شباب بس المهم نتعلم من غلطنا...هايدي، وعلاء الدين أخوات، ومينفعش يكونوا حاجة غير كده. وأعادت نظرها لابنتها، وتابعت: _سامحي أخوكي، ونبدأ صفحة جديدة، وكل واحد يرجع لحياته. نطقت جميلة بجوى عميق، وصوتها ينعكس بأسى: =صعب يا مامي! قالت أم قمر الدين بابتسامة تنبعث من التفاؤل، تعكس رغبتها في نشر السلام بين أفراد عائلتها: _كل حاجة بتكون في بدايتها صغيرة، وبتكبر إلا الزعل بيكون كبير أوي، ومع الوقت بيقل. دخلت سامية الغرفة، وهي تشد يديها بقوة، والتألم يعبق بملامح وجهها لتنطق بحرفياتٍ جريحة: =ايه الأخبار ؟ ردت أم قمر الدين: _كله تمام. نظرت سامية بعينين مليئتين بالتردد إلى أحمد، ثم حولت نظرها إلى جميلة، متحيرة في الحديث، وكأنها تبحث في عينيها عن تأكيد. بعد لحظات من الصمت المشوب بالارتباك، تنهدت سامية بعمق، وقالت بصوت خافت: =علاء الدين عايز يتكلم معاكم...ممكن؟ أجابت جميلة برفض قاطع، شامخة حاجبيها في تعبير صارم بينما تقاطيع وجهها تعبر عن عدم القبول، قائلة بصوت مليء بالإصرار: _مش هقدر. ردت سامية بصوت مُرتجف يجمع بين خيبة الأمل، والاستفهام: =كلمتين مش أكتر. ثم حولت نظرها ببطء نحو الباب وكأنها تبحث عن مخرج من هذا النقاش المؤلم، واستجمعت قوتها لتواصل حديثها بصوت مسموع: =أدخل يا علاء! دخل علاء الدين الغرفة بخطوات متأنية، مثقلًا بأعباء الندم، وهو يثني رأسه لأسفل تجنبًا لمواجهة نظرات جميلة، وزوجها. الذي كان يعرف تمامًا أنها لن تكون مليئة بغير الاحتقار. كان يدرك بعمق أنه في عيونهما لم يعد سوى شخص مشوه من الداخل، والخارج، بعد أن انساق وراء طيشه واندفاعه بلا تفكير. ومع ذلك، كانت تتأجج داخله رغبة عارمة في إصلاح ما أفسده، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، كما كانت في بداية الأمر قبل أن تتعقد الأمور. وقف في منتصف الغرفة، مستجمعًا شجاعته، وقال بصوت مليء بالانكسار: _حقكم عليا أنا أسف...متزعليش يا جميلة أنا معرفش ازاي ده كله حصل...بس أنا فعلًا ندمان جدًا، ومستحيل اللي عملته ده يتكرر تاني. ثم تقدم ببطء حتى وقف قبال أحمد، ورفع رأسه قليلًا ليواجه عينيه، كانت تعابير وجهه ممتزجة بالترح، والأسف العميق، وواصل كلامه بصوت متهدج يكاد يختنق بالحزن: _وانت أنا بعتذرلك...هايدي أختي، وهتفضل أختي مش أكتر. نطق أحمد بصوت حاد: =وده اللي أنا عايزوا. تفوهت أم قمر الدين بارتياح: _خلاص يا ولاد صفحة جديدة! قررت العائلة، بعد نقاش طويل ومضنٍ، أن تفتح صفحة جديدة في حياتها، أو ربما يشترون كتابًا جديدًا أفضل، حيث يمكنهم كتابة فصل جديد يتجنب الأخطاء السابقة، أي نعم، لقد قبل أحمد، وجميلة اعتذار علاء الدين بعد أن أبدى ندمه الصادق، ولكن لم يصفوا تجاهه قلبًا، فجرح الخيانة لا يندمل بسهولة، ولن يستطيعوا ببساطة تجاوز ما حدث. في نياتهم العميقة، يرون علاء الدين مجرد خال لسيليا، وفيما يتعلق بعلاقة الأخوة التي تربطه بجميلة، فقد أصبحت مجرد اسم بلا روح، حيث طُمس الحب والعشم الذي كان يجمعهما تحت وطأة الأحداث المريرة. في مكان آخر، في المحل الصغير المضاء بأضواء خافتة، كان جلال يجلس مقابل المعلم حنفي بعد أن أثار موضوع بيع الشقة. المعلم حنفي، المعروف بشخصيته الضعيفة أمام سطوة أم الديب المتسلطة، وجد نفسه منذ سنوات ماضية أمام اختيارين عسيرين، الخيار الأول هو أن يكتب المنزل بأكمله بإسم أم الديب، ليكون تحت رضاها الكامل، أو أن يواجه مصيره المحتوم بالقتل على يد ضايع، الرجل الغامض الذي يهدد حياته. بسبب قلة حيلته، وافق المعلم حنفي على الخيار الأول حفاظًا على ما تبقى من عمره ولتجنب المصير الأسوأ. في تلك اللحظة، انفجر جلال في وجه أبيه، وصرخ بنبرة يملؤها الإحباط: =يعني ايه يابا كاتبلها البيت بإسمها؟ يعني البيت من أوله لآخره بإسمها، وأنا اتضربت على قفايا؟ قولي هبيع الشقة ازاي دلوقتي؟ ويفرض انت حصلك حاجة محدش هيطول جنيه منها، وهتذل فينا! رد المعلم حنفي برهبة: _خالك ضايع الله يباركله موجب معايا...ياض ده هددني بالسلاح زي ماهددني علشان أتدبس في أمك... ده كان يوم أسود يوم ماخدت منه بضاعة، ومسددتش تمنها. نطق جلال بصوت مرتفع، مملوء بالاحتقان، ووجهه يتلون بحمرة الغيظ: =أنا دلوقتي عاوز أبيع أم الشقة، وأشوف شقة برا! تلفظ المعلم حنفي بحالة من الهلع: _وكلكم تخلعوا، وتسيبوني أنا في وشها؟ ضرب جلال يده على المكتب بقوة، مما أحدث صوتًا مدويًا ارتجت له جدران المكان، وصاح بصوت متهدج يفيض باليأس: =ماليش فيه يابا أنا عاوز أبيع الشقة...لا أنا مرتاح، ولا ليالي مرتاحة...ده حتى نعمة، وجوزها مش مرتاحين. تحدث المعلم حنفي بتفكير عميق، وهو يحاول تحليل الوضع والخيارات المتاحة أمامه، حيث تعكس ملامح وجهه التردد، بينما تتأرجح عيناه بين اليسار واليمين، كأنه يحاول اتخاذ قرار صعب في زمن غير مواتٍ: _خلاص ياض احنا ناخد العقد منها، ونلعب فيه. رد جلال بسخرية: =ده اللي هو ازاي يعني؟ هي أمي عبيطة تشيله في أي حتة؟ ده مش بعيد تكون دافناه تحت التراب! نطق المعلم حنفي: _نحاول ياض مش هنخسر حاجة. عاد جلال إلى المنزل، وقلبه ينبض بالإثارة والتخطيط لخطة استعراضية مبتكرة للتلاعب بأم الديب، عازمًا على البحث عن أوراق المنزل التي قد تكشف له أسرارًا مهمة. دخل الشقة بخطوات ثقيلة، ووجهه يشع الذعر المتزايد، وفجأة، انطلقت صرخته: =ليالي تعبانة أوي ياما الحقيها عبال ما أروح أجيبلها الداكتور. تفوهت أم الديب بلا مبالاة: _ماتولع آني مالي؟ قال جلال بسخط: =ياما حرام عليكي اعتبريها بتك! نطقت أم الديب ببغضاء: _آني مليش غير بتين نعمة، وهايدي. رد جلال بصياح: =أبوس على ايدك تلحقيها عبال ما أجيبلها الداكتور! عَجَّت أم الديب في وجهه بصوت مرتفع ينبعث منه الاستياء، ووجهها يتألم من الانزعاج المضطرم، قائلة: _يوه، ده انت صدعتني! ثم انتصبت مكانها، تتأمل الوضع بتركيز، ثم أخذت تقول بصوت متمهل: _مالها بت دباح الحمير؟ صعدت أم الديب إلى شقة ليالي، حيث كانت ليالي تنام على أرضية الصالة، وعلى وجهها علامات التعب الواضحة. اقتربت منها بخطوات هادئة، ووجهها يبرز الاهتمام، وقالت بصوت ملآن بالعاطفة: _مالك يا منيلة؟ ردت ليالي بتمثيل مؤثر، وهي تضع يدها بتمويه على بطنها العليلة، وصوتها ينطلق بقوة وهي تصدح: =تعبانة يا حماتي في سكاكين بتقطع في بطني. في الأسفل، كان جلال يبحث في كل أرجاء الشقة عن عقد البيع، محاولًا بكل جهده التحقق من الوثائق، وفي غرفة أخرى، شعرت أم الديب بأن ليالي تتدلل، فأطلقت عليها بكمد متدفقًا: _انتي بتدلعي؟ آني هنزل يبقى جوزك يتصرف. وقفت أم الديب عند باب الشقة، وقبل أن تبادر إلى النزول، قفزت ليالي مكانها، وزاد نواحها طربًا، وإثارةً قائلة بتألم: =آه يا حماتي آه... الحقيني بموت! عادت أم الديب لتواجه ليالي، وغلب عليها الامتعاض المتأجج، حيث قالت بصوت ينبض بالنفور: _يوه يادي الهباب. ثم نظرت لحفيدها بنظرة ممتلئة بالقلق، وواصلت قائلة: _خش يا واد هاتلها شوية ماية، ومتكترش ألا الفاتورة بتيجي غالية. رد حمود بخبث: =من عينيا يا ستي. بعدما دخل، مثل أنه شاهد فأرًا يتسلل بين أخشاب المطبخ، وألقى صيحة فزع، وأشار بيده بانتقام، قائلًا: =ايه ده الحقي في فار في المطبخ! دخلت أم الديب إلى المطبخ، وصاحت، قائلة بفزع: _بتفتحوا الشبابيك ليه؟ وترجعوا تشتكوا؟ نظرت أم الديب حولها بسطوة، تمامًا كما الصقر الجارح يبحث عن فريسته المفقودة في أرجاء المطبخ المظلم. في تلك الأثناء، أطلقت ليالي نظرة طاغية تعكس اطمئنانها لابنها، وأشارت بيدها بلطف لتهدئة أعصابه، مؤكدة بأن الأمور تسير بشكل سليم حتى الآن. بينما كان جلال يبحث بقلق متصاعد عن عقد البيع، يشبه البحارة الذين ينتظرون وصول العاصفة، مترقبًا قدوم أم الديب في أي وقت. وفي لحظة من الرهبة الغامرة، صاح بيأس: =حاطاه فين... مش يمكن في الأوضة التانية؟ عندما دخل جلال غرفة هايدي وبدأ في البحث في الخزانة، لفت انتباهه وجود أم الديب خلفه، وهي تضع يدها بثبات على خصرها وتنظر إليه بنظرات صارمة كسيف مسلط. شعر جلال بالخرع ينساب في جسده، وابتلع ريقه بصعوبة، وزادت نبضات قلبه في تسارع ملحوظ، وقال بقلق: =ايه ياما في ايه؟ ردت أم الديب بذكاء متقن، حيث أخذت تنظر إليه بعيون تنطق بالرصانة، وقالت بصوت هادئ، معبرة عن ذكائها، وسيطرتها على الموقف: _مش هتلاقيه. نطق جلال بترقب: =هو ايه؟ ضحكت أم الديب بابتسامة هزلية تعكس ذكائها اللافت، وبينما تلتمع عيناها بالخبث، أضافت بسخرية محايدة: _عقد البيت. ثم اقتربت منه، وواصلت بخُيلاء: _ ليه هو انت فاكرني مضروبة على قفايا؟ مآني سمعتك، وانت بتكلم أبوك في الدكان، وبتتفقوا عليا. تلفظ جلال بفظاظة: =جرا ايه انتي بتتصنتي علينا؟ أجابت أم الديب بخشونة، معبرة عن استياءها بشكل لافت، حيث تتردد كلماتها في الهواء مثل صواعق تنبض بالسخط، مما يجعل الجو يتعكر ويصبح مشحونًا بالمرج: =ده أنا اتغدا بيكم قبل ماتتعشوا بيا يا ولا! تفوه جلال برهبة، وجهه يعكس الذعر، والقلق بوضوح، حيث ترتجف أصابعه وتتمايل خطواته بلا ثبات، وتتلاشى كلماته في صمت مريب يكاد يعلو الأجواء، وتنبعث من عينيه تعابير الخوف الملتهبة بالشك: _طب السلامو عليكو ياما. وترك ما في يده بسرعة، وفر هاربًا قبل أن تشتبك أم الديب معه، محاولًا الابتعاد بأقصى سرعة ممكنة لتفادي النزاع. فقالت أم الديب بصياح يكاد يثقل الجو من حولهم: =داهية لما تاخدك. بعد مرور سبعة شهور، أنجبت جميلة بنتًا كالملاك، وأسمتها أسيل. ويوم حفل السبوع، كان في منزل أحمد وجميلة، والحاضرون كانوا أفراد أسرتهم المقربة. زُين منزلهم بالبالونات التي ترمز للمولودة الجديدة، وتزينت بديكورات فاتنة في جو موسيقي هادئ. وكان أحمد ينتظر عائلته بفارغ الصبر أمام باب الشقة، حتى وصلوا وانطلقت النساء بالزغاريد الفرحة. وقالت أم الديب بسعادة متألقة، تعبّر عن فرحتها الصادقة ورغبتها في مشاركة الجميع في هذه المناسبة المميزة: = يا ألف بركة. عانقت هايدي أخيها بحنان لا متناهٍ، وفي عينيها بريق الفرح المشرق، وقالت بسعادة تفيض بالدفء: _ألف مبروك. رد أحمد ببهجة: =الله يبارك فيكم. صافح أحمد بقية أفراد عائلته باحترام، بينما اقتربت أم قمر الدين من أم الديب بخطوات هادئة، وعانقتها برقة، وفي عبارة مفعمة بالمشاعر، قالت: _يا أهلًا، منورة الدنيا يا أم الديب! تفوهت أم الديب بسعادة: =ده بنورك يا ست بسملة. بعد أن صافح الجميع بعضهم البعض بود، جلست أم قمر الدين بجانب أم الديب على الأريكة، وبينما تتمايل الأضواء المليئة بالدفء حولهما، قالت بسعادة تنبض بالمحبة: _بجد فرحانة بلمة ولادي حواليا. كان الحاضرون متنوعين ومتميزين؛ كانت هناك سامية وزوجها، وابنتهما لارا، ونرمين، وزوجها، وابنها الصغير البالغ من العمر ستة أشهر، وقمر الدين مع خطيبته، وأم قمر الدين مع باسم، وبناتها نالا، ومنى، باستثناء علاء الدين. كان الحفل بوجود أحمد، وجميلة، وسيليا، إضافة إلى المولود، وأم الديب، وهايدي، والمعلم حنفي مع جلال، وزوجته، وأولادهما، ونعمة مع زوجها، وابنها، وغيرهم من الأقارب، والأصدقاء المقربين. وفي هذا الجو المليء بالفرح، والاحتفال، لم تستطع أم الديب إلا أن تعبر عن سعادتها بكلمات تتدفق بالحب، معبّرة عن تقديرها العميق للحضور، واللحظات الجميلة التي تجمعها بأحبائها: =ماهو اسم الله علينا البيت مليان ناس من أوله لآخره، تعيشي يا ست هانم، وتتجمعوا في الأفراح. ردت أم قمر الدين ببهجة: _يارب يا أم الديب يارب. في غرفة المعيشة، كان المعلم حنفي يجلس مع باسم، وهما يتبادلان الحديث بتأنٍ وود. بعد حديث طويل يملؤه الود، والتقدير المتبادل، قال المعلم حنفي بسعادة مشرقة: =ده شرف ليا يا حاج باسم. ضحك باسم بابتسامة تعكس السعادة الصادقة، وقال بتواضع: _الحقيقه أنا لسه محجتش بس ادعيلي يمكن ربنا يكرمنا ونطلعها قريب! ضحك المعلم حنفي بابتسامة مريحة، وقال بتمنياته بأمل: =ربنا ينولهالك، وينولهالنا. رد باسم: _يارب. بينما في طُرقة الشقة، كانت هايدي تتحدث مع منى بحماس، وفي لحظة من الود، والتقارب، قالت لها بسعادة مشرقة: =أنا ارتاحت في الكلام معاكي أوي. الحقيقة أن منى، أخت جميلة، تتمتع بشخصية متواضعة لا تُضاهى، فهي خفيفة الروح ونقية القلب، حتى النفوس ترتاح لها عندما تحادثها، وتثير رغبة كل من يعرفها في التعرف عليها بعمق أكبر من السابق. حيث قالت منى بكل حبور: _وأنا أكتر، واعتبريني أختك من النهاردة، ولو احتاجتي أي حاجة أنا عندي جاليري هدايا هيعجبك أوي! تلفظت هايدي ببهجة: =شكرًا مانا شوفت البيدج بتاعتك، وعجبني شغلك. أما في الصالة، كان الرُباعي يجلسون سويًا: جلال، وليالي، ونعمة، وحامد، فتعجبت ليالي من تأخر ظهور جميلة بالمولودة الجديدة، وفي تعبير مبهم ينم عن التفكير، والتساؤل، قالت بحيرة: _وهي ست جميلة مجاتش لحد دلوقتي ليه؟ رد جلال بتعجب: _أنا ايه عرفني؟ نظرت ليالي حولها، وكانت مندهشة من امتداد الشقة الجميلة ونظامها المتناسق، وألوانها الفاتنة التي أضفت لها جاذبية خاصة. كانت تتأمل الأمور من الداخل، مشتاقة، وتحلم بامتلاك شقة تحتوي على نصف هذه المميزات، فقالت بإعجاب: =بس الشقة بتاعتها ايه واسعة ياخويا، وحلوة ده ياريت نعرف نجيب شقة زيها. نطق جلال بسخرية: _واحنا هيتشدلنا حزام بعد اللي أمي عملته؟ ردت ليالي بغضب ملحوظ، حيث توضح ملامحها الإحباط: =ليه كده يا جلال بتقفلها في وشي ليه؟ تفوه جلال بصراحة: _أضحك عليكي يعني؟ خرجت جميلة من غرفتها بفستان زهري مُبهج ينسجم مع بشرتها النقية وشعرها الحريري الطويل، وكان وجهها مزينًا بلمسات خفيفة من المكياج الذي أبرز جمالها الطبيعي، ورائحتها كانت فواحة كالمسك، تعكس أنوثتها وأناقتها. وعلى ذراعها حملت ابنتها الرضيعة التي كانت ترتدي نفس فستانها الزهري، مما أضفى على المشهد لمسة من الجمال والرقة الفائقة. تعجبت أم الديب بغرابة رؤية المولود الذكر يرتدي فستانًا، وفي لحظة من الدعابة الدافئة قالت بابتسامة مرحة: =هي مراتك ملبسه الواد فستان ليه؟ ضحك أحمد، وقال بصراحة: _دي بنت يا ماما، وجميلة سميتها أسيل. وطأت أم الديب يدها بقوة على صدرها، لما أصابها من صدمة عارمة، إذ كانت تعتقد أن جميلة قد أنجبت ولدًا بدلًا من فتاة. وفي لحظة من الصراخ الحاد، والانكسار، خرجت الكلمات من بين أسنانها المضغوطة: =ايهي معاك بتين؟ تحدثت أم قمر الدين بتعجب: _في مشكلة، ولا ايه يا أم الديب؟ صخبت أم الديب، قائلة بنبرة مُرتفعة بالدهشة: =يا لهوتي، جايب بتين؟ يا خرابي هقع من طولي حد يلحقني! صاح أحمد في وجه والدته بانزعاج، قائلًا: _وطي صوتك يا ماما...ايه المشكلة؟ تعلقت أم الديب بيدها في جدار المنزل بعد أن أصابها دوار حاد، وفي حالة من الإرهاق، قالت بصوت مُنهك: =جايب بتين؟ يادي الفضايح، يا مصيبتي يآني! نظر أخوات جميلة لأم الديب باشمئزاز، إذ كانوا يعتبرونها امرأة جاهلة لا تفقه شيئًا في الحياة، وبعد أن وصل نواح أم الديب للمعلم حنفي، خرج إليها وصخب في وجهها قائلًا: _احترمي نفسك يا ولية، واعملي حساب للموجودين متفضحيناش! نطقت نعمة بإحراج: =استهدي بالله ياما مش عايزين فضايح بالله عليكي. وسط إعوال أم الديب، أصدر حامد ضحكته الساذجة، مما أثار غضبًا في قلب نعمة التي نظرت إليه بعين حادة، وفي لحظة من السخرية الملتهبة، قالت: _انت بتضحك على ايه انت كمان؟ قهقه حامد بشدة، مظهر الضحك المتفجر، وهو يتفوه بشكل مرح، ومفعم بالحيوية: =أمك ممثلة فظيعة. تحدثت أم الديب بحسرة: _قولنا بت مرة مفيهاش إشكال ياخويا، واللي بعدها يجي الواد، لكن الاتنين بنات؟ يادي الهباب اللي حل فوق نفوخي! خرجت أم قمر الدين عن شعورها، وفي حالة من الاستشاطة، قالت بصوت حاد: =أم الديب اطلعي برا! أخرج جلال أم الديب من شقة أحمد، لكنها عادت إليهم مجددًا، وهي تمتلئ غيظًا لما حدث، فقالت بكلمات تنبض بالاستفزاز: _نسيت أقولك حاجة مهمة يا منيل. رد أحمد بفضول: =حاجة ايه يا ماما؟ تحدثت أم الديب بغلاظة: _مع السلامة يا أبو البتين. أزاح المعلم حنفي زوجته بقسوة، وقال باحتدام: =يلا من هنا يا ولية...انتي بتعايريه ولا ايه؟ وقفت نعمة إزاء أخيها، وقالت بإحراج: _معلش ياخويا متدايقش نفسك...هو في أحسن من خلفة البنات؟ ده كلهم حنية، وطيبة! استقرت أم قمر الدين بمنتصف الصالة، وابتسمت ببرودة، وهي تقول بلُطف: =انجوي يا جماعة، ولا كأن حاجة حصلت! بدأت العائلة في الاحتفال بحفل السبوع وسط خلفية من أغاني سبوع المولود، حيث كانت جميلة تأخذ بعض الصور التذكارية مع أسرتها الصغيرة والكبيرة، ومع عائلة أحمد في جو أسري ممتع. تلقت بعض الهدايا الجميلة من أخواتها؛ فمنهم من أهداها بثياب أسيل، ومنهم من أهداها بمنتجات العناية بالبشرة والعطور، ومنهم من أهداها بالحلوى الفرنسية. في الوقت نفسه، جلست أم الديب على درج المنزل، كظيمة من أصوات الموسيقى، وضحكاتهم بالداخل بكل غيرة وحقد، حتى انتهى اليوم في سعادة وهناء، وبعد مرور شهرين، هلت ليالي رمضان المباركة، حيث بدأت العائلة تستعد لاستقباله بفرح وترقب، كما هي العادة كل عام. وفي منزل ليالي، كانت تجلس، مفكرة في ماذا ستصنع على طاولة فطور أول يوم رمضان، وفي لحظات من التفكير العميق والتخطيط الدقيق، قالت: _هعمل ايه بقى؟ ربنا يحلها! دخلت ليالي غرفتها بخطوات هادئة، وارتدت ملابسها بعناية فائقة، حيث اختارت فستانًا أزرق اللون يناسبها، ونعلًا من الجلد الناعم. أمسكت حقيبتها الكبيرة بيد واحدة بينما كانت تضع النقود في يدها الأخرى، وخرجت من غرفتها بنظرة متجهة نحو مهمتها التالية، وهي التسوق مع صديقتها نعمة. بعدما اتفقتا على قائمة المشتريات، انطلقتا إلى المتجر القريب لشراء مفروشات جديدة تناسب ديكور منزلهما وزينة رمضان، وفي شوارع القرية المزدحمة، كانت ليالي ونعمة يتجولان سويًا بين أزقتها الضيقة، حاملين أكياس المشتريات بفخر في أيديهما. تأثرت ليالي بالإرهاق الطبيعي الذي تعانيه بعد ساعات من التجوّل، والتسوّق، فتوقفت عن السير لحظة بجانب سيارة قديمة، حيث انغمست في أفكارها بينما تراقب سحر الغروب الذي يتدفق في سماء القرية بألوانه الرقيقة وأشعته الدافئة. وفي لحظة السكون تلك، قالت: _تعبت من المشي مابقتش قادرة يا نعمة! ردت نعمة: =خلاص آخر محل...انتي عارفة رمضان بكرا، ولازم نشتري شوية مفروشات للشقة. نطقت ليالي، وهي تلاحق أنفاسها، بابتسامة ترسم على شفتيها خيوطًا من الإنهاك حاملة في عينيها بريقًا من التعب: _يا نعمة مانا قولتلك من عشر أيام كنا لحقنا نشتري اللي عايزينه...انتي مش شايفة الدنيا زحمة ازاي؟ تفوهت نعمة بفرح: =خلاص هانت أهو...المهم ياختي ايه رأيك في مفرش السرير مش بذمتك حلو؟ ردت ليالي بتفكير: _من ناحية حلو فهو حلو، ولا لونه لايق مع لون أوضة نومك...تصدقي كان ناقصنا سفرة بس هقول ايه الشقة حُق ياختي يادوب كفت الانترية بالعافية. تفوهت نعمة بابتسامة: =بكرا ربنا يكرمنا يا ليالي، وكل واحدة فينا تقعد في شقة كبيرة...ده احنا اجوازتنا ربنا يعينهم. ردت ليالي بإرهاق: _يلا أهو نصيب، ومكتوبلنا. بينما في منزل أم الديب، خرجت لهم من المطبخ وسألتهم بصوت حاد، مما جعلهم ينتبهون فورًا ويركزون على كلماتها التي تنطلق بحزم، ووضوح، كأنها صاحبة رأي قوي: =هتطفحوا ايه النهاردة في السحور؟ رد المعلم حنفي بجلبة: _ماتحسني ملافظك يا ولية! نادت أم الديب حفيدها، وقالت بتجاهل: =واد يا حمود خد محمد ابن عمتك، وروحوا هاتولي الطلبات اللي هقولهالكم. ودخلت غرفة هايدي، ونادتها: =انتي يا بت يا هايدي...يا هايدي! أجابت هايدي: _ايه يا ماما؟ قالت أم الديب: =انتي عارفة إن آني مبعرفش أكتب...اكتبي انتي مكاني. وقفت هايدي، واستخرجت الورقة والقلم من خزانة الثياب بحركة منظمة، حيث أظهرت تحضيرًا واضحًا للمهمة المرتقبة. ثم أردفت أم الديب بصوت حازم، وهي تنوي إيصال رسالة قوية ومؤثرة إلى من حولها: =علبة زبادي، وكيس عيش، وربع كيلو طماطم، وخيار... وحتة جبنة. قالت هايدي باستجابة: _كتبت. ثم نظرت بتعجب للطلبات، حيث تأملتها لحظة بعمق، وتفوهت بدهشة وهي تعبر عن استغرابها: _هي الحاجات دي لينا؟ أجابت أم الديب باستهزاء: =أمال للجيران يا بت؟ ردت هايدي بحيرة، حيث بدت مترددة، ومتفكرة في كيفية التعامل مع الوضع الذي أثار استفهامها: _الأكل ده مستحيل يكفينا كلنا. نطقت أم الديب بابتسامة ماكرة: =سمي الله قبل ماتاكلي، والأكل هيكفي. تفوهت هايدي، حيث انعكست على وجهها ابتسامة ساخرة تعبر عن استغرابها: _انتي عايزة تقنعينا إن احنا كلنا هناكل علبة زبادي؟ دخل حمود الغرفة، وقال بتقاعس: =أنا مش رايح في حتة يا ستي...أبويا هيجيب كل حاجة وهو جاي. ردت أم الديب: _وفرتوا ده آني كنت هدفع من جيبي شئ، وشويات. وقف المعلم حنفي على باب غرفة هايدي، وقال بتعجب، حيث ظهرت على وجهه تعبيرات الاستغراب، مما يدل على أنه مفاجأ بشيء غير متوقع: =شئ، وشويات ايه يا ولية اللي كنتي هتدفعيهم؟ علبة الزبادي، وحتة الجبنة يعملوا ايه في الزمن ده؟ نطقت أم الديب بعجيج: _مش عاجبك متاكلش! في تلك اللحظة دخل جلال وحامد بأكياس المشتريات لرمضان، وسرعان ما فتحت أم الديب الأكياس بيدها لتفحص محتوياتها، حيث بدأت تفحص كل قطعة طعام بانتباه. فقال جلال بصوت حاسم، معبرًا عن اعتراضه: =أوعى ايدك ياما...متخليش شيطانك يخيلك إن الأكل ده جايبهولك...الحاجات دي هتطلع فوق عشان السحور، والفطار! ردت أم الديب بطمع، وهي تدس يدها في الكيس بحماس، معبرة عن رغبتها في استكشاف محتوياته بشغف: _نام خفيف يا ولا عشان متفرقعش..ده آني ست كبيرة، وغلبانة، والدنيا جاية عليا، ده آني بقالي كام يوم مكلتش. أزاح جلال يد أم الديب عن الأكياس، وقال بصوت متحدِّي، وجهًا لوجه معها: =لا ياما ماهو علشان أنا ابن أصول فهننزل ناكل مع بعض. ونظر لمحمد، وحمود، وتقى، ثم أردف بتساؤل: =ايه يا عيال مش هتطلعوا؟ أجاب حمود: _احنا مستنين أمي، وعمتي يرجعوا. تحدث حامد بتعجب: =هما كل ده مرجعوش؟ وفي الحين سمعوا صوت فتح الباب، فقال جلال بصوت مندهش: _شكلهم جم. صعدت نعمة، وليالي على الدرج، وهم يحملون حقائب المشتريات، فقالت نعمة بصوتٍ مُبتهج: =الحمدلله لحقنا. ردت ليالي، وهي تصعد على الدرج: _ده كان في شوية محلات ورا حلوة بشكل، بس الحاجات اللي جيبناها حلوة برضة...بس الراجل أسعاره غالية يا نعمة. نطقت نعمة، وهي تصعد على الدرج بخطوات واثقة: =خلي العيال تحس بالتغيير، أهو أي حاجة عدلة في البيت ده. خرج جلال، وحامد على الدرج، وخلفهم أولادهم، ثم قال جلال بتعجب: _ايه ياما منك ليها اتأخرتوا ليه؟ أجابت نعمة بابتسامة: =اشترينا شوية حاجات حلوة أوي. رد جلال بصوت حاد: _وانتوا جايين قبلها بيوم تلفوا؟ أنا مش عاوزكم تدخلوا في الزحمة يا نعمة انتي، وليالي...ده لو حد بصلكم أنا هدفنه حي! نطقت ليالي بابتسامة تنم عن فخر، وامتنان، وهي تضرب يدها برفق على صدر زوجها: =وهو حد يقدر يحط عينه في عنينا، ولا يقولنا نص كلمة؟ زادت ثقة جلال في نفسه، فأعادل ثيابه بانتباه، وقال بغرور: _ولا يقدر ده أنا جلال، والكل عارف يعني ايه جلال! خرجت أم الديب من شقتها بخطوات ثابتة، وتفوهت بصوت محموم: =يلا حطولنا السحور خلونا ناكل، ونتخمد. ردت ليالي بسخرية: _سحور ايه يا حماتي اللي هيبقى الساعة تسعة بالليل؟ قالت أم الديب بكراهية: =وانتي مالك؟ دي فلوس ابني...انتي دافعة حاجة من جيبك يا بت؟ نظرت ليالي لزوجها بغضب متجسد على وجهها، وقالت باهتياج: _ماتقول حاجة يا جلال! أراد جلال أن يتفادى مشاكل أم الديب، فقال بحنكة: =اقعدي ياما، وقبل الفجر بساعتين هنبقى ننزلك. ردت أم الديب بامتعاض: _وآني ايه هيصحيني لحد الفجر؟ أفضل مذلولالكم لحد ماتحنوا عليا بشوية الأكل اللي هتنزلوهم؟ نطقت نعمة بلين: =نامي ياما، واحنا هنبقى نصحيكي! قالت أم الديب بعجيج: _ايهي تصحوني من أحلاها نومه عشان آكل؟ صاح جلال في وجه أم الديب قائلًا، بصوت مرتفع ينبعث منه الضيق: =انتي عاوزة ايه ياما في سَنَتك دي؟ ردت أم الديب بصياح: _مش عاوزة حاجة...ده آني لو كنت جيبت دكر بط كنت استنفعت منه عنكم! يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة