في لحظة هادئة، ومليئة بالترقب، تناغمت أصوات أفراد أسرة جلال مع طعم السوداني ولذة العصير الذي تذوقوه أمام شاشة التلفاز، حيث كانوا يغوصون بعمق في عالم السينما المليء بالإثارة، والتشويق، فانبهرت أعين جلال بالبريق اللامع للعرض الخاص الذي عرض جمال، وروعة مدينة جمصة، هذا العرض الذي أشعل فيهم أحلامًا برحلة يومية تدوم سبعة أيام، وبلغت تكلفتها مائتي جنيه فقط، وأدرك جلال أن هذه الفرصة ليست فقط مُغرية ولكنها تتسم بالفرادة، والضرورة، خاصة في هذا الزمن الذي يحتاجون فيه بشدة إلى تجديد طاقاتهم الإيجابية التي تضاءلت بفعل السلبيات التي فرضتها ظروف الحياة الصعبة التي تجسدها شخصية أم الديب، وفي خضم هذا الانبهار، والتفكير العميق، لم يستطع جلال أن يمنع نفسه من التعبير عن دهشته قائلًا: _ايه ده يا بت يا ليالي...شايفة اللي انا شايفه ده؟ بيقولك أسبوع في جمصة بمتين جنية ده ببلاش يا عيال. ردت ليالي بسعادة، وهي تأكل السوداني، وقد ارتسمت على وجهها ملامح البهجة، وعيناها تشعان بالحماس، وكأنها تستشرف المستقبل بعيون حالمة. شعرت بأن هذه الرحلة ستكون بمثابة نسمة عليلة تملأ أرجاء حياتهم بالانتعاش، وتزيل عن كاهلهم غبار الروتين اليومي الممل: =تصدق يا جلال دي فكرة حلوه أوي...ده العيال نفسهم يبلبطوا بدل الكتمة دي ياخويا. رد جلال، وهو يصوب عينه ناحية التلفاز، حيث انعكست الأضواء المتلألئة على وجهه. بدا وكأن عينيه تسترسلان في تفاصيل العرض، ووجد نفسه يتأمل في بريق الصورة التي تجسدت أمامه: _مانا بقولك يا ليالي دي فرصة متتعوضش...انا هاخد أمي وأبويا معانا، وأخواتي البنات ونتفسح كلنا. لكن للأسف، فرحة ليالي لم تكتمل بسعادة، بل أصبحت مستعرة بالحزن العميق، حيث لا تحتمل ثقل الألم، وكأنها تعاني من عمى لا يمكنها تحمله. بالإضافة إلى ذلك، تجد صعوبة في تحمل وجود أم الديب حولها، وبكل جرأة، صرخت في وجهه، تعبر عن مشاعرها بكل صراحة: =وتجيب أمك ليه طيب؟ ماحنا كنا حلوين لواحدنا ده أمك هتطلع عين اللي جابونا. حاول جلال إقناع ليالي، بلطف، قائلًا: _يا بت افهمي أبويا وأمي يصرفوا علينا مصاريف الأكل والشرب وأهو نقعد ببلاش ومجاتش على المتين جنية السكن. ردت ليالي بسخط: =تغور أمك بفلوسها، قال يعني بتصرف أوي...ده الجنية اللي بيطلع من جيبها بيتكتبله عمر جديد. نطق جلال، وهو يحاول إقناع ليالي مجددًا، بكلمات تنبع من القلب: _الزن أمر من السحر، وانا هزن على ودانها المهم جهزي الشنط عشان نسافر الصبح، وكلمي البت نعمة تجهز شنطها. تلفظت ليالي بتفكير: =لا لو جات على نعمة محلولة...إنما أمك دي اللي صعبة. رد جلال بابتسامة واسعة: _ولا صعبة ولا حاجة جهزي الشنط بس خلينا نفرح! نزل جلال من شقته، وطرق باب أم الديب، وقال بصخب: =ياما افتحي ياما! في هذا التوقيت، كانت أم الديب تشتغل على عجن العجين، وفجأة صاحت بسخط، كأن صوتها انكسر على جدران المطبخ كصخب الأمواج على الصخور المتلاطمة: _ايهي ايه اللي جابه دلوقتي؟ ده آني ورايا عجن. توقفت حركة أم الديب، ففتحت الباب، وكانت يديها مستورة بالعجين، فنطقت قائلة بنبرة متجبرة: _ايهي جلال؟ ايه اللي جابك ياولا؟ دخل جلال الشقة، وهو يسأل عن والده، وكأن صوته يتردد في أرجاء الغرفة كنسمة خفيفة تتسلل بين الأمور الشخصية: =فين أبويا؟ ونادى عليه قائلًا: =يابا... يابا. في هذا الوقت، كان المعلم حنفي نائمًا على سريره، يعانق حلمًا مغمورًا برائحة لحم الفخذة الضأنية المشوية على الفحم. لكن فوجئ الحلم بكلماته تنبثق إلى الواقع، حيث نطق مغشيًا عليه، وكأن صوته يخترق حدود الأحلام ليبلغ أرجاء الوجود بمشهد غير متوقع: _ياه ده الواحد نفسه في فخده. دخلت أم الديب الغرفة، وسمعت ما قاله، فصاحت به قائلة بضجيج: =فخدة ايه دي يا راجل يا عرة؟ بقى آني واثقة فيك وفي اللي جابوك، وفي الآخر تخوني يا راجل يا معتق؟ استيقظ المعلم حنفي من نومه، وهو يصيح قائل: _جرا ايه يا ولية؟ هو انا كل ما أحلم بطبق اللحمة، تيجي تفصليني؟ رد جلال بتعجب، وعيناه تعبر عن دهشته: =الواحد مننا بيحلم بحاجة عمره ماشافها...إنما الغريبة يابا إنك جزار وبتحلم باللحمة. جلس المعلم حنفي على سريره، وقال: _ياض آني جزار بالإسم...انت مش شايف حتة الدهنة اللي معلقها ليل نهار؟ آني عاوز طبق لحمة مليان قد كدهو. صاحت أم الديب قائلة ببغضاء: =آني هقطعك حتت وأعمل منك طبق فتة! وقف المعلم حنفي مكانه، وهو يصرخ في وجهها قائل: _لا بقولك ايه آني ساكتلك من ساعتها متخلنيش أمد إيدي عليكي! اقتربت أم الديب منه، وقالت بصوت غليظ، كأنها تتحدث بقوة: =تمد ايدك على مين يا راجل انت؟ نظر المعلم حنفي في عين أم الديب فانصدم بما يخرج منها من شر وأذية، فقال بخوف ملموس يرتسم على ملامحه الاضطراب: _يا ولية بهزر معاكي. وأردف لجلال: _يلا ياض يا جلال خد أمك واخرج وسيبوني أحلم بطبق اللحمة. رد جلال بامتعاض: =قوم يابا انا مش نازل من شقتي علشان تقولي أخرج...انا جايلكم في حاجة هتفرحكم أوي أوي. تلفظ المعلم حنفي بفضول: _عايز ايه ياض؟ رد جلال بسعادة: =هنروح مصيف يابا...افرح! تاه عقل المعلم حنفي، فقال بعدم استيعاب، كأن كلماته تتلبد بالدهشة: _مين؟ نطق جلال بسعادة: =انا بكلمك انت يابا بقولك هنروح مصيف ونغير جو كلنا! همست أم الديب بزغاريد تناغمت مع الفرحة، وارتسمت على وجهها ابتسامة تنطق بالسعادة. جرت بخطوات مُسرعة نحو غرفة هايدي، وفي لحظة من البهجة، قالت لها بصوت مليء بالحنان: _يا ألف بركة...افرحي يا بت يا هايدي...انتي يا منيلة! وضعت هايدي هاتفها جانبًا، وقالت بتعجب: =في ايه؟ ردت أم الديب بسعادة: _افرحي يا بت هنصيف، ونروح البحر اللي عمرنا ماشوفناه! قالت هايدي بتعجب: =هتروحوا فين؟ دخل جلال الغرفة، وأجاب قائلًا: _هنروح جمصة يا بت سبع ليالي بمتين جنية. ردت أم الديب بذهول: =ايهي هو انت اتجوزت سبعة منها يا ولا؟ تلفظ جلال بسخرية: _لا ياما خفة دم مش عاوز! وقفت هايدي مكانها، وقالت باشمئزاز: =ايه القرف ده؟ جمصة ايه وقرف ايه؟ الناس بتروح الساحل، وشرم، والغردقة، والجونة، وانتوا رايحين جمصة؟ انفجرت أم الديب في وجه هايدي بكلام ملتهب قائلة: _اتبطري على النعمة يا بت لحد ماتغور من وشك...آني مش عارفة البت دي متمردة كده ليه على عيشتها؟ وخرجت من الغرفة، وهي تزغرد قائلة بسرور واضح: _زغردوا يا ولاد! في شقة نعمة، كانت تستلقي على الأريكة، وتعبقر وجهها بالتساؤلات حيال زغاريد أم الديب التي هزت أسوار المنزل. تسارعت أفكارها، وظنت في داخلها أن هايدي قد قررت أخيرًا الموافقة على العريس الجديد. وفي تلك اللحظة، خرج حامد من غرفة النوم بدهشة، قائلًا: =الله هي البت أختك اتخطبت ولا ايه؟ ردت نعمة بتفكير: _والنبي مآني عارفة لا يكون كلامك صح. لم تتحمل نعمة كثرة التفكير القاتل، فوقفت، وهي تضع حجابها فوق رأسها قائلة: _لا بقولك ايه آني هنزل لأمي أشوف في ايه...خد بالك من الواد! نزلت نعمة إلى شقة أم الديب متأثرة بصوت زغاريدها، وفور وصولها، تسلل السخط إلى كلمات المعلم حنفي، حيث تحدث بصوت مليء بالغضب: =بتزغردي على ايه يا ولية؟ هو احنا عندنا فرح؟ دخلت نعمة الشقة، وقالت بتعجب: _في ايه؟ في ايه؟ ايه الصوت ده؟ ردت هايدي بانفعال: =شوفي الهم اللي بيحصل، قال ايه رايحين يصيفوا في جمصة دي عامله زي الترعة... انا مش فاهمة دماغهم بجد. نطقت نعمة بتعجب: _ايه ده احنا هنصيف ياما؟ الكلام ده بجد يا جلال؟ بفرح كبير، رد جلال قائلًا: =طبعًا يا بت والسعر حنين أوي سبع ليالي بمتين جنية. صرخت أم الديب بصوت عالٍ من الصدمة، قائلة: _يا خرابي متين مرة واحدة؟ انت عارف يا ولا المتين جنية دول يعملوا ايه وايه؟ يخربيتك يا منيل آني كنت عارفة إن ليالي دي هتفلسك وتخليك على الحديدة. ردت هايدي بسخرية مبتسمة: =هو ايه اللي متين جنية؟ أمال لو عرفتي إن الأوضة في الفندق بتلات آلاف جنية للشخص الواحد لليلة واحدة! صرخت أم الديب، وهي مندهشة بشدة، قائلة: _يا مصيبتي، اكتمي يا بت! ردت نعمة بابتسامة ساخرة: =اسكتي يا هايدي ألا أمك عندها داء الفلوس! تحدث جلال ببهجة: _يلا يا نسوان جهزوا الشنط خلونا نبلبط. رد المعلم حنفي بلهفة مفعمة بالسعادة: =ياه أخيرًا الواحد هيشوف البحر؟ في صمت الليل، صعد جلال إلى شقته، جالسًا على الأريكة يستمتع بشاشة التلفاز. في الوقت ذاته، كانت ليالي تنظر إلى حقيبتها بتوتر، خوفًا من أن تنسى ملابس أحدهم. ففصلت ملابس جلال، وملابسها، وملابس حمود، وتقى بعناية، ثم جمعتها بحذر داخل الحقيبة. وضعت منشفتين، وكريمات العناية بالبشرة، وكريم الحلاقة لللحية، وأدوية ضرورية. احتياطًا من أي طارئ قد يطرأ ليلًا. وعندما انتهت من ترتيب الثياب، أغلقت الحقيبة بعناية ووضعتها جانبًا. ثم توجهت إلى المطبخ، حيث بدأت في تحضير الساندويتشات، فصنعت ساندويتشات الجبن، وأخرى بلانشون اللحم، ووضعتها في المثلج. بينما في اليوم الثاني الساعة الرابعة فجرًا، استيقظت العائلة برمتها. فدخل جلال إلى المرحاض لغسل وجهه، في حين أيقظت ليالي أبناءها واختارت لهم ملابس الرحيل، وصففت شعر ابنتها تقى. وعندما اكتملوا، كانت الساعة الخامسة والنصف صباحًا. في حين هايدي ترفض السفر إلى تلك الوجهة التي تراها رديئة. حيث دخل المعلم حنفي الغرفة ليجد أم الديب ترتدي الجلباب، وبينما اندلع القلق في قلبه، قال: _يلا يا ولية ألا نتأخر! نطقت أم الديب بصياح: =انت تتكتم خالص...مسمعش صوتك، فاهم ولا لا؟ أجاب المعلم حنفي بصوت خافت: _حسبنا الله ونعم الوكيل في الظالم والمفتري. تفوهت أم الديب بجلبة متوترة: =بتقول ايه يا راجل انت؟ رد المعلم حنفي بفزع: _لا ياختي ده انا بقول استغفر الله...بستغفر ربنا. حمل جلال الحقائب، وقال بتوصية متأملة: =يلا يا ليالي انا هنزل أحط الشنط في التمناية، متنسيش تقفلي النور ألا يفرقع ويعملنا حريقة في البيت! ردت ليالي بسخرية: _ياريت بس يفرقع عند أمك، أمك اللي مطلعه عينينا. تلفظ جلال بتعجب واضح: =ماجرا ايه يا ليالي انتي حد داسلك على طرف؟ نطقت ليالي برهبة ملحوظة: _لا ياخويا محدش...انزل وانا جاية وراك انا والعيال. وهكذا، نزل جلال حاملًا الحقائب، حيث رتبت ليالي الساندويتشات، وعلب العصائر داخل كيس بلاستيكي. حملت حقيبتها الشخصية ودخلت المطبخ لتطمئن على محبس المياه المأسور، وأنبوب الغاز. ثم خرجوا وأوصدوا الباب وراءهم. وعندما جلسوا في السيارة، كان جلال يشغل دور السائق، وإلى جانبه المعلم حنفي كالعادة. وفي المقاعد المتوسطة جلست أم الديب، ونعمة، ومحمد. أما في المقاعد الخلفية، جلس حامد بجواره هايدي، وحملت ليالي أبنائها على ساقيها. وكان حامد ينظر إلى هايدي، يطلق ضحكات ساذجة، فنظرت هايدي له بانزعاج، وقالت بضيق: =انا ايه اللي قعدني هنا؟ ماكان زماني قاعدة في البيت أرحم. زغردت أم الديب بابتهاج، وهي تصفق، وتغني قائلة: _غنوا معايا يا عيال...أيوه يا واد يا ولعة خدها ونزل الترعة. ضحك جلال بابتسامة، وقال: =و ليه الفال الوحش ده ياما؟ بينما كان جلال مشغولًا في الحديث مع أم الديب، انحرفت السيارة بالفعل نحو الترعة. صرخ المعلم حنفي بعنف، وهو يتشبث بتابلوه السيارة، قائلًا بصوت مرتفع: _الحق ياض! انحدرت السيارة في الترعة، فصرخت أم الديب بفزع: =يالهوتي...حد يلحقني! تجمع الفلاحون حول السيارة بفضول، يسعون للتأكد من سلامة عائلة أم الديب. قال أحدهم، وهو يلقي نظرة نحو جلال، بتعبير ينم عن الاهتمام: _أنتوا بخير؟ ثم نظر للمعلم حنفي، وأردف: _انت بخير يا عم الحاج؟ فقد المعلم حنفي القدرة على النطق، فخرجت منه كلمات مشوشة تلامس حدود الغموض، كأنه يحاول التعبير عن مشاعره بلغة لا تعترف بالكلمات، قائلًا: =مين.. ده...هو...هما... تحدث أحدهم بتعجب قائل: _انت بتقول ايه يا حاج؟ انت كويس؟ نطق جلال بأعصاب مرهقة: =آه...الواحد كان هيموت يا بت يا ليالي. نزل جلال، والمعلم حنفي من السيارة، وتجمع الناس حولها، ممددين أيديهم ليرفعوها. في تلك اللحظة، كان الأطفال يبكون من الذعر الذي أصابهم. طمأنت ليالي أطفالها بكلمات مليئة بالحنان، قائلة: _متخافوش يا عيال...الحمدلله طلعونا بسرعة، كان زمانا غرقانين دلوقتي! ردت أم الديب بسخرية: =ايهي يا عيال يا خِرعة...دي ترعة فيها شبر مايه انتوا اللي عيال جبانة. ركب جلال السيارة، وقال: _أهو ده ياما المثل اللي يقولك بيغرق في شبر ماية. نطقت أم الديب بسعادة: =يلا يا ولا اطلع خلينا نروح نبلبط في الماية. ردت ليالي، وصاحت بصوت مرتفع في وجهها: _ده كان يوم أسود يوم ماجيتي معانا في حتة. نظرت أم الديب بعيون متأججة بالامتعاض في وجه ليالي، وقالت بصوت يرن كصخب عاصفة: =انتي بتتكلمي عليا آني يا بت؟ بتغلطي فيا؟ أجابت ليالي بلا مبالاة: _انا جيت ناحيتك يا حماتي؟ انا بتكلم على البت تقى...أصلها بتعيط وانا مبحبش الزن. ردت أم الديب باهتياج: =ايهي بحسب....ده لو كنتي بتتكلمي عليا كنت طلعت بزمارة رقبتك يا بت! أخرج جلال علبة السجائر، وأشعل السيجارة بانفعال، قائلًا بغضب متصاعد: _ماجرا ايه متدوشونيش، انا هطلع بالعربية واللي هيفتح بوقه بكلمة هدب السكينة في كرشه! ثم نظر للمعلم حنفي، وأردف: _ماتقول حاجة يابا. رد المعلم حنفي، وهو يرتجف من الخوف: =اطلع ياض ألا ركبي بتخبط في بعض من ساعتها. رد جلال: _أجيبلك حاجة تشربها يابا؟ نظر جلال لجسد المعلم حنفي، فرأى أنه ما زال يرتجف، فقال بدهشة: _مال جسمك بيترعش ليه؟ ردت أم الديب: =ده راجل عرة...جبان. التف المعلم حنفي نحو أم الديب، وكأنه يسعى جاهدًا للوصول إلى جسدها بيده، يتلمس طريقه ليرتاح ويستعيد حقوقه المهدورة. بصوت ينبعث منه الغضب المتأجج، قال: _مش هسيبك يا ولية...آني هطلع القديم كله على نفوخك انتي واللي جابوكي! ردت أم الديب بعجيج: =انت بتتكلم مع مين يا راجل انت؟ ده آني هقلع البلغة، وهنزل بيها على نفوخك! صاح جلال بصوت مرتفع قائلًا: _بس في ايه؟ تفوهت نعمة بقلق: =ماتسكتي ياما شوية مش كده... معلش يابا حقك على راسنا احنا. رد المعلم حنفي بضيق: _آني هسكت علشانك انتي يا نعمة بس قسمًا عظمًا إن أمك فتحت بوقها...لأطربقها على دماغها! بعد محاولات مضنية من الجميع لتهدئة الموقف وفض النزاع، انطلق جلال بالسيارة. وبعد ساعات من الرحيل، وصلوا إلى جمصة. هناك، توجهوا نحو العنوان الموجود في الإعلان التلفزيوني. بالفعل، تم ترتيب الشقة من قبل، وكان الرجال يحملون الحقائب بحرص لنقلها إلى الشقة المصيفية. وتم توزيعهم على الغرف بترتيب دقيق. جلال، وزوجته، وأبناؤه في غرفة أما نعمة، وحامد، وابنهم في غرفة أخرى، بينما أم الديب، والمعلم حنفي، وهايدي في غرفة أخرى. بعدما جلسوا للراحة، خرج حمود من الغرفة، مرتديًا شورت البحر، ومعه عوامة، وهو يقترب من جلال فقال له بحماس: =أبا أبا عاوز أنزل البحر. رد جلال بإرهاق: _استنى ياض نرتاح شوية ألا انا جتتي اتدغدغت... مانتوا خسرانين ايه؟ انا اللي كنت سايق وكلكم ممددين ورا. تفوهت ليالي بسخرية: =ممددين ايه؟ احنا كنا محشورين في بعض ياخويا، محسسني إننا قاعدين في عربية مرسيدس دي حياله تمناية. رد جلال بصوت حاد: _مالها التمناية يا ليالي؟ ماهي اللي جابتنا لولاها كان زمانا قاعدين في البيت. نطقت ليالي بوجه عابس، ملامحها متجهمة وعينيها تعكسان شعورًا عميقًا بالضيق: =طيب ياخويا العيال عايزين ينزلوا. دخل جلال الغرفة بخطوات ثقيلة، وقال لأم الديب بنبرة جادة: _يلا ياما غيروا عشان نازلين البحر. ردت أم الديب: =ماشي. وأردفت لهايدي: =بت يا هايدي البسي هدوم البحر. أجابت هايدي: _حاضر. دخلت أم الديب إلى البلكونة حيث كان يجلس المعلم حنفي، وقالت بصوت حاد، وممتلئ بالانفعال: =قوم يا راجل انت عايزين نروح البحر. رد المعلم حنفي، وهو يشاهد منظر البحر، وقد تلاشت تعابير الغضب من وجهه، وانبثقت بداخله مشاعر من السكينة، والتأمل. بينما يتأمل أمواج البحر تتلاطم على الشاطئ، قال بصوت مليء بالهدوء: _لا روحوا انتوا...آني مش نازل النهاردة. ردت أم الديب ببغضاء: =يا باي عليك راجل فقري. دخل الجميع إلى الغرف ليرتدوا زي السباحة، وبعد أن اكتمل التجهيز وتأكدوا من أنهم مستعدون تمامًا، نزلوا معًا بحماس للاستمتاع بمياه البحر الزرقاء المنعشة. وفي تلك اللحظة، قال جلال بسعادة متجددة، ونبرة مليئة بالحيوية: _ياه يا بت يا ليالي شايفة منظر البحر يشرح القلب ازاي؟ ردت ليالي بسعادة: =أيوه يا جلال...ده المنظر إنما ايه شوية هوا كده مفيش لا قبلهم، ولا بعدهم. أطلقت أم الديب الزغاريد، وقالت بسعادة: _البحر أهو يا عيال. وقفت أم الديب إزاء شاطئ الرمال الذهبية، وعبير التعجب يتعانق مع جمال المنظر الخلاب أمامها، فيما كان البحر يمتد إلى الأفق البعيد كلوحة فنية حية، وفجأة، ظهرت هايدي من خلفها، وكلامها يتسلل بتقزز، وكأنها تحاول أن تشوه روعة اللحظة بجملتها اللاذعة: =بس ده الرمل يا ماما! ردت أم الديب بسعادة: _ايهي آني عمري ماشوفته ولا روحته...فين البحر ده؟ أشارت هايدي بيدها نحو البحر، وقالت بنبرة مفعمة بالاشمئزاز: =أهو اللي لونه أخضر. تفوهت أم الديب بتعجب: _بس هما بيقولوا لونه أزرق. ردت هايدي باشمئزاز: =لا ده في الأماكن النضيفة إنما هنا لونه أخضر من كتر القرف اللي فيه...لعلمك الناس هنا بتعمل بيبي في الماية! ردت أم الديب بلا مبالاة: _وايه المشكلة يا بت يعني الراجل يبقى محصور وميفكش زنقته؟ ايهي هو ده اسمه كلام؟ قالت هايدي بنبرة مفعمة بالتقزز: =ايه اللي بتقوليه ده يا ماما بس؟ قفز جلال في أحضان المياه، وشغف السعادة يرقص على وجهه، فخرجت منه كلمات تنبع من قلبه المفعم بالبهجة، وهو يعبّر عن فرحته العارمة بتجريب كل حركة، حتى إنه راح يطفو على الماء ويدور في حلقات من البهجة الخالصة: _يا حلاوة يا ولاد...ده المايه ساقعة. دخلت ليالي ونعمة بأولادهما إلى أحضان البحر، فابتسمت ليالي بسعادة عارمة، وكلماتها انبعثت بلُطف، وبهجة وهي تقول: =الله ايه الجمال ده؟ اقترب حمود من والده، فواصلت ليالي حديثها: =والنبي تاخد بالك من الواد حمود وانا هخلي البت في إيدي! رد جلال بسعادة: _ماشي...تعالى ياض مع أبوك جوا. دخل حمود مع والده إلى مكان أعمق في البحر، حيث كانت الأمواج تهدأ وتصبح أكثر سكينة، بينما وقف المعلم حنفي في البلكونة يراقب النساء المارات بعيون فضولية. وفجأة، مرت حياله فتاة في عمر الزهور، جمالها البريء وشبابها النضر لفتا انتباهه بشدة، فناداها بصوت مليء بالإعجاب، وكأنما وجد في رؤيتها شيئًا يحيي في داخله ذكريات، وأحلامًا ضائعة: =إش على الحلاوة...ماتبصي يا حلوة ده انا راجل كبير وأعجبك! مرت سيدة ممتلئة الجسد، أو كما تُعرف بـ"كيرفي"، بجانب المعلم حنفي، وفي تلك اللحظة، تحسس بيده على صدره كأنه يحاول تهدئة نبضات قلبه المتسارعة، ونظر إليها نظرة إعجاب واضحة، مغازلًا إياها بصوت عذب قائلًا كلمات ناعمة تحمل في طياتها كل معاني الافتتان: =وده طبيعي ولا صناعي؟ في تلك اللحظة، صوبت أم الديب نظرها نحو المعلم حنفي، وكأنه ينظر إلى سحر السماء ويتأمل جمالها اللا متناهي. لاحظت استغراقه في التأمل، وبعد أن اطمئنت إلى أنه مشغول بعالمه الخاص، انشغلت هي مع أبنائها. ولكن بعد برهة، نطق المعلم حنفي بكلمات ساخطة، وكأن بركان الغضب يثور في داخله، مضيفًا إلى هدوء اللحظة صوتًا مدويًا يعكس حالة الغليان التي تجتاح صدره: =وليه بومة وش الهم. وقفت أم الديب على الشاطئ، وقالت بلهفة: _انتوا يا عيال جاتكوا هباب خدوني معاكم آني عاوزة أبلبط. لكن هايدي وقفت على حافة الشاطئ، وألقت بكلماتها بين الرياح المتطايرة، قائلة بصوت يحمل في طياته النفور: =انا هستناكم برا. مدت نعمة يدها لأم الديب بحنان، وقالت بصوت دافئ: _تعالي معانا ياما. دخلت أم الديب البحر، وهي تعوم بأسلوب يشبه عوم الكلاب مع أولادها، وكلما وقت الموجات إليها، انتفضت وصرخت بصوت ينفتح على مدى البحر: =يا لهوتي...يا خرابي. صاح جلال فيها قائلًا بانزعاج: _ماجرا ايه ياما الفضايح دي؟ ردت أم الديب بذعر: =الماية عالية يا ولا. دخلت أم الديب في عمق المياه مع نعمة وحامد، وهي تسبح بحركة ثابتة، وظلت العائلة في هذا الوضع حتى دوى أذان المغرب، وهو الزمن الذي يتجلى فيه انتشار الجان في مياه البحر. فقال جلال بترقب: _يلا يا ليالي نطلع...الدنيا ليلت. تحدثت ليالي: =يلا يا عيال. رد حمود بسعادة: _سيبوني مع ستي البجرة شوية. أمسكت ليالي بيد ابنتها برفق، وقالت بعاطفة واضحة في صوتها: =طيب تعالي معايا يا تقى. خرج جلال، وزوجته، وابنته من أعماق البحر، وجلسوا على كراسي مريحة أمام الشاطئ، حيث كانت الأمواج تتلاطم بهدوء على الرمال الذهبية. وفي لحظة من السكون، وضع جلال يديه الاثنين خلف رأسه، ومال بجسده إلى الخلف، مستمتعًا بلحظات الراحة بعد السباحة الطويلة. حيث نطق بكلمات ينسج فيها بين همس البحر، وصوت الأمواج المتلاطمة، والإرهاق الذي كان يشعر به، قائلاً بتأمل: _ياه الواحد اتفرهد...عايزك يا بت يا ليالي لما نروح ناكل ونظبط. ردت ليالي، وهي تجفف جسد ابنتها بالمنشفة: =ماشي ياخويا لما أمك تطلع. خرجت نعمة من أحضان البحر كأمواجٍ ترقص على الشاطئ، وجلست بجانبهم، وصوبت نظرها نحو أم الديب، قائلة بدهشة: _هي أمي لسه مطلعتش؟ رد جلال، وهو يتحسس ذراعه بيديه بحركة بطيئة، قائلاً بنبرة مملوءة بالتفكير: =لا مانتي عارفة أمك دماغها ناشفة. فجأة، تمسمرت قدما أم الديب، وشعرت بوجود شيء غامض يقيدها، فاندلعت صرختها في الهواء، وهي تقول بصوت مليء بالرهبة: _واد يا حمود انت فين؟ نظرت أم الديب حولها بقلق، واكتشفت فجأة حفيدها يُجذب تحت الماء بشكل غامض، ومخيف. تسارعت دقات قلبها، وصرخت مجددًا بصوت يحمل نداء الرعب، ممتزجًا بتوسل الأمل، قائلة بكلمات تتقطع بين شهقات الخوف، ودموع الذعر: _يا مصيبتي...انت يا واد... يا خرابي الواد اختفى، يا مصيبتي السودة... واد يا حمود! سمعت ليالي نواح أم الديب، فقالت بفزع: =سامع اللي انا سامعاه؟ صب جلال كل تركيزه على الصوت الصادر من الاتجاه الآخر، فاكتشف أنه صوت أم الديب الذي يصرخ بيأس. نهض بسرعة، وبحركة مفاجئة، مستجمعًا كل طاقته، وقال بصوت عالٍ ومليء بالقلق، عاقدًا العزم على التدخل السريع لإنقاذ الموقف: _ده صوت أمي! وقفت ليالي هي الأخرى، وصرخت بصوت مليء بالهلع، قائلة بكلمات تنبع من عمق القلب وتعبر عن حالة من الذعر الجسيم: =يا نهار أسود...أمك بتنده على ابني! نهضت نعمة وزوجها، وأسرعوا بالجري نحو البحر بسرعة هائلة، حيث تعالت أصواتهم بالتوتر. قالت نعمة بصوت يحمل الخوف المتزايد: _استرها يارب على إبن أخويا. نظر جلال حوله، يبحث عن ابنه بعيون مليئة بالقلق، ولكن لم يجده. في لحظة من اليأس، انطلقت يديه بسرعة نحو جيبه وهو يستخرج منه المطوى، وبصوت ينبع من أعماق الألم، صاح: =الواد ابني فين ياما؟ أجابت أم الديب بإعوال: =الواد كان جنبي يا جلال...ببص لقيته اختفى! لطمت ليالي وجهها بيديها بقوة، وهي تصرخ بصوت مليء بالفزع، قائلة بكلمات تعكس حالة من التوجس: _يا لهوتي هاتولي ابني...هاتلي ابني يا جلال...هاتلي ابني. تشبثت ليالي في عنق جلال بيديها الاثنين، فأمسك جلال بيديها بقوة وانزلق بهما بعيدًا، وصاح في وجهها بصوت مليء بالانزعاج، قائلًا: =أوعي يا ليالي! ثم وجه المطوى نحو أم الديب، وأردف: =وديتي ابني فين ياما؟ تحدثت هايدي برهبة: _اهدوا يا جماعة مش كده! نطقت نعمة بخوف: =جيب العواقب سليمة يارب. ردت أم الديب بصياح: _وآني مالي؟ آني بقولك كان جنبي، واختفى، تلاقيك انت يا ولا اللي ضيعته، وجاي تلبسها فيا مآني عارفاك. تفوهت ليالي بنواح مؤلم، صدح عبر الهواء بينما كانت تعبر عن بأسها العارم: =هوديكي في داهية يا حماتي. ردت أم الديب بصياح: _اخرسي يا بت مسمعش صوتك...أما بت قليلة الأدب صحيح. جرى جلال، وحامد بعيدًا للبحث عن حمود، فقال جلال، وهو يشار بيده على المكان المراد: =روح انت هناك...وانا هروح هنا. قبل أن يتحرك حامد، رأى حمود يلعب ببراءة على الشاطئ، يتفاعل بفرح مع حبات الرمل التي تتناثر حوله. فأشار حامد بيده بتفاؤل وابتسامة تملأ وجهه، وصاح بصوت مليء بالفرح، كأنه يعبر عن سعادته البالغة لإيجاد حمود: _ابنك هناك يا جلال بيلعب. جرى جلال نحو ابنه، وأمسك به بعنف مَنين، وصاح في وجهه بصوت يحمل نبرات القلق، والموجدة، قائلًا: =ايه اللي جابك هنا ياض؟ بكى حمود، وكلماته تنهمر مع دموع الأسى، قائلًا بصوت مكسور: _ستي البجرة جابتني. تشبث جلال بملابس ابنه، ورفعه في الهواء بقوة، وهو يسير به كما تحمل الرياح الخفيفة الورق. ثم قال بصوت ينبع من قلب مليء بالأبوة: =تعالى معايا. صرخت ليالي بمجرد رؤية ابنها، وجرت نحوه بسرعة مذهلة، دموعها تنهمر بغزارة وهي تبكي، قائلة بصوت مليء بالحنين، والفرح المختلط بالقلق والتعبير عن مشاعر الأمومة العميقة: _يا عيني عليك يابني...هاتولي ابني. جرت نعمة خلفها، وقالت بارتياح: =اهدي يا ليالي أهو جه خلاص! بعد أن وصلت ليالي لطفلها، نشبت به، وصاحت في وجهه قائلة بانفعال: _ايه اللي وداك هناك؟ أجاب حمود بانتحاب: =ستي البجرة ياما. تحدث جلال بصوت حاد: _الكلام ده حصل ياما؟ صاحت أم الديب فيه قائلة: =والنعمة ياخويا ماحصل...ده عيل كداب مش متربي زي أمه بت سلامة دباح الحمير. ردت ليالي بضجيج: _ماشي يا حماتي خليكي فاكراها! تحدثت نعمة بإحراج: =معلش يا ليالي...أمي متقصدش. أجابت أم الديب بسخط متأجج: _لا آني قاصده ايه رأيك بقى؟ تلفظ جلال بعصبية متوهجة: =آني هرجعك البيت ياما، ووريني مين هياخدك معاه في حتة تاني.. يلا يا ليالي قدامي. صعد الجميع للشقة المصيفية بغضب متوتر، وأعصاب متشنجة، فلمّا وصلوا، قال المعلم حنفي بتعجب ملحوظ، وغير متوقع: _انت جيت ياض؟ دخل جلال الغرفة، وهو يقول بندم واضح: =انا غلطان يابا إني جيبت أمي معانا. رد المعلم حنفي بصوت عالٍ مليء بالاستياء: _بيني وبينك ياض أمك وش هم...دي ولية غم. نطقت نعمة بخوف ملحوظ: =خد بالك يابا أمي طالعة على السلم! رد المعلم حنفي بلا مبالاة: _خليها تسمع هتعمل ايه يعني؟ دخلت ليالي المرحاض مع أبنائها للاستحمام، وفي الوقت نفسه وصلت أم الديب إلى الشقة، حيث انبثق الشر، والاغتياظ من عينيها، وبصوت حاد وكلمات مليئة بالقسوة، قالت بتلك الكلمات المستاءة التي تخترق الجو وتثير الفزع: =هما فين؟ رد المعلم حنفي بجلبة: _هما مين يا ولية؟ نطقت أم الديب بصياح: =ليه ياخويا هو انت متعرفش؟ رد المعلم حنفي بسخرية: _لا ياختي معرفش. أجابت أم الديب بانفعال: =الواد جلال ومراته لبسوني تهمة...قال ايه ضيعت الواد ابنهم. رد المعلم حنفي بتعجب: _ضيعتيه فين يا ولية؟ أمال مين اللي لسه داخل الحمام ده؟ صرخت أم الديب بصوت مرتفع يشبه صوت الرعد، تناثرت كلماتها كأسهم ملتهبة في الهواء المشحون بالتوتر: =ايهي هما دخلوا الحمام قبلي؟ طرقت أم الديب باب المرحاض بعنف متفجر، وهي تصيح بكلمات تنبعث منها حرارة الانزعاج: _افتح يا جلال...افتح! جاء جلال عقبها، وقال بصوت متسائلًا، ومليء بالاستغراب: =في ايه ياما؟ مش انا اللي جوا! ردت أم الديب بإستفهام ينطوي على حيرة وامتعاض مكبوت: _أمال مين اللي جوا؟ أجاب جلال بترقب: =ليالي بتحمي العيال. نطقت أم الديب بنواح مؤثر، ينبعث منه حرقان كأن مياه البحر نار ناشبة بجسدها: _آني عاوزة أدخل الحمام استحمى يا ولا...جتتي بتاكلني من الماية المالحة. وضعت أم الديب يدها بقوة على جسدها، وهي تتهرش بلا هدف وكأنها تحاول بجميع جوانبها محو أثر التآكل الذي أشعل جسدها، فقالت بتألم: _ايهي ده بحر ولا ماية مخلل ياخويا؟ رد جلال بضيق: =اصبري ياما لما يخلصوا أدخلي بعدهم، وبعد منك هايدي، وبعد منها نعمة، وخليني انا في الآخر. نطق حامد بذهول وهو يتهرش جلده بقوة، كأنه يحاول استرجاع توازنه بعد صدمة قاسية تعرض لها في أعماق البحر: _وآني هستحمى امتى يا جلال؟ رد جلال بتعبير يعكس الاضطراب، وهو يتهرش بقوة جسده كمن يعاني من الجرب الذي يتسلل إلى كل زاوية من جسده، محاولًا تخفيف الحكة: =استحمى بعد مني ياض ألا انا جتتي بتاكلني. تلفظ حامد، وهو يتهرش بقوة جسده كمن يحاول التخفيف من شعور داخلي متزايد: _وانا يعني اللي جتتي عليها عسل نحل؟ صاحت أم الديب في وجوههم بصوت مليء بالاستياء، كأنها تحاول نقل قوة انفعالاتها بوضوح: =اخرسوا انتوا هتلكوا كتير؟ رد جلال بعصبية: _في ايه ياما؟ صوتك ميعلاش! جاءت نعمة من خلفهم، وقالت بصوت هادئ: =بس خلاص مش عايزين مشاكل...تعالي ياما نقف برا لحد ما ليالي تخلص هي والعيال. سحبت نعمة أم الديب من يدها، فقالت الوالدة بغضب ملحوظ: _آني مش عاوزة أقف في حتة آني عايزه أدخل الحمام. وطرقت الباب بعنف مجددًا، وواصلت بصياح: _افتحي يا بت يا ليالي! سحبت نعمة يد أم الديب للمرة الثانية، وقالت بصوت محتدم مليء بالإحباط، كأنها تسعى لفرض سلطتها بقوة: =تعالي بس ياما. بعد مرور نصف ساعة، خرجت ليالي من المرحاض برفقة أبنائها، ودخلت الغرفة بخطوات هادئة تعكس السكينة. فيما لم تلبث أم الديب إلا أن انقضت على المرحاض بعد خروجهم، موصدة الباب بعنف واضح في وجوههم، كأنها تمثل صورة للاستفحال. وفيما انتهت ليالي وأبناؤها من تغيير الملابس في مدة قصيرة، كانت أم الديب تغني في المرحاض بصوت مرتفع، كأنها تردد ألحان الفرح بين جدرانه المُغلقة. استغرب المعلم حنفي من هذا المشهد بكل تعجب، ودهشة، فقال لجلال: _أما قولي ياض هي مراتك لبست ولبست العيال ليه؟ رد جلال: =ماحنا يابا بعد مانخلص هننزل ناكل لقمة برا، ونلف شوية نشتري شوية حاجات. وقف المعلم حنفي، وقال بصوت هادئ متمهل: _طيب هدخل ألبس انا. دخل المعلم حنفي الغرفة ليرتدي الملابس، بينما وقفت نعمة حيال باب المرحاض، ونادت أم الديب بصوت يحمل نبرة الاستفزاز: =يلا ياما ماتخلصي ده احنا نشفنا... يلا ياما الواد ابني عايز يستحمى! ردت أم الديب بصوت عالٍ يتسم بالحدة: _ايهي استني يا بت آني لسه مستحمتش! وقف جلال من صدمته، واقترب من المرحاض وهو يضرب كفًا على كف، فصاح بصوت يحمل مزيجًا من السخط، والاستغراب، كأنه يحاول إيجاد تفسير للأحداث الغير متوقعة التي تجري في تلك اللحظة المشحونة بالتوتر: =أمال انتي ياما بتعملي ايه كل ده؟ ردت أم الديب بصوت عالٍ، وهي تحاول تسليك شعرها المجعد بالفرشة، كأن صوتها يعكس غضبًا مستترًا خلف الكلمات، كمن يحاول إخفاء الضيق الذي يتراكم داخلها: _آني بفك في شعري...ده ياخويا لازق في بعضه، المشط مش راضي يمشي فيه ولا راضي يدخل. رد جلال بصياح: =ياما الدنيا هتليل ياما أكتر ماهي ليلت...عايزين ناكل لقمة، يلا ياما آني جسمي بياكلني! ردت أم الديب بصوت عالٍ: _خلاص يا ولا قربت أخلص! تحدث جلال بغضب متقد، وكلماته تنبعث منها حرارة الاستياء: =عاجبك اللي أمك بتعمله ده يا نعمة؟ ردت نعمة بتأثر: _الواد عمال يعيط يا جلال مش مستحمل الملح اللي على جسمه. مر المعلم حنفي من أمامهم، فناداه جلال بصوت مرتفع، يحمل طلبًا أو استفهامًا ملحًا: =ماتيجي يابا تشوف حل مع مراتك. رد المعلم حنفي بلا مبالاة: _اتصرفوا انتوا...آني مليش فيه. بعد مرور ساعة ونصف، انتهى الجميع من الاستحمام، وتغيير الملابس، ثم خرجوا ليسيروا على الكورنيش الذي كان ممتلئًا بالمارة المتجولين، ورائحة الطعام الشهية بالمطاعم، والكافيهات الصاخبة بالموسيقى، والملاهي المضيئة، وكل ما تشتهيه الأنفس من حياة، وحركة. كان جلال يسير في المقدمة بجانب المعلم حنفي، وفي الوسط كانت تمشي ليالي مع نعمة، وحامد مع أبناؤهما، وفي الخلف كانت تتبعهم أم الديب، وهايدي، وفي لحظة من الهدوء الذي لاحق الضجة، تحدث جلال بأسلوب متسلسل ينبعث منه رونق السرور، والتفاؤل، كما لو أنه كان يتنفس الحياة الجديدة، والأمل في كلماته: =هتاكلوا ايه؟ أشار حمود بيده باتجاه الشيف الذي كان يستخرج الدجاج المشوي ببراعة من الشواية في المطعم، وهو يقول بصوت متحمس، ومليء بالاشتيهاء: _أبا أبا...انا عاوز فرخة مشوية. التف جلال اتجاه ليالي، وقال بصوت ينبعث منه التقدير: =ايه رأيك يا بت يا ليالي نجيب فراخ مشوية؟ ردت ليالي بتفكير: _فكرة ياخويا ألا احنا آخر مرة كلناها كانت من سنة. نطق جلال باهتمام: =ماشي...وانتي يا بت يا نعمة؟ ردت نعمة بتأكيد: _احنا هناكل حواوشي ياخويا... هاتلنا تلات أرغفة كبار. قال جلال بصوت متفائل ينبعث منه الاهتمام: =باقي هايدي، وأبويا...هتاكلوا ايه؟ أجابت هايدي بثقة: _انا عايزه فرايد تشيكن. رد جلال بتعجب: =انتي بتقولي ايه يا بت؟ ماتتكلمي زينا، هتاكلي فراخ معانا ولا هتاكلي ايه؟ أجابت هايدي بانزعاج: _مانا بقولك أهو هاكل فرايد تشيكن! رد جلال بسخرية: =أبو أم عوجة اللسان دي...هاتولنا مترجم! ونظر للمعلم حنفي، ثم أردف بكلمات مليئة بالتقدير: =هتاكل ايه يابا؟ أجاب المعلم حنفي باشتيهاء: _آني هاكل ياض لحمة راس، وشوربة كوارع. تفوهت هايدي باشمئزاز: =يع. تحدثت أم الديب بجلبة حارة: _وآني هاكل ايه؟ ولا انت يا ولا تسأل كله، وتيجي عليا وتقف؟ سألها جلال بانزعاج ملموس: =هتاكلي ايه ياما؟ ردت أم الديب بتأمل: _آني عاوزة عيش مبلول ماية. صاحت نعمة قائلة بدهشة: =هو انتي ياما مفيش فايدة فيكي؟ يعني كلنا طالبين فراخ، ولحمة وانتي تقولي عيش مبلول؟ نطقت أم الديب بعجيج: _ده اللي عندي يا بت ان كان عاجبك...آني آكل اللي يعجبني آني حرة. تلفظ جلال بصياح: =ماجرا ايه ياما؟ انتي كل يوم عاملالنا فضايح؟ رد المعلم حنفي بصياح يحمل في طياته تهديدًا واضحًا لأم الديب، صوته يتجاوز الحدود المألوفة للهدوء، كأنه يسعى لإيصال رسالة قوية ومحددة بشكل لا يدع مجالًا للتأويل: _اسكتي يا ولية مسمعش صوتك ألا هقتلك! نطقت أم الديب بصياح: =انت بتزعقلي يا راجل انت؟ كانت نعمة تشعر بالخوف المتزايد من تأزم الوضع، حيث بدأت الأنظار تلتفت نحوهم بسبب ارتفاع صوتهم بشكل لافت، وفي هذه اللحظة الحرجة، قالت ببساطة تعكس القلق: _يا جماعة الله يهديكم بطلوا مشاكل! نطقت ليالي ببرود يعكس الهدوء: =ماكنا جينا لواحدنا يا جلال. ردت أم الديب بسخرية: _وهيجيبك لواحدك ليه يا بت سلامة؟ أجابت ليالي بردود ماكرة تنم عن ذكاءها: =ماهو أصل بصراحة يا حماتي، انتي زودتيها وبوظتي علينا الخروجة! نطق جلال باختناق: _اتكتموا بقى...انا رايح أجيب الأكل خلينا نطفح قبل مانرجع البيت. ومد يده لأم الديب، وواصل بانتظار: _هاتي ياما فلوس. ردت أم الديب بدهشة: =وآني أجيبلك فلوس منين؟ نطق جلال بغضب ملحوظ: _هاتي ياما فلوس بقولك! أجابت أم الديب بصوت حاد: =ممعايش. رد جلال بانفعال: _لا معاكي ياما...يلا هاتيلنا ٣٠٠ جنية خلينا ناكل ونخلص. صاحت أم الديب بانزعاج واضح، صوتها ينطلق بقوة معبرًا عن استيائها: =ايهي ٣٠٠ عفريت لما يركبوك وينططوك يا بعيد، وآني هجيبلك كل ده منين؟ هو جنية مفيش غيره وبرضة كتير عليك. أخرجت هايدي المال من حقيبتها، وبينما تمد يدها لتسليمه لجلال، قالت بكلمات تنبعث منها الثقة: _خلاص، خد يا جلال...انا أخدت مرتبي من المدرس اللي بتدرب معاه! لم يتردد جلال في أخذ المال من أخته، فكان ينطوي على روحٍ لا تمانع في الاستفادة من جهود الآخرين، وبالأخص النساء. كان يفتقر إلى فهم حقيقي لمعنى الرجولة، فكانت مفاهيمه محدودة بالعنف، والاحتقار. وعلى الرغم من ذلك، فرح جلال وهو يعبر عن سعادته بطريقة مبتهجة: =انا كنت عارف إنك جدعة يا بت يا هايدي. ونظر لأم الديب باشمئزاز، وأردف: =مش زيك ياما. ذهب جلال إلى المطعم وطلب الطعام، وفي الوقت نفسه، ازدادت نار أم الديب، حيث قررت الانتقام من جلال بشكل خاص بسبب ما قاله لها سابقًا. فصاحت بصوت مشحون بالقسوة: _ماشي يا جلال...ماشي. اتجهت أم الديب نحو نفس المطعم الذي ذهب إليه جلال، فعبّرت هايدي بدهشة: =هي ماما رايحه فين؟ ردت نعمة بتركيز: _مش عارفة! وفجأةً تعلقت أم الديب بثياب جلال، وصرخت بأعلى صوتها بشكل يدل على الاستغاثة، قائلة بنواح: =حرامي! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة