الفصل العشرون

الفصل العشرون

12 0

اندلعت نيران احتدام لا يُطاق في نفس نعمة نتيجة لإساءة أم الديب تجاه النساء، فأمسكت بكيل والدتها بقوة، محاولةً أن تمنع تصرفاتها المسيئة، ثم عبّرت بصرخة تنبع من أعماق قلبها، مُظهرةً حجم الاحتقان الذي كانت تعاني منه، قائلةً: _اتهدى بقى ياما متوجعيش دماغنا! عندما أنهت نعمة جملتها، تفاجأت بأن جميع النساء قد نهضن ومضوا بعيدًا، في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تعتذر أم الديب لهن عن تصرفاتها غير اللائقة. بدلًا من ذلك، صرخت في وجوههن قائلة: =الداهية اللي تودي يا شوية نسوان عرر جاتكم داهية لما تاخدكم. ردت ليالي بصخب حاد، محاولةً أن تعبر عن استيائها من الموقف: _انتي هتفضلي لسانك طويل لحد امتى؟ أهو محدش هيبص في وشك تاني بعد اللي عملتيه. بينما كانت أم الديب تتجه نحوها بسخط لتوبيخها، إذا بليالي تندفع إلى شقتها بسرعة هائلة مع ابنتها، مظهرةً اندفاعًا غير متوقع في محاولة للهروب من الموقف. وفور وصولها إلى شقتها، أعربت بصوت هادر عن مشاعرها المتفجرة، قائلة: _ما تموت ولا تولع... أنا ايه اللي جابني؟ أنا أقعد في شقتي مرتاحة بلا وجع دماغ. وقف أحمد في ظل شادر الرجال، بجوار والده، وأخيه، وخيلانهما، محاطًا بأجواء الوجوم التي تملأ المكان. وفي لحظة من التأثر الذي كان يعصف به، رفع رأسه ونطق بتأثر، مغمور باللوعة، قائلًا: =لا حول ولا قوة إلا بالله... ربنا يرحمها. تحدث المعلم حنفي بكراهية بارزة في نبرة صوته، وقد تجسدت مشاعره السلبية في كل كلمة نطق بها: _ربنا يحرقها دي ولية عايزة ضرب الشباشب. رد أحمد بضيق: =حرام عليك يا بابا اللي بتقوله ده، هي دلوقتي بين ايدين ربنا ومحتاجه دعوة حلوة. أجاب المعلم حنفي بعصبية جارفة، وقد تجلى الغضب في كل كلمة قالها: _ادعيلها انت يا خويا وفكك مني. في الداخل، لم يكن هناك سوى أم الديب، وأختها، ونعمة، وهايدي، وأم قمر الدين، وجميلة، بينما غادرت باقي النساء اللاتي كنّ موجودات في البداية، تاركات خلفهن فراغًا ملحوظًا، وملئًا بالصمت المطبق، وبينما كانت الأجواء مشحونة بالاستياء، قالت نعمة بكسرة يتخللها الألم، تعبيرًا عن مشاعرها المتأثرة مما حدث: =عاجبك كده ياما؟ أهو الستات مشوا وزعلوا منك. ردت أم الديب بلا مبالاة: _ايهي يولعوا يا بت. تحدثت أم قمر الدين بجوى عميق، مما أضاف بعدًا مؤثرًا لكلماتها: =ربنا يجعلها آخر الأحزان. قالت أم الديب باستياء يحيقه الأسى، وقد ظهرت مشاعرها في نبرات صوتها، وتعبيرات وجهها: _يارب يا ست هانم... في أكياس برا في العربية؟ أجابت أم قمر الدين بإحراج: =أه طبعًا في. مسحت أم الديب دموعها المتساقطة بحركات مترددة، محاولةً أن تمسك برباطة جأشها، وهي تتلفظ باختناق: _هتوحشيني ياما يا غالية...صوتي ياختي! رفعت سعاد يديها الاثنتين إلى أعلى بكل قوتها، وهي تصرخ بأعلى ما في صوتها، قائلة: =يا لهوي. انزعجت أم قمر الدين من صخبهم المُزعج، فاقتربت من ابنتها وهمست في أذنيها بغضب: _مش معقول اللي بيعملوه ده! ردت جميلة بصوت خافت: =شوية وهنمشي يا مامي لأن أنا كمان مش مستحملة أقعد هنا... انتي مش شايفة البيت ده مقرف أوي ازاي؟ده قديم جدًا. نظرت أم قمر الدين حولها باشمئزاز واضح، وقد ارتسمت على وجهها علامات الاستياء وعدم الرضا، ثم قالت: _فعلًا حتى ريحته مش لطيفة خالص. ردت جميلة بهدوء: =خلاص هانت وهنمشي..بجد مش مستحملة! عادت ليالي إلى الشقة برفقة ابنتها تقى، وشرعت في تغيير الألوان المظلمة التي كانت تملأ المكان إلى ألوان مفرحة، ونابضة بالحياة، حيث انقلبت الأجواء المحبطة إلى مناخ أكثر إشراقًا، وفي لحظة من الضيق، بينما كانت ترتب الألوان وتنسقها، قالت لنفسها بمرارة متزايدة: _أنا ايه يخليني ألبس أسود وأنا لسه في عز شبابي؟ ما اللي راح راح بقى الله يرحمه...أهم حاجة نفسك يا بت! دخلت تقى الغرفة، وقد بدت على وجهها علامات الاستفهام، وقالت: =ماما هي ستو هتيجي بكرا؟ ردت ليالي بابتسامة واسعة، جاهدة أن تُخفِي تحتها مشاعرها الحقيقية، وتبدد الحزن في الغرفة: _أيوه يا تقى ستك، وجدك، وخالك، وخالتك، وكلهم جايين. سعدت تقى بهذا الخبر المفرح فعبرت عن سعادتها قائلة: =هيييه. أثناء جلوس ليالي على الأريكة، وهي تنغمس في راحة وسكينة، أمسكَت بهاتفها الذكي لتتصفح بعض التطبيقات، وعندما رأت أن الفيديو الجديد الذي قامت بنشره قد حقق عشرة آلاف مشاهدة في وقت قصير جدًا، استشعرت دهشة عميقة تغمرها وتخيم عليها، وكأنما حدث غير المتوقع، مما جعلها تقول بدهشة: _أنا مش مصدقة نفسي، بقى فيديو المقلب جايب ده كله؟ أمال لو عملنا مقالب كتير هيجيب كام؟ وفي الحال، اتصلت ليالي بزوجها لتشاركه هذا الخبر المبهج وسط سلسلة الأخبار البائسة التي كانت تحيط بهم، محاولَةً أن تُشعره بفرحتها وتضفي لمسة من التفاؤل على الأجواء، وقالت له بلهجة حماسية: =ألو يا جلال. رد جلال، وهو يقف بين الرجال في محفلهم، حيث بدا مشغولًا، ومركزًا على المناقشات الجارية: _ألو. نطقت ليالي بحبور: =الفيديو بتاعك جايب عشر ألاف مشاهدة، احنا بنتشهر يا جلال وبكرا الزهر يلعب معانا لعب! قال جلال بدهشة: _انتي بتتكلمي بجد يا ليالي؟ أجابت ليالي بسعادة: =أيوه ياخويا أهو قدامي. تبسم وجه جلال بفرح، مما لفت انتباه باقي أفراد العائلة إلى تفاعله الواضح، وبدت على ملامحه إشراقة، وسرور واضحين، وبنبرة فرح ملؤها الحماس، قال: _يا بركة دعاكي ياما...ياه أخيرًا حياتنا هتتغير يا بت وهيبقى معانا فلوس زي الرز؟ ردت ليالي ببهجة، وقد تبهرج وجهها بابتسامة عريضة تعكس سعادتها الغامرة: =أي والله ده أنا فرحانة فرح يا خويا مقولكش. تفوه جلال بسرور: _ربنا يزيد ويبارك يا ليالي..انتي هتروحي امتى؟ ضحكت ليالي بوضوح، وضحكتها تنبع من قلبها، وقالت: =مانا روحت البيت من شوية أصل أمك ضربت النسوان اللي جايين يعزوا، ولما اديتها كلمتين في جنابها قال ايه مش عاجبها كلامي، وعايزة تقوم تعمل فيا زي ماعملت فيهم... قومت خالعة أنا وتقى وشوية وانت كمان ارجع يا جلال متضيعش علينا أيام العيد! رد جلال بانشراح: _لا ومين قالك إن أنا هطول؟ شوية وجاي ده العيد فرحة. ضحكت ليالي ببهجة، وقد ارتفعت نبرات صوتها مليئة بالسرور، وقالت: =كل سنة وانت طيب ياخويا. نطق جلال بفرحة عارمة: _وانتي طيبة يا لولا ضحكت ليالي، وقالت بعشق: =يلا سلام. رد جلال بابتسامة: _سلام. أم الديب وأختها ما زالتا يصرخان، ونعمة تعول بشكل هستيري، وفي حين كانت همومهم تزداد، تعجبت هايدي من استمرار صراخهن دون انقطاع، وقالت لها بغضب: =انتي متعبتيش؟ ده أنا زوري وجعني من صويتك! قالت أم الديب بضجيج: _هقول ايه يا بت؟ مانتي ملكيش غالي، ولا عزيز، ولا فارق معاكي موت ستك. ردت هايدي بلا مبالاة، وكأنها تتحدث عن أمر عادي: =أعملها ايه يعني؟ ماهي ماتت بقى الله يرحمها هو صويتي اللي هيرجعها يعني؟ في لحظة انفعال متطرفة، جذبت أم الديب هايدي بوحشية من شعرها، مستخدمة العنف بشكل فظ، بينما كانت تطلق صيحات عالية تعبيرًا عن غضبها الجامح المتراكم، مما جعل الشجار يتصاعد إلى درجة من الفوضى، وفي خضم هذا الصراع العنيف، صرخت هايدي بذعر، محاولةً أن تصف معاناتها ومناشدتها لوقف هذا التصرف الجارح، قائلة: _آه. قالت أم الديب بصياح حاد، وهي تؤدب هايدي بحزم، موجهةً لها كلمات تأنيب: =ايهي بتصوتي ليه يا بت الكلب هو صويتك اللي هيخليني أسيبك ومضربكيش؟ ردت هايدي بصراخ: _انتي بتردهالي؟ آه، شعري هيتخلع! بانفعال منين، استقامت نعمة بسرعة وسحبت هايدي بعيدًا عن يدي أم الديب، محاولةً أن تنقذها من قبضة العنف التي كانت تعاني منها، بينما كانت أم قمر الدين، وجميلة في حالة صدمة مطلقة من المشهد الذي كانوا يشهدونه بكل تفاصيله المروعة، وبينما كانت نعمة تجذب أختها بحنان إلى حضنها، مظهرةً قلقها، وحرصها على حمايتها، صرخت بألم، قائلة: =اتهدي بقى ياما... طب وربنا لآخدها وأمشي! ردت أم الديب بصياح: _في داهية يا بت...قعدتك معانا هتزودنا ايه يعني؟ ده انتي، وأختك وشكم يقطع الخميرة من البيت. غادرت نعمة برفقة هايدي وهي تنتحب بسبب ما فعلته أم الديب بها، بينما نهضت أم قمر الدين، وجميلة بتوتر يخشون اشتباكًا محتملًا مع أم الديب هذه المرة. قالت أم قمر الدين بتردد: =طيب احنا هنمشي بقى...ربنا يرحمها. قالت أم الديب باستعبار: _الله يخليكي يا ست بسملة ويسترها معاكي. صافحت جميلة حماتها بقلق من بعيد، محاولةً أن تعبر عن احترامها في ظل الأوضاع المتوترة، ثم قالت بقلق: =البقاء لله يا طنط. ردت أم الديب بشجن: _انشالله تنستري. غادرت أم قمر الدين، وجميلة منزل خواطر، وخرجوا إلى الخارج حيث تجمعوا إزاء الدار، ثم أشاروا لأحمد ليخبروه برغبتهم في العودة إلى المدينة بسبب الظروف الراهنة، وعندما تلقى المعلم حنفي هذا الخبر، عبّر بدهشة واضحة ارتسمت على وجهه، قائلًا: =ايه ياض انتوا هتمشوا ولا ايه؟ عانق أحمد والده بقوة، معبرًا عن مدى تقديره، ثم قال: _أيوه يا بابا ده احنا ورانا حاجات كتير ورغم كده جينا مخصوص. رد المعلم حنفي بحُب، وهو يصافحه: =أه... لا ربنا يسترها عليكم في طريقكم. بعد أن صافح أحمد جلال، وخاله أبو محمد، وعم سلامة، وبعض رجال العائلة مضى وركب سيارته، وغادر برفقة زوجته، ووالدتها. بينما في شقة ليالي، ارتدت العباءة الجديدة، تزيّنت بجمال لاحتوائها على أناقة لافته. دخلت المطبخ لتجهيز حلويات العيد، وتقديم الشاي بالحليب، وفي لحظة هدوء، وجدت جلال يدخل مع حمود، حيث قال جلال بإرهاق، وكأن الليل حمل عبئًا عظيمًا على أكتافهم: _خش ياض ده كان يوم زفت... الله يرحمك بقى يا ستي. رد حمود بمزاح: =ستك عجوزة أوي يابا. قال جلال بهزل: _ياض دي ماتت وهى عندها تلاتة وتمانين سنة... ده كتر خيرها أوي لحد كده. نطق حمود بحماس، في محاولة للتعبير عن مدى جديته، واهتمامه بحضور عزاء أم الديب: =ستي بسمة هتموت امتى؟ خرجت ليالي من المطبخ بابتسامة عريضة تزين وجهها، وهي ترتدي عباءة ملفتة تجمع بين الأناقة، والإثارة، مما أعطى مظهرًا مغريًا في ذات الوقت، وبينما كانت نبرات صوتها تتسم بالدلال، والنعومة، قالت: _حمدالله على السلامة. رد جلال بدهشة واضحة، وقد تجلت على وجهه علامات الاندهاش: =الله يسلمك يا ليالي. ثم اقترب منها، وعيونه تعبِر عن إعجابه بجمالها، فقال بلحن رومانسي: _ايه الحلاوة دي يا بت...كنتي شايلة ده كله فين؟ ضحكت ليالي، وقالت بدلال: =موجود بس البيت، والعيال قطموا وسطي وبقى كل وقتي ليهم وبس. تحدث جلال، وهو ينظر إلى ليالي بشغف، وقد عكست نظراته مشاعر الدفء: _ماتخش تنام ياض انت وأختك! رد حمود بتعجب: =ليه يابا؟ ضحك جلال، وقد بدت على وجهه الراحة، ثم قال: _عاوز أمكم في كلمتين. قهقهت ليالي وقامت بضربه بلُطف على صدره حينها، قال حمود بسذاجة: =ما تقولهم قدامنا! تحدث جلال بينما هو يصب تركيزه بالكامل على جمال ليالي، وقد بدت نظراته مغمورة بالهوى: _ماتخش ياض. وأردف لابنته بتوجيه: _خشي يا تقى نامي شوية! ردت تقى بسذاجة: =لا أنا عايزة أسمع الكلام يا بابا. ضحكت ليالي، وقد بدت على وجهها إشراقة من السرور، ثم قالت: _أقعدوا مانتوا عارفين أبوكم بيحب الهزار... ده أنا مجهزالكم شوية كحك، وبسكوت مع كوباية شاي باللبن إنما ايه بقى من الآخر. جلس جلال على الأريكة، وقال باشتهاء: =طب يلا على السريع قبل ما أمي تيجي تصدعنا. دخلت ليالي المطبخ، ثم خرجت وهي تحمل حلويات العيد، والشاي بالحليب، وجلسَت مع زوجها، وأطفالها ليتمكنوا من تناول وجبة خفيفة معًا. بينما كانوا يتناولون الطعام، سمعوا فجأة نواح مزعج يأتي من الأسفل، مما جعل جلال يتوقف عن تناول الكعكة بشكل مفاجئ ويقذفها بالطبق بعنف، في حالة من الضيق، ثم قال: _مش قولتلك؟ أهو النكد وصل! وضعت ليالي الكعكة في الطبق بهدوء يتناقض مع نبرة صوتها الساخطة، وقالت: =استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم يارب... ده ايه الهم ده؟ هو الواحد ميعرفش يريح دماغه شوية؟ رد جلال بانفعال: _ما كانت متلقحة مع النسوان هناك ايه اللي جابها دلوقتي بس؟ تحدث حمود بصياح حاد، مظهرًا استيائه: =انتي صدعتينا يا ستي. ردت ليالي بجلبة: _كلوا، ملكوش دعوة بيها! في مدخل المنزل، دخلت أم الديب بصوت مرتفع يبرز استياءها، وهي تتجه بسرعة نحو شقتها، حيث كانت خطواتها تعبر عن التعجل، وبمجرد وصولها إلى شقتها، بدأت في استخراج الطعام من الأكياس بيدين متعجرتين، وبنبرة مليئة بالضيق، هتفت قائلة بشوق: =ياما... هتوحشيني ياما. وبدأت في تناول الطعام، فنسيت والدتها، وأفراد عائلتها تمامًا، وفي وقت من السعادة الفائقة، نطقت بسكينة، وهي تستمتع بلذة الطعام: _يا سلام يا عيال... ده ايه البتاع المسكر ده؟ ده طِعم طعامة...دي قرص، ولا كحك، ولا ايه نظامها؟ في الشقة العليا لنعمة، كانت حزينة جدًا، والابتئاس واضح على معالم وجهها في حين جلست هايدي بجوارها على الركنة أمام التلفاز تأكل كعكة من صنع يد نعمة، وليالي، فتعثرت أثناء مضغها لقسوتها، وفي حالة من الدهشة، قالت: =الكحك ده ناشف أوي كده ليه؟ ردت نعمة باستياء: _وانتي ليكي نفس تاكلي وستك في تربتها؟ وضعت هايدي الطبق بعناية على الطاولة التي تحاذيها، ووجهت كلماتها بلُطف إلى نعمة، قائلة: =انتي ليه طيبة أوي كده لدرجة إنك نسيتي هي عملت ايه؟ نسيتي لما كانت كل ما تيجي وتشرشح لبابا؟ يا بنتي دي لسانها طويل ومكنتش بتبطل خناق معانا كلنا. قالت نعمة بقلب بارٍ: _ميبقاش قلبك أسود يا هايدي دي مهما كان ستك أم أمك، ده لولاها مكناش احنا جينا للدنيا دي. ردت هايدي بحسرة: =ده ياريتنا ما جينا، ياريت... جينا الدنيا نتعذب بحاجة ملناش ايد فيها... ماما مخلية راسي في الأرض، كل الناس حرفيًا عارفين هي مين وبتعمل ايه! لدرجة إن يأست من موضوع الجواز ده لأني عارفة كويس إنه هيبوظ بسببها لأنها ما بتقدرش تجمل من نفسها. كادت الدمعة أن تسقط من عين هايدي من اهتزاز نبرة صوتها المتكلمة، حيث قالت نعمة بحيادية: _أمك غلبانة، وعلى نياتها اعذريها. من الواضح أن لا جدوى في استقامة قلب نعمة الطيب أو سذاجته، فأثار سخط هايدي، ودفعها للتصرف بطريقة استفزازية قائلة: =برضة يا نعمة؟ برضة مفيش فايدة فيكي! دخل حامد الشقة وهو يحمل أكياسًا ثقيلة في يديه، مما لفت انتباه نعمة التي بدت عليها علامات الدهشة. وبينما كانت تنظر إليه بإمعان، قالت بفضول: _ايه اللي في ايدك ده؟ وضع حامد الأكياس على الطاولة بتثاقل، ثم جلس على أحد الكراسي المحيطة بها، مستريحًا من حمل الأكياس الثقيلة، وكأنما يستعد للراحة بعد جهد طويل، وأجاب: =الست الغنية اللي هي حماة أخوكي دي... كانت مالية شنطة العربية أكياس، وأخوكي الله يباركله سابلنا كيسين منهم، وأنا راجع لقيتلك مطعم قولت أجيب شوية ساندوتشات للغدا. ردت نعمة بحزن: _كتر خيرك يا حمو حاسس بيا...أنا مقدرتش أعمل أكل ده أنا فيا اللي مكفيني كويس إنك عملت حساب الغدا. استخرج حامد محتويات الأكياس بفضول واضح، وهو يتفحص كل عنصر بعناية، ثم قال بدهشة تعكس انبهاره بما وجد: =دي ست بركة أوي يا نعمة... دي جايبة حلويات العيد. وصوب نظره على الأكياس الأخرى المتبقية، بينما كان يواصل تفحص محتوياتها بتركيز، ثم أضاف قائلًا: =لأ وايه اللي في الكيس التاني ده كمان؟ فتح الكيس الثاني ليجده مليئًا بخيرات الخالق، الجبن، واللانشون بأنواعه، والتونة، وأكياس خبز التوست، واللحوم. امتلأ قلبه بالسعادة بعدما ملأت أم قمر الدين منزلهم بخيرات الطبيعة، فقال بفرح: =اللهم صلي على النبي، طب والنعمة دي... دي ست بركة ودخلتها علينا كانت دخلة خير. قالت هايدي برضا: _طنط بسملة كريمة جدًا ده أنا لما روحتلها مع ماما في مرة صممت لازم ناكل. قعدنا ولقيت السفرة عليها أحلي وأغلى الأكلات وبعد ما كلنا جابتلنا الفاكهة، والحلويات، والمكسرات، والعصاير، واحنا ماشيين ادتنا تاني! ردت نعمة بارتياح: =الله يباركلها، أنا اخويا وقع مع ناس كويسة وكُرماء مش زي أمي... ده ياريت ست بسملة دي كانت أمي مكنش ده بقى حالي! قالت هايدي بحسرة: _أه والله ده يا بخت عيالها بيها، عايشين في جنة. في أعقاب تناول أم الديب للطعام وشبعها، دخل المعلم حنفي من الخارج، حيث كان الوقت قد تأخر. عندما دخل الغرفة، واكتشف أنها نائمة، وهي تحتضن الطعام حيث نبّهها بانزعاج: =ايه يا ولية اللي انتي مهبباه في نفسك ده؟ كانت أم الديب في غفوة عميقة، حيث غمرها النوم بشدة، وكانت تصدر شخير النوم. في هذا السياق، واصل المعلم حنفي حديثه مرة أخرى: _هاتي الأكل ده آني على لحم بطني...مانتي طفحتي وشبعتي ومش فارقلك حاجة. استفاقت أم الديب من غفوتها المفاجئة عندما حاول المعلم حنفي نزع الطعام منها، فشعرت باندفاع قوي للحفاظ على ما بحوزتها. تشبثت بالأطعمة بقوة ورفضت التخلي عنها، ثم نطقت بغلاظة: =سيب الأكل! اتخذ المعلم حنفي خطوة إلى الوراء وأعاد ظهره في تلك اللحظة، محاولًا أن يتجنب التصادم المباشر مع أم الديب  وبنبرة ملآنة بالتلعثم، قال: _ايه الصوت ده يا ولية انتي واكله راجل؟ ردت أم الديب بفظاظة، وقد حملت كلماتها قوة العناد: =ابعد، خليني أتخمد، متصدعنيش! قال المعلم حنفي بسخرية: _وانتي فكرك ان آني واقف هنا بتأمل في سواد عيونك؟ آني جاي آخد الأكل، آني من حقي أطفح زي ما طفحتي! نطقت أم الديب بقسوة: =غور! بينما خطى المعلم حنفي خطوات حذرة نحو غرفة هايدي، انعكست لمسات الخوف في تلك اللحظة عبر تنفسه السريع، وهمسات قلقه اللامتناهية، فقال: _يلا أنام بجوعي أحسن ما تبلعني وأحصَل أمها. في اليوم التالي، كانت هايدي نائمة في شقة نعمة، مستلقية بهدوء على السرير بينما كان محمد نائمًا بجوارها، يغمره النوم العميق، وفي الطابق السفلي، كانت ليالي منهمكة في تنظيف المنزل استعدادًا لوصول العائلة، حيث كانت تعمل بجد لتنظيم الأمور، وتوفير بيئة نظيفة، ومرتبة. ومع ذلك، كان صدح الدربكة المزعج يتسلل إلى غرف النوم، مما أثّر بشكل كبير على نوم جلال. فاستفاق فجأة من نومه، وعلامات النعاس واضحة على وجهه، وهو يتهرش وجهه في محاولة للتخلص من آثار النوم، قائلًا بامتعاض: =هي حبكت تنضفي دلوقتي يا ليالي؟ ردت ليالي، وهي تنفض السجادة بيدين متعبتين، وقد ارتسم على وجهها الإرهاق، قائلة: _معلش يا جلال، مانت عارف أهلي جايين النهارده ومينفعش يدخلوا البيت وهو متبهدل. تلفظ جلال بنعاس: =طب ما تنضفي برا لحد مانا أصحى. قالت ليالي: _أنا نضفت كله ناقص أوضة النوم. نطق جلال بصياح، تعكس نبرات صوته الانزعاج: =ابعدي يا ليالي خليني أتخمد شوية. ردت ليالي بفزع: _خلاص يا خويا ما براحة شوية... أنا ماشية وسايبهالك. وأطفأت النور عنه بيدين مضطربتين، ثم خرجت إلى الصالة، حيث اقتربت من ابنها، وقالت له بتوجيه: =انزل يا حمود هات كيسين جيلي وعلبة كريمة. رد حمود بعناد: _مش نازل. تفوهت ليالي بصخب: =لما أقولك كلمة تسمعها ومتعندش معايا أنا أمك مش أختك الصغيرة... فاهم ولا لا؟ أجاب حمود، وهو يغلبه طابع الطمع الذي ورثه من أبيه، وجدته، وقد بدا واضحًا في تعابير وجهه: _هاخد حاجة ليا ولا هروح ببلاش؟ انصدمت ليالي من تصرف ابنها الجشع، حيث نطقت بذهول: =يخربيتك هي بقيت كده وحاجة قصاد حاجة؟ رد حمود بعناد: _مش رايح في حتة! قالت ليالي بإرغام: =طب خلاص هديك خمسة جنية ليك لواحدك بس اسمع الكلام. نهض حمود بثبات، ثم قال باستعداد: _دقيقة وتلاقي الطلبات قدامك. ردت ليالي بسخط: =مانتوا مابتجوش غير بكده. خرج جلال من غرفة النوم بتثاقل، متجهًا إلى المرحاض ليشطف وجهه وينعش نفسه بعد ليلة من الإرهاق، وبينما كان يقف أمام الحوض ويغسل وجهه بالماء البارد، رفع نظره إلى مرآة المرحاض، وسأل زوجته باهتمام واضح، محاولًا أن يوضح مدى تفكيره في زيارة العائلة، قائلًا: _أبوكي وأمك هيجوا امتى؟ أجابت ليالي: =كانوا قايلين بالليل، بس عيدت الكلام على أمي وقولتلهم يجوا بدري عشان نلحق نقعد مع بعض. رد جلال بإنهاك: _الحق آخدلي دش... بقولك يا ليالي احنا نجهزلهم مقلب حلو يليق بمقامهم. ضحكت ليالي، وقالت بقلق: =لا يا جلال انت عارف أبويا عصبي وبيصدق أي حاجة بدل ما يحلف طلاق ماهو داخل عندنا تاني. تضاحك جلال، وقد انبلج على وجهه الراحة، وملأ صوته المرحاض بدفء من الفكاهة، ثم قال: _ماهي دي حتة الذكاء احنا ندايقهم من تحت لتحت... اصبري انتي بس وأنا هشغل دماغي. ضحكت ليالي، وقالت بتآلف: =ماشي ياخويا، أما نشوف. أوصد جلال باب المرحاض بسكون، وانغمس في أحضان الماء ليبدأ رحلة استحمامه. بعد لحظات، غادر حمود منزله بسرعة فائقة لتأمين طلبات والدته، ثم عاد بها بتفانٍ. قامت ليالي بتحضير حلوى الكريمة، بالجيلي اللذيذ، فتمايلت يداها بحرفية، ثم وضعتها بعناية في أحضان المبرد لتبرد وتجهز للتقديم، ودخلت غرفتها لتتزين بأجمل الثياب استعدادًا لاستقبال عائلتها بروح من البهجة. بعد مرور ساعات، اجتمعت أفراد الأسرة في جو من الانتظار، لكن لم يكتمل اللقاء حتى خرج المعلم حنفي من شقته. فأعلن عم سلامة بابتسامة طيبة تملأ الأجواء: _السلام عليكم يا معلم حنفي. رد المعلم حنفي بابتسامة واسعة: =يا أهلًا، وسهلًا يا حاج سلامة نورتونا وشرفتونا. نطق عم سلامة، وهو يحمل بيديه زيارة ابنته بترتيب، وقد بدا عليه التقدير للزيارة: _الله يخليك. تحدث المعلم حنفي ببشاشة: =يا مرحب يا أم ليالي. ردت تباهي بابتسامة: _يا أهلًا. صافح المعلم حنفي أشرف، وقال بود: =ازيك يا أشرف؟ أجاب أشرف بإعزاز: _تمام والله... ازيك انت يا حاج عامل ايه؟ رد المعلم حنفي: =الحمدلله كله بخير... طب ما تدخلوا تقعدوا عندنا شوية! نطقت تباهي بذكاء، وقد برزت الفطنة على وجهها: _لا احنا آخرنا لحد عتبة الباب مانت عارف اللي فيها. قال المعلم حنفي بتفهم عميق: =خلاص مرة تانية متكونش هي موجودة. بسط عم سلامة يده بتحنن على كتف المعلم حنفي، مشعرًا بمدى المعاناة التي يعيشها، والمشكلات التي يواجهها، في محاولة لتعزيز مشاعر الدعم، وقال بتأثر عميق: _الله يكون في عونك يا معلم حنفي. رد المعلم حنفي باستياء: =أه والله ده آني مستحمل كتير، بس كله عند ربنا. جاءت أم الديب من ورائه، وهي تحمل خشبة كبيرة على كتفيها، وقد بدا واضحًا أنها تعتزم إثارة مشكلة جديدة، كما اعتادت في السابق على إحداث الاضطراب، وبسبب ظهورها المفاجئ وحجم الخشبة الذي يشير إلى نيتها في تصعيد الموقف، ارتبك الجميع، وتملكتهم حالة من القلق، وفي لحظة من التوتر الشديد، حيث اختلطت مشاعر الذهول، قالت بقسوة: _قصدك ايه يا راجل انت وهو؟ تحدث المعلم حنفي بصياح: =خشي جوا يا ولية! ردت أم الديب بمكر واضح في نبرات صوتها، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خبيثة، قائلة: _ازيك يا سلامة؟ وواصلت لتباهي: _ازيك يا أم ليالي؟ وأردفت لهبة: _ازيك يا بت يا هبة انتي وجوزك؟ تعجبت تباهي بفرط حنو أم الديب، فإذا هي أول مرة تسأل عن أحوالهم، فقالت بنظرات مدهشة: =انتي كويسة يا أم الديب؟ ردت أم الديب بمكر: _أمال ايه؟ يلا اطلعوا لبتكم. تحدث عم سلامة بصوت خافت يشوبه القلق: =أنا مش مرتاحلها. قالت تباهي بترقب: _ما يمكن موت أمها هدها وخلاها عرفت غلطها! تحدث المعلم حنفي بابتسامة: =اطلع يا عم سلامة...البيت بيتك. رد عم سلامة بابتسامة: _الله يخليك يا معلم حنفي...يلا بالإذن. عندما صعد أهل ليالي وحملوا معهم أكياسًا في أيديهم، لم تستطع أم الديب إلا أن تلقي نظرة فضولية على محتوياتها، فقد انعكست تلك الفضولية على عينيها بينما كانت تتأمل الأكياس بلا انقطاع، تريد معرفة السر الذي يكتنفها. أما المعلم حنفي، فقد ظهر على وجهه الاستغراب من رد فعل زوجته، فما كان منه إلا أن يتساءل عن أسباب تلك الاهتمامات المفاجئة فقال: =مالك يا ولية؟ مش على عوايدك النهارده يعني! ردت أم الديب بتدليس: _الواحد مبقاش فيه حيل يا حنفي... آني مش مصدقة إن أمي ماتت يا خويا، دي كانت غالية عليا أوي! عندما دخلوا الشقة، بدأت أم الديب في البكاء بحرقة، مما أعطى مشهدًا من الحزن. دخل المعلم حنفي وراءها، وجلسا معًا على الأريكة في محاولة لتهدئتها، ومواساتها. ثم قال لها بلطف، مخفف عنها ما تشعر به: =خلاص يا ولية...الله يرحمها أهي راحت عند الأحسن من الكل. صرخت أم الديب، وقالت ببهتان: _روحتي وانتي في عز شبابك ياما...دي كانت طيبة بشكل...لسانها كان بينقط سكر. رد المعلم حنفي بسخرية: =أوي هو في حد زيها؟ قالت أم الديب بانتحاب: _زيها ايه؟ ده اللي زيها قليلين في الزمن ده. تلفظ المعلم حنفي بضغينة: =طب الحمدلله إنهم قليلين ده لو كانوا كتير كانت حصلت مصايب. تحولت نبرة صوت أم الديب في الحال من السكينة، والاستعطاف إلى غلاظة قوية، فصدحت كلماتها في الصالة كالرعد، وقالت: _قصدك ايه يا راجل انت؟ نهض المعلم حنفي بقلق، وقد بدت عليه علامات الخوف، ثم قال بارتباك: =قصدى ولا مقصديش، كبري دماغك يا ولية! دخل المعلم حنفي المرحاض، مما دفع أم الديب إلى التعبير عن استيائها من تصرفه، حيث ضجت بوضوح قائلة: _أما انت راجل واطي صحيح. وفي الأعلى، كانت ليالي تقف على الدرج مع جلال، وأطفالها، في انتظار عائلتها بكل لهفة، وحب، وحين وصلوا، اقتربت ليالي من والدها وعانقته بحنان، وفي لحظة من الفرح قالت بابتسامة: =واحشني يابا. رد عم سلامة بحنين: _طمنيني عليكي يا بتي. قالت ليالي بابتسامة: =الحمدلله كله بخير يا حاج. تبادلت الأدوار حين عانقت ليالي والدتها، وأختها بإحسان، وفي الوقت نفسه، عانق جلال عمه سلامة بمودة، وبينما كان يغمره الفرح، قال بابتسامة ودية: _عم سلامة ليك واحشه يا راجل. نطق عم سلامة بإرهاق، وقد بدت على ملامحه علامات الإجهاد: =سلمكم هلكني يا جلال. تحدثت تباهي بحب: _كل سنة وانتي طيبة يا ليالي. ردت ليالي بفرحة عارمة، وقد ظهر على وجهها الحبور: =وانتي طيبة ياما. عانقت هبة ليالي بحرارة، بينما كانت عواطفها تتدفق بسعادة، وملأت الأجواء بروح من الفرح. ثم قالت بلهفة: _ازيك يا ليالي ياختي؟ أجابت ليالي بغبطة: =كله تمام انتي عامله ايه؟ ردت هبة بحبور: _الحمدلله. بعد أن تبادلوا التحيات بينهم، مما أضفى جوًا من الألفة، دخلوا الشقة بتثاقل، وجلسوا ليتناولوا قسطًا من الراحة بعد يوم شاق. بينما كانوا يستقرون في أماكنهم، دخلت ليالي المطبخ بتفان، لتجهيز الضيافة التي تعبر عن كرمها، وهي تعد الأطعمة، والمشروبات بكل اهتمام. وفجأة، بينما كان الجميع يستمتع بالهدوء النسبي، قال جلال بتقدير: =ايه الأخبار يا أشرف؟ رد أشرف: _الحمدلله. بعد لحظات من الاستراحة، نزلت نعمة، وحامد، ومحمد من الطابق العلوي، حيث التحقوا بالعائلة التي كانت في انتظارهم. تقدموا لمصافحة الحضور بمحبة، فعانق حامد الرجال بمودة، في حين تقدمت نعمة إلى تباهي وعانقتها بحنان، وتبادلتا كلمات الترحيب التي تؤكد الروابط القوية بينهما. ثم قالت نعمة بكل ود، واصفة حبها، قائلة: =ازيك يا أم ليالي... ايه الحلاوة دي؟ ردت تباهي بابتسامة خافتة: _حبيبتي يا نعمة. جلست نعمة على الأرض بعدما عانقت هبة بحرارة، ثم قالت بروح الإخاء: =أنا نازلة مخصوص عشانك يا هبة، أول ما عرفت إنكم جايين قولت آجي نقعد معاكم. قالت هبة بابتسامة: _فيكي الخير يا نعمة. خرجت ليالي بصينية كبيرة تتسع لمجموعة متنوعة من حلويات العيد الفاخرة، بما في ذلك الجيلي الملون، والكريمة الشهية، والعصير المنعش، وهي تحملها بعناية وحرص، ثم وضعتها بجانب نعمة، ومحمد. بعد ذلك، جلست على الأرض بجوارهم، محاطة بجو من الدفء العائلي، وعندما رأت تباهي هذا المشهد البهيج، اندهشت من لطف ليالي وكرمها، فقالت بدهشة: =مكلفة نفسك ليه يا بتي؟ ردت ليالي بتعظيم: _طب والله أنا لو أطول اعملكم أكتر من كده كنت هعمل. نطق عم سلامة بدَعَة: =منتحرمش منك يا ليالي، ونجيلك السنة الجاية وانتي معاكي سلامة الصغير. ضحكت ليالي، وقالت باعتراض صريح: _لا يابا كفاية علينا كده...كده حلو أوي. أراد جلال تنفيذ مقلب بسيط مع العائلة، بعدما اتفق مع ليالي على ذلك بحماس. وقف أمام الحلويات، يحدق في كمية الأصناف المتوفرة، وقد بدا على وجهه المبالغة في الانزعاج، وفي محاولة لإضافة لمسة درامية للموقف، عبّر عن غضبه بطريقة مبالغ فيها، كأن نوبة من الشح، والجشع اجتاحته بغتة، وبشكل غير متوقع قال بصوت عالٍ، معبرًا عن استيائه وكأنه يواجه أزمة حقيقية، قائلًا: =ايه يا ليالي اللي انتي حاطاه ده كله؟ أشار جلال بأصابعه على كل صنف من الحلويات، وهو يلفت انتباه الجميع إلى تنوع الأصناف، ثم أردف بامتعاض: =حاطة كحك، وبسكاويت، وباتافور، وترمس، وكريمة، ايه يا ليالي كل ده؟ ما كفاية طبق صغير كل واحد ياخدله كحكاية! شعرت ليالي بالإحراج أمام عائلتها، فخرجت كلماتها بخجل متوتر، كأنها رياح قوية تعصف بالسكينة، وقالت بعجيج: _ايه يا جلال مالك في ايه؟ ده أنا حاطة حاجات تكفيهم انت مش شايف العدد ماشاء الله؟ قال حامد بتعجب: =هو في حاجة يا جلال ولا ايه؟ أجاب جلال بصياح: _وانت مالك يا عم؟ أنا طالع عيني في الشغل وهي بكل سهولة حاطة ده كله؟ ضرب جلال كفًا على كف، محاولًا تعزيز حدة التوتر في الموقف، ثم أردف بتذمر: _لا إله إلا الله يا عم في ايه؟ وجلس على الأريكة، وظهر على وجهه كمد لا يُخفى من سخاء زوجته، مما لفت انتباه العائلة إلى تحوله المفاجئ، حتى صدح عم سلامة بصدمة قائظة: =ايه يا جلال انت أمك عضتك ولا ايه؟ ولا مستخسر فينا شوية الحاجات دي؟ هو احنا بنجيلكم كل يوم؟ تفوه جلال بضيق: _مش القصد يا حمايا... بس الحاجات دي كتير عليكم، أنتوا داخلين بكيسين صغيرين وهي حاطالكم ده كله! نهضت ليالي، وهي تشعر بالحرج من سلوك زوجها، وأمسكت بذراعه بقوة، ثم صاحت في وجهه بصوت ملتهب، في حين بقي أفراد العائلة مصدومين ولا يظهرون أي ردة فعل سوى الدهشة الكامنة في وجوههم، فتمكنت ليالي من سحب زوجها بقوة، ووقفوا بعيد عن الجميع، وبصوت متوتر صاحت في وجهه قائلة: =مالك انت اتعبطت ولا ايه؟ ازاي تتكلم كده قصاد أبويا وأمي؟ ده أنا لو أطول أعملهم أكتر من كده هعمل. تحدث أشرف مع زوجته بصوت خافت، مملوء بالتكتم، وهو يشاركها بمعلومة خاصة دون أن يسمعهما أحد: _ما بقولك ايه قومي نمشي! ردت هبة بنبرة خافتة: =طيب يلا. نهض أشرف، وهبة، وهي تحمل ابنتها بين ذراعيها، وجدوا أنفسهم يسيرون بخطى ثقيلة خارج منزل جلال، وكأن وجودهم لم يعد مرغوبًا فيه، وفي ظل هذا الإحساس المرير، تجاوبت عيونهم مع برودة الهواء، وتلاشى دفء الأمان الذي كانوا يأملون فيه في منزل جلال، فاتبعتهم ليالي، وقالت بدهشة: _أنتوا رايحين فين؟ تلفظ أشرف بعجيج: =ماهو معلش جوزك مش عامل احترام لحد فينا. وقف حامد بالقرب من أخيه، وقد بدت على وجهه ملامح الجدية، ثم قال: _اطلعوا عندنا، بقى سايب بيت أخوك وجاي عند الغريب؟ ردت ليالي برفض: =مفيش حد فيكم ماشي...جلال بيهزر مش قصده. تحدث جلال بصياح قوي، مما جعل نبرة صوته تجذب الانتباه إلى الفور: _لا أنا مبهزرش...يلا يا ليالي شيلي الحاجات دي من هنا! وقف عم سلامة، وجسده ينبعث منه السخط المتوهج، حينما اتضح له بوضوح تام ازدياد جلال في سخافته، وقلة ذوقه، وبينما تعانقت الظلال حوله، غصت عبارات الانزعاج بين ثنايا حاجبيه، محاول إخماد لهيب الاحتدام الذي أشعله جلال في قلبه، فقال: =يلا يا أم ليالي قدامي! نهضت تباهي مكانها، وقالت باحتجاج: _ميصحش الكلام اللي جوزك بيقوله ده! نشبت ليالي في ذراع والدتها، وقد ظهر على وجهها الإحراج، ثم قالت بارتباك: =والله ما حد فيكم ماشي أقعدوا بس... شكل جلال اتجنن في مخه. تحدثت نعمة بتعجب: _وانت من امتى يا جلال وانت بتعمل كده؟ رد جلال بسخافة تامة، إذ لم يعبأ بتفاصيل الموضوع أو يضع في اعتباره أهمية النقاش، بل اكتفى بإلقاء كلمات سطحية لا تحمل أي قيمة: =من النهارده، ده الحاجة بقيت غالية وهي ولا فارق معاها وعمالة تحط وتحط. وأردف لزوجته: =ده انتي فضيتي كل اللي في التلاجة يا ليالي، لكن لو قرايبي هما اللي جايين مكنتيش عملتي ده كله. صاحت ليالي في زوجها بامتعاض يحمل مشاعر الغضب، قائلة: _اسكت يا جلال هتخلي أهلي يزعلوا مننا. تحدث أشرف بكمد: =يلا عاوزين حاجة؟ ردت ليالي بنبرة حادة، والكلمات تتدفق من شفتيها كالسكاكين القاطعة، تعكس مرارة الألم الذي يتسلل إلى قلبها. كانت عباراتها مشبعة بالغضب، تنبض بقوة الانفعال: _أقعد يا أشرف... في ايه؟ ماتقولي حاجة يا هبة! رفعت هبة حاجبها بتعبير ساخر، وكأنها تشير إلى عبثية الموقف الذي أمامها. كان هناك في عينيها بريق من الاستهزاء، كما لو أنها تتفحص الموقف من على بعد، وتستهجن كل ما يدور حولها، فقالت: =وأنا هقول ايه بعد اللي جوزك قاله؟ أنا ايه عرفني إنه بخيل زي أمه ومستخسر فينا شوية الكحك اللي حاطاهم. تحدث جلال بصخب: _أقعد يا عم سلامة، ولا هي كلمة الحق بتزعل؟ تلفظ عم سلامة بعجيج، صوته يتردد في أرجاء المكان كالرعد في عاصفة هوجاء: =احنا في بيتكم... الكلام ده ميصحش. تفوهت ليالي بإلحاح: _أقعدوا بس الله يكرمكم يعني بعد ما جيتوا كل ده في الآخر تمشوا؟ أقعدوا! بعدما عادوا إلى أماكنهم وجلسوا، كان الجميع يسعى جاهدًا لتجاهل ما يقوله جلال، حتى لا يثيرون مزيدًا من الجدل حول موضوع يبدو أنه استنزف كل طاقاتهم. فجأة، دخلت ليالي المطبخ برغبة بسيطة في جلب بعض الشوكولاتة، ولكنها فوجئت بصرخة جلال المزعجة التي اخترقت هدوء اللحظة وكأنها صاعقة مفاجئة. في تلك اللحظة، كان جلال يعترض بكل قوة على الشوكولاتة التي كانت بمثابة تعبير بسيط عن رغبتها في إضافة لمسة من السخاء إلى أجواء الاجتماع: =ماجرا ايه يا ليالي هو انتي كل شوية داخلة طالعة؟ مش لما يخلصوا اللي قدامهم الأول...ماهو جلال يطلع عين اللي جابوه وفي الآخر انتي داخلة تحولي على كل اللي في المطبخ. نهض عم سلامة في مكانه، واندفعت الحمرة إلى وجنتيه كأمواج الدماء، وأظهرت العروق على جبينه، لتتقدم الكلمات من فمه بغضب، فكادت ليالي أن تنفجر من الضحك على تصرف والدها، ولكنها حافظت على هدوئها وهو يرفع صوته بسخط قائل: _لا حول ولا قوة إلا بالله...متنرفزنيش يا جلال ده احنا في بيتكم يا أخي! ندم أشرف على قراره بالحضور إلى منزل جلال وترك شؤون عمله، فما لبث أن بدأ يفرك كفيه ببعضهما البعض، في محاولة يائسة لاستعادة هدوئه الداخلي، ولكنه لم يستطع سد الثغرات التي تسرب بها غضبه، فانفجر قائلًا بحنق: =لو هتفضلوا كده احنا هنمشي، ومش داخلين البيت ده تاني! تحدثت نعمة بفزع: _استهدوا بالله...جلال ميقصدش ده بيحبكم، وميقدرش يستخسر فيكم حاجة. ردت تباهي بسخرية: =ماهو باين يا نعمة. وقفت ليالي حيال زوجها، وهي تشعر بثقل المشاعر المتراكمة في صدرها، وصرخت فيه بقوة لا تحتمل أي تساهل، وكأن كلماتها خرجت من أعماقها كزئير نمر ساخط. كان صوتها يتردد في أرجاء الصالة مثل انفجار البركان،: _ما تلم نفسك يا جلال وملكش دعوة بأهلي! رد جلال بصياح، محملًا بنبرة تهديد واضحة تملؤها عزم ووعيد. مما جعل أجواء الدار مشحونة بالقلق. في تلك اللحظة، بدا وكأن جلال لم يتوقف عند مجرد التعبير عن غضبه، بل كان يعبّر عن نية صارمة في التعامل مع الموقف بطريقة تتجاوز حدود الحوار العادي: =وطي صوتك... صوتك ميعلاش عليا بدل ما أرنك علقة! أجابت ليالي بنواح، وصدحها كالعاصفة التي تجتاح الهدوء العتيق، يملأ الفضاء بتموجات من اليأس: _وربنا لو عملتها مانا قاعدالك في البيت ثانية! رد جلال بصياح: =انشالله عنك ما قعدتي... الباب يفوت جمل. تلفظ ليالي بضجيج: _مانت لو راجل بحق وحقيقي مكنش كل ده حصل. اندفع جلال بعنف نحو زوجته، وهو يتجاوز حدود الاحترام، ويطأ عليها بقدمه بلا رحمة، ممارسًا عنفه المشين أمام أفراد عائلتها المصدومين، وهو يرفع صوته باحتدام، ينطلق منه كلمات التجريح: =لو أبوكي مربكيش أنا هربيكي يا ليالي! يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة