تملك الطاهي شعور بالصدمة حين سمع كلمات أم الديب القاسية، تلك المرأة التي لم يكن يتوقع منها هذا الكم من العداء. كيف لها أن تستغل رغبتها في الانتقام لتضع مهنته العزيزة، التي بذل فيها سنوات طويلة من التفاني، على المحك؟ تردد صدى الخور في صدره، لكنه لم يسمح له بأن يظهر. شعر بأن هذه اللحظة تتطلب منه وقفة حازمة، فجمع كل ما يملكه من قوة، ورفض بحزم، قائلًا باعتراض: _يا حاجة مينفعش الكلام ده احنا فندق محترم، انتي كده هتتسببي في قطع أكل عيشي، وأنا عندي عيال عاوز أربيهم! رغم الرفض القاطع الذي أبداه الطاهي، إلا أن أم الديب ظلت متمسكة بإصرارها، عازمة على تحقيق مطلبها مهما كلفها الأمر. لم يكن لديها أدنى نية للتراجع، بل على العكس، استبد بها شعور متزايد بالتحكم حيث قالت: =لو عاوز تربي عيالك يبقى تسمع كلامي بالحرف! رد الطاهي بخوف: _أوامرك. خرجت أم الديب من المطبخ بخطوات حازمة، تاركة خلفها أجواء مشحونة بالتهديد. بعد فترة وجيزة، وصل أحمد، وجميلة، وأم قمر الدين، وباسم إلى الفندق، ودخلوا ببطء إلى القاعة، حيث سرعان ما تحولت الأنظار نحوهم، فكان حضورهم ملفتًا للعيون الحائرة. كل واحد منهم بدا محافظًا بعناية على مظهره الأنيق، كما لو كانوا يعلمون أنهم محط أنظار الجميع. باسم، بصفته رجل أعمال عملاق، ألقى نظرة فاحصة على القاعة من حوله، ولكنه لم يشعر بأي إعجاب حقيقي. في ذهنه، كانت المعايير أعلى بكثير؛ فهو معتاد على حفلات فخمة لأبنائه، تصل تكلفتها إلى مئات الملايين من الدولارات، وقال: =قاعة بسيطة جدًا. لكن أم قمر الدين، التي كانت على دراية تامة بظروف أم الديب وأسرتها، فهمت تمامًا مقدار السعادة التي يشعرون بها في هذه القاعة المتواضعة. فهي تعلم جيدًا أن مثل هذا المكان يمثل لهم قفزة نوعية مقارنة بحفلاتهم السابقة، التي غالبًا ما كانت تُقام في قطعة أرض ترابية بسيطة، محاطة بأجواء ريفية تعج بالحشرات الطائرة في الهواء. بهذه الخلفية في ذهنها، تفوهت: _ده حقيقي، ولكن بالنسبة لأم الديب قاعة سيڨن ستارز، أصل انت مشوفتش عملت فرح أولادها فين! أكد باسم، بنبرة جدية لا تحتمل التأخير، على ضرورة العودة في وقت قصير، مشددًا على أهمية الالتزام بالجدول الزمني المحدد، قائلًا: =بسملة احنا مش هنقعد كتير زي ما اتفقنا! ردت أم قمر الدين بابتسامة هادئة، تعكس مزيجًا من التفهم، والهدوء، فكانت تعرف أن باسم دائمًا ما يضع الأولويات بعناية فائقة: _أكيد يا باسم. بمجرد أن أبصرتهم أم الديب، انطلقت نحوهم بخطوات حماسية، تعبيرًا عن فرحتها الغامرة برؤيتهم. كان قلبها مليئًا بالسرور، فلم تستطع أن تخفي ابتسامتها العريضة التي أضاءت وجهها. اقتربت من صديقتها العزيزة أم قمر الدين، واحتضنتها بحرارة، ثم قبّلتها من وجنتيها بمحبة، تعبيرًا عن سعادتها الكبيرة بلقائها في هذه المناسبة الخاصة، وقالت: =ست هانم وصلت، ازيك يا ست بسملة عاملة ايه؟ باعدت أم قمر الدين وجهها بلُطف، حريصة على حماية رونق مكياجها المتقن من فم أم الديب الذي ظهرت عليه آثار العرق المتلاصق، والذي قد يفسد إطلالتها. اكتفت بإرسال قبلة في الهواء، كإشارة دافئة للصداقة، دون أن تلامس الوجوه، ثم علقت بلباقة: _الحمدلله، انتي عاملة ايه؟ تلفظت أم الديب ببهجة، وعيناها تلمعان بالسعادة وهي تنقل نظرتها إلى باسم. كان وجوده بالنسبة لها يعني الكثير، فهي لم تخفِ فرحتها بحضوره، وعبرت عن ذلك بحرارة في صوتها: =نحمد ونشكر ربنا، ازيك يا باسم بيه؟ أجاب باسم بتواضع: _الحمدلله. مد أحمد يده برفق إلى والدته، معبرًا عن مشاعره بطريقة دافئة. ثم قال بابتسامة عريضة: =عامله ايه يا ماما؟ ردت أم الديب بسرور، وقد ظهرت السعادة في تعبيرات وجهها: _يا أهلًا وسهلًا. وواصلت حديثها إلى جميلة بفرح عارم، ويدها ممدودة نحوها بكل حماسة، كأنها تسعى لاحتضانها دون أن تلامسها جميلة: _ازيك يا جميلة؟ لامست جميلة أصابع أم الديب من بعيد بشيء من الاشمئزاز، وقد بدت على وجهها ملامح التبرم. نطقت بنبرة مغرورة، تبرر بها تباعدها عن الملامسة المباشرة، وكأنها تسعى للتعبير عن تباين كبير بين ما تشعر به، وبين حماس أم الديب: =الحمدلله يا طنط. عانقت أم الديب سيليا بقوة، معبرة عن مدى سعادتها برؤيتها، قائلة كلمات مليئة بالود: _ازيكوا يا عيال عاملين ايه؟ تفوهت سيليا برقة: =هاي نانا بسمة. قبلت أم الديب سيليا على وجنتها الوردية، ولكن قبلتها تركت آثارًا من المياه على وجه الصغيرة، مما جعلها تشعر بشيء من الاشمئزاز. ثم قالت بفخر: _زي السكر ياختي.. اسم الله عليكي، ربنا يحفظك. بعدما انتهى تبادل السلام بين الجميع، نظرت أم الديب خلفها لتكتشف كمًّا هائلًا من الهدايا المتراكمة. لم تستطع أن تخفي دهشتها، فتوجهت نحوها بسرعة، وتلفظت بذهول: =كل دهي حاجات؟ يا خرابي، دهي بتاعتنا احنا؟ اتجهت أم قمر الدين خلفها، تتصاعد خطوات كعبها اللامع بشكل رنان على أرضية السيراميك اللامعة، حتى وصلت إلى أم الديب. ثم قالت بحنان، محاولة أن تبعث الطمأنينة في قلبها: _أه طبعًا يا أم الديب، الهدايا دي متقسمة لتلات أجزاء للعروسة، وجزء للعريس، وجزء لمامة العروسة. لم تتمالك أم الديب فرحتها العارمة التي أثارتها كلمات أم قمر الدين، فاندفعت نحوها بسرعة، واحتضنتها بحرارة. كان عناقها تعبيرًا صادقًا عن مدى سعادتها، وقالت بامتنان عميق: =انشالله يخليكي، ويسترك دنيا وآخره، ويطعمك ما يحرمك، ويرزقك، ويديكي كل حاجة حلوة. تحدثت أم قمر الدين بانقياد، متبنية نبرة لطيفة: _ميرسي يا أم الديب. دخل أحمد، وجميلة إلى القاعة ليقدما التحية لجلال، وزوجته، وجميع الحضور، وعندما لاحظ جلال وصول أخيه، وقف على الفور، وخطى بخطوات سريعة نحو أحمد. اقترب منه وهو يرتدي ابتسامة واسعة على شفتيه، تعكس مشاعر الحفاوة برؤية أخيه، وبدأ يتلفظ بكلمات الترحيب بحماس: =يا أهلًا وسهلًا، وأنا أقول القاعة منورة ليه؟ عانق أحمد جلال بإعزاز، حيث كان العناق ودي، ساعيًا للتأكد من أحواله، والتعبير عن مدى تقديره له بقوله: _عامل ايه يا جلال؟ نهضت ليالي لتصافح جميلة، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهها، وكأنها تحمل في طياتها نية غير معلنة. ثم نطقت بتهكم، تضيف لمسة من الغموض إلى اللقاء: =منورة الدنيا يا جميلة ياختي. قبلت جميلة ليالي قبلتين في الهواء، تعبيرًا عن تحية دافئة وبعيدة عن الملامسة المباشرة. ثم تفوهت برقة: _ميرسي منورة بيكي. أجابت ليالي ببشاشة وجه، حيث كانت ابتسامتها تعكس انفتاحها: =الله يخليكي... ازيك يا سيليا؟ تلفظت سيليا بحبور: _الحمدلله يا طنط. قالت ليالي بإعجاب، وهي تنظر إلى سيليا، التي بدت بالفعل جميلة ببراءتها الطفولية كان في صوتها تأكيد على جمال الطفلة، وإشادتها بجاذبيتها المحتملة: =ما شاء الله عليها تتحسد من حلاوتها. ردت جميلة بضحك خفيف، حيث عبرت ضحكتها عن امتنانها للتعليق الإيجابي، مما أضفى جوًا من الألفة: _ميرسي ده من زوقك. سأل جلال بتفكير عميق، وعلامات التأمل على وجهه: =جايين من بدري ولا ايه؟ أجاب أحمد بوضوح، حيث كانت كلماته مباشرة: _لا لسه جايين، ومعايا طنط بسملة، وعمي باسم. قال جلال بدهشة: =الإتنين مرة واحدة؟ تمنى أحمد من أعماق قلبه أن يسير اليوم على نحو إيجابي، خالٍ من الفضائح أو المشكلات التي قد تعكر صفو المناسبة. لذا، رد بعبارات متأنية، تجسد حرصه على الحفاظ على جو من الانسجام طوال الوقت: _عمي أول مرة يحضرلنا مناسبة، عايزكم تشرفوني! كان جلال يثق كل الثقة أن هذه المرة سيكون كل شيء على أكمل وجه، وأن الجميع سيغادرون في نهاية اليوم وهم يشعرون بالرضا. فقال بطمأنينة، معبرًا عن يقينه الكامل: =لا ياض متقلقش احنا نشرف أي حد! تلفظت ليالي بفضول: _أمال حماتي راحت فين؟ أجابت جميلة بلا اكتراث بشأن أم الديب، وقد فسرت نبرتها عدم اهتمام واضحًا: =طنط بسمة قابلتنا برا، أكيد لسه واقفة مع مامي، وبابي. ضحكت ليالي، وقد بدت عليها علامات التعجب من استمرار تمسك جميلة بطريقة معيشتها القديمة في منزل والديها. فقالت بتعجب، معبرة عن استغرابها من هذا التمسك بالماضي الذي يبدو أنها لم تتجاوز تفاصيله بعد: _هو انتي لسة بتقولي بابي ومامي؟ انتي كبرتي على الكلام ده أوي. ردت جميلة باستغراب، والدهشة على وجهها، كأنها لم تكن تتوقع هذا النوع من التعليق: =ايه علاقة السن باللي بتقوليه ده؟ تلفظت ليالي باستهزاء في وجدانها، لكن ذلك ظهر كأنه مجرد مزاح في المظاهر، حيث كانت نبرتها، وموقفها يخلقان انطباعًا بأنها تقصد شيئًا غير جاد: _بحس العيال الصغيرة هي اللي بتعمل كده. لم تتقبل جميلة هزل ليالي، إذ وجدته غير لائق بالنسبة لها، حيث كان في نظرها بعيدًا عن مستوى حياتها الاجتماعي، والمادي، والثقافي، ورغم محاولات ليالي للتقرب منها، لم تكن قادرة على تجاوز الحواجز التي فصلت بين طبقاتهم الاجتماعية. وبكل تعجرف، تفوهت جميلة قائلة: =عيال صغيرة؟ جاءت نعمة مع حامد، وابنها محمد لتقديم التحية، فبادرت بعناق أحمد بحفاوة، وقد بدا على وجهها سرور لا يخفى، يعكس سعادتها بلقائه، وهي تتحدث: _ازيك يا أحمد ياخويا؟ أجاب أحمد بغبطة تملأ الكون سعادة: =الحمدلله يا نعمة، انتي عاملة ايه؟ ردت نعمة بسرور، بينما كانت تعدل حقيبتها على كتفها، مظهرة بذلك ارتياحها: _الحمدلله. عانق أحمد زوج أخته بكل حب، مبرزًا العلاقة الأسرية الوطيدة التي تجمع بينهما. كان عناقه مليئًا بالعاطفة، وسأله بإحسان: =ازيك يا حامد؟ تحدث حامد بسكينة: _كله تمام انت عامل ايه؟ اقتربت نعمة من جميلة، وعانقتها برفق، ثم قالت بشوق، معبرة عن مدى اشتياقها للقاءها، وحنينها للعلاقة بينهما: =وحشاني يا جميلة، كده محدش بيشوفك إلا كل فين وفين؟ ردت جميلة بلا اكتراث، وعلامات اللا مبالاة على وجهها: _هعمل ايه طيب؟ من ساعة ما خلفت أسيل وأنا المسئولية زادت عليا أكتر من الأول، ده أنا حتى لحد دلوقتي مش عارفة أوفق ما بين الشغل والبيت! ودت نعمة أن توجه إلى جميلة بعض النصائح التي قد تكون مفيدة لها في التعامل مع فتياتها، مستفيدة من خبرتها السابقة مع طفلها محمد. فقالت: =نصيحة مني سيبك من الشغل وخليكي مع عيالك، هما أولى بيكي من أي شغل ومحتاجين اللي يراعيهم! لم تحب ليالي أن ترى نجاح جميلة يتلألأ، بل أرادت تهبيطها بنصائح خاطئة، وغير واقعية، تدرك جيدًا أنها لن تنجح في تحقيقها أو العمل بها يومًا ما، رغم أن جميلة كانت أكثر حاجة للعمل الفعّال. فتفوهت بمكر، معبرة عن نيتها في تقويض ثقتها بنفسها: _نعمة عندها حق، شغل ايه وكلام فاضي ايه في الزمن ده؟ الواحدة ملهاش إلا بيت جوزها وتربية عيالها. لن تتمكن جميلة، التي تجسد ملامح التحضر، من الاستسلام أو التبعية للأحاديث المتخلفة التي يسوقها أولئك الريفيون القدماء، الذين يعتنقون وجهات نظر تقليدية ضيقة تشدد على قصر دور المرأة على دور الزوجة فقط، مُعتبرين إياها مجرد خادمة تحت أقدام زوجها. فهي، بحكم نشأتها وحياتها الرفيعة في المدينة بين الأثرياء، حيث تتصدر عائلتها قائمة الأغنياء، والنخبة الاجتماعية، تجد أن هذه التصورات تتناقض تمامًا مع واقع حياتها المترف، والمبني على المساواة، وفي هذا السياق، صرحت بوضوح قائلة: =لا طبعًا، الكلام ده كان زمان أوي لكن دلوقتي مينفعش، الحياة اتطورت أنتوا بس اللي مش عايشين في الدنيا! قالت ليالي، وقد ارتسم على وجهها التذمر بحدة: _يعني ايه مش عايشين في الدنيا؟ أمال اللي قاعد معاكي دلوقتي وبيكلمك خيالنا؟ اقتربت أم قمر الدين، رافقها باسم، وأم الديب، نحو طاولة جلال، وزوجته، وبقية الحضور، وقد كانت أم قمر الدين تحمل على وجهها تعبيرًا من السرور، وتحدثت بحماس: =هاي يا حبيبتي، عاملة ايه؟ أجابت ليالي بنبرة ملآنة بالضغينة، حيث كان كلما رأتهم تتفاقم نيران مشاعرها السلبية، وتتصاعد في داخلها كالنيران التي لا تهدأ، مشبعةً حديثها بقدر كبير من الكراهية: _الحمدلله كله تمام. عانقت نعمة أم قمر الدين بدهشة، غير قادرة على تصديق أن أم قمر الدين نفسها قد حضرت بينهم. ومع ذلك، كانت نيتها صافية، حيث قالت بتقدير: =أنا مش مصدقة نفسي بقى جيتي لحد عندنا؟ ردت أم قمر الدين بابتسامة: _طبعًا ده أم الديب ليها خير عليا، أنا بردلها جزء بسيط منه، دي غلاوتها كبيرة! تحدثت أم الديب بدفء صادق، حيث كانت مشاعرها تتجلى بوضوح في بريق عينيها المتلألئتين: =والنبي ده انتي اللي غلاوتك كبيرة قد كدهو، ربنا يخليكي لينا يا ست بسملة، ويسترك. قالت أم قمر الدين بحبور: _ميرسي يا أم الديب. بمجرد وصول باسم، قام أحمد بنقله إلى طاولة أخرى كانت مخصصة له، والتي تُعد واحدة من أفخم الطاولات المتاحة، بينما توجهت أم قمر الدين مع جميلة، والفتيات إلى ناحية أخرى، حيث جلسوا بعيدًا عن جلال وزوجته، وعندما لاحظت ليالي هذا التباعد، لم تستطع إخفاء مشاعرها المكبوتة، فقالت لزوجها بنبرة مفعمة بالكراهية: =محستش بحاجة يا جلال من الحركة اللي لسه عاملينها فينا؟ رد جلال بفضول: _حركة ايه يا ليالي؟ نطقت ليالي بكلمات محاقة بالاغتياظ، حيث كان الغضب يتطاير من كل حرف تفوهت به: =مش عاجبهم القاعدة معانا، وهما يعجبوا مين؟ دول ناس نفخ على الفاضي، وأمك من ساعة ما جُم وهي نازلة شعر فيهم كأن مفيش لا قبلهم ولا بعدهم! قالت نعمة بتفهم، حيث تجلى في ملامح وجهها تعاطف صادق مع الوضع، مما جعل كلماتها تحمل عبق الحكمة، والرؤية المتبصرة: _لا هما ميقصدوش كده! هما ليهم حياتهم وكل واحد بيعمل اللي يريحه ده غير أنهم ميعرفوناش كويس. تفوهت ليالي بغلٍ، حيث كان كل حرف ينطق به يعكس ما في باطنها من كراهية عارمة: =ولا هما يعجبونا. أشار جلال بيده في الهواء بتجاهل تام، كأنه ينفي أهمية الموضوع برمته، ثم نطق بكلمات تفوح باللامبالاة، معبرًا عن عدم اكتراثه بأي من التفاصيل التي تمت مناقشتها: _يا بت كبري دماغك بقى! ضمت ليالي ذراعيها إلى بعضهما وكأنها تحاول حماية نفسها من الإحباط، ثم قالت بضيق شديد: =أهو يا جلال كبرتها! وعلى نحو آخر، عبّر باسم عن إعجابه بالقاعة، رغم أن مشاعره الحقيقية لم تكن تعكس هذا الإعجاب، لكنه كان يسعى لتجنب الإحراج، وجبر الخواطر، فحرص على تقديم كلمات ملؤها المديح. قال بابتسامة دبلوماسية: _ما شاء الله قاعة هايلة. تعجب أحمد من مدى إعجاب حماه بالقاعة، وكأنما قدم له كأس النصر بدلًا من مجرد إبداء رأيه. فقد برزت السعادة على محياه، في حين أنه كان يتحدث بحماس ظاهر قائلًا: =عجبتك بجد يا عمي؟ أجاب باسم بتبتل، حيث كانت نبرته وملامحه تتسم بالوقار، كأنما يسعى لإظهار عمق تقديره له: _طبعًا، بس أنا مبسوط منك أنك اتوليت أمور خطوبة أختك. أظهر أحمد حبه العميق لأخته، الذي كان يسكن أعماقه ويشكل جزءًا أساسيًا من كيانه، إلى العلن أمام الجميع. وصف تعلقه بها بكل صدق، دون أدنى خجل، وقال: =أنا أقرب حد ليا في أخواتي هي هايدي، مبحبش أستخسر فيها حاجة، ونفسي أفرحها وأشوفها مبسوطة. تلفظ باسم باحترام شديد، حيث كانت كلماته مصاغةً بنبرة تفيض بالود: _كويس جدًا أنك بتحاول تسعد أختك، الأخوات سند لبعض، محدش فيهم يقدر يستغنى عن التاني. قال أحمد بغبطة: =طبعًا، بس هايدي أختي طيبة، وربنا بيحبها. تحدثت أم قمر الدين بإعجاب، حيث كانت كلماتها تتدفق بصدق، مستعرضةً جمال هايدي اللافت. تجلى في حديثها تقديرٌ حقيقي لرواء هايدي، مما جعل إشادتها تفيض بالأناقة: _هايدي عسولة موت، أنا مشوفتش عريسها بس حاسة أنه هيطلع لذيذ أوي! أظهر أحمد بوضوح تقديره لخطيب أخته، مشيدًا بصفاته الحسنة، والأخلاق الرفيعة التي يتمتع بها. كان أحمد يسلط الضوء على مزاياه الفريدة أمام الجميع، مبرزًا كل جانب إيجابي فيه، وذلك على النقيض تمامًا من والدته التي لم تخفِ كراهيتها له. فقد عبّرت والدته عن استياءها، وسردت مساوئ الخطيب من وجهة نظرها. فقال: =لا زياد بصراحة محترم وأنا مبسوط بخطوبته من هايدي، الوحيدة فينا اللي مش مبسوطة هي ماما. ردت أم قمر الدين بتعجب: _ليه رافضة مادام الولد كويس؟ شرح أحمد السبب الحقيقي وراء الرفض، مستعرضًا التفاصيل بشفافية، بحيث كانت كلماته تتسم بالدقة، والموضوعية، فقال: =لأنه مش على مزاجها، الوحيدين اللي فلتوا منها هو أنا ونعمة... هو الموضوع يعني بالنسبة لماما بالحظ كده يا توافق يا ترفض، هي ومزاجها بقى! أوضحت أم قمر الدين بأسلوب راقي طريقة تفكيرها المميزة التي تعكس بُعد نظرها وفهمها العميق للأمور، مشيرةً إلى أن هذه الصفات تفتقر إليها عقلية أم الديب التي تصفها بأنها ضيقة الأفق، ومحدودة التفكير، ومعبرةً عن تباين كبير بين مستوى تفكيرها، وتفكير أم الديب، وقالت: _المفروض الأم تسيب أولادها يختاروا بأريحيه لأنهم هما اللي هيعيشوا مش هي، الجواز بيكون صعب جدًا لو مفيهوش أي قبول من الطرفين. تحدثت جميلة باقتناع، حيث تجلت في كلماتها ثقة الرأي. كانت نبرتها تعكس الإيمان التام بما تقوله، مما جعل حديثها يبدو مقنعًا، ومعبرًا عن قناعاتها الراسخة: =عندك حق يا مامي. عند أم الديب بالخارج، دخلت القاعة حاملةً طبقًا ملآنًا بالساندويتشات الشهية التي تزينت بألوان جذابة، بينما كان زياد، وهايدي قد وصلا إلى القاعة، يتبعهما بعد ذلك فرقة الطبل التي أضفت أجواء من البهجة. كان الناس يتدفقون نحو الخارج لاستقبالهم، بما في ذلك أفراد العائلة الذين حرصوا على تقديم الترحيب الحار، وحينما وصل المعلم حنفي مع أخيه، برزت على وجهه ملامح الفخر، فألقى نظرة مشبعة بالحنان على ابنته، قائلًا بفرح: _ألف ألف مبروك يا هايدي. عانقت هايدي والدها بحرارة، حيث كان شعور الفرح يملأ كل حركة في عناقها، وردت بسرور، مما جعل كلماتها تنبض بالحب: =الله يبارك فيك يا بابا. صافح حسين العروسين بحنان، معبرًا عن أصدق تمنياته، وأرقى مشاعره. بينما كان يده تلتقي بيديهما في مصافحة دافئة، قال لهما بكلمات تحمل بين طياتها التقدير: _مبروك يا عريس، مبروك يا عروسة. أجاب زياد، وهايدي بفرحة غامرة تملأ قلوبهم، مشعةً على وجوههم ابتسامات عريضة تعبر عن سعادتهم الغامرة: =الله يبارك فيك. على الرغم من ارتفاع الأصوات المختلطة بين صخب المزمار، وضربات الطبل الصاخبة، وزغاريد النساء التي تملأ الأجواء بحماس متأجج، كانت أم الديب تواصل التهام الطعام بشهية جارفة لا تعرف الهدوء. لم يكن شيء من هذا الصخب قادرًا على انتزاعها من تلك اللحظة التي استسلمت فيها تمامًا لملذاتها، حتى ألهمها إحساس مباغت أن العروسين قد وصلا إلى القاعة، لتنتشلها المفاجأة من انغماسها العميق في الطعام، وتجعلها تهمس لنفسها بصدمة تشوبها دهشة غير متوقعة: _يا حلاوة، ده العيال وصلوا! ثم خرجت على عجل من المكان، متجهة نحو العروسين بخطوات واثقة، لتسلم عليهما بيدين مرتعشتين من فرط الحماس، وعندما التقت بابنتها، لم تتمالك نفسها من الاحتضان بشدة، وكأنها تحاول التعبير عن كل مشاعرها المكبوتة في تلك اللحظة. إلا أن كلماتها التي خرجت من فمها كانت مشوبة بفظاظة غير معتادة، قائلة: =مبروك يا بت، كبرتي وبقيتي عروسة! وسط دوامة الأحضان الحارة التي تبادلتها الأم، وابنتها، بدأت هايدي تشعر بشيء غامض ينبعث من أم الديب، وكأنها تخفي خلف تلك العاطفة الجياشة نية مبيتة لإحداث شيء غير متوقع، ربما مصيبة كبرى قد تقلب الأجواء السعيدة رأسًا على عقب. كان هذا الشعور الغامض يعكر صفو اللحظة، مما دفع هايدي إلى أن تنظر إلى أم الديب بنظرة مليئة بالريبة، قائلة لها بلهجة متوجسة: _الله يبارك فيكي، أوعي تكوني مجهزالنا مصيبة جديدة! ردت أم الديب بصوت هادئ يفيض حنانًا غير معهود، وكأنها فجأة قد كشفت عن جانب دافئ من شخصيتها لم يظهر من قبل، فاجأت به الجميع، حيث لم يتوقع أحد أن تكون كلماتها مغلفة بهذا القدر من العطف: =وآني أقدر أزعل بتي في شبكتها؟ قالت هايدي بخوف: _ربنا يستر! لم تقترب أم الديب من زياد لتصافحه كما هو متوقع في مثل هذه المناسبة، بل وقفت على مسافة وكأنها ترسم حاجزًا غير مرئي بينها وبينه. ثم نطقت بكلمات باردة، وتعيسة: =مبروك يا عريس. رد زياد بابتسامة خافتة: _الله يبارك فيكي. وأخيرًا، دخلوا القاعة التي امتلأت بالأجواء الاحتفالية المُبهجة، حيث نهض الحاضرون من مقاعدهم لتحيتهم بكل حفاوة، وكأن المشهد بأسره تحول إلى لوحة تصويرية تنبض بالسعادة. الأقارب تدافعوا لتقديم التهاني والتبريكات للعروسين، وكلمات الفرح تتردد في الأرجاء كألحان موسيقية تلامس القلوب. جلس الجميع في أماكنهم، والأجواء تفيض بالبهجة، حتى انقضت عشر دقائق، وظهرت شخصيتان طال انتظارهما؛ ضايع والراقصة. كان ضايع يتقدم وسط القاعة بخطى واثقة وكأنه يتخيل نفسه شخصية سياسية رفيعة، وزيرًا أو رئيس جمهورية، يمشي في المنتصف رافعًا يديه بإيماءات السلام، مُشعرًا الجميع بأهمية وجوده، وعندما وصل إلى المسرح، نطق بصوته الوضيع، محاولًا أن يجذب الانتباه بكلماته، التي حملت نبرة من الادعاء: =السلامو عليكو يا جدعان! عانق ضايع أخته الكبرى بحرارة، وكأن هذا العناق كان فرصة نادرة له للتعبير عن مشاعر خفية لم تسنح له الفرصة للكشف عنها من قبل، وبينما كان يحتضنها، نطق بكلمات محملة بإحسان غير متوقع: _ازيك يا بسمة ياختي؟ ردت أم الديب بسرور، يكاد يتسرب من نبرات صوتها: =ازيك ياخويا يا غالي يا حبيب أختك؟ وفي تلك اللحظة، تأكدت هايدي أن خطبتها قد باءت بالفشل قبل أن تبدأ حتى، مع ظهور خالها ضايع الذي كان بمثابة علامة واضحة على انهيار كل آمالها. كانت تنظر إلى الأوضاع بعيون مملوءة بالذعر، وكأنها تتنبأ بما سيأتي، وتدرك تمامًا عواقب هذا الظهور غير المتوقع، وبينما كانت تستشعر التشويش في قلبها، اقترب ضايع وهو يغمر وجهه بدموع حارة، وقال بنبرة متأثرة، تشرح ألمه الدفين: _الله يرحمك ياما، كان زمانك وسطنا دلوقتي. تلفظت أم الديب بكلمات مشوبة بانتحاب، وكأن كل حرف كان ينساب من أعماق قلبها المثقل بالهموم: =الله يرحمها دي كانت طيبة. رد ضايع بتأثر: _أوي. وأردف ضايع لكليهما، هايدي وزياد، بكلمات متقطعة: _مبروك يا عروسة، مبروك يا عريس. وتابع، وهو يتحدث في الميكروفون بصوت عالٍ يملأ المكان برمته، وكأن صوته كان يرتفع ليواجه القاعة بأسرها: _النهارده خطوبة بت أختي الغالية، بعد ما رفضت نص عرسان مصر... البت كان جايلها عقدة بس العقدة النهارده اتفكت... عقبال الليلة الكبيرة، ونخربهالكم ضرب نار. ثم استخرج ضايع المسدس من جيبه، وأطلق النار في السقف، مما تسبب في سقوط النجفة وتحطيمها إلى أجزاء متطايرة. كان دوي الطلقات، وصوت تحطم الزجاج يرعدان المكان، مما أثار فزعًا شديدًا بين الحضور الذين تجمدوا في أماكنهم، بينما ارتفعت صرخات أم الديب، وهايدي في الوقت نفسه، ملأهما الرعب من التصرف الخطير، وبابتسامة ماكرة تشي بخبثه، نظر ضايع إلى الجميع وكأنه يتلذذ بوقع الفوضى الذي خلفه، وقال: =متخافيش يا بسمة ياختي، دي حاجة على الخفيف كده، لسه التقيل جاي! قالت هايدي بخور: _أبوس ايديك متبوظش الخطوبة! ارتعبت أم الديب، وبسطت يديها فوق قلبها الذي كاد أن يتوقف عن الخفقان، وكأنها تحاول الإمساك به ليبقى في مكانه. كان وجهها شاحبًا، وملامحها ترتعش، بينما تفوهت بكلمات ارتجفت من شدة الخوف: =كده يا ضايع خضتني؟ ده آني كنت هعملها على نفسي. جاء المعلم حنفي، وجلال، وحسين باتجاه ضايع، الذي كان قد تسبب في ارتياع المعازيم، وحالة الفوضى العامة. تقدم المعلم حنفي، الذي بدا عليه علامات الاستفهام، حيث لم يكن قد وجه دعوة لأي شخص، ناهيك عن ضايع. نظر إلى ضايع بفضول، وكأن ظهور الأخير في مثل هذا الوقت والموقف قد فاجأه بشدة، وقال: _انت ايه اللي جابك؟ استخرج ضايع المسدس مرة ثانية، ووجهه مباشرة نحو المعلم حنفي، الذي بدا متجمدًا في مكانه. كان ضايع يديه ترتعش قليلًا من شدة العصبية، بينما كانت نبرته تعكس تهديدًا واضحًا، وقال، بعصبية متصاعدة: =يعني ايه يا حنفي؟ مش خطوبة بت أختي؟ ولا بلاش أحضر شبكتها علشان سواد عيونك؟ ماهو لو مش عاوزني أحضر عرفني! رد المعلم حنفي بفزع: _لا وآني اتكلمت؟ احضر براحتك، ده انت خال العروسة. عانق جلال خاله بحب، تقديرًا لكل ما فعله من أجل تعليمه، وتوجيهه في مجال سياسات السرسجية، وأسرار أصحاب المطاوي الجلفة. كان خاله قد لعب دورًا مهمًا في تعليمه كيفية الدفاع عن النفس بطرق متقدمة، وفعالة، مما أكسبه مهارات حيوية كان يعتمد عليها في حياته، وقال جلال، وهو يعبر عن امتنانه الكبير: =ازيك يا خالي؟ ليك واحشة! بادله عناقًا دافئًا، متجاوزًا الحدود المألوفة بين البشر، ثم نطق بكلماتٍ تتدفق من أعماق قلبه: _وانت كمان يابن أختي يا غالي. قال جلال بترقب: =ده عمي حسين أبو العريس. رد حسين بوجهٍ مفعم بالعبوس، حيث تجسّدت على ملامحه تجاعيد القلق، وكأن عواطفه المشتتة قد احتلت كل جزء من وجهه: _يا أهلًا. ضحك ضايع بمرارة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة تعكس تهكمه: =يا مرحب بيك يا حسونة. وتابع بتلك النبرة الساخرة التي تحمل قدرًا من الاستهانة، مخاطبًا الراقصة بدناءة، كأنما كان يرقب كل حركة، وكل تعبير منها بتمعن مملوء بنبرة الازدراء: =خُشي يا بت ولعي القاعة رقص، عارفة لو مرقصتيش بضمير، أنا هطير رقبتك! أجابت الراقصة بروح من الاستعداد، حيث تجلى في نظرتها وابتسامتها تعبيرٌ عن جاهزيتها التامة، وكأنها كانت تترقب هذه اللحظة بلهفة، متأهبة لتلبية أي طلب: _متخافش، ده أنا هوريك اللي عمرك ما شوفته! حرك ضايع طرف المسدس الفتاك على مستوى صدره، في حركة توحي بتأكيده لسلطته، وقوة تأثيره، ثم نطق بكلمات تتسم بالخسة: =وأنا أحب أشوف. تشبث جلال بذراعه في ذراع خاله، في حركة ودية، ثم بدأ يتحدث إليه بمزاحٍ لطيف: _خُش يا خالي، انت هتفضل واقف ولا ايه؟ كانت جميع السيناريوهات السيئة تدور في رأس هايدي بلا انقطاع، وكأنها دوامة لا تهدأ، مما جعلها في حالة من القلق المستمر. لم تكن لديها أي لحظة من الهدوء؛ كانت خائفة بكل المقاييس، حتى أن دماء الذعر كانت تجري في شرايينها وكأنها تيار متسارع من القلق، وأمام هذه المشاعر المشتعلة، قالت لزياد بتردد، وكلماتها تتلعثم في فمها كمن يطأطئ رأسه أمام عاصفة لا تنتهي: =أنا خايفة أوي، خالي ضايع ده مش سهل، وممكن يبوظ الخطوبة! بث زياد الطمأنينة في روحها من خلال ابتسامة هادئة، تنم عن ثقة راسخة: _يعمل مهما يعمل، مفيش حاجة هتغيرني من ناحيتك يا هايدي! ردت هايدي بانشراح، وقد أضاءت ملامحها بابتسامة تفيض بالراحة، وكأن عبء القلق قد انزاح عن كاهلها فجأة: =ربنا يستر بقى. جاءت نعمة، وليالي، متألقتين بأبهى حلة، ليسلّمن على العروسين ببهاء منقطع النظير. عانقت نعمة أختها أولًا، في لحظة عاطفية تجمع بين دفء المحبة، وصلة الدم. ثم، بروحٍ عطوفة، استخرجت مائة جنيه من حقيبتها بعناية، وقدمتها لأختها، قائلةً لها كلمات تُعبر عن جودها: _ألف مبروك يا هايدي. تحدثت هايدي بسكينة: =الله يبارك فيكي، عقبال ما تجوزي محمد. سلمت نعمة أختها هدية الخطبة البسيطة، التي كانت تلمع بلمسات الود، ثم ردت بكلمات تحمل بين طياتها التمنيات الطيبة لهذه المناسبة السعيدة: _يارب. عانقت ليالي هايدي بحنان، وسلّمت إليها في يديها مائتي جنيه، بينما أشرق وجهها بالسعادة البالغة، وقالت بعبارات تفيض بالسرور: =ألف مبروك يا هايدي، عقبال الليلة الكبيرة. ردت هايدي بفرح: _الله يبارك فيكي. قالت نعمة للعريس بغبطة عارمة: =مبروك يا عريس. تحدثت ليالي بابتسامة: _ألف مبروك. رد زياد، وقد علت ملامح وجهه مسحة من الفرح: =الله يبارك فيكم، شكرًا. جاءت جميلة، يرافقها أحمد، وأم قمر الدين، ليعبروا عن تحياتهم ببالغ الألفة، وقد عانقت جميلة هايدي، التي كان الفرح يتلألأ في عينيها، بعدما سقطت هايدي في مصيدة الحب دون أن تدرك. وفي ختام تلك اللحظة المؤثرة، نطقت قائلة: _مبروك يا حبيبتي. أجابت هايدي، وقد امتلأت ملامحها بالحبور: =الله يبارك فيكي يا جميلة. احتضن أحمد أخته برفق، وقبل جبينها بعاطفة صادقة، وهو ينطق بكلمات تحمل الإخوة العميقة، قائلًا: _مبروك يا هايدي، أخيرًا كبرتي، وبقيتي عروسة؟ ردت هايدي، وقد برز على وجهها ملامح السعادة النقية، متمنية من أعماق قلبها أن تشهد في المستقبل البعيد بنات أخيها وهن يتوجن بفستان العروس، لتكتمل بذلك صورة الفرح، والتجدد في عائلتهم: =الله يبارك فيك، شوفت بقى؟ عقبال سيليا وأسيل تشوفهم أحلى عرايس. قال أحمد بانشراح، وقد تناثرت على شفتيه ابتسامة عريضة تظهر سعادته: _ان شاء الله. وأردف لزياد، وهو يحتضنه بقوة إلى صدره، وكأنها لمسة من عناق رجالي صادق، يضاف إليه ضربات الكفين التي تنم عن الحفاوة، بينما تتلألأ الابتسامات من أعين الجميع، معلنة عن فرحة جماعية تجسد أواصر التآخي: _مبروك يا زياد يا حبيبي. رد زياد بجذل في كلماته: =الله يبارك فيك. قالت أم قمر الدين بتهنئة، متجسدة في نبراتها مشاعر الأمومة، معلنة عن تمنياتها الحارة، ومشاركتها الصادقة في فرحة العائلة: _ما شاء الله العريس والعروسة زي القمر بجد، مليون مبروك عقبال ما توصلي بيتك بمليون سلامة. ردت هايدي بفرح: =شكرًا يا طنط ربنا يخليكي. ضحك أحمد، وهو يوضح لها الواقع الذي قد يكون خفيًا عليها، محذرًا من أن هداياهم قد تُسرق دون أن يُفصح لها أحد بالحقيقة، وأضاف بتأكيد صريح: _خدي بالك، طنط بسملة جايبة هدايا كتير، شوية ليكي، وشوية لزياد، وشوية لماما، أنا قولت أعرفك ألا أنا حافظها، وعارف هتعمل ايه كويس أوي! ضحكت هايدي، وهي تنظر إلى أم قمر الدين بامتنان، وكأنها تنعم عليهم بخيراتها التي تتساقط كأنها مطر من السماء. كانت أم قمر الدين تجسد معنى السخاء، كتمثال يحتذى به في العطاء بلا حدود. ثم نطقت هايدي قائلة: =شكرًا يا طنط، تعبتي نفسك ليه بس؟ أجابت أم قمر الدين بابتسامة خافتة: _دي حاجة بسيطة أوي يا حبيبتي. قالت هايدي بسعادة: =شكرًا، بجد مش عارفة أقول لحضرتك ايه! على طاولة المعلم حنفي، وحسين، وبعد أن عادوا، وجلسوا بملامح مرهقة، قال حسين بشك واضح: _شكل خال عيالك بلطجي، وبتاع مشاكل! رد المعلم حنفي بسخرية: =شكل؟ شكل ايه يا حسين؟ ده هو أساس البلطجة كلها، ده مسابش حاجة حرام إلا لما عملها... ده الناس بتصحى الصبح تقول يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، وده بيصحى يعد عنده كام مصلحة فيها سرقه، وقتل. ده الحكومة بتخاف منه ومش قادرين يعملوله حاجة! سأل حسين باستفهام: _وايه اللي جابه بس لما هو كده؟ أجاب المعلم حنفي بكراهية: =هيكون ايه اللي جابه يعني؟ هي الولية أم مخ تخين هي اللى جابته وعزمته في التلافون. دائمًا ما يرى حسين أخاه كائنًا ذا شخصية ضعيفة، يتقبل الإهانة بلا مبالاة وكأنها عادية، حتى أن ردود أفعاله تبدو وكأنها تعكس قياسًا كبيرًا من الذعر أكثر من كونه إنسانًا قادرًا على الاعتراض. لذلك، أوصاه ببعض النصائح الهامة، ممدًا إياه بالإرشادات اللازمة التي يجب اتباعها عند العيش مع امرأة بهذا القدر من التسلط، قائلًا: _لازم يا حنفي يكون عندك شخصية عن كده، أنا شايف إن لا مؤاخذة يعني مراتك هي اللي ممشية البيت كله. قال المعلم حنفي بخوف: =يا حسين الموضوع مش شخصية، وكلام من ده. الولية دي لتاتة، وكلامها كتير، ولسانها طول كده. هتكلم كلمة هتردهالي عشرة، ومش هنخلص في ليلتنا. إن كثرة الحديث لن تعيد الماضي، ولن تغيّره بل على العكس، ستزيد من قوة الحسرة، وكأن رياح الاستياء هبت فجأة نحو حسين لتكشف له عن معاناة أخيه في علاقة فاسدة، وقد قال بتأثر: _صعبان عليا يا حنفي، أهي جوازة واتدبست فيها، ربنا يعينك عليها. نطق المعلم حنفي بتمني: =يارب ياخويا يارب. على طاولة ليالي، ونعمة، حضر عم سلامة بمفرده، دون زوجته وأبنائه، تجنبًا لاختلاطهم بأم الديب، وبعد أن صافحه جلال بحرارة، قال له بتبجيل: _أقعد يا حمايا. قال عم سلامة باستعجال، وهو عازم على إنجاز المهمة التي حضر خصيصًا من أجلها: =لا أنا هروح أسلم على أبوك، وأبو العروسة. ردت ليالي باهتمام: _ماشي يابا. ثم توجه إلى المعلم حنفي، حاملًا معه ظرفًا أبيض يحتوي على ثلاثمائة جنيه. بينما كان جلال قد ترك أجواء الحفل، والأغاني الصاخبة من حوله، ليتفرغ لفحص محتويات الظرف، شعَر وكأن المبلغ الذي يحمله كبير جدًا بالنسبة للعروسين. فتحدث بنبرة خافتة مع زوجته: =أبوكي شكله داخل بمبلغ وقدره. اعتدل جسد ليالي بثقة في الحال، وقالت بغرور، وقد تجسدت في كلماتها نبرة من العظمة: _أبويا صاحب واجب أمال فكرك ايه؟ علشان تعرف بس إن أنا أهلي هما كمان بتوع واجب، وبيفهموا في الأصول. رد جلال بحُب: =وهو حد كان قال غير كده؟ مانا عارف أبوكي راجل جدع واللي في ايديه مش له. أجابت ليالي بفطنة: _طبعًا هو احنا حد زينا؟ تفوهت نعمة بفرح عارم، كاد قلبها أن ينفجر من شدة قفزه فرحًا، وهي تستمتع برؤية أختها السعيدة بجانب محبوبها في أجواء الحفل المبهرة، التي زادت من سحر جمالهم: =هايدي اسم الله عليها، الفستان هياكل منها حتة. ردت ليالي ببشاشة: _ربنا يهنيها ويسعدها. قالت نعمة بأمل، وقد بدت عينيها تلمعان بتفاؤل: =يارب. وبعد قليل، نهض العريس والعروس للرقصة الهادئة، وسط الأضواء الخافتة التي أضفت على المشهد سحرًا خاصًا. بسط زياد كفيه على خصر هايدي، وهما يرقصان ببطء بين الأضواء، بينما كانت أنظار الجميع موجهة نحوهما بإعجاب. قال زياد بتتيم، وقد انعكست في نبراته مشاعر الحب: _عقبال ما نبقى في بيت واحد يا هايدي. تلفظت هايدي بابتسامة: =ان شاء الله. على طاولة جلال، لم يستطع تحمل رؤية أخته في هذا المنظر الذي يهين كرامته ويجرح رجولته أمام الأقارب. شعر وكأن هذه المشاهد تُثير غيرته على عرضه، فتحدث بنبرة محتدة، تنبئ عن استعداده للمشكلات: _وربنا مانا مستحمل...هو شايف أخواتها مركبين قرون ولا ايه مش فاهم؟ حوار الرقص ده مينفعش، مانا مش مختوم على قفايا، لا ده أنا راجل أوي. قهقهت ليالي، ثم قالت بدهشة: =اهدى يا جلال، أمال هيرقصوا ازاي طيب؟ أنزل جلال يده بقوة على الطاولة، حيث ارتجّت تحت وطأتها وكادت أن تُسمع صريرها وكأنها على وشك الانهيار، ثم تلفظ بسخط، محاولًا السيطرة على ما يعتمل في صدره من ثورة عارمة: _مش عارف، بس الكلام ده ميصحش، أنا ماسك نفسي! تكلمت نعمة بصوت خافت لا يكاد يخفي برودتها، متجردة من أي اهتمام يُذكر، وكأن ما يدور حولها لا يعنيها بتاتًا: =كبر دماغك يا جلال! نطق جلال بكلمات ملتهبة، وقد بدا في صوته انفعال لا يمكن تجاهله: _لما يبقى جوزها يبقى يهبب اللي هو عايزه! استدار حامد نحو زوجته بعينين تلمعان بفضول، بينما كانت يده تمتد نحو الزجاجة المثلجة ليروي عطشه بالمياه الباردة، سائلًا إياها بحيرة: =احنا معملناش خطوبة ليه يا نعومي؟ كأن كلماته أشعلت في قلبها نار السخط، فتأوهت نعمة بنبرة يملؤها الأسى، وكأنها تحاول كبح مشاعر الألم التي طفحت على سطح حديثها، وأجابت: _متفكرنيش، أنا دمي بيتحرق كل ما أفتكر! تفوه حامد بفخر: =بس عملنا فرح جامد، وكل الناس حلفت بيه. لن تتبدل قناعة نعمة أبدًا حول عدم إقامة حفل خطبة كغيرها من الناس، ولن تشرق عيناها بفرحة مجرد تنظيم حفل زفاف وحسب. ففي كل مرة تعود فيها ذاكرتها إلى ذلك القرار، يجتاحها شعور عميق بالبؤس، وكأنما تتحسر على ما ضاع منها. فقالت بمرارة: _الفرح حاجة، والخطوبة حاجة. الفرح مش هيغنيني عن شبكتي اللي متعملتش. لكن ليالي كانت واحدة من أولئك الذين أقاموا حفل خطبة بكل تفاصيله، إلا أن ما كان يُفترض أن يكون بداية سعيدة تحوّل إلى نهاية مأساوية على يد أم الديب. فجلست ليالي بوجه يكسوه العبوس، تتملكها ندامة تكاد تخنقها، وقالت بصوت يائس: =واللي عملوا شبكة خدوا ايه يعني؟ أهو شوية رقص على شوية شربات بيتوزعوا وشكرًا، قال يعني لو عملتي شبكة كنتي عملتيها في قاعة زي دي. ردت نعمة بدهشة: _وليه لأ يا ليالي؟ هو حرام أفرح؟ ولا هو كتير عليا؟ تحدثت ليالي بعقلانية: =لا مش كتير عليكي، بس كلامك مش هيرجع اللي فات. حينما اقتنعت نعمة بحديث ليالي الألمعي، قالت: _على رأيك. حاولت أم الديب أن تتجاهل رقصات زياد، وهايدي المثيرة للجدل، والتي كانت قد تثير استياءً كبيرًا وقد يُنظر إليها على أنها تصرف مخل بالحياء أمام الأقارب، ولكن، مع ازدياد توتر الموقف، نهضت بحزم استعدادًا لمواجهة ما كان يلوح في الأفق من نزاع، واتجهت نحوهم بخطوات قوية. وعندما اقتربت من زياد، خاطبته بنبرة حادة: =نزل ايدك من على وسطها يا ولا! عندما توجهت أم الديب إليهما، نظر زياد وهايدي إليها بإحراج، ومع ذلك لم ينبس أي منهما بكلمة، واستمروا في الرقص وكأن شيئًا لم يحدث. فغضب أم الديب ازداد، فرفعت صوتها عاليًا، وأعادت حديثها مجددًا بصياح ملتهب، عاقدة العزم على أن يُسمع صوتها ويُفهم ما تعنيه بوضوح: =نزل ايدك بقولك! رد زياد بدهشة: _هو أنا هخطفها؟ تلفظت أم الديب بعجيج: =دي حيالله خطيبتك، ده انت مش عامل احترام لا لأبوها، ولا أخواتها، ولا ليا... يا خراب بيتك يا بسمة! ابتعدت هايدي عن خطيبها بسرعة، وقد غمرها شعور بالخوف، وراحت تنظر إلى الحاضرين بعينين مليئتين بالرهبة: _خلاص يا ماما! نهض أحمد على الفور، عازمًا على تهدئة الموقف، فتقدم نحو أم الديب، وجذبها برفق لتعود إلى مقعدها مرة أخرى، عازفًا عن النزاع مع العروسين، ولكن، ما إن جلست أم الديب حتى تحولت وجهتها إليه، وبدأت في النزاع معه بحماسة، قائلة بجلبة: =انت بتشدني ليه؟ بقى سايب الواد مكلبش في أختك، وجاي عندي آني وتشدني؟ جز أحمد على أسنانه بشدة، وهو يتحدث بنبرة مكبوتة ووجهه يشتعل بلون الإحراج، فقد كان واضحًا مدى استيائه من الموقف الذي آل إليه الأمر، وبصوت مليء بالصرامة، قال: _وطي صوتك، بلاش فضايح، عمي أول مرة يحضرلنا مناسبة، وانتي كده بتخلي شكلي وحش لتاني مرة! دفعته أم الديب جانبًا بيد قوية، دون أن تبدي أي تردد، ثم انفجرت بصوت عالٍ، قائلة كلمات تعكس سخطها: =أوعى من وشي، حسابكم معايا بعدين! ثم تركت الحفل بكل ما يحويه من أقارب ومعارف، واتجهت نحو المطبخ، وكأن هذا هو المكان الوحيد الذي يمكنها فيه أن تجد وتكبت فيه أحزانها التي تحيط بها من كل جانب. في هذه الأثناء، عاد أحمد إلى مقعده، وقد ارتسمت على وجهه ملامح العبوس، مما يعكس تأثره بالموقف. في ظل هذا الجو المشحون، نظرت إليه زوجته بفضول، تسأل بشغف عن ما يدور في ذهنه: _هي طنط مالها؟ أجاب أحمد بصوت خافت: =أهو العبط اشتغل تاني، الخطوبة لازم تعدي على خير، مش هتبقى كل مناسباتنا عبارة عن مشاكل، وفضايح. قالت جميلة بلهجة مليئة بالبغضاء، حيث تخللت كلماتها نبرة من الاحتقار: _بصراحة طنط بتزودها أوي، أنا مش شايفة إن الموضوع مستاهل! رد أحمد، وهو يوجه نظره حوله بانزعاج، كأنه يحاول إيجاد مخرج من الموقف المحرج الذي يعيشه: =هو فعلًا مش مستاهل بس هي بتحب تكبر كل حاجة. بعدما تركت أم الديب العروسين، وأحمد، دخلت إلى المطبخ، حيث صرخت في وجه الطاهي كما لو كان عبدًا تحت قدميها، ثم تقدمت نحوه بخطوات عازمة، وكأنها تفرض سيطرتها الكاملة على كل من حولها، قائلة بخشونة: _انت يا راجل انت! كأنما انتاب الطاهي نوع من الذعر، كأن روحًا زرقاء قد استقرت في جسده بمجرد سماعه صوتها الغليظ. فجأة، ترك الطباخ مهمة إعداد المعكرونة بالمشروم، وخفض النار تحتها بخفة، ثم توجه نحوها ببطء، وهو يتمتم بصوت خافت غير مسموع، تعبيرًا عن عدم ارتياحه: =استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم. قالت أم الديب بصياح: _بتقول ايه؟ رد الطاهي بحذر، كأنه ينتظر بفارغ الصبر ما ستؤول إليه الأمور، بينما كان يحاول جاهدًا أن يستوعب طلباتها، ويجعل نفسه جاهزًا لأي تعليمات: =بدعي ربنا يا حاجة، في حاجة؟ تلفظت أم الديب بصخب: _املالي طبق! قال الطباخ بدهشة، حيث كان الفزع يملأ عينيه من أن تفسد أم الديب كل الطعام الذي بذل جهدًا كبيرًا في إعداده، مما قد يؤدي إلى أن يجد المعازيم أنفسهم بلا طعام سوى المياه للشرب، وهو ما قد يسبب فضيحة عظمى للحفل بأسره: =تاني؟ هو كل شوية؟ ده انتي قربتي تخلصي على الأكل كله، الناس اللي برا هتاكل ايه؟ أم الديب لم تكن تبالي بشؤون الآخرين أو بمشاعرهم، فكل ما يشغل بالها هو تأمين استقرار الأطعمة في معدتها، والتمتع بشرب العصائر، فقد أصبح رضاها هو الشغل الشاغل لهم. وقالت بلهجة تفسر تمسكها بمصالحها الخاصة دون اعتبار للآخرين: _ياكلوا طوب، يلا خلص آني جعانة! لم يكن الطباخ قادرًا على إكمال تلك الجملة، فقد تملكه شعور بالارتباك، مما جعله يتلعثم في الكلمات، ويقف عاجزًا عن متابعة الحديث: =طيب ما تستني لحد ما ننزل الأكل للنـ... حتى قاطعته أم الديب فجأة، وبترت حديثه بحدة، وهي تصرخ بصوت عالٍ يعكس غضبها المتصاعد، مما جعل الطباخ يتوقف عن الكلام تمامًا: _انت اتعبطت ولا ايه؟ أنتوا هتذلوا فيا؟ ما عاش ولا كان اللي يذل أم الديب، آني هنا أم العروسة واللي أقوله يتسمع، ده آني ابنى دافع وصارف من جيبه، وفي الآخر يجي واحد زيك يقولي الكلام دهو؟ انتبه جميع الطباخين إلى صوتها العالي، حيث ملأ جو المطبخ بطنين من القلق، وعندما استشعر الطباخ اصطدامات عنيفة من حوله، قال لها باحتراس: =طيب اتفضلي انتي يا حاجة، واحنا هنبعتلك الأكل لحد عندك. هدأت أم الديب قليلًا، وكأنها استجمعت قواها لتعيد ضبط أعصابها، ثم قالت بسكينة تُظهر قدرًا من الاستقرار: _وماله ياخويا. خرجت أم الديب من المطبخ، وألقى الطباخ نظرة على المساعدين الذين هرعوا إليه بسرعة، ليقفوا حوله في دائرة مشدودة، منتظرين توجيهاته. ثم أخبرهم بضرورة إخراج الأطعمة بسرعة قبل أن تُنهيها أم الديب، قائلًا: =بقولكم ايه نزلوا الأكل دلوقتي قبل ما تشطب عليه، وتودينا في داهية! بداخل القاعة، وسط صخب الأغاني المدوية، وكلام الديجي المُتسارع، أمسك الرجل بالميكروفون بقوة، وأطلق صوته بنبرة عالية، محاولًا أن يتغلب على الضوضاء المحيطة. كان صوته يعلو فوق كل الأصوات الأخرى، لينقل رسالته بوضوح، ويشد انتباه الجميع نحو ما سيقوله: _البنات والستات يتفضلوا يمين، والرجالة شمال. نهض الجميع من أماكنهم، فتجمعت النساء مع العروس على الجهة اليمنى، بينما وقف الرجال مع العريس على الجهة اليسرى، باستثناء أم قمر الدين، وأحمد، وجميلة، وباسم، الذين ظلوا في أماكنهم، محتفظين بهيئتهم بدلًا من الانضمام إلى الرقصات المختلة التي تفسد الوقار. أما ضايع، فقد صعد إلى المسرح ورقص مع جلال باستخدام المطاوي، وكأنما يجسد صورة مفرطة في الشعبوية، والهمجية. نظرت أم قمر الدين نحوهم باشمئزاز، يتناقض تمامًا مع مستوى معيشتهم الراقي، وقالت بدهشة تملأ وجهها: =خالك ده كائن عجيب جدًا! لم يكن أحمد يدري ماذا يفعل بعد أن شعر بالإهانة التي ألمت به، وكأنما دفنوا رأسه في التراب إزاء زوجته، وأسرتها الثرية. إذ كان خجله يعكس مشاعر الحرج التي غمرته، فقال بصوت مكتوم: _أنا مش عارف ايه اللي جابه بس؟ ده هو اللي كان السبب في إن خطوبتي أنا وجميلة تبوظ. لم تستطع جميلة تذكر تفاصيل الأمر الذي أصابها قبل سنوات وأدى إلى دمار نفسي حاد كاد أن يصل بها إلى حافة الانتحار، لكن القدر منحها فرصة جديدة للحياة لتبدأ فصلًا جديدًا مع أحمد في هناء، ومع ذلك، فإن مجرد تذكر تلك الأحداث المؤلمة يثير الألم المدفون في أعماقها، فتنطق بصوت يعبر عن معاناتها الداخلية: =بليز متفكرنيش بالموضوع ده! كما اتفق باسم، وزوجته على قضاء وقت قصير جدًا في الحفل، فقد كانت هذه الخطوة غير معتادة بالنسبة له، إذ لم يسبق له أن حضر حفلًا بهذا المستوى المتدني، فقد اعتاد على حضور أفخم الحفلات التي تليق بمقامه الرفيع. خاصةً أن حضوره كان دائمًا مميزًا وفريدًا، ليس كحال الآخرين. فنهض، وهو يعدل بدلته بأناقة، معبرًا عن استيائه من الوضع، وقال: _أنا مضطر أمشي، احنا كده خلاص عملنا اللي علينا، وألف مبروك لهايدي. نهض أحمد، وذهب نحو حماه، ليعانقه بحنان يعكس احترامه. ثم قال بصوت دافئ، يعبر عن اعتزازه بالعلاقة بينهما: =الله يبارك في حضرتك، أنا مبسوط أنك شرفتنا. رد باسم ببشاشة: _متشكر يا حبيبي، يلا يا بسملة! نهضت جميلة بخفة، وعانقت والدتها بقوة محملة بكل مشاعر الحب، ثم نظرت إليها بدهشة ملؤها الاستفهام، وقالت: =معقول هتمشوا دلوقتي؟ قبلتها أم قمر الدين على وجنتيها، قائلة بعبارات دافئة: _أيوه يا روحي، احنا اتفقنا مش هنقعد كتير. تفوهت جميلة بابتسامة: =خلاص يا حبيبتي خدوا بالكم من نفسكم! ردت أم قمر الدين بفرح ظاهر، وهي تشير إلى حفيدتها بعاطفة جياشة: _حاضر يا جميلة، باي باي سيليا! عانقت سيليا جدتها عناقًا أخيرًا مغمورًا بالوداع، ثم قالت برقة: =باي باي نانا! خرج أحمد برفقة باسم، بينما أم قمر الدين ترافقهم إلى السيارة، فودعتهم بابتسامة دافئة، وفي ذات الوقت، على طاولة المعلم حنفي، قال حسين بتفكير: _بس شكل أخوها التاني محترم، ويعرف ربنا. أجاب المعلم حنفي باشمئزاز، وهو يوجه نظره إلى ضايع الذي يرقص بالمطوى، بمشاركة جلال، حيث كان المنظر يثير في نفسه تذمرًا: =أبو محمد ده راجل محترم، بس سبحان الله ميتلمش على أخوه أبدًا، هما الاتنين عكس بعض في كل حاجة! قال حسين بعقلانية: _مش كل صوابعك زي بعضها يا حنفي، مش معنى أنهم أخوات يبقى لازم يكونوا شبه بعض، كل إنسان له شخصيته. دخل العاملون بالفندق، محملين بصواني مزدحمة بأطباق متنوعة من الأطعمة الشهية، وبدؤوا في توزيعها على المعازيم. عندئذٍ، توجه جلال إلى خاله بتعب، وهو يمسح عرق جبينه الذي كان دليلًا على الجهد الكبير الذي بذله، وأخبره بعبارات تحمل بين طياتها المشقة التي عانى منها: =أقعد ارتاح يا خالي! ضحك ضايع بمرح، ثم وطأ جلال على ظهره بشكل مفعم بروح الدعابة، وقال بشجاعة: _اللي زي ضايع ميتعبش، ده أنا أسد! تشبث جلال بابنه حمود، وسحبه برفق نحو الطاولة، وهو يتلفظ بكلمات توجيهية، معبرًا عن رغبته في مشاركتهم: =تعالى ياض أقعد معانا! ترك حمود يد والده، وفرّ بعيدًا بمرح، وهو يصيح بحبور، معبرًا عن سعادته المطلقة بلحظة الحرية التي يعيشها، وقال: _لا أنا هروح ألعب برا. جلس جلال على الكرسي، وقد بدا عليه الإعياء، ثم قال بإنهاك: =أوعى تتوه، ولا حد يخطفك! قدم ضايع خلف ظهر جلال، وجلس بجانبه برفق، ثم مدد ذراعيه خلف رأسه بحركة تعبر عن طلب الاسترخاء. ورد بثقة: _وهو حد يقدر يخطف حفيد أختي؟ ده أنا أدفنه صاحي. ضحك جلال بمرح، ثم توجه إلى خاله بابتسامة عريضة، قائلًا: =أمال ايه يا خالي، هو احنا أي حد ولا ايه؟ لم يكن جلال، وضايع يشبهان البشر العاديين في تصرفاتهم؛ فقد شكلا ثنائيًا غير عادي، يميزهما تآلف لا يفترق، وتعاون دائم على الأذية. كانت بينهما علاقة متشابكة بكل ما تحمله من محبة وأيضًا مشاغبة، حيث لا يمكن أن يمضي يوم دون أن يثيرا ضجة، حتى وإن كانت هذه الضجة موجهة بحسن نية. في تلك اللحظة، كان الحفل يسير في أجواء مليئة بالبهجة، مع تألق الأضواء وتناسق الموسيقى، وجميع الحاضرين منغمسون في التمتع بالفعاليات، والمشروبات. لكن تواجد جلال وضايع، بفضل طبيعتهما المليئة بالحركة، جعل الجميع يتساءل عن ما إذا كانا سيواصلان طريقهم في إحداث الفوضى أم سيمرون بسلام دون أن يعكروا صفو الحفل؟. يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة