صاحت ليالي في ابنها بعد أن جلب الفيديو الخراب، وزيف الصورة في نظر الناظرين، حينما أطلق لسانه المسموم بالفضائح أمام عدسة الكاميرا، فلم تتردد لحظة واندفعت نحوه كالريح المجنونة، وهي تجري وتهتف بأعلى صوتها: _امشي بوظتلي الفيديو...طب وربنا مانا ماسحاه، امشي روح الأوضة لحد ما أخلص! قال حمود بصياح: =يوه. عادت ليالي لتتحدث مجددًا بعد رحيل ابنها الى الخارج، فكانت تحاول بكل جهد السيطرة على أعصابها، فبدت وهي تضغط بقوة على زر الكاميرا، وبنبرة هادئة تعكس تماسكها وثباتها واستمرارها في مواجهة الظروف الصعبة، قالت للمتابعين: _معلش يا حبايب قلبي اللي عندهم عيال هيعرفوا أنا بقول ايه... ادعولي ربنا يهديهملي، المهم قطعنا البطاطس هنبدأ في البتنجان، وخدوا بالكم كويس بلاش الطرية يا حبايبي نقوها ناشفة. جاء جلال من الخارج فوجد ليالي تطهو أمام الكاميرا، وبدهشةٍ تتلوح في عينيه، سألها بصوتٍ مليءٍ بالتساؤلات: =انتي بتعملي ايه؟ ضحكت ليالي، وقالت بلُطف: _بصور فيديو... ده جلال أصله لسه جاي من برا المهم أكملكم... ده احنا ربنا يعينا ويعين كل الأمهات. واصلت ليالي تحضير الطعام ببراعة، متألقةً أمام المشاهدين بمهارتها في فن الطهي، حيث أظهرت موهبتها في إعداد الأطعمة الشهية. في الوقت نفسه، في شقة أم الديب، دخل المعلم حنفي المطبخ حيث كانت هايدي تفتح الثلاجة، وباهتمام غامر سألها عن حالها وعن مهارتها في الطبخ: =بتعرفي تطبخي يا هايدي ولا هنقضيها ساندوتشات من برا؟ أغلقت هايدي الثلاجة ببطء مُمزقة بين اليأس، والإحباط، وكأن صوت الباب يعزف لحن الخيبة، وبين يديها جزرة فاسدة ترمز إلى قسوة الظروف، وفقدان الأمل المُرير: _أيوه يا بابا بس البيت فاضي زي مانت شايف. قال المعلم حنفي ببغضاء: =أمك اللي ربنا ياخدها كانت مخلصة على الطفح أول بأول. أخرج المعلم حنفي عشر جنيهات من جيب جلبابه القديم المقطع، كأنه يستنزف آخر ما لديه من ثروة في محاولة يائسة لتناول وجبة دسمة، يعلم في نفسه أنها ستكون الوجبة الأخيرة قبل عودة أم الديب التي ستحول الحياة إلى جحيم بعدها، ومع ذلك، فإنه يواصل استعداده بحزم، وتحضيره لما هو قادم: =خدي يا بت... انزلي هاتي ربع كيلو بطاطس، وربع طماطم. قالت هايدي، وهي في حالة من الصدمة التي ارتسمت على وجهها وكأنها لم تصدق ما سمعت للتو، بينما ارتجفت يداها من فرط الذهول: _عشرة جنية؟ عشرة جنية ايه يا بابا؟ دي يا دوب أجيب بيها كيس شيبسي! فبعد أن بدأت ابنته المُحبة أن تتحرك قدمًا نحو بوابة المنزل، وجد المعلم حنفي نفسه مضطرًا لاستخراج عشر جنيهات من أعماق جيب جلبابه، مبديًا بذلك لها عظمة قراره، وجاذبيته الفكرية التي لا تُضاهى: =طب خدي دي كمان...خدي، ومتتأخريش! بينما تُحاول هايدي استيعاب مدى كفاية العشرين جنيهًا التي استخرجها والدها، تتسلل إلى عقلها أفكارٌ متناقضة كأوراق الخريف المتطايرة في رحلة لمعرفة إذا ما كانت هذه القيمة كافية لإشباع طموحاتهم أم لا، وفي لحظة التأمل العميق، كان صوتها يتلوّن بالاهتزازات المليئة بالشك، حيث قالت بتردد: _طيب هروح للراجل اللي جنب البيت. كان المعلم حنفي، وهو يتأمل في عيون ابنته البريئة، يخاف بشدة على ذرة تراب صغيرة تؤذيها، وكانت كلماته تتناغم مع نبضات قلبه كنغمات موسيقى هادئة، لذا قال: =أيوه متبعديش، خليكي قريبة من البيت. قالت هايدي، وهي تستجيب بتأنٍ وثقة، بعد أن أخذت نفسًا عميقًا واستجمعت أفكارها بعناية، محاولة أن تجعل من كلماتها تعبيرًا دقيقًا لما يدور في ذهنها: _طيب. هبطت هايدي على الدرج وانطلقت نحو السوق لشراء البطاطا، والطماطم، في حين أغلق المعلم حنفي عينيه، وغمضهما برفق عندما استلقى على الأريكة، مستندًا إلى راحة البال، وكأنه يسبح في بحر من السكينة، وبينما كانت الأفكار تنبثق من أعماقه، لم يستطع إخفاء فرحته، فهمس بابتسامة على شفتيه: =والله البيت رايق... آني كده عرفت العيب في ايه، العيب فيها، هي وش المصايب كلها. تلفظت أم الديب بصوت حاد: _لا ياخويا وانت الصادق العيب فيك انت! وقف المعلم حنفي مكانه، وهو يشعر بالصدمة من المفاجأة التي رآها. تراجعت الكلمات في حلقه، وتعثرت عباراته، وبدأ يتحدث بطريقة متقطعة وغير مفهومة، وعيناه تعبِران عن التساؤل، فقال بصوتٍ مرتجف: =انتي بسمة؟ تفوهت أم الديب بصوت حاد: _أمال هكون العفريتة بتاعتها يا راجل انت؟ وجدت أم الديب نفسها تأخذ قسطًا من الراحة على الأريكة، حيث استقرت بها لترتاح بعد يوم شاق، وفجأة، بينما كانت في هدوءها، سمعت صوت المعلم حنفي ينبعث بصدمة: =انتي رجعتي ازاي؟ ده انتي بعد اللي عملتيه ده فيها ست سنين سجن أقل حاجة! قالت أم الديب، وهي تتحدث بفخر، واعتزاز لا يخفى على ملامح وجهها، وقد ارتفع رأسها وكأنها تستدعي في ذاكرتها كل إنجاز حققه أخيها، وكل لحظة سعادة عاشتها: _أخويا ضايع ضهري وسندي في الدنيا بعتلي ناس خلصوا الموضوع كله في نص ساعة. تلفظ المعلم حنفي بصدمة: =ده ازاي يا ولية؟ ما أخوكي أبو محمد جه يطلعك معرفش. قالت أم الديب بابتسامة فرح: _كله من فضل ربنا ليا. تفوه المعلم حنفي بامتعاض جارف، وقد احتقن وجهه من شدة الانفعال، ونبرات صوته كانت تحمل في طياتها خليطًا من الإحباط، بينما عقد حاجبيه بشدة وكأن كلماته كانت تخرج رغمًا عنه: =أمال ايه؟ ماهي ماشيه بالكوسة، كل حاجة بالفلوس... منك لله يا ضايع أدعي عليك بإيه؟ نظرت أم الديب حولها، فوجدت المنزل مرتبًا بشكل غير مألوف، وذلك في غيابها الذي عادت فيه لتجد الأمور مختلفة. فعادةً ما كانت تعتاد على اتساخ المنزل، وفوضى مفرطة في غيابها بسببها، وفي لحظة من الغضب، قررت تحويل الحقيقة، وتزييف الأمور، فاندلعت بصياح: _الصالة مالها مكركبة ليه؟ بقى آني أغيب عنكم سواد الليل أرجع ألاقيها بالشكل ده؟ كان المعلم حنفي يشتعل بكل عصبية، وخطى بخطوات سريعة للخارج، فلم يستطع تحمل فوز أم الديب بالخروج بعد أن تعشم بسجنها. فكادت حدقاته تنفجر من شدة الصدمة. وبينما كانت تصيح، قالت: =داهيه تاخدك. في لحظات تسجيل ليالي فيديو لوصفة طهي، تألقت بجمالٍ ساحر. وبينما كانت تضع القدر الممتلئ بعصير الطماطم فوق الثوم المحمر في الزيت، انبعث صوت قوي مترافقًا مع ازدياد الغليان، كموجات من الحماس، والحيوية تتلاطم على شاطئ الطهي، ومع وجودها تحمل علبة الفلفل الأسود، وعلبة الملح، كانت تقدم نصائحها الثمينة للمتابعين بصوت لطيف، كالنغمات الهادئة في سيمفونية الطهي الناجح، حيث قالت: _احنا بنسبك الطماطم على النار، وأول ما تسرد الزيت على الوش اعرفوا إنها كده اتسبكت، وهنحطلها الملح والفلفل. في قلب الصالة الفسيحة، كانت تتراقص أصوات الطفولة، حيث كان حمود يستمتع بلعبه مع أخته بسعادة غامرة، في حين كان جلال يجلس بتأنٍ، وسكينة على الأريكة، متابعًا بانتباه التلفاز الذي يعكس تفاصيل من حياته اليومية، وفي هذا الجو المميز من الهدوء، خيّمت أفكار جلال السرية التي تعكس حيرته، وبرزت شخصيته القوية التي تحبذ دومًا الانخراط في الصراعات، وبجرأة لا مثيل لها، أعلن جلال بوضوح: =مش حاسه المسلسل ده، أنا عاوز مسلسل كله ضرب، ونفخ، وقتل هى دي المسلسلات اللي على حق. عندما تلاعب حمود بعروسة أخته بلا وعي، أثار غضبها المبرح، فلم يتردد في قطع قماشها بعنف شديد، ولكنها، بعد أن شعرت بالظلم، لم تتوانَ عن الانتقام، فاندفعت بسرعة نحو سيارته اللعبة المفضلة له، وعندما وصلت إليه، وقفت أمامه بوقار، ونطقت بصوت يعبر عن سخطها: _سيب العروسة بتاعتي! قال حمود بعناد، وقد اتخذت ملامحه تعبيرًا متصلبًا، واشتدت قبضته على ما كان يمسك به، بينما نظراته الحادة تعكس إصراره الراسخ: =مش هسيبها، سيبي انتي العربية بتاعتي! مدت تقى يدها بتصميم نحو أخيها، وهي تحاول بكل جهدها سحب عروستها من بين يديه الطاغية، وبصوت غاضب نطقت بكلمات حادة: _سيب وأنا أسيب! تلفظ حمود بتهديد: =هضربك يا تقى! فجأة، ألقت تقى سيارة أخيها بقسوة على الأرض، بعدما شعرت بأنه لا جدوى من محاولات تركه لعروستها، وبينما كانت تتأوه بالاهتياج، هبّت بخطى سريعة نحو المطبخ، حيث كانت والدتها منشغلة في تصوير فيديو طهي. وبصوتٍ يمزج بين الصراخ، والاستغاثة، صاحت تقى: _يا ماما... يا ماما. ترك حمود العروسة وألقاها بعنف على الأرض، ثم اندفع نحو سيارته ليفحص الأضرار التي لحقت بها. بينما كان جلال متغمدًا في عالمه الخاص، لا يبالي لصراعات أبنائه وشجاراتهم، وفي تلك اللحظة، تركت ليالي ما كانت تحمله في يديها وأوقفت التصوير، وعانقت ابنتها بحنان، وبينما كانت تحتضنها، سألتها بقلق عن سبب المشكلة: =مالك بتعيطي ليه؟ أجابت تقى بانتحاب: _حمود خد عروستي مش عاوز يديهالي، وعاوز يضربني... أضربيه يا ماما. نطقت ليالي بتأثر: =طيب روحي ولما أخلص هنفخهولك. ردت تقى ببكاء: _اضربيه قدامي دلوقتي. خرجت ليالي عن شعورها الهادئ، وتحوّلت من الهدوء إلى الصياح، عندما شعرت بأنهم يعيقونها عن تحقيق أمالها، وتطلعاتها، وبصوت يتسم بالاحتجاج، نطقت: =روحي خليني أخلص أم الفيديو وبعدين هشوف حوارك انتي وأخوكي... يلا ربنا يهديكوا. بعد أن أزاحت ليالي ابنتها خارج المطبخ، عادت مرة أخرى لتستأنف التصوير، ولكن بأعصاب مشدودة. بينما كانت تحاول التركيز على المهمة، نطقت بضجر: _معلش يا حبايبي، أصل العيال بيتخانقوا مع بعض ده كل يوم لازم يتخانقوا، هنعمل ايه بس؟ دايمًا الكبير عايز يتحكم في أخته الصغيرة يلا ربنا يهديهم لبعض... المهم هنكمل وصفتنا، هنقطع البطاطس. في لقاء حامد، وأم أشرف، وعبد الغني، برزت حكمة وتوازن أم أشرف في تصرفاتها، بينما بدت شخصية زوجها ضعيفة، ومترددة. على الرغم من أن كلمتها تحمل نفس الثقل الذي تتحلى به أم الديب، إلا أن أم أشرف تبرز بشخصية فريدة، حيث تتحكم بلسانها ببراعة، وتدرك متى ينبغي لها الكلام، ومتى ينبغي الصمت، وفي وقت غير متوقع، انفجرت أم أشرف بصوت مرتفع بعد أن علمت بخروج أم الديب: =يعني ايه خرجت؟ بعد اللي عملته فينا ده وخرجت؟يا نهار أسود عليكي يا أم أشرف! بقى أنا يتعمل فيا ده كله وحقي يروح هدر؟ قال أشرف بامتعاض: _أنا هتجنن! ده محدش فينا اتنازل عن المحضر. نطق حامد بتفكير: =مش يمكن هربت؟ قالت هبة بنبرة حادة: _لازم تروحوا تبلغوا أمال هتقعدوا حاطين ايديكم على خدكم؟ تحدثت أم أشرف بصياح: =تاخد أخوك وتروح القسم تفهمولنا ايه اللي جرا، بدل ما أتجنن ويحصلي حاجة! تفوهت هبة بقلق: _اهدي يا ماما بس متفكريش إنها علشان هربت يبقى حقنا راح! لا احنا نقدر ناخد حقنا تالت ومتلت بس من بعيد! نطقت أم أشرف بتساؤل: =هنعمل ايه بس؟ وقف أشرف بعدما انتهت محادثتهم مع والدته، وفي قلبه نية ثابتة على الانتقال مع حامد إلى قسم الشرطة، لاستيضاح كيفية خروج أم الديب دون أن يتم التنازل عن المحضر، وبصوتٍ ينطلق بجدية، أعلن: _يلا يا حامد احنا هنروح القسم ونفهم كل حاجة. قالت أم أشرف بقلب متألم: =طمنوني بالتليفون متغيبوش عليا! رد أشرف: _حاضر يا أمي متقلقيش. وبالفعل، انطلق أشرف، وحامد إلى القسم للتحقق من الأمر، وسارعا بالانطلاق وسط همومهما واضطراباتهما. أما هايدي، فبعد شراء الطلبات، عادت وهي تتألق بارتداء العباءة السوداء، والنعل البلاستيكي، وتأملت في فرصة غياب أم الديب، متوجهة نحو المطبخ بنية الاستمتاع بحرية التصرف، والإبداع في إعداد أجمل مائدة طعام، وفي عالم تخيلاتها، حيث كانت دائمًا تقتصر مساهمة أم الديب على طهي الجزر المسلوق وجبتها المفضلة، كانت هايدي تحلم بالتفرد والتألق في مهارات الطهي. وبابتسامة عريضة تعبيرًا عن تفاؤلها، نطقت: =جيبتلك الطماطم والبطاطس يا بابا، أنا بفكر نعمل صينية بطاطس في الفـ.... لم تكمل هايدي حديثها وقتما لمحت أمامها أم الديب، فتوقفت وهي مذهولة، فانزلقت الأكياس من بين يديها ووضعت يدها بصدمة على صدرها الذي ارتجف من الدهشة، وقالت: =بسم الله الرحمن الرحيم! في حيرةٍ، واندهاشٍ، نظرت هايدي حولها بعينين متسائلتين، ثم صرخت بصدمة: _انتي جيتي ازاي؟ ردت أم الديب بصوت حاد: =جيت زي الناس، ولا انتي مكنتيش عاوزاني أرجع يا بت؟ أمال ماهو عشان تستولوا على البيت انتي وأخواتك. قالت هايدي برهبة: _لا طبعًا ده أنا استغربت بس أصل هما قالوا إن اللي حصل ده بالكتير فيه تلات سنين سجن! تفوهت أم الديب بسكينة: =أهو ربنا كرمني وخالك اللهي يستره خرجني. ردت هايدي بدهشة جسيمة: _خرجك ازاي وهو عليه أحكام ومينفعش يظهرلهم؟ بقلب مطمئن وروحٍ هادئة، أطلقت أم الديب نفسها براحةٍ مميّزة، وقالت: =لا يا بت ماهو بعتلي ناس، ياه أخيرًا الواحد هيبات في بيته على سريره؟ سريري وحشني أوي...ده النسوان هناك معندهمش رحمة مبيحسوش، كنت محطوطة وسط شوية نسوان عاوزين الحرق. تفوهت هايدي بامتعاض: _أه أمال ايه؟ حمدالله على السلامة. ردت أم الديب بسرور عارم: =الله يسلمك. ثم تجولت بنظرها على ما بين يديها، وأكملت بدهشةٍ متجددة: =أمال ايه اللي في ايدك ده؟ بصراحةٍ لا تُخفي شيئًا، ولكن دون أن تدرك تأثير صراحتها الساذجة، ردت هايدي قائلة: _أصل أنا كنت جعانة أوي قولت أشتري شوية حاجات من جنب البيت، ده أنا فاصلت مع الراجل، وقولتله هاخد كل دول بخمسة جنية بس. أم الديب غير عابئةٍ بما أنفقته هايدي، خمسة وعشرين جنيهًا، على تلك الطلبات البسيطة، ولو علمت الحقيقة، لأصابتها صدمةٌ حادةٌ، فضربت يدها على صدرها بصراخٍ مؤلمٍ، وقالت: =يا خرابي خمسة جنيه؟ الراجل ضحك عليكي يا خايبة، الخمسة جنيه دول كنتي تجيبي بيهم السوق كله! نطقت هايدي في سرها المكنون: _ده انتي مش عايشة في الدنيا. ثم أطلقت هايدي حديثها بصوتٍ عالٍ: _أهو اللي حصل يا ماما بقى هنعمل ايه؟ أنا هدخل أعملك صينية بطاطس هتاكلي صوابعك وراها. تلفظت أم الديب بامتعاض: =استني يا بت، صينية بطاطس ايه يالي يخيبك ربنا؟ اعملي حلة صغيرة، ومتكتريش في الرز. نطقت هايدي بعصبية مفرطة: _مش هيكفي، دي متكفينيش، ولا تكفيكي، ولا تكفي بابا! قالت أم الديب بعجيج: =وانتي تاكلي كتير ليه؟ هتطرشقي يا بت! تفوهت هايدي بانفعال: _لا مش هطرشق أنا مش بالونة علشان أطرشق، وسيبيني أعمل الأكل قبل ما يجيلي هبوط وأقع. نطقت أم الديب بامتعاض: =متعمليش حاجة سيبي الأكل ده هنبقى نعمله لخالك ضايع... بقى يوجب معايا ومعملوش عزومة؟ قالت هايدي بصدمة: _عزومة ايه؟ أنا جعانة، وعايزة آكل! تلفظت أم الديب بصياح: =خشي بلي العيش. ردت هايدي بانفعال ساحق: _يوه بقى. بينما كانت هايدي تتجه نحو المطبخ، وجدت نفسها مليئةً بالعصبية، والسخط من بخل والدتها الشديد، حيث كانت قد تخيلت استمتاعها بوجبة لذيذة خلال غيابها، لكن عودة والدتها جعلت الأمور تتحول إلى جو مشحون، حيث بدأت تعتبر منزلها كميتمٍ بدون حياة، ووالدتها تجعل كل لحظة تبدو كمشهدٍ من الحياة الداخلية للمقابر، محرمةً عليها كل متعة الحياة، وبينما كانت هايدي تتأوه من انزعاجها، خرج صوتٌ جلبةٌ من فم أم الديب، وهي تقول: =مترزعيش في الحلل بدل ما أجيلك أعلمك الأدب يا بت! وبينما كان أشرف، وحامد يجلسان في القسم، بعد أن توجهوا للتحقق من المشكلة لدى مكتب الضابط، علما بخروج أم الديب بدون عقاب بعد مشاجرتها مع أم أشرف وبقية العائلة، خرج أشرف عن طابعه الهادئ، وصاح في الضابط بقلبٍ مكسورٍ، معبرًا عن استيائه العميق، وخيبة أمله من عدم تدخل السلطات لفرض العدالة، والقانون: _يعني ايه خرجتوها؟ كان الضابط متخوفًا من عائلة أم الديب البلطجية، رغم سلطته في الثرية، فهو على دراية بضايع أكبر بلطجي في مصر، الذي لا يهاب صغيرًا أو كبيرًا، فنطق بلا مبالاة، حيث أظهرت عيناه تردده، وقلقه من العواقب المحتملة لأي تدخل أو تصرف ضد هذه العائلة المخيفة، وكأنه يتجاهل مخاطرهم ويتجاوز أي تهديد محتمل، في محاولة للحفاظ على وقاره، وسلامة نفسه، ولكن في العمق يتسلل القلق من التداعيات المحتملة، فقال: =عادي دفعت غرامة وخرجت، وخد بالك ضايع احنا مش قده وكلنا عارفين كده كويس فأتقي الشر وقول الحمدلله أنها جات على قد كده! قال أشرف بصياح: _أنا هاخد حقي بالقانون ومش هسكت ولا هسمح بحاجة زي دي! تلفظ حامد بقلق: =خلاص يا أشرف يلا بينا! في مشهدٍ ملحميٍّ، قام حامد بسحب أخيه أشرف وهو يناب من القلق من المشاكل المحتملة، وبالرغم من أنهما أخوة، إلا أنهما يختلفان في الصفات، فحامد يتميز بالشخصية الضعيفة، والخائفة، على عكس شخصية أشرف القوية التي لا تقبل بالظلم، والاستسلام للظروف، وعلى الرغم من محاولات حامد لابعاد أشرف ومنعه من التصرف، إلا أنه لم يستجب لها، بل كان مصممًا على إيصال حديثه للضابط، وهو يواصل بصياحٍ يرج المبنى، كأنه يتحدى الظروف ويصر على تحقيق العدالة بكل قوة: _أنا هاخد حقي يعني هاخد حقي... أصلها كوسة، لما تبقى ضاربة أمي، ومراتي وعاملة فينا اللي ما يتعمل وفي الآخر تخرج يبقى ده يرضي مين؟ قال الضابط بجلبة، وهو يرفع صوته بحدة، مشيرًا بيديه بتوتر، بينما كانت خطواته السريعة وصوته الجهوري يعكسان حالة من الفوضى، وكأن كلماته تحمل ثقل أوامر لا تقبل التسويف: =اتفضل يا أستاذ ومتخليش الموضوع يكبر عن كده! بينما حامد يسحب أشرف للمرة الثانية وهو يقاوم بشدة، قام بالتصريح قائلًا: _يلا يا أشرف! قال أشرف بصياح منين: _يا أنا يا أنتوا وفي الآخر هنشوف! خرجا الاثنان معًا، واتصل أشرف بوالدته، معرفًا بها، وهو يحاول بجهد شديد تمالك أعصابه المضطربة، والتخلص من أصابعه المرتعشه من شدة الانفعال، حيث كانت كل خطوة تفاقم الضيق الذي يتدفق في دواخله، وفي محاولة للتعبير عن مشاعره المقهورة، قال بنبرة غاضبة، تهز الهواء حولها، كمنبعثة من بركان غضبه الدفين: =مهربتش، دي خرجت...خرجوها بالفلوس! ردت أم أشرف بنواح: _حقك راح...حقك راح واتداس عليه يا أم أشرف، منك لله يا بسمة، ربنا على الظالم والمفتري. تفوه أشرف بانفعال: =لأ واللي عمري ماكنت أتخيله إن الحكومة خايفة من أخوها ضايع... حكومة ايه دي اللي بتحمي المواطنين؟ قالت أم أشرف بنواح: _يعني حقي راح يا أشرف؟ بعد الفضايح والمرمطة اللي حصلت امبارح... خلاص كده كله راح؟ رد أشرف بتفكير: =لا مراحش بس سيبوني أخطط. تلفظت أم أشرف بجلبة: _اسكت انت تخطط ايه وزفت ايه؟ اقفل أنا مش هرحمها وهردلها القلم قلمين...سلام. قالت هبة بأفكار دسيسة: =لو عايزة ترجعي حقك وحقي فعلًا يبقى لازم تسمعي اللي هقولك عليه... احنا مصلحتنا واحدة وبسمة مينفعش ترجع البيت واحنا هنا عمالين نندب حظنا، بسمة لازم تدوق من اللي احنا دوقناه. ردت أم أشرف بفضول: _قولي يا هبة المهم ناري تبرد! عندما انتهت ليالي، التي أثبتت جدارتها في فن الطهي أمام جمهور اليوتيوب بأساليبها الإبداعية، والمميزة، وانقضى وقت العشاء وقاموا بترتيب الأطباق وتنظيم الأمور في المنزل، وجلسوا في الصالة الضئيلة أمام شاشة التلفاز الساطعة، وهم يتبادلون الضحكات، والمزاح مع أطفالهم الأعزاء، حيث كانت الأجواء مليئة بالدفء، في تلك اللحظة الرائعة، قال جلال بتلذذ: =لا حلوة المسقعة تسلم ايدك. قالت ليالي بابتسامة مشرقة، وقد ارتسمت على شفتيها لمحة من البهجة الصافية، وعيونها تلمع بوميض من السعادة: _بالهنا والشفا. لكن تقى كانت تعاني من حرارة المسقعة القوية، فقامت بنزع الفلفل الحار بعناية من طبقها الصغير، وعبّرت باعتراض قائلة: =دي حراقة أوي يا ماما! أجابت ليالي بحنان: _متاكليش الفلفل... كلي من البتنجان! قال حمود بلا مبالاة، وهو يهز كتفيه وكأنه لا يكترث للأمر، وصوته يحمل نبرة من اللا مبالاة التي تعكس عدم اهتمامه بما يجري حوله: =وايه يعني حراق؟ ده كده طعمه أحلى. تحدث جلال وهو منغمس في لذة تناول طبق الطعام، وكأنه على وشك الانغماس في عالم آخر، فإذا بشعور غريب يتسلل إليه، شعور بأن والدته قد فجأت بإثارة كارثة جديدة داخل جدران السجن، فانتابه الاضطراب: _زمان أمي قاعدة في الحجز مع النسوان هارياهم ضرب، أصل دي أمي وأنا عارفها. أجابت ليالي: =هي مكفهاش هبة وحماتها؟ دخلت على النسوان اللي جوا تكمل عليهم؟ نطق جلال كلماته بانشغال ظاهر، بينما كان يحاول التركيز على عدة أمور في آن واحد، ونبرة صوته متقطعة: _أمال ايه؟ دي مترتاحش غير لما ايديها تشتغل... الله يعينك عليها يابا شايف منها المُر. قالت ليالي بحديث هادئ، وهي تعزز كلماتها بحركة لطيفة من يدها، لتؤكد على مدى أهمية ما تقوله: =أبوك بس؟ ده ربنا يعينا كلنا عليها. رن هاتف جلال وهو مغمور في استمتاعه بالطعام، فوقف عن تناول الخبز البلدي ليجعله جانبًا، ومسح يديه المتسخة في ثيابه بسرعة، ثم نطق بفضول: _مين اللي بيتصل دلوقتي؟ هو أنا فاضيلك؟ سرعت ليالي في التحديق بشاشة الهاتف لتلتقط لحظة من الغموض، ثم اندلعت بالكلمات بينما كانت تلتهم الطعام بنفس الوقت: =ده أبوك. تفوه جلال بدهشة: _أبويا؟ ده حماته بتحبه. ثم أجاب بود، وكأن صوته يملأ صالة المنزل بنغمات الحب، والدفء، بنبرة محبة: _ألو يابا حماتك بتحبك، تعالى كل معانا شوية مسقعة بالفلفل الحراق إنما ايه جامدة! نطق المعلم حنفي باستشاطة، وقد ارتفعت نبرة صوته إلى درجة تعكس مدى غضبه العارم، ووجهه أحمَر من شدة الانفعال، وكأن كل كلمة نطق بها كانت مشحونة بالاستياء العميق: =أمك رجعت يا جلال! كأن شرارة قد انطلقت في قلب جلال، لتشتعل نيران القلق على وقع خبر عودة والدته، صانعة الأزمات، فتغيرت تلك اللحظة معالم وجهه، حيث تبدّلت السعادة الزاهية إلى صدمة عميقة، وعجزت أسنانه عن الحركة، ترقبًا لما سيأتي، وغلب على الهدوء سكون مؤقت، ثم قال: _رجعت ازاي يعني؟ توقفت ليالي هي الأخرى عن مضغ الطعام، كمن يتوقف أمام شاشة عرض سينمائية تعرض لها مقاطع مؤلمة من حياته، حيث تتجدد مشاكلها المعروفة مع حماتها المتسلطة، فخيم الانزعاج على وجهها بوضوح، كما يخيم السواد على الشاشة في اللحظة الدرامية، حيث نطقت: =رجعت؟ هي ايه اللي رجعت؟ لم يلتفت جلال لسؤال زوجته، بل كان منشغلًا بصدمته العميقة التي تختبئ في أعماقه، حتى تحدث المعلم حنفي بضيق: _أه ياخويا أمك رجعت، ومرزوعة في البيت... آني ملحقتش أفرح ولا حتى أرتاح منها شوية! قال جلال بتَبَرُّم: =يادي أم ده خبر أسود... بتقفلني ليه يابا بس؟ لا إله إلا الله، هو الواحد ميعرفش يرتاح منها شوية؟ نطق المعلم حنفي بابتئاس، وقد غلفت ملامحه بريقًا من الحزن العميق، بينما كانت نبرة صوته هادئة ومثقلة بالكآبة: _آني مشيت من البيت... آني قرفت من البيت ده ياض واتقفلت منه، مش عاوز أرجع... آني هتخمد في الدكان أهو أرحملي من إني أصطبح واتمسا بخلقتها. رد جلال بجوى جسيم: =لا يابا تعالى، متنامش في الدكان ده انت عضمك يوجعك... تعالى بات في شقتي ولا حتى في شقة نعمة هي كده كده جوزها سايب البيت وبتبات لواحدها! تفوه المعلم حنفي بأسَف: _ماشي ياض هخلص أشغالي وهرجع أبات عند أختك... يلا سلامو عليكو. رد جلال بضيق: =وعليكم السلام يا حاج. قالت ليالي بفضول، وقد اتسعت عيناها بلمعة من الحماس، وجعلت نبرة صوتها تنبض بشيء من الاستفسار المترقب: _في ايه؟ رد جلال بجَزَع: =أمي رجعت. تفوهت ليالي بصراخ مدوي، وقد ارتفعت نبرة صوتها إلى درجة تجعل الكلمات تتردد في الأرجاء، ووجهها مكتظ بالتوتر: _يا خبر أسود! عندما كانوا في منزل أم الديب، وقد مضت ساعتان منذ وقت الوصول، وفيما كانت هايدي قد أكملت وجبتها بالفعل، وهما يجلسان معًا لتناول الطعام، انبعثت دهشة على وجه أم الديب عندما لاحظت سرعة انتهاء هايدي من طهي الطعام، وبراعتها، وبينما تعبيرات التعجب تراقصت على وجهها، تجلت الدهشة في صوتها المفاجئ عندما قالت لها: =حلوة يا بت، بقى انتي يطلع منك الأكل الطِعِم ده؟ نطقت هايدي بتأمل: _أيوه مين قالك إن أنا فاشلة؟ أنا بعرف أطبخ عادي بس المشكلة في إن المكونات مش موجودة مش أكتر! تفوهت أم الديب بفخر، وقد بدت على وجهها ملامح الافتخار البارز، بينما ارتفعت نبرة صوتها وتعلقت كل كلمة بنبرة تتخللها مشاعر الاعتزاز العميق: =طالعة لأمك يا منيلة. بينما كانت أم الديب، وهايدي تتناولان طعامهما بهدوء، إذ بهما يسمعان صوت صراخ مدوٍّ في الشارع، يشير إلى مشكلة جسيمة. اعتقدا في بادئ الأمر أنه شجار بين المارة في الطريق، فنهضا معًا واتجها نحو الشرفة بقلوب خافقة. حينها سمعا صوت امرأة تصرخ بانفعال، قائلة: _انزلي يا بسمة، ده انتي هتتقطعي النهارده... يا بسمة. نطقت أم الديب بتمعن: =ايهي مين اللي بتنده عليا دي؟ تلفظت هايدي بتعجب: _في ايه؟ نهضت أم الديب، وهايدي مُسرعين إلى الشرفة، حيث وقفتا تنظران باستغراب إلى ما يجري في الأسفل، وفوقهما كانت ليالي، وجلال يقفان في شرفتهما، يتابعان المشهد بفضول، وأعلى منهما كانت نعمة تطل من شرفتها الخاصة، متسائلة عما يحدث، وفي الشارع، تجمهر حشد من الناس حول النساء ذوات الصوت الجهوري، اللاتي كن يصرخن بانفعال شديد، مما زاد الأمور توترًا، عندها قالت أم الديب بصوت عالٍ: =انتي مين يا ولية منك ليها، وعاوزين ايه؟ ردت السيدة الأولى بصياح حاد، بينما كانت تمسك بيدها عصا خشبية جلفة: _انزلي وانتي تعرفي. تحدثت السيدة الثانية بجلبة عارمة هزت المنطقة بأسرها، فانذعرت الحيوانات في الشارع، وهربت مذعورة من هول الصوت: =يلا يا بسمة! كانت النساء المتسلطات يقفن كالشموع المتلألئة تحت الشرفة، يحملن سكاكين حادة كالبرواز الذي يحيط بصورة ذات طابع قاتم، مستعدات لقتلها، وتدميرها بأمر من أم أشرف، التي قررت الانتقام من أم الديب ومجازاتها على أفعالها الحقيرة التي سلطتها بها كالسحابة السوداء المحملة بالغيث المدمر، وفي الأعلى، هبط جلال بخطوات متسارعة كأنما تقوده رياح الفضول العاتية نحو اكتشاف سبب الشجار، وكانت المطوى في جيبه على أتم استعداد لخروجها عند الحاجة، كالسيف الساطع جاهز للانطلاق في ميدان القتال. اقترب من النساء المتجمهرات في الشارع، وتحدث بصوت رنان، يثبت شجاعته، وقوة شخصيته أمام هذا الحشد الساخط كالأسد الجارح الذي يعلو صوته فوق زئير الجماهير، قائلًا: _انتي مين يا ولية؟ صرخت السيدة الأولى بصوت مرتفع: _وانت مالك؟ ده شغل نسوان ملكش انت فيه. وضعت هايدي يدها بتوتر شديد على فمها لاحتواء رهبتها العارمة، وشعرت في عمق كيانها بأن هناك كارثة محدقة على وشك الحدوث، فلم يتبق لها سوى أن تتحدث بفزع وهي تحاول جاهدة جمع أفكارها، وتوجيهها بشكل متراص: =يا نهار أسود! فرت هايدي بسرعة متناهية عبر الدرج الصاعد نحو شقة أختها نعمة، وبينما كانت تسعى للوصول إليها بأسرع وتيرة ممكنة، كانت ليالي تواجه تحدياتها الخاصة، ففي هذا الوقت الحرج، لم تكن هناك سوى هبة، التي كانت تتصل على هاتف ليالي خلال النزاع المحتدم، مما دفع ليالي للرد عليها بشغف متزايد، حيث كانت ترد بتركيز شديد: _ألو يا هبة. قالت هبة بهدوء واضح على نبرة صوتها: =متخافيش يا ليالي وعرفي جوزك إن الستات اللي تحت دول تبعنا. نطقت ليالي بدهشة، وقد ارتسمت على وجهها علامات الاستغراب، بينما اتسعت عيناها وتوترت ملامحها بشكل يعكس عمق المفاجأة التي صدمتها: _هو انتي اللي باعتاهم؟ جلست ليالي على الأريكة بأناقة متألقة، تحاول جاهدة الحفاظ على هدوئها رغم النزاع المستمر الذي يدور بالأسفل، حيث ما زالت النساء يحملن السواطير وينادين باسم أم الديب بقوة، وفي هذا الوقت الدقيق، خرج جميع الجيران من نوافذ منازلهم، يراقبون هذا المشهد الغريب والفريد من نوعه، بينما الحفدة الصغار كانوا يطلون من البلكونة بصمت متأمل، ورغم هذا الجو المشحون بالتوتر، فقدت السيدة الأولى هدوءها، وأعادت نداءها بقوة، مستمرة في جلب الانتباه: _يلا يا بسمة انزليلنا. ردت أم الديب بابتسامة ماكرة تلمح إلى استعدادها للقيام بشيء غير متوقع، في حين أن قلبها ينبض بشرارات الفكر الشيطاني، تخطط في صمت لفعل شيء كارثي يخلد ذكره في ذهن تلك السيدات إلى الأبد: =من عينيا الاتنين دول... من عينيا ياختي! دخلت أم الديب المطبخ بخطوات متثاقلة، وبدأت بملء الإناء البلاستيكي بالماء الساخن الذي تدفق بلا رحمة من صنبور المياه، وفي تلك اللحظة الحرجة، جلبت الخرطوم ووصلته بسرعة إلى المياه الجارية، متجاهلة بالكامل أي اعتراضات أو حاجة للرحمة، ثم انطلقت به بسرعة نحو البلكونة، حيث كانت تنتظر تلك السيدات بشكل مثير للاهتمام، وفيما كانت تقوم بكل هذا، لم تكتف أم الديب بمجرد الفعل، بل ألقت بصوتها الغليظ، الذي جلجل شرفات الجيران وجعلهم ينبهرون، ويتساءلون عن ما يجري، مضيفة لمزيد من الإثارة إلى هذا المشهد المثير: _آني هدفيكم دفا هتحلفوا بيه طول عمركم. حملت أم الديب الإناء البلاستيكي بيديها بقسوة، وصبت الماء الساخن بشكل مفاجئ على النساء، لكنها لم تكتفِ بذلك، بل مسكت الخرطوم الذي كان يطلق ماء حارقًا، ورشته بوحشية على أجسادهن المحترقة، فانهارت النساء على الأرض، تصرخن بألم لا يُطاق، وبدأت جلودهن تذوب كالشمع تحت تأثير الحرارة المفرطة، وفي لحظة من العذاب اللاحق، أطلقت إحداهن صرخة مدوية وهي تتأوه من الألم، محاولة إيجاد نجاة من هذا الجحيم المروع الذي فرضته عليهن أم الديب: _أه جتتي. صدحت الأخرى: =جسمي الحقوني! قالت أم الديب بجبروت: _بالهنا والشفا يا ولية منك ليها، وابقوا روحوا لأم أشرف اللي باعتاكم خلوها تجيبلكم كيناكومب من الصيدلية عشان التسلخات. دخلت أم الديب إلى داخل المنزل بكل هدوء، وجلست على الأريكة مستمتعة بوجبتها، وهي تشاهد المسلسل التلفزيوني المفضل لديها، بينما النساء الذين ألقت عليهم بالماء الساخن يعانون بشكل مروع، فبقوا يصرخون بطريقة غير طبيعية تعكس مدى العذاب الذي يعانونه، فلم تكترث أم الديب بأي شيء من ذلك، كما لو أن ما يحدث خارج نطاق اهتمامها، وفي هذه اللحظة المرعبة، قالت إحداهن بصوت متعطش للنجدة: _آه. نطقت الأخرى بإعوال: =انجدوني! انقضت الناس بسرعة هائلة نحو المكان الذي وقعت فيه الكارثة، وأسرعوا لنقل النساء الحرقى إلى المستشفى في حالة حرجة جدًا، حيث كانوا يعانون من آلام لا تطاق وإصابات خطيرة، وبينما كانت الحشود تنقل الجرحى بعيدًا عن موقع الحادث، وصل الخبر إلى أم أشرف، التي شعرت بصدمة هائلة لفشل خطتها في مواجهة أم الديب، فلم يكن هناك سوى الرحمن الذي يستطيع أن يتدخل ويغير مجرى الأحداث. فوقفت مكانها، مصدومة ومفزوعة، لا تستطيع سوى أن تصرخ بكل قوتها، وكأنها تعبر عن الانهزامية، والعجز إزاء هذا الواقع المأساوي الذي لم يكن في حسبانها: _لا لا لا اللي حصل ده مش حقيقي... لا يمكن، دي ست جاحدة ومفترية! خرجت هبة بخطوات مترقبة من المطبخ، وفي وقت لاحق من صدى صرخة حماتها المعبرة عن قهرها، وقعت كلماتها كالصاعقة في أذنيها، وهي تعبث بفضول بالغ، فقالت بلهفة: =في ايه طمنيني ايه اللي حصل؟ أجابت أم أشرف بإعوال: _رشيتهم بخرطوم المايه... اتحرقوا يا هبة وودوهم المستشفى..أنا مستغربة هو في حد قادر أوي كده؟ ردت هبة بصدمة: =برضة؟ هي ايه مفيش حاجة نافعة معاها؟ نرجع حقنا منها ازاي؟ دي أغرب واحدة شوفتها في حياتي... يعني حقنا ضاع لتاني مرة؟ قالت أم أشرف بحسرة: _دماغي هتنفجر يا هبة... اسنديني لحد السرير. شعرت أم أشرف بدوار حاد يسكنها، فوقفت هبة على الفور لمساعدتها، وبينما كانت تحاول سند أم أشرف ودفعها نحو السرير، جلست بجانبها بترقب، وقلق يتناغمان، فوضعت حماتها يدها بلطف فوق جبينها الذي كان يتأثر من الصداع الشديد، وكانت تعاني وتعبر عن ذلك بتعبيرات وجهها المتألمة. وفي هذه اللحظة المؤثرة، تحدثت هبه بتأثر عميق: =سلامتك يا حماتي، نامي وريحي جسمك وأنا هخططلها صح. أجابت أم أشرف بإرهاق جسيم: _وفري خططك مبتنفعش معاها... دي ميقدرش عليها غير ربنا يا هبة! قالت هبة بإحباط: =هنعمل ايه طيب؟ ماهو أحسن مانقعد نتفرج عليها! مدت أم أشرف جسدها على السرير بحركة بطيئة، ومتعبة، ووضعت الغطاء بعناية فائقة فوق جسدها المنهك، ثم بسطت كفها برفق أسفل رأسها العليل، وفي هذا الوقت الحساس، تحدثت بنبرة متألمة: _اطفي النور عايزة أرتاح. قالت هبة بتأثر مَنين: =طيب سلامتك. أغلقت هبة النور في الغرفة بحركة عابثة بالانزعاج، وخرجت بخطوات غاضبة، ومحاطة بغيمة من الضيق، حيث كانت تتجول في الدار وهي تتجنب تفكيرها في أم الديب، وتحاول بشتى الطرق عصر عقلها المضطرب حتى تصل إلى حلًا لهذه الوضعية المعقدة، وفي المستشفى، بعد أن أجرى الطبيب الكشف على الحالات المصابة، تحدث بتأكيد، معتمدًا على خبرته المجمعة في مجال الطب، مما يضفي على كلامه طابعًا مقنعًا وأثرًا ملموسًا في نفوس الحاضرين: _دي حروق من الدرجة التانية... هما اتحرقوا ازاي؟ نطق أحد الرجال بصراحة، كلماته تنبعث منها روح الصدق، دون تزييف أو تملق: =بسمة جارتنا كبت عليهم ماية ساخنة. قال الطبيب بامتعاض، وقد بدت على وجهه تجاعيد الاستياء واضحة: _لا احنا كده هنفتح محضر في القسم باللي حصل. تحدثت السيدة الأولى بذعر واضح، وعبير الخوف يعتلي ملامحها، حيث وجهت نظرة استسلام إلى الطبيب، وهي تشير بيدها باتجاهه، موضحة بذلك اعترافها بالواقع المرير الذي تواجهه: =لا متعملش حاجة بدل ماتيجي هنا وتخلص علينا. رد الطبيب بدهشة: _ماحنا هنفتح محضر علشان نضمن حقكم! تحدثت السيدة الأخرى بنواح: =لا يا داكتور... أه جسمي... لا متعملش حاجة دي ست مفترية ولو وصلها خبر هتيجي تخلص علينا! يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة