الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

11 0

توقف جلال عن السير على الدرج فجأة، وكأن قوة غير مرئية أوقفته في منتصف الطريق، ثم أدار رأسه ببطء وعيناه تشعان ببرود قاتم، وقال بنبرة حادة تخترق الهواء: _بتبرطمي بإيه ياما؟ أجابت أم الديب بامتعاض متفجر، وملامح وجهها مشدودة كوتر مشدود على وشك الانقطاع، حيث كانت عيناها تلتمعان بلهيب من الحنق المكتوم، وقالت بانفعال: =اطلع ياخويا اطلع. تحدث المعلم حنفي بغضب محتدم، وصوته يجلجل كالرعد، وملامح وجهه تكتسي بحمرة حادة تعكس حدة انفعاله، وقال بكلمات تخرج كحمم البركان: _خشي نامي يا ولية! اتجه المعلم حنفي إلى الشقة، وأم الديب تلاحقه، بينما دخلت ليالي الغرفة لتزينها بأجمل المفروشات حيث ارتسمت على وجهها ابتسامة ساحرة تشع منها أشعة السعادة، وعندما وضعت زينة رمضان، بدأت الأجواء تتلألأ بألوانها الساحرة، وأصبح المنزل معمورًا بالبهجة، ولتكملة السعادة، وضعت المفرش الجديد على طاولة الأريكة، فاحتفلت قلوبهم بفرحة لا توصف، وفي تلك اللحظة السعيدة، نظرت ليالي لجلال بعيون مليئة بالحب، وقالت: =ايه رأيك يا جلال؟ رد جلال بابتسامة خفية، وعيناه تلمعان بمكر لا يخفى على أحد، وقال بصوت ناعم يحمل في طياته غموضًا: _ده غير شكل الشقة خالص يا ليالي، ويا ترى الهوليلة دي عملت كام؟ أجابت ليالي برصانة: =٤٠٠ جنية مانت عارف البلد هنا حاجتها رخيصة...بس أوعى تجيب سيرة قدام أمك لا يحصلها حاجة! جلس جلال على الأريكة، متكئًا على ذراعه بضيق وكأنه يملك كل الشجوات في العالم، ثم قال بصوت هادئ يحمل في نبراته استخسار لا يتزعزع: _ماهو كتير برضه يا ليالي، وانتي عارفة الحال عامل ازاي! نطقت ليالي بسعادة: =معلش ياخويا هو رمضان بيجي كام مرة في السنة؟ ده هي مرة... خلي العيال تفرح، وتحس بطعمه! خرج حمود من الغرفة بخطوات مفعمة بالحيوية، ونظر بعينين متألقتين إلى زينة رمضان البراقة المعلقة على جدران منزلهم، التي تضيء المكان بألوانها الزاهية، وقال بفرحة تنبعث من أعماق قلبه: _الله ياما ده شكله حلو أوي! واقترب من الزينة، وهو ينوي فصمها بيده، وسرعان ما أمسك جلال يده، وأزاحها بعيدًا بعنف، وصاح فيه قائلًا: =أقعد ياض هنا...أمك تعبانة فيهم، وانت عايز تقطع، وتبهدل؟ جلس حمود على الأريكة بسرعة، وثقل العالم يضغط على كتفيه، ثم نطق بخوف واضح في صوته المرتجف، وعيناه تجولان في المكان بقلق: _ماشي. نطقت ليالي بكَمَد: =مبيخافش غير منك لكن أنا بيتنبح صوتي علشان يسمع الكلام، وياريته في الآخر بيسمعه...برضة بيعمل اللي في دماغه. نظر جلال لابنه بامتعاض، وقال بفظاظة: _اسمع كلام أمك! رد حمود بخرع: =ماشي يابا بينما في الأعلى عند نعمة بعدما تزينت شقتها بأجواء رمضان الرائعة، وجُهِّزت بأجمل المفروشات، كان حامد يعبق بالسرور حينما قال بابتسامة تشع من وجهه: _اللهم صلي على النبي...ايه الحلاوة دي يا نعمة؟ ده أنا حاسس إني قاعد في مائدة رحمن. تفوهت نعمة بسعادة غامرة، ووجهها يشع بهجة لا تُوصف، وعيناها تلمعان، وقالت بصوت مليء بالأمل: =كل سنة، وأنتوا طيبين. نطق حامد ببهجة مفرطة، ووجهه ينبض بالسرور الصافي، وعيناه تبرقان ببريق الفرح، وصوته ينطلق بحماس متواصل، وهو يقول: _وانتي طيبة يا نعومي. تحدث محمد، وهو يبدو ناعسًا للغاية، صوته يخرج بثقل من بين شفتيه المتعبتين: =نيميني ياما. نظرت نعمة لزوجها بابتسامة دافئة تنعكس على وجهها المضيء بالرعاية، وقالت بصوت ملآن بالحنان: _هروح أنيم الواد...يا دوب ننام شوية، ونصحى نجهز السحور. تحدث حامد بإغفاء: =روحي يا نعومي، وأنا هسبقكم، وأنام. دخلت نعمة الغرفة بابنها حتى يخلد للنوم، وبعد أن وضعت الغطاء فوقه بعناية، خرجت بصمت لتغلق الباب خلفها، وتوجهت إلى غرفتها، حيث لامست سريرها برفق واستلقت للراحة. كان منزل أم الديب بجميع طوابقه ينبض بالسكون، وسرعان ما غطت أصوات الليل الهادئة المكان بسحرها. في تمام الساعة الثالثة من الصباح، استيقظت ليالي ببطء متنقلة بين حلمها وواقعها، ومررت يدها برفق على كتف زوجها حتى يستفيق. راقبته لحظات، ثم قالت بصوت هامس: _اصحى يا جلال...اصحى...الساعة تلاتة فاضل ساعتين على الفجر! أجاب جلال، وهو سابح في أعماق نومه العميق، وشفتاه تلمحان حركة خفيفة كرد فعل غير مدرك، وصدره يرتفع ببطء مع كل نفس عميقة يتنفسها في غفلة من الوعي: =لما الأكل يخلص صحوني. نطقت ليالي: _طيب. خرجت ليالي من الغرفة في وقت متأخر من الليل، حيث وجدت نعمة تطرق بابها بحذر، وعندما فتحت لها، وجدتها ناعسة، تحمل أكياس الخضار بين يديها، الأكياس التي كانت تبدو ثقيلة، ومليئة بالخضراوات المتنوعة والطازجة، فقالت نعمة: =جيبتلك معايا شوية خضار. ردت ليالي: _ماشي أدخلي المطبخ، وأنا هدخل أغسل وشي. دخلت ليالي المرحاض لتجذف وجهها بالماء الدافئ والصابون، بينما استخرجت نعمة الطماطم، والخيار، والليمون من الكيس، وقامت بشطفهم تحت صنبور المياه. بعد خروج ليالي وجفاف وجهها بالمنشفة، دخلت لتبدأ في تجهيز السحور معها، حيث حضرت الخضار، والفواكه، والمكونات الأخرى بتركيز واضح. كان المنزل برمته في حالة نوم عميقة، ما عدا ليالي، ونعمة اللتان توليان مسؤولية تحضير الطعام. بعد دقائق، استيقظت أم الديب من نومها، ونادت المعلم حنفي بصوت مرتفع يحمل في طياته الجهامة، مطالبة بتجميع الأسرة للسحور: =حنفي اصحى! أجاب المعلم حنفي بنعاس: _اسكتي يا ولية! نطقت أم الديب بغِلظة: =بقولك اصحى...الفجر هيأذن! نهض المعلم حنفي مُسرعًا، وهو يلتف حول نفسه بسرعة كالذبابة، حركاته تنبض بالفزع، وفي لحظة من الحيرة، قال بصياح يعبر عن توتره الجارف: _يا نهار أبيض...وسعي! حينما نظر في ساعة هاتفه، تيقن من أنها ما زالت الثالثة وربع صباحًا. فقال لها بضجر، وبصوت محتقر: _بتشتغليني يا ولية؟ تفوهت أم الديب بأناة: =أمال أنضف الأوضة ازاي ياخويا؟ رد المعلم حنفي بعجيج: _يعني انتي بتصحيني من عز النوم عشان تنضفي أم المخروبة فوق دماغك انتي، وأمك؟ أم الديب كأس الصبر الممتلئ، تستطيع تحمل الصعاب، والظلم، لكنها لا تتحمل أي تجاوزات أو إهانات تطال والدتها المشاكسة، فهي تعتبر هذا الأمر خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، ومن يتجرأ على تجاوزه فإنه يقرر نهايته بنفسه، وبصوت عالٍ، صاحت قائلة: =ايه رأيك ياخويا إن أمي اللي انت بتكرهها دي هتفطر عندنا أول يوم؟ نطق المعلم حنفي بضجيج: _محدش هيفطر عندنا...خليها تروح عند أي حد من أخواتك! تلفظت أم الديب بصياح: =هتيجي غصب عنك يا حنفي! تساءلت هايدي وهي تخرج بخطوات كامدة من غرفتها، حيث انكشفت ملامح الاستياء على وجهها المُنزعج: _بتتخانقوا ليه تاني؟ أنا مش عارفة أنام! تحدث المعلم حنفي بصياح: =أنا سايبهالكم مخضرة. ثم صعد إلى شقة جلال، فقالت أم الديب بضوضاء: _وانتي تنامي ليه يا بت؟ ده اللي في سنك زمانهم واقفين على حيلهم في قلب المطبخ بيعملوا السحور. ردت هايدي بعصبية: =يوه، وأنا أعمل ليه؟ نعمة، وليالي هيعملوا. نظرت أم الديب لهايدي بنظرة حادة تعكس شجبها، وقالت بصوت جلف: _خشي جوا يا بت! غطرست هايدي بفمها من انفعالها، ثم دخلت الغرفة بخطوات سريعة، وهي تصيح بصوت مرتفع: =يوه بقى، يوه. وصكت الباب خلفها بقوة، مما أثار صدح في الغرفة، فقالت أم الديب بصياح مغمور بالوعيد: _مترزعيهوش يا بت ألا آجي أرزعك علقة!. بت ناقصة رباية، مآني اللي معرفتش أربيها. بينما في شقة جلال، بعد أن سرد المعلم حنفي لإبنته تفاصيل ما حدث، عبّرت نعمة بابتسامة مؤثرة: =طب أقعد ارتاح يابا، وسيبك منها. جلس المعلم حنفي على الأريكة، وتحدث بصوتٍ خجول: _معلش بقى هتقل عليكم. ثم استلقى فوقها، يغمض عينيه برهة، وأكمل نومه بسلام. وبعد نصف ساعة، كانت الساعة الرابعة إلا عشر دقائق. دخلت ليالي الغرفة، ورجت جلال بيدها بلُطف، وقالت بحنان: =اصحى يا جلال الأكل خلص. استيقظ جلال من نومه ببطء، وهو يوصد عينه الثقيلة، ثم يفتحها بحذر، وقال بنعاس يمزج بين الحلم، والواقع: _الساعة كام؟ ردت ليالي: =الساعة أربعة إلا عشر دقايق فوق كده عبال ما أصحي العيال. خرجت ليالي من الغرفة، وخلفها زوجها، فتفاجأ جلال بمعلم حنفي نائمًا على أريكة صالته. فقال بتعجب مختلط بالدهشة: _ايه ده؟ انت ايه منيمك هنا يابا؟ استيقظ المعلم حنفي من نومه، ووجهه يعبر عن الضيق، وقال بصوتٍ متلعثم بين النعاس، والكمد: =أمك اشتغلتلي في النكد قومت طالع. رد جلال: _طب قوم عشان تاكل. دخل جلال المرحاض بينما المعلم حنفي جلس بتأمل عميق على الأريكة. وبعد استيقاظ الجميع، نزلوا لتناول الطعام في شقة أم الديب، حيث وضعوا الطعام على المنضدة الريفية البسيطة. جلسوا حولها بفرح، وكان الطعام بسيطًا جدًا، كأي طعام مصري أصيل يجمع بين النكهات الغنية، والتقاليد العميقة. وفي لحظة من الهدوء، قال المعلم حنفي بامتنان: =تسلم أيديكم. وأشار بيده نحو المياه، وواصل: =ناولوني المايه يا عيال. مد حمود يده بقارورة المياه إلى المعلم حنفي، وبادئ الأمر شرب منها ببطء، ثم بدأ في تناول الطعام بشهية، وفي نفس الوقت، في منزل أم قمر الدين، كانت تجلس هي، وزوجها، وأولادها أمام طاولة شهية محاطة بكل ما هو لذيذ وطيب. الطعام كان من أفخم وأجود أنواع الأطعمة، يتناغم مع جمال الطاولة، والترتيب الدقيق للصحون. ورغم أن أم قمر الدين كانت ترتدي الثياب المنزلية، إلا أنها برزت في كامل أناقتها الطبيعية، وسحرها الأخاذ، ممزوجة بأسلوبها الراقي في التعامل، وخلفهم، يقف الخادمات بانتظار فرصتهم لخدمتهم بكل حرفية. بابتسامة دافئة، قالت أم قمر الدين بلباقة تامة في التعبير عن شعورها: _كل سنة، وأنتوا طيبين يا روح قلبي. ردت منى، ونالا في آنٍ واحد: =وانتي طيبة يا مامي. تلفظ باسم بابتسامة: _وانتي طيبة يا بسملة. نطق قمر الدين، وعلاء الدين في آنٍ واحد بحُب: =وانتي طيبة يا ماما. قالت أم قمر الدين ببهجة: _نعيش، ونتجمع على ترابيزة واحدة يا حبايبي، والسنة الجاية إن شاء الله يكون قمر الدين مع عروسته. رد قمر الدين بتتيم: =حبيبتي يا ماما ربنا يخليكي لينا. نطقت أم قمر الدين ببشاشة: _ويخليكوا ليا يا روح قلبي...زي ماتفقنا تاني يوم أخواتكم البنات جايين...أنا كلمت الخادمات يجهزولنا أطول، وأكبر ترابيزة بحيث تجمعنا كلنا برا. قال باسم بابتسامة: =الحقيقة أنا هكون سعيد جدًا بلمة ولادي، وأحفادي حواليا. تفوهت أم قمر الدين بابتسامة: _طبعًا يا باسم..ربنا يخليك ليهم، ويتجمعوا دايمًا حواليك. بدأ الجميع في تناول الطعام، وهم يرسمون الابتسامة على وجوههم بتجمعهم سويًا، وبعد نصف ساعة في منزل أم الديب، كان أول من انتهى من تناول الطعام هو المعلم حنفي، فوقف مكانه بحركة بطيئة، يتحسس بطنه الزاخر، ثم اتبعه جلال بنفس الحركة، حتى ظلوا يقلون تدريجيًا حتى انتهى الجميع من الطعام. وبدأت النساء في جمع بقايا الطعام من الأطباق بحرص، ثم وضعوها في الحوض وشطفوها بالماء والصابون، ولكن أم الديب كانت تنهش الأطباق جوعًا حتى مسحت بقاياها بإحساس من الاشمئزاز: =الأكل ماسخ، ومالوش طعم، انتوا حاطينله ايه؟ في أول ليالي رمضان، تتسلل الحرارة إلى المطبخ، حيث تقف ليالي بسخرية على حافة الحوض. ترتدي مئزرًا، وتبدأ في غسل الأطباق بأناملها الرطبة. تتراقص قطرات الماء على الصحون. نظرت ليالي إليهم بعيون متأملة، حين كانت تغسلهم بأكمام ملفوفة حول معصميها، والبخار يتصاعد من براد الشاي، وتشعر بالدفء يملأ المطبخ رغم نسمة البرد الخافتة خارج النافذة. وهكذا استمرت في غسل الأطباق، تحت ضوء القمر، وصوت الرياح الهادئة، وقالت باستهزاء: _أمال لو كان له طعم كنتي كلتي الأطباق ذات نفسها؟ ردت أم الديب بانفعال: =ماتلمي نفسك يا بت، ولا انتي بتدوري على المشاكل بملقاط؟ ووقفت مكانها، وواصلت بجلبة: =لو عايزة تتخانقي عرفيني، وآني هتخانق معاكي! خرجت نعمة من المطبخ، وأسرت رائحة النعناع العطرة التي تناثرت خلفها، وقالت بلين: _استهدوا بالله ده احنا في أيام مفترجة...متبدأوش الأيام دي بالمشاكل! تلفظت هايدي، وهي تنظر لأم الديب بعيون تنبعث منها السخط كأمواج متلاطمة في بحر هادئ. =معلش يا ليالي متدايقيش نفسك...انتي، ونعمة تعبتوا أوي في الأكل، كفاية وقفتكم. نظرت أم الديب لها بعيون تنم عن الاغتياب، ونطقت بنبرة حادة: _انتي بتنحازي لمرات أخوكي يا بت؟ أجابت هايدي بجُبن: =لا، هو أنا قولت حاجة؟ تحدثت ليالي بحنق ملحوظ، حيث تردد صوتها في المطبخ كصدى لانفعالها المتصاعد: _أنا مش هتكلم علشانك يا هايدي انتي، ونعمة مش أكتر! رد جلال بابتسامة وهو يتأمل التلفاز، حيث لمحت البهجة في عينيه بينما يتابع البرنامج على الشاشة: =أصيلة يا ليالي. تحدث المعلم حنفي باشتيهاء، وهو يشاهد التلفاز: _ولعولنا على الشاي نحبس. أجابت نعمة: =ماهو على النار يابا. دخلت نعمة المطبخ، وأعدت الشاي بأناقة للجميع، ثم خرجت به ووزعت الأكواب بينهم ببراعة. كانت كل يد تمسك بكوب من الشاي، بينما تهتم ليالي بتنظيف كل الأواني والأكواب بدقة. ثم خرجت لتشرب الشاي معهم، حيث كان بينهم مَن شرب المياه ومنهم مَن دخل للتوضؤ استعدادًا لصلاة الفجر. وبعد ربع ساعة، أذن المؤذن بالأذان من منبر المسجد، فانطلق المعلم حنفي، وجلال، وحامد نحو المسجد لأداء صلاة الفجر، في حين عادت النساء إلى شققهن برفقة أطفالهن. في اليوم التالي عند الساعة العاشرة صباحًا، استيقظت ليالي من نومها على اتصال هاتفي من تباهي فأعدلت جسدها بسرعة، وردت على المكالمة بابتسامة، وقلب مليء بالفرح، فقالت الوالدة برثاء: _صباح الخير يا ليالي يا بتي. ردت ليالي بإحسان: =صباح النور ياما...كل سنه وانتي طيبة. قالت تباهي ببهجة: _وانتي طيبة، وبخير يا بتي تنعاد عليكي الأيام بالخير، والسعادة، والهنا. ردت ليالي بسعادة: =اللهم آمين...أبويا، وأخواتي عاملين ايه؟ نطقت تباهي بابتسامة: _بخير الحمدلله...تالت يوم انتوا معزومين عندي، تيجي من بدري الله يخليكي ده اليوم بيعدي هوا. أجابت ليالي بتهلل: =من عينيا ياما. في محفل الصغار، حيث تتلاسن الأرواح الصغيرة على مصابيح رمضان، كان اليوم مشحون بالمنافسة. حمود، الصبي ذو العيون الحادة والشعر الأسود الكثيف، كان يمسك بدلالة المصباح بعنف. كانت اللمسة الباردة للمعدن تنساب في يده، تذكيرًا بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقه. تقى، الفتاة ذات العيون الكبيرة والشعر الأسود المموج، كانت تجلس بجواره. كانت تراقبه بثبات، وكأنها تحاول جذب المصباح نحوها بقوة خفية. كانت تعلم أنه يحمل في داخله أكثر من مجرد ضوء، إنه رمز للأمل، وهو ما يجعله أكثر من مجرد قطعة معدنية. في لحظة سخط، انفجر حمود، وصرخ بصوت عالٍ يهز الجدران لكن تقى لم تتراجع. وهكذا تحول اللهو إلى شجار: _الفانوس ده بتاعي! ردت تقى بعناد: =لا بتاعي أنا! استمر النزاع بين حمود، وتقى، فكانت الكلمات تتداول بينهما بسرعة، كل منهما يحاول أن يثبت أحقيته في حمل المصباح. حمود يصدح، في لحظة من الغضب العارم، سقط المصباح على الأرض. اندحر حمود خلفه، وتقى تنظر إليه بعيون مليئة بالتفكير. كانت اللحظة مليئة بالصمت، وكأن الزمن توقف. استيقظ جلال على صخب المصباح. كان مفزوعًا، يحاول تجميع أفكاره. كان المصباح مكسورًا، والضوء الذي كان ينبعث منه قد انطفأ، فقالت تباهي بفزع: _يانهار أسود ايه اللي حصل؟ كان قلب ليالي ينبض بسرعة. الظلام يلتف حولها كالثوب الثقيل، وتشعر بأن هناك شيئًا مخيفًا يتربص في غرفة الأطفال. صوتها ارتجف، وهي تقول بترقب: =استني ياما خليكي معايا. في لحظة مفجعة، دخل جلال وزوجته الغرفة. عيونهما واسعة من الصدمة، وقلوبهما ينبضان بالخوف. أمامهما، كان المشهد مروعًا: الأثاث مبعثر، والأرض ملطخة بشظايا المصباح. بينما ابنتهما تقى كانت تجلس على الأرض، تبكي بحرقة، وتحتضن بقايا المصباح بقوة. كانت الكارثة قد حلت، والحياة لم تعد كما كانت. لم يكن هناك حوار، فقط دموع، وصرخات تعبيرًا عن الفقدان، وهي تعول: _ضربني يا ماما...ضربني، وكسر الفانوس بتاعي. صرخت ليالي قائلة بذهول: =ايه اللي انتوا عملتوه ده؟ انتوا عارفين الفانوس ده بكام دلوقتي؟ تحدث جلال بعجيج: _انتوا شوية عيال متخلفة ياض انت، وأختك! وخرج من الغرفة، وواصل بوعيد: _أنا هربيكم، وهعلمكم الأدب! جرى حمود خلف والده بسرعة، صوته يرتفع بينما يصرخ قائلًا: =خلاص يابا والله آخر مرة! ثم انقض نحو والدته، دموعه تنهمر بغزارة، وواصل بانتحاب مؤثر: =ماتقولي حاجة ياما! عاد جلال بالحزام اللاسع إلى أبنائه بقرار جاد بمعاقبتهم على خطئهم، لكن قلب الأم الحنون انحنى أمام رؤية أبنائها المذنبين. تراجعت في لحظة الخوف عن تنفيذ العقاب، وفي حالة من الترقب قالت: _خلاص يا جلال متمدش ايدك على العيال الله يسترك...متشمتش فينا الأعداء...عيال صغيرة، وغلطوا ياخويا. رد جلال بصياح: =ده كل يومين يتخانقوا، ويضربوا بعض يا ليالي! وقفت ليالي إزاء تهديد جلال بالعقاب، متفاديةً لأبنائها بكل ما أوتيت من حنان، قائلة بروح مترددة: _خلاص أدخل انت متعكرش مزاجك. أزاحت ليالي زوجها بعيدًا، وبعدما غادر دخلت إلى أولادها مجددًا، ونطقت بصوت مؤثر: _لو اللي عملتوه ده اتكرر تاني هسيبكم منكم لأبوكم... ومسمعش صوتكم تقعدوا زي فردة الجزمة! رد حمود بخوف: =ماشي. تشبثت ليالي بيد ابنتها بينما جلستا معًا على الأريكة، وهي تواصل حديثها في الهاتف مع والدتها، وكانت تباهي تظن أن المشكلة كانت بينها وبين جلال، وليس بين أبنائها، فقالت بصوت محمل بالقلق: _ألو يا ليالي...ايه اللي جرا؟ ردت ليالي بضيق: =العيال اتخانقوا، وضربوا بعض. في هذا الوقت، كانت سيليا تبلغ خمسة أعوام بينما كانت أسيل تبلغ شهرين فقط، وفي منزل أحمد، وجميلة، وقفت سيليا قبال سرير أختها الصغيرة، تفكر كطفلة بريئة في سبب امتناع أسيل عن الصيام، بينما هي تمتثل بذلك بمفردها. وفي حالة من الفضول البريء، قالت برقة: _اشمعنا انتي لسه صغيرة، ومش هتصومي؟ كظمت قليلًا، وأردفت: _تعرفي أنا هصوم لحد الضهر...أنا أكبر منك بشوية صغننين لكن انتي صغننة خالص فمش هينفع تصومي! دخلت جميلة وحملت أسيل بين ذراعيها لتغير ملابسها المُتسخة، وفي لحظة من الفرح ابتسمت، وقالت بدهشة: =انتي بتكلمي أسيل كأنها فاهمة بتقولي اية؟ أجابت سيليا بتفكير: _مامي هو ليه أنا هصوم، وهي لا؟ ضحكت جميلة بصوت عذب، وفي لحظة من البراءة، قالت بكلمات تعبر عن عقلها الصغير، ونقائه: =علشان انتي أكبر منها. ردت سيليا بإرهاق: _بس أنا مش هينفع أصوم كتير يا مامي. قهقهت جميلة بضحكة تنبع من داخلها، وقالت بسعادة بالغة: =أيوة يا روحي لحد الضهر، وبعدين افطري علشان لما تكبري تكوني اتعودتي، ومتتعبيش. استيقظ أحمد من نومه، ودخل غرفة الفتيات بابتسامة تملأ وجهه، وقال: _صباح الخير. ردت جميلة، وسيليا في آنٍ واحد: =صباح النور. اقترب أحمد من جميلة، وهي تحمل أسيل، ومد يده لها، ونطق برفق: _هاتي عنك. حمل أحمد ابنته وخرج بها إلى الصالة، حيث جلس على الأريكة وجلست سيليا بجانبه، تداعب وجه أختها بينما دخلت جميلة المرحاض. بالرغم من صغرها، شعرت سيليا بالغيرة تجاهها، واستغربت من حب واهتمام والديها المفاجئ لهذا الكائن الصغير المسمى أسيل، وهمست بانزعاج: =انت ليه مش شيلتني، وأنا صغيرة زيها؟ ضحك أحمد، وقال باستغراب: _مين قالك كده يا سيليا؟ بالعكس ده أنا كنت بشيلك أكتر من أسيل...ده احنا دلعناكي دلع. باعدت سيليا يدا أسيل التي كانت على كتف أحمد، ووضعتها على كتفها بتعبير واضح عن الغيرة، وقالت بصوت هامس بالانزعاج: =متشيلهاش يا بابي...شيلني أنا بس! حمل أحمد ابنتيه، سيليا على ساقه اليمنى وأسيل على ساقه اليسرى، وبدأ بتوزيع قبلاته بالتساوي على كل منهما، حرصًا على عدم زيادة إباء سيليا تجاه أسيل. وفي لحظة من النظر المحب، قال لها بابتسامة: _سيليا مينفعش تغيري من أختك...هي بتحبك جدًا علفكرة. ردت سيليا: =مانا بحبها برضة يا بابي. في الحين رن هاتف أحمد فقام مكانه، ووضع ابنتيه برفق على الأريكة، ثم نظر إليه بتعجب ممزوج بالفضول، وقال: _دي ماما! بعد أن استجاب للمكالمة، أردف: _ألو يا ماما عاملة ايه؟ ردت أم الديب بسعادة ملموسة، حيث انبعثت البهجة من عينيها وانعكست على محياها: =نشكر ربنا...متتأخرش انت، ومراتك، والبنات. نطق أحمد بابتسامة: _حاضر...بابا، وجلال، وكله عامل ايه؟ أجابت أم الديب بسماجة: =كويسين، أهو متلقح على الكنبة بالفانلة البيضة. نسيت أم الديب المكالمة، وصبّت تركيزها بكامله على المعلم حنفي، حيث صاتت به بصوت مرتفع قائلة: =انت يا راجل انت مترفعش رجلك على الكنبة هتوسخها! رد المعلم حنفي بسخط جارف، وسخر منها بابتسامة مستهزئة: _ليه كلب جربان قاعد عليها؟ ولا يكونش قاعد على كرسي الملكة؟ صاحت أم الديب قائلة: =نزل رجلك بقولك! تحدث أحمد باختناق وكأنما كانت كلماته تتسرب بصعوبة: _خلاص يا ماما هو ميحلاش المشاكل غير لما تكلميني؟ ردت أم الديب باستعجال ملموس: =سلم على مراتك...متدخلش ايدك فاضية...سلام. نظر أحمد للهاتف بارتباك، وقال بضيق: _اتبرى منهم، ولا أروح منهم فين بس؟ أنهت أم الديب المكالمة بسرعة لتواصل نزاعها المستعجل مع المعلم حنفي. ارتفعت من مكانها باستشاطة، واقتربت منه بخطوات ثابتة، وكانت عيناها مشرقتين كشريط من الضوء الأحمر، وبينما كانت تتوجه نحوه، هتفت بصوت يعبق بالقوة: =الكنبة لسه منضفينها، ده آني مطلعه منها كمية قرف. جلس المعلم حنفي ببرودة متمايلة، وأعاد ترتيب وضعيته بانسجام. ثم أطلق صيحة مليئة بالاستفزاز: _القرف ده تلاقيه منك يا ولية...على الأقل أنا بستحمى كل يومين مش كل شهرين مرة خرجت هايدي من غرفتها بسرعة، مستجابةً لصياحهم المتقاطع، واندمجت في النقاش بلا تردد، حيث شاركتهم بجلبة متمرد قائلة: =يوه ارحموني دماغي صدعت....أنا زهقت... قرفت اتهدوا بقى! في رحاب شقة نعمة، كانت تتوشح بروح التقوى، والخشوع، وتستقر على ربوة السرير، حيث تتلو الآيات القرآنية المجيدة بانتباه شديد من بين صفحات المصحف المفتوح أمامها. وبعد أن اكتملت قراءتها، تلفظت: _صدق الله العظيم. دخل حامد الغرفة، ونظر إليها بفضول متقدّ: =هتعملوا أكل ايه النهاردة؟ وضعت نعمة المصحف برفق على التسريحة، ووقفت في المكان، لتأمل لحظات: _والله احنا لسه بنفكر يا حامد...نعمل صينية فراخ، ورز، وملوخية، ورقاق، ومكرونة. رد حامد: =زودوا شوية، ده أول يوم رمضان لازم الطبلية تكون مليانة أكل أشكال، وألوان، ولا الحلويات بقى. نطقت نعمة برُشد: _سبحان الله ياخويا مع إن رمضان هدفه نحس بالغلابة، وعيشتهم الصعبة مش نملى الطبلية أكل أشكال، وألوان. تلفظ حامد بتمني: =فكك يا نعومي من الكلام ده...احنا عايزين نعوض الحرمان اللي شوفناه، وبعدين ماحنا غلابة حد قالك إننا أغنيا؟ ردت نعمة بابتسامة تنبض بالرضا، والسكينة: _على رأيك بس احنا هنعمل كده علشان نفرح العيال. تلفظ حامد بابتسامة: =طب قومي شوفي دنيتك فيها ايه، ولا انزلي لليالي، وقرروا مع بعض عبال مانا أدخل أتوضى، وأصلي. قالت نعمة بهدوء: _ماشي ياخويا. خرجت نعمة من شقتها بقرار ثابت للنزول إلى شقة أخيها، في حين دخل حامد المرحاض ليتوضأ ويستعد لأداء الصلاة. وبعدما طرقت نعمة الباب، فتحت لها ليالي باب الشقة بابتسامة تنم عن الاستقبال الحار، وقالت بلُطف: =تعالي يا نعمة...خشي. دخلت نعمة عقب ليالي، فتلألأت وجوههما في أنوار الصالة، فنطقت نعمة بتساؤل: _هنعمل أكل ايه النهاردة؟ اتجهت ليالي إلى المطبخ، وجاءت وراءها نعمة، وقالت: =زي ماتفقنا امبارح، بس يلا همتك معايا عشان نلحق نخلص. ردت نعمة: _حاضر. بعد أن استخرجت ليالي الخضروات من الخزانة ووضعت الأرز في طبق عميق، بدأوا في تقطيع البطاطا وشطف أعواد الملوخية. بينما في منزل أحمد، بعد أن ارتدوا ملابسهم وأصبحوا جاهزين للسفر، كانت جميلة تقف مع ابنتها سيليا في حجرة الثياب، معبرة عن اهتمامها الدائم بنظافة بناتها، تمامًا كما كانت والدتها تهتم بهم في الصغر. وكانت حريصة جدًا على ظهورهم بأبهى حلة، فقالت لابنتها بابتسامة تنبعث من دفء الرعاية: =الله يا سيليا حلو أوي، الأوت فيت ده يجنن! عانقت سيليا جميلة بحنان، وأسرتها بين ذراعيها براحة، وقالت بابتسامة يملؤها العشق: _ميرسي يا مامي. وقف أحمد على باب الغرفة، وبدأ يتحدث بتعجل: =جميلة أنا هنزل أستناكم في العربية. ردت جميلة بابتسامة: _أوكي، احنا جايين وراك. نزل أحمد من المنزل وركب سيارته، حيث كان ينتظر زوجته، وبناته. في الوقت نفسه، كانت جميلة تنظر لابنتها أسيل وهي تلبس حذاءً فارهًا، ثم نزلت مع فتياتها من المنزل وركبن السيارة جميعًا، استعدادًا للانطلاق إلى القرية. وبينما كانت ليالي تقطع البطاطا، سألت نعمة بحيرة: =هنعمل عصير ايه صحيح؟ أجابت نعمة بينما هي تقطع أعواد الملوخية بدقة، وعيناها توضح الانتقاء: _نعمل خروب، ومانجا، ولا انتي ايه رأيك؟ ردت ليالي بإعجاب: =حلو كله فضل، ونعمة من عند ربنا. تركت نعمة ما في يدها، وألقت نظرة على المكان بتأمل عميق، ونطقت بتفكير: _طيب هطلع أجيب الحاجة من فوق. ردت ليالي بابتسامة طويلة، وهي تقترب من حوض المطبخ بخطوات منتظمة: =ماشي. صعدت نعمة بصمت إلى شقتها، واستمعت بتأنٍ لزوجها وهو يتحدث بجدية في الهاتف: _وحشتيني بشكل...لا ده أنا عمري ما أنساكي...جواز ايه اللي يخليني أنساكي بس؟ كانت كالصاعقة تضرب قلبها، كيف استطاع أن يخونها بعد كل التضحيات والجهود الكبيرة التي بذلتها من أجله؟ لم تشعر نعمة بنفسها سوى وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالعتاب، وانطلقت بصوت ينطلق من أعماقها، صارخة في وجهه بكل أسى: =يا نهارك أسود يا حامد! نشبت نعمة في الهاتف كالنمر الشَكِس الذي ذاق المَسْغَبة ليالي غديقة، وصرخت صراخ عَضِل قائلة: _ألو انتي مين يا خطافة الرجالة؟ بقى عاوزة تخطفي جوزي مني؟ ماهو كان متلقح قدامك، ولا هو احلو في عينك بعد ما اتجوزني؟ ضحك حامد ضحكًا شديدًا، وضرب كفيه ببعضهما، مما أثار سخطًا أعمق في نعمة نحو استهتار زوجها بمشاعرها المتقلبة. فانفجرت بصياح مَنين: =انت بتضحك على ايه انت كمان؟ ردت أم أشرف بذهول: _ألو يا نعمة، كلام ايه اللي بتقوليه ده؟ بعد أن استمعت نعمة لصوت حماتها، شعرت برغبة شديدة في أن تنشق الأرض وتبتلعها، وكلما زادت صدمتها، قالت في نفسها بخجل: =ايه؟ يخيبني! ونظرت لزوجها بعيون متأملة، وبينما كانت تفكر في كلماتها، نطقت بهدوء: =هو انت بتكلم أمك؟ قهقه حامد، وقال بذهول: _نيتك وحشة يا نعمة. أمسكت نعمة الهاتف بين يديها بإحراج جسيم، وتلفظت بتوتر: =أنا أسفة يا حماتي فكرته بيكلم حد تاني. ردت أم أشرف بعجيج حار: _بقى بتشكي في ابني؟ ليه شايفاه عينه زايغة، ولا ناقص رباية؟ أنا ابني طالع من بيت محترم! نطقت نعمة بحروف ملآنة بالإحراج: =والله ما أقصد أصل أنا دخلت عليه، وهو بيقول كلام يخلي أي واحدة تشد في شعرها، وتتجنن...حقك عليا يا حماتي. ردت أم أشرف بنبرة عَرِمة محملة بالكراهية: _هاتي ابني أنا كلامي معاه مش معاكي. أعادت نعمة الهاتف لزوجها بحركة مبالية، ثم دخلت المطبخ دون أن تلتفت، وفي هذا الوقت، قال حامد بصوت يحمل نبرة من الدهشة: =ألو ياما...حقك عليا مانتي عارفة نعمة طيبة، وعلى نياتها، وأول مرة يحصل منها كده! فتحت نعمة المُثلج، وقالت لنفسها بإرتباك، وتفكير: _اتشقي يا أرض، وابلعيني...ايه اللي أنا هببته ده بس ما طلع مظلوم أهو...مالي كده في ايه؟ نزلت نعمة بالمانجو، والخروب، وكأن أصيب وجهها بمائة لطخة، وفي حالة من الإحراج، قالت: =ده أنا حصل معايا حتت موقف مقولكيش يا ليالي. ردت ليالي بفضول: _موقف ايه؟ وضعت نعمة شرائح المانجو بدقة في الطبق، وأبدت اهتمامًا في ترتيبها، وهي تقول بامتعاض: =دخلت ياختي لقيتلك حامد جوزي بيكلم واحدة بيقولها وحشتيني، ومنستكيش، وأصل، وفصل، وبعد مامسحت بكرامتها الأرض طلعت حماتي! ضحكت ليالي بشدة، وكانت ضحكتها كالنسيم العليل يعبر حقول الربيع، فأعلنت عن دهشتها في هذا السياق: _يخربيتك بقى شكلك وحش أوي...ده زمان حماتك ماصدقت تمسك عليكي غلطة. ردت نعمة باستياء: =ماهو كده حبيبك يبلعلك الزلط، وعدوك يتمنالك الغلط. دخلت أم الديب الشقة بعبسة واسعة، فالباب كان مفتوحًا للجميع. وحينما استمعت لحكايات نعمة وليالي معًا، انعكست على وجهها تعابير الاستياء، وفجأة انفجرت، قائلة بصوت ساخط: _سايبين اللي وراكم، وقاعدين تتساهروا؟ ردت نعمة بترقب: =لا ياما ده أنا كنت فوق بجيب المانجا، والخروب، ولسه نازلة. وصفت أم الديب الوضع بنكتة طريفة وهي تعبر عن مزاجها الفكاهي، وحبها للتسلية، حيث قالت بابتسامة واسعة على شفتيها: _مانجا، وخروب بس يا بت؟ اعمليلنا سوبيا، وتمر. تفوهت ليالي بشحناء: =طبعًا يا حماتي ماهو أبو بلاش كتر منه...إنما لو انتي اللي هتدفعي كان زمانك مقسمانا كلنا في كوباية عصير واحدة. ردت أم الديب بكمد ساحق، حيث انطلقت كلماتها بقوة، معبرة عن استيائها من الوضع: _وأنا أدفع ليه يا محروسة؟ هأكلكم كمان؟ مانتوا طمعانين فيا، وفي فلوسي...مانتي اللي بتبخي السم في ودان ابني، وبتقويه عليا. نطقت ليالي بدهاء، فتجسد حديثها بذكاء، معبّرة عن ردها بطريقة ماهرة: =ولا حصل يا حماتي ده أنا كل يوم أقوله خد بالك من أمك...متزعلش أمك...ده انت ملكش غير أمك. ضحكت أم الديب بشكل ساخر، فقالت بشك: _ايهي مصدقكيش ده انتي حية يا بت. ردت ليالي بهدوء ملحوظ، حيث انطلقت بجرأة، فانعكست ملامحها بعبوسية، مما أضفى على ردود أفعالها بعدًا عاطفيًا عميقًا يعبر عن مشاعرها الداخلية المتقلبة: =الله يسامحك يا حماتي...أنا مش هرد عليكي علشان انتي في بيتي. صرخت أم الديب قائلة بعجيج: _بيت مين يا أم بيت؟ ده بيتي آني، وانتي، وجوزك قاعدين ضيوف هنا! نطقت ليالي بسخط: =ضيوف مين؟ دي شقتي، وكل حاجة فيها بتاعتي، ولا أجيبلك القايمة من الدولاب؟ تركت نعمة ما في يدها، ووقفت في المنتصف، وقالت بهجس: _لا إله إلا الله...يا جماعة مش كده، ده انتوا كل يوم لازم مشكلة جديدة... ياما اعتبريها بنتك! ردت أم الديب بجهامة: =آني مليش غير بتين...انتي، وأختك هايدي. خرجت أم الديب من الشقة، فأشعلت قلب ليالي نارًا داخل صدرها. بعد ذلك، عادت لعملها بانزعاج، وفي حالة من التدليس، قالت بتوعد: _ماشي يا حماتي. بعد ثلاث ساعات وصل أحمد، وجميلة مع بناتهم إلى قرية أبو حلاوة. حيث نزلوا من السيارة، فكان أحمد يحمل أسيل على ذراعه، وفي الذراع الآخر كان يحمل علبة كبيرة من حلوى رمضان. جميلة كانت تمسك يد ابنتها سيليا بينما كانوا يدخلون منزل أم الديب. صعدوا الدرج، ودخلوا الشقة، حيث كان المعلم حنفي مستلقيًا على الأريكة، مرتديًا فانلة بيضاء وسروالًا مهلهلًا في وقت القيلولة. لم يلاحظ وجودهم إلا بعد أن فتح عينيه، فاندهش، وقال بخجل: =مش تقول احم؟ أدارت جميلة وجهها ووجه سيليا في زاوية أخرى، مبديتين عدم انتباههما للموقف. في هذا الوقت، قال أحمد بإحراج: _أدخل غير يا بابا، وبعدين اطلعلنا. دخل المعلم حنفي الغرفة، وصك بابها برفق، في حين جلس أحمد، وزوجته، وبناتهم في انتظاره، وفي لحظة من الصمت، نطق أحمد باستحياء: =معلش يا جميلة أصل انتي عارفة الجو حر، وكده. أخرجت جميلة هوايتها الخاصة من الحقيبة، ورفعتها بلُطف نحو وجهها، فتلاشى حر المنزل أمام برودة ذلك المشهد. بعدها، قالت بابتسامة بهيجة: _خلاص أنا اتعودت على أونكل، وطنط. في بداية رحلة الزواج، كانت جميلة تتعجب لكل ما يحدث من أحداث في عالم أسرة أحمد، حيث كانت الأيام تملأها الدهشة بكل تجربة جديدة، وبعد مرور سنوات عديدة، تأقلمت وعلمت نظام حياتهم، فأصبحت الأمور واقعًا لا بد من قبوله، وتجسدت تلك التجربة بمرونة، وحكمة تامة في استيعاب التغييرات والتحديات. عندما دخلت أم الديب الشقة، وجدت سعادتها في رؤية جميلة، وأحفادها الأعزاء، فابتسمت، وقالت بفرح: =يا أهلًا، وسهلًا يا ألف مرحب. تشبثت أم الديب بجميلة بحدب، وأعطتها إحدى عشرة قبلة، تعبيرًا عن حبها الصادق لها كإبنة، لكن جميلة استقبلت هذه اللحظة بغرور، وفي هذا الوقت، وجهت كلماتها بنظرات متعالية: _ازيك يا طنط بسمة؟ ابتعدت جميلة بحذر عن أم الديب، واختنقت من رائحتها الوخيمة، فظهر على ملامحها التقزز. لاحظ أحمد هذا التغيير في زوجته، لكن أم الديب لم تتوقف عن التعبير عن مشاعرها بالحب، فحملت أسيل بقوة، وعانقتها بشدة، ثم قبلتها بعنف معبرة عن فرحتها الكبيرة برؤية حفيدتها. في تلك اللحظة، وجدت أم الديب السعادة تملأ قلبها، وبينما كانت تحتضن أسيل بين ذراعيها، قالت بصوت مترع بالمحبة: =اسم الله عليها شبهك يا جميلة. ردت جميلة بتعبير ممزوج بالاشمئزاز، حيث انعكس على ملامحها ذلك الانزعاج، وكلماتها خرجت بتنغيص ملحوظ، ما يوضح موقفها المتقزز من الوضع: _أه يا طنط كلهم بيقولولي كده. جلست أم الديب بأسيل على الأريكة، وعبّرت بدهشة عن مشاعرها، حيث انعكست على وجهها لمحات من الاستغراب المبهج. أسيل كانت تتأمل حولها ببراءة، والتقت أعينهما في لحظة من الفهم المشترك، ما أضفى على الجو جاذبية، فقالت أم الديب بذهول: =هى البت مابتكبرش ليه؟ حجمها قد النملة! أجابت جميلة بتعجرف: _ايه يا طنط؟ أسيل لسه عندها شهرين، ده طبيعي! ردت أم الديب بعفوية: =احنا عندنا العيل، وهو عنده شهر كان يبقى قد العجل. تعجبت جميلة من مصطلحات أم الديب الدميمة، وانعكس ذلك على وجهها بتعبير ممزوج بالاشمئزاز. صوتها كان يحمل لمسات من الغطرسة الواضحة، وكلماتها خرجت بتنغيص ملحوظ، مما يعكس رد فعلها الرافض للتعبيرات الغريبة: _عجل؟ خرجت هايدي من غرفتها بخطوات خفيفة، وعانقت جميلة بسعادة غامرة، معبّرة عن فرحتها بلقاءها، وكانت الكلمات تتقاطر من شفتيها بمودة: =ازيك يا جميلة؟ وحشاني أوي. ردت جميلة بابتسامة خافتة: _وانتي كمان يا هايدي. تبادل الجميع القبلات، والأحضان بفرح، وكانت هايدي سعيدة برؤية بنات أخيها، وجلست على سيف أحمد، وجميلة، حيث كانت تلاعب أسيل بغرام، مما أثار ضحكاتها البريئة التي أضفت على الأجواء بهجة، وسرورًا. طيلة جلوسهم، لاحظت أم الديب بقوة تلك العلبة وكانت تتطلع بشوق لمعرفة ما بداخلها، فنظرت إليها، وقالت بحماس: =هاتوا العلبة دي أشيلهالكم. نشبت أم الديب في علبة الحلوى، وهرولت إلى المطبخ بخطوات مستعجلة، وفتحت العلبة بترقب شديد لتنظر إلى محتوياتها. وإن كانت أم الديب على عقيدة أخرى غير الإسلام، لكانت التهمت تلك الحلوى الشهية التي لم تشهدها طوال حياتها، فهنا في الريف، اعتادوا على كل ما يسد الجوع، ولكن البعض، وليس الكل، لا يتذوق ولا يدرك حاسة التذوق سوى بأنها شيء سكري المذاق، ولكن هناك في أفخم وأرقى المستويات، يصنعون الحلوى بحب ويبذلون قصارى جهدهم في جعل المحتوى والشكل مثاليين، وإن لم يفعلوا فإنهم يجب عليهم الاستعداد لتلقي الشكاوى قبل ليلة إغلاق المتجر. خرج المعلم حنفي من الغرفة بعد أن غير ثيابه، وارتدي الجلباب، وعانق ابنه بحنان، مبديًا فرحته برؤيتهم: _يا ألف مليون مرحب، معلش ياض كنت قاعد مرحرح. رد أحمد بإحراج: =لا ولا يهمك يا بابا. صافح المعلم حنفي زوجة ابنه وحفدته، وفيما كان يتبقى ساعتان فقط على موعد الإفطار، شعرت جميلة بالضيق من حرارة المنزل المتزايدة، لذا صعدت إلى شقة ليالي برفقة هايدي، وسيليا، وأسيل، بينما نزل جلال مع أبنائه، وابن أخيه إلى شقة أم الديب. وفي هذا الوقت، وفي أثناء تبادل التحيات والسلام، صافح أخاه بود، وبالأعلى قالت جميلة بابتسامة لامعة تعبر عن راحتها النفسية: _كل سنة، وأنتوا طيبين. نطقت نعمة، وليالي بابتسامة دافئة، تزين وجوههما بتعابير الترحيب، وكأنهما تشاركان جميلة نفس الشعور بالحبور. كانت تلك اللحظة تعبر عن تواصل عميق، ومودة صادقة: =وانتي طيبة. تبادلت النساء القبلات، والأحضان بحرارة، مجسدات مشاعر الحب التي تربطهن ببعضهن. في الصالة، جلست جميلة مع بناتها برفقة هايدي على الأريكة، حيث كانت الابتسامات تعلو وجوههن وتعبر عن سعادة اللقاء. وبعد لحظات قليلة، خرجت نعمة إليهن بابتسامة مشرقة تضفي نورًا على المكان، وقالت بصوت مليء بالترحاب: _الدنيا منورة والله يا جميلة. ردت جميلة بابتسامة: =منورة بيكي يا روحي انتي، وليالي، وهايدي. خرجت ليالي من المطبخ بخطوات مليئة بالحيوية، وحملت أسيل بين ذراعيها بحنان واضح. لمعت عيناها بالسعادة التي تغمرها، وقالت بصوت مليء بالسرور: _الله يخليكي يا جميلة، ماشاء الله...الله أكبر سكرة أوي. تحدثت نعمة بسعادة غامرة، وهي تتأمل في ملامح أسيل البريئة، وكأنها ترى انعكاسًا لمستقبل مشرق مليء بالأمل. كانت عيناها تتلألآن بفرح لا يوصف، وشفتاها ترسمان ابتسامة دافئة، وبينما تتحدث، كانت نغماتها تتدفق بنعومة: =ماشاء الله كلها جميلة...أصل العيال، وهي صغيرة مش بيبانلهم ملامح لكن لما بيكبروا بيتشكلوا. ردت جميلة بابتسامة: _ده حقيقي. خرجت تقى من غرفتها بخطوات مشرقة تضيء وجهها. صافحت جميلة بحرارة، وقالت بنبرة مليئة بالود: =ازيك يا مرات عمي؟ نطقت جميلة بابتسامة خافتة: _هاي يا تقى، عاملة ايه انتي؟ أجابت تقى بسعادة غامرة: =الحمدلله. دخلت جميلة المطبخ برفقة ليالي، ونعمة، وقررت لأول مرة في حياتها أن تساعدهن في إعداد الطعام. بينما كانت هايدي في الصالة، تحمل أسيل وتداعبها بفرح لا يوصف، كانت ضحكات الطفلة تغمر المكان بالسعادة. بينما سيليا وتقى كانتا تلعبان معًا، تملؤهما البراءة، والحيوية، وفي شقة أم الديب، كان الرجال يجلسون سويًا في الصالة، يتبادلون الأحاديث، والذكريات. قال المعلم حنفي بملامح وجهه الهادئة، وابتسامة تعلو شفتيه: _منور الدنيا. رد أحمد ببشاشة: =ده نورك. عندما كانت أصوات الأطفال تملأ الأرجاء بضحكاتهم، وصخبهم الطفولي البريء، ضاق صدر جلال بتلك الجلبة التي لم تهدأ، فتجهم وجهه واحتدت ملامحه، وخرج صوته بأعلى درجاته، وهتف بقوة تشوبها نبرة الانزعاج: _متعملوش دوشة يا عيال أنا نفوخي مش ناقص... الواحد مصدع، والجو حر، وجعان، وعطشان، وبصوا على أخري! تفوه المعلم حنفي بتعجب: =ماتسيبهم يلعبوا ياض...مانت ياما صدعتنا انت، وأخواتك، ولا حد كان بيتكلم! في منزل أم قمر الدين، دخلت المطبخ بخطوات متأنية لتطمئن بنفسها على مدى تقدم الخادمات في تجهيز الطعام استعدادًا للوليمة المنتظرة احتفالًا بخطيبة ابنها قمر الدين وعائلتها. كان المشهد داخل المطبخ يعكس جهدًا كبيرًا وتحضيرًا دقيقًا، حيث كانت الخادمات يعملن بجد واجتهاد، يضعن الديك الرومي العملاق في صينية ضخمة تزينها الألوان، والنكهات، محاطًا باللحوم المشوية التي تفوح منها رائحة تأسر القلوب، والحمام المحشو الذي ينضح باللذة، والمكسرات التي تزين الأطباق بشكل جذاب، وأوراق العنب الملفوفة بعناية بجانب أصناف كثيرة تشتهيها الأنفس وتغري الحواس. وفي هذه اللحظة، تأملت أم قمر الدين هذا المنظر البهيج وقالت بصوت مليء بالفخر، مشيدة بجهودهم، وإتقانهم في التحضير: _توليناز...وصلتوا لفين؟ أجابت الخادمة، وهي تغلف الصينية المزينة بألوان الطعام اللامعة، والتي قد وضعت فيها الأطعمة الشهية والمغرية، فبدأت بوضع ورق القصدير حولها بحرفية عالية واهتمام دقيق. كانت كل خطوة تُعكِس تفانيها، وحرصها على ضمان حفظ الطعام، وحفظ مظهره الجذاب حتى لحظة التقديم: =الديك الرومي في الفرن ست هانم...محشي ورق عنب، وحمام محشي أرز، وفريك، ومكسرات... المكرونة بشاميل حجم عائلي في الفرن ست هانم، والكباب، والكفتة، والبوفتيك برا في الحديقة بيتشوا على الفحم ست هانم. ردت أم قمر الدين بابتسامة: _هايل، ظبطوا الأكل كويس جدًا...خطيبة قمر الدين، وأهلها معزومين عندي، وأقل غلطة في الأكل مش هقبل! تفوهت الخادمة ببشاشة: =لا يا ست هانم هنشرفك قدامهم. نطقت أم قمر الدين: _أوكي هنشوف. خرجت أم قمر الدين متلألئة كالنجمة من المطبخ، وصعدت إلى غرفتها كأنها تحلق في سماء الجمال، واستعادت رونقها بارتداء البكيني الذي يشع بريق الشمس، ثم هبطت إلى حمام السباحة كأنها تغوص في بحر الأناقة، وسبحت بكل ثقة وهي تطلق أشعة البهاء في كل اتجاه، وفي لحظة من الاستمتاع، همست بجاذبية: _انتعاش بجد! يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أم الديب الجزء الثاني

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2024/07/09 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: الفصل الأول
2024/07/09
الفصل 20: الفصل العشرون
2024/07/21
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2024/07/23
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2024/08/03
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2024/08/03
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2024/08/04
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2024/08/04
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2024/08/04
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2024/08/05
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2024/08/06
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2024/08/07
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2024/08/10
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2024/08/11
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2024/08/15
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2024/08/16
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2024/08/20
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2024/07/21
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2024/07/19
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2024/07/19
الفصل 2: الفصل الثاني
2024/07/09
الفصل 3: الفصل الثالث
2024/07/09
الفصل 4: الفصل الرابع
2024/07/09
الفصل 5: الفصل الخامس
2024/07/09
الفصل 6: الفصل السادس
2024/07/09
الفصل 7: الفصل السابع
2024/07/09
الفصل 8: الفصل الثامن
2024/07/09
الفصل 9: الفصل التاسع
2024/07/09
الفصل 10: الفصل العاشر
2024/07/09
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2024/07/09
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2024/07/11
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2024/07/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2024/07/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2024/07/13
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2024/07/18
الفصل 35: الفصل الأخير
2024/08/22

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة