"اِسْحَبْهُ بِسُرْعَةٍ!"
صَاحَ "عَمْرو" وَهُوَ يَجْذِبُ "حاتم" مِنْ ذِرَاعِهِ، سَاحِبًا إِيَّاهُ فَوْقَ حَافَّةِ السَّطْحِ.
سَقَطَ "حاتم" عَلَى ظَهْرِهِ، يَلْهَثُ، وَصَدْرُهُ يَعْلُو وَيَهْبِطُ بِعُنْفٍ. كَانَ لَا يَزَالُ يَضُمُّ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ الثَّقِيلَ إِلَى صَدْرِهِ كَأَنَّهُ طِفْلٌ.
فِي الْأَسْفَلِ، اِنْفَجَرَ الزُّقَاقُ بِالْأَضْوَاءِ الزَّرْقَاءِ وَالْحَمْرَاءِ لِسَيَّارَاتِ الشُّرْطَةِ. سَمِعُوا صَوْتَ الْأَبْوَابِ الْحَدِيدِيَّةِ لِمَخْزَنِ الْبَارُودِ وَهِيَ تُكْسَرُ، وَأَصْوَاتَ أَقْدَامٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ صَرْخَاتٍ وَأَوَامِرَ بِالِاسْتِسْلَامِ.
"لَقَدْ اِنْتَهَى الْأَمْرُ." هَمَسَ "حاتم" وَهُوَ يُغْلِقُ عَيْنَيْهِ لِثَانِيَةٍ.
"بَلْ لَقَدْ بَدَأَ الْآنَ."
جَاءَ صَوْتُ "الشيخ زيدان". كَانَ يَقِفُ عِنْدَ بَابِ السَّطْحِ، وَمَعَهُ "سلمى" الَّتِي كَانَتْ تَبْكِي بِصَمْتٍ مِنْ فَرْطِ الرَّاحَةِ وَالْخَوْفِ.
"يَجِبُ أَنْ نَخْتَفِيَ." قَالَ "زيدان" بِحَسْمٍ. "الشُّرْطَةُ لَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ 'مروان' إِذَا وَجَدُونَا هُنَا مَعَ هَذَا."
أَشَارَ إِلَى الْكِتَابِ الْمَعْدِنِيِّ.
لَمْ يَعُودُوا إِلَى بَيْتِ "عَمْرو".
قَادَهُمْ "الشيخ زيدان" عَبْرَ شَبَكَةِ الْأَسْطُحِ الْمُعَقَّدَةِ، فِي اتِّجَاهٍ مُخْتَلِفٍ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى بَابٍ صَغِيرٍ يُؤَدِّي إِلَى "مِئْذَنَةِ" مَسْجِدٍ قَدِيمٍ مَهْجُورٍ.
"لَنْ يَبْحَثَ أَحَدٌ عَنَّا هُنَا اللَّيْلَةَ." قَالَ "زيدان".
جَلَسُوا فِي غُرْفَةِ الْمُؤَذِّنِ الْقَدِيمَةِ، وَالْقَاهِرَةُ تَمْتَدُّ تَحْتَهُمْ كَبَحْرٍ مِنَ الْأَضْوَاءِ.
كَانَ "وَالِدُ سلمى" قَدْ نُقِلَ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ آخَرَ بِمُسَاعَدَةِ رِجَالِ الزُّقَاقِ.
الْآنَ... كَانُوا هُمْ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ. وَالْكِتَابُ.
وَضَعَ "حاتم" الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ بَيْنَهُمْ. كَانَ يَلْمَعُ بِخُفُوتٍ تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ.
"لَقَدْ مَاتَ رِجَالٌ مِنْ أَجْلِ هَذَا." قَالَتْ "سلمى" بِصَوْتٍ خَافِتٍ. "وَكَادَ أَبِي أَنْ يَمُوتَ. وَكُنَّا سَنَمُوتُ."
"وَمروان... سَيَقْضِي بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ فِي السِّجْنِ." قَالَ "حاتم".
"لَا." قَالَ "الشيخ زيدان" بِهُدُوءٍ.
نَظَرَ "حاتم" وَ "سلمى" إِلَيْهِ.
"مروان لَنْ يَدْخُلَ السِّجْنَ." أَكْمَلَ "زيدان". "أَمْثَالُ 'مروان' لَا يَدْخُلُونَ السُّجُونَ. سَيَخْرُجُ مِنْهَا بِالْمَالِ أَوِ النُّفُوذِ. سَيَجِدُ كَبْشَ فِدَاءٍ. قَضِيَّةُ 'تِجَارَةِ تُحَفٍ' لَيْسَتْ كَافِيَةً لِحَبْسِهِ لِلْأَبَدِ."
"إِذًا... مَاذَا فَعَلْنَا؟" قَالَ "حاتم" بِإِحْبَاطٍ. "لَقَدْ خَاطَرْنَا بِكُلِّ شَيْءٍ..."
"لِأَجْلِ هَذَا." قَالَ "زيدان" وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ الْعَجُوزَ عَلَى الْغِلَافِ الْمَعْدِنِيِّ الْبَارِدِ. "نَحْنُ لَمْ نَكُنْ نُحَارِبُ 'مروان'. كُنَّا نُحَارِبُ 'الْجَشَعَ' الَّذِي يُمَثِّلُهُ."
"وَمَاذَا نَفْعَلُ بِهِ الْآنَ؟" سَأَلَتْ "سلمى". "هَلْ نُسَلِّمُهُ لِلْحُكُومَةِ؟"
"لِتَضَعَهُ فِي مَخْزَنٍ مُغْبَرٍّ آخَرَ، أَوْ لِيَسْرِقَهُ 'مروان' آخَرُ؟" سَأَلَ "زيدان".
"هَلْ نُدَمِّرُهُ؟" سَأَلَ "حاتم".
"نُدَمِّرُ عِلْمًا كَهَذَا؟" قَالَتْ "سلمى" بِرَفْضٍ. "هَذَا الْكِتَابُ يَحْوِي أَسْرَارًا... قَدْ تَكُونُ مُفِيدَةً لِلْبَشَرِيَّةِ."
"أَوْ مُدَمِّرَةً لَهَا." صَحَّحَ "زيدان".
ثُمَّ نَظَرَ "الشيخ زيدان" إِلَى "حاتم".
"ابْنُ سِرَاج لَمْ يَبْنِ 'الْخَبِيئَةَ' لِتُدَمَّرَ. وَلَمْ يَبْنِهَا لِتُفْتَحَ بِسُهُولَةٍ." قَالَ "زيدان". "لَقَدْ بَنَاهَا كَاخْتِبَارٍ. اِخْتِبَارٌ لِلْعَقْلِ... وَلِلْقَلْبِ. مروان فَشِلَ فِي الِاخْتِبَارِ لِأَنَّهُ اِسْتَخْدَمَ الْقُوَّةَ. وَنَحْنُ... نَجَحْنَا لِأَنَّنَا اِسْتَخْدَمْنَا الْفَهْمَ."
"لَكِنَّنَا فَتَحْنَاهَا." قَالَ "حاتم".
"نَعَمْ." قَالَ "زيدان". "وَالْآنَ... يَجِبُ أَنْ نُغْلِقَهَا."
"مَاذَا؟"
"وَصِيَّةُ 'ابْنِ سِرَاج' لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ. وَصِيَّتُهُ هِيَ 'الْحِفَاظُ عَلَى الْكِتَابِ'." قَالَ "زيدان". "لَقَدْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى 'حَارِسٍ' جَدِيدٍ. حَارِسٍ يَفْهَمُ قِيمَتَهُ، وَيَخَافُ مِنْ قُوَّتِهِ."
نَظَرَ "زيدان" وَ "سلمى" إِلَى "حاتم".
"أَنَا؟" قَالَ "حاتم".
"أَنْتَ الْمُرَمِّمُ." قَالَتْ "سلمى" وَهِيَ تَبْتَسِمُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. "أَنْتَ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يُصْلِحُ الْأَشْيَاءَ... وَكَيْفَ يُخَبِّئُهَا."
(بَعْدَ شَهْرٍ...)
عَادَ "حاتم" إِلَى مَعْمَلِهِ.
كَانَ الْمَكَانُ قَدْ أُعِيدَ تَرْتِيبُهُ. الطَّاوِلَةُ الْخَشَبِيَّةُ الثَّقِيلَةُ عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا.
كَانَتْ هُنَاكَ رَائِحَةُ طِلَاءٍ جَدِيدٍ وَغِرَاءٍ سَاخِنٍ.
جَلَسَ "حاتم" يَعْمَلُ عَلَى مَخْطُوطَةٍ عَادِيَّةٍ... مَخْطُوطَةٌ لِطَالِبٍ جَامِعِيٍّ.
رَنَّ هَاتِفُهُ. كَانَتْ "سلمى".
"كَيْفَ حَالُكَ يَا حَاتِمُ؟"
"بِخَيْرٍ يَا دكتورة. كَيْفَ حَالُ وَالِدِكِ؟"
"إِنَّهُ أَفْضَلُ كَثِيرًا. نَحْنُ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الْآنَ... لِبَدْءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ."
"سَعِيدٌ لِسَمَاعِ ذَلِكَ."
"وَمروان؟"
"اِخْتَفَى." قَالَ "حاتم". "بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنَ الْقَضِيَّةِ بِأُعْجُوبَةٍ، أَغْلَقَ قَصْرَهُ وَسَافَرَ. يَقُولُونَ إِنَّهُ يُطَارِدُ أُسْطُورَةً جَدِيدَةً فِي 'فَارِسَ'."
"وَ... هُوَ؟" سَأَلَتْ "سلمى" بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
"هُوَ بِخَيْرٍ." قَالَ "حاتم". "إِنَّهُ فِي مَكَانٍ آمِنٍ."
"وَدَاعًا يَا حَاتِم."
"وَدَاعًا يَا سَلْمَى."
أَغْلَقَ "حاتم" الْهَاتِفَ.
اِنْتَظَرَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ تَمَامًا.
أَغْلَقَ بَابَ الْمَعْمَلِ بِالْأَقْفَالِ.
ثُمَّ اِتَّجَهَ إِلَى الْبِلَاطَةِ الْأَرْضِيَّةِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْقَبْوِ السِّرِّيِّ.
نَزَلَ إِلَى الظَّلَامِ الْبَارِدِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ الْمَمَرِّ الَّذِي حَبَسَ فِيهِ الْحَارِسَ. بَلْ أَكْمَلَ إِلَى غُرْفَةٍ أَخِيرَةٍ... غُرْفَةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا حَتَّى "مروان".
كَانَتْ هِيَ "الْخَبِيئَةُ" الْحَقِيقِيَّةُ لِجَدِّهِ. قَبْوٌ صَغِيرٌ مُحْكَمُ الْإِغْلَاقِ.
فِي الْمُنْتَصَفِ، عَلَى قَاعِدَةٍ حَجَرِيَّةٍ، كَانَ يَقْبَعُ الْكِتَابُ الْمَعْدِنِيُّ.
نَظَرَ إِلَيْهِ "حاتم" طَوِيلًا.
لَقَدْ قَاوَمَ رَغْبَتَهُ فِي فَتْحِهِ. لَقَدْ تَعَلَّمَ دَرْسَ "مروان".
"أَعِدُكَ بِأَنْ أَحْرُسَكَ." هَمَسَ "حاتم" لِلْكِتَابِ. "لَيْسَ كَسَجَّانٍ... بَلْ كَمُرَمِّمٍ."
أَغْلَقَ "حاتم" بَابَ الْقَبْوِ الثَّقِيلَ.
صَعِدَ إِلَى مَعْمَلِهِ، وَأَعَادَ الْبِلَاطَةَ الْأَرْضِيَّةَ إِلَى مَكَانِهَا.
أَطْفَأَ الْأَضْوَاءَ، وَجَلَسَ فِي الظَّلَامِ... لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ "مُرَمِّمٍ"... لَقَدْ أَصْبَحَ "الْحَارِسَ" الْجَدِيدَ.
[النِّهَايَةُ]
روايات الحارة