لَمْ يَطُلِ الانْتِظَارُ.
بَعْدَ دَقَائِقَ مِنْ مُكَالَمَةِ "حاتم"، سَمِعَ صَوْتَ السَّلَاسِلِ الْحَدِيدِيَّةِ وَهِيَ تُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَ بَابِ الْمَعْمَلِ.
ثُمَّ... صَوْتُ الْبَابِ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ يُدْفَعُ بِبُطْءٍ.
كَانَ "حاتم" يَرْقُبُ مِنْ فَتْحَةِ الْقَبْوِ الضَّيِّقَةِ.
دَخَلَ "مروان باشا".
لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ. كَانَ يُمْسِكُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ الثَّقِيلَ، وَبِيَدِهِ الْيُمْنَى يُمْسِكُ رَجُلًا عَجُوزًا مُهَدَّمًا يَرْتَدِي مَلَابِسَ نَوْمٍ، وَيَكَادُ لَا يَقْوَى عَلَى الْوُقُوفِ.
"وَالِدُ سلمى." هَمَسَ "حاتم" لِنَفْسِهِ.
كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ ثَالِثٌ مَعَهُمْ، لَيْسَ الرَّجُلَ ذَا النَّدْبَةِ (الَّذِي مَاتَ)، بَلْ حَارِسٌ آخَرُ، يَقِفُ لِيُغْلِقَ الْبَابَ خَلْفَهُمْ.
"أَعْلَمُ أَنَّكَ هُنَا أَيُّهَا الْمُرَمِّمُ!" نَادَى "مروان" فِي الْمَعْمَلِ الْمُظْلِمِ. "الدُّخَانُ لَا يَزَالُ يَتَصَاعَدُ."
"أَنَا هُنَا."
جَاءَ صَوْتُ "حاتم" مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، مِمَّا جَعَلَ صَدَاهُ غَرِيبًا وَمُخِيفًا.
"مروان" لَمْ يَرْتَبِكْ. "أَحْسَنْتَ. اِخْتَبَأْتَ فِي قَبْوِ جَدِّكَ. مَكَانٌ عَبْقَرِيٌّ."
"أَحْضَرْتَ مَا طَلَبْتُهُ؟" سَأَلَ "حاتم" مِنْ مَخْبَئِهِ.
"بِالطَّبْعِ." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَرْفَعُ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ. "الْجَائِزَةُ."
ثُمَّ دَفَعَ وَالِدَ "سلمى" أَمَامَهُ، فَسَقَطَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
"أَبِي!"
جَاءَ صَوْتُ "سلمى" مَكْتُومًا مِنْ نَفْسِ الْفَتْحَةِ الَّتِي يَرْقُبُ مِنْهَا "حاتم".
كَانَتْ "سلمى" وَ "الشيخ زيدان" قَدْ وَصَلَا عَبْرَ شَبَكَةِ الْأَقْبِيَةِ وَكَانَا يَقِفَانِ خَلْفَ "حاتم" مُبَاشَرَةً فِي الظَّلَامِ.
نَظَرَ "مروان" نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ بِدَهْشَةٍ.
"آه... وَجَلَبْتَ مَعَكَ الدكتورة أَيْضًا. رَائِعٌ! الْفَرِيقُ كَامِلٌ."
"أَطْلِقْ سَرَاحَهُ الْآنَ." قَالَ "حاتم".
"لَا." قَالَ "مروان" بِبُرُودٍ. "الِاتِّفَاقُ كَانَ: تَفْتَحُ الْكِتَابَ أَوَّلًا. ثُمَّ تَأْخُذُ الرَّهِينَةَ. لَكِنَّنِي غَيَّرْتُ رَأْيِي."
"مَاذَا تَعْنِي؟"
"أَعْنِي... أَنَّكَ سَتَخْرُجُ الْآنَ." قَالَ "مروان". "سَتَخْرُجُ وَتَقِفُ هُنَا فِي النُّورِ حَيْثُ أَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَكَ، وَتَفْتَحُ الْكِتَابَ أَمَامَ عَيْنِي. وَإِلَّا..."
أَشَارَ "مروان" لِحَارِسِهِ، فَرَفَعَ الْحَارِسُ مَسَدَّسَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِ وَالِدِ "سلمى".
"لَا!" صَرَخَتْ "سلمى" مِنْ أَسْفَلَ.
"لَدَيْكِ عَشْرُ ثَوَانٍ يَا حَاتِم." قَالَ "مروان". "عَشَرَة... تِسْعَةٌ..."
"لَا تَخْرُجْ!" هَمَسَ "الشيخ زيدان" لِـ "حاتم". "إِنَّهُ فَخٌّ! سَيَقْتُلُكَ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَنْفَتِحَ الْكِتَابُ!"
"أَعْلَمُ." هَمَسَ "حاتم". "لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّنَا فِي مَلْعَبِنَا."
"ثَمَانِيَةٌ..."
"حاتم" نَظَرَ إِلَى "زيدان". "هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ؟"
"جَاهِزٌ يَا بُنَيَّ."
"سَبْعَةٌ..."
"أَنَا خَارِجٌ!" صَاحَ "حاتم". "لَا تُطْلِقِ النَّارَ!"
دَفَعَ "حاتم" الْبِلَاطَةَ الْأَرْضِيَّةَ الثَّقِيلَةَ وَصَعِدَ إِلَى الْمَعْمَلِ.
كَانَ يَقِفُ فِي الضَّوْءِ الْخَافِتِ، رَافِعًا يَدَيْهِ لِيُثْبِتَ أَنَّهُ أَعْزَلُ. (الْمَسَدَّسُ كَانَ لَا يَزَالُ مَخْفِيًّا فِي قَفَا حِزَامِهِ).
"أَحْسَنْتَ." قَالَ "مروان". "الْآنَ... اِقْتَرِبْ."
وَضَعَ "مروان" الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ عَلَى طَاوِلَةِ التَّرْمِيمِ الْمُحَطَّمَةِ.
"اِفْتَحْهُ."
"لَا أَسْتَطِيعُ." قَالَ "حاتم" بِبُرُودٍ.
"مَاذَا؟!" رَفَعَ "مروان" حَاجِبَهُ.
"الْمِفْتَاحُ... دُفِنَ. أَلَمْ تَقُلْ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ؟"
"أَنْتَ قُلْتَ إِنَّكَ تَسْتَطِيعُ فَتْحَهُ!"
"قُلْتُ إِنَّنِي أَسْتَطِيعُ 'صُنْعَ' مِفْتَاحٍ آخَرَ. وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى أَدَوَاتٍ. أَدَوَاتٍ دَقِيقَةٍ. أَدَوَاتٍ مَوْجُودَةٍ فِي هَذَا الْمَعْمَلِ... وَأَنْتَ وَرِجَالُكَ حَطَّمْتُمْ نِصْفَهَا."
نَظَرَ "مروان" حَوْلَهُ إِلَى الْفَوْضَى.
"وَالْآنَ." أَكْمَلَ "حاتم". "لَدَيْنَا مُشْكِلَةٌ. أَنَا أَحْتَاجُ وَقْتًا وَأَدَوَاتٍ... وَأَنْتَ لَا تَثِقُ بِي."
"أَبْدًا." قَالَ "مروان".
"إِذًا... هَذَا هُوَ عَرْضِي." قَالَ "حاتم". "أَنْتَ تُحَرِّرُ الرَّهِينَةَ الْآنَ. يَخْرُجُ مَعَ الدكتورة سلمى وَالشيخ زيدان مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَأَنَا... أَبْقَى مَعَكَ هُنَا. وَحْدَنَا. رَهِينَتُكَ الْجَدِيدَةُ... حَتَّى أَصْنَعَ لَكَ الْمِفْتَاحَ وَأَفْتَحَ الْكِتَابَ."
"حاتم، لَا!" جَاءَ صَوْتُ "سلمى" مِنَ الْأَسْفَلِ.
فَكَّرَ "مروان" فِي الْعَرْضِ. كَانَ عَرْضًا مَنْطِقِيًّا. هُوَ يَحْتَاجُ "حاتم" حَيًّا، وَيَحْتَاجُهُ "هَادِئًا" لِيَعْمَلَ. التَّخَلُّصُ مِنَ الْعَجُوزَيْنِ الْآخَرَيْنِ سَيُقَلِّلُ الْفَوْضَى.
"مُوَافِقٌ." قَالَ "مروان".
"اُصْعَدَا!" نَادَى "حاتم" فِي الْفَتْحَةِ.
صَعِدَ "الشيخ زيدان" أَوَّلًا، ثُمَّ "سلمى" الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى "حاتم" بِرُعْبٍ.
"سَيَقْتُلُكَ." هَمَسَتْ.
"لَنْ يَفْعَلَ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى مَا يُرِيدُ." هَمَسَ "حاتم" رَدًّا.
"مروان" أَشَارَ لِحَارِسِهِ أَنْ يُنْزِلَ سِلَاحَهُ عَنْ رَأْسِ وَالِدِ "سلمى".
"اُخْرُجُوا." قَالَ "مروان" لِـ "سلمى" وَ "زيدان" وَوَالِدِهَا.
اِنْدَفَعَتْ "سلمى" لِتَحْتَضِنَ وَالِدَهَا الْعَجُوزَ وَهُوَ يَبْكِي.
بَدَأَ الثَّلَاثَةُ يَتَّجِهُونَ نَحْوَ الْبَابِ الْخَارِجِيِّ.
"حاتم" وَ "مروان" كَانَا يُرَاقِبَانِ بَعْضَهُمَا كَدِيكَيْنِ يَسْتَعِدَّانِ لِلْقِتَالِ.
"اِنْتَظِرْ!"
صَاحَ "مروان" فَجْأَةً، قَبْلَ أَنْ يَضَعَ "الشيخ زيدان" يَدَهُ عَلَى الْبَابِ.
"مَاذَا؟" سَأَلَ "زيدان".
"خُذْ هَذَا مَعَكَ." قَالَ "مروان".
أَشَارَ إِلَى حَارِسِهِ. تَقَدَّمَ الْحَارِسُ وَوَضَعَ شَيْئًا فِي يَدِ "الشيخ زيدان".
كَانَ... "هَاتِفًا".
"سَتَتَّصِلُ بِي الدكتورة سلمى كُلَّ سَاعَةٍ." قَالَ "مروان" بِابْتِسَامَةٍ بَارِدَةٍ. "كُلَّ سَاعَةٍ بِالضَّبْطِ. إِذَا تَأَخَّرَتِ الْمُكَالَمَةُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً... سَيَمُوتُ صَدِيقُكَ الْمُرَمِّمُ."
"أَنْتَ..."
"اللُّعْبَةُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ يَا شَيْخُ. الْآنَ... اُخْرُجُوا."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة