كان الغبار يرقص في شعاع الشمس الوحيد الذي استطاع أن يهرب من فتحةٍ ضيقةٍ في المشربية القديمة.
هُنا، في قلب القاهرة الفاطمية، خلف زقاقٍ ضيقٍ لا يكاد يعرفه سوى أهله، كان يختبئ معمل "حاتم" لترميم المخطوطات.
لم يكن المعمل سوى غرفةٍ واحدةٍ ذات سقفٍ مُقَبَّبٍ عالٍ، تفوح منها رائحة الورق العتيق، والغِراء الحيواني الساخن، والجلود.
كان "حاتم" شابًا في أوائل الثلاثينات، ورث الصنعة عن جده. لم يرث المكان فقط، بل ورث الصبر والدقة والعشق الغريب لأشياء لا يراها أغلب الناس سوى كراكيب.
في هذه اللحظة، كان "حاتم" مُنْكَبًّا على طاولة العمل الخشبية الثقيلة، مُرْتَدِيًا مِئْزَرَه الجلدي القديم. كانت أنفاسه هادئة، وعيناه مُثَبَّتَتَيْنِ خلف عدسته المُكَبِّرَة على تحفةٍ نادرة.
مخطوطة.
لم تكن أي مخطوطة. كانت مخطوطةَ شِعْر من بدايات القرن التاسع عشر، جلدها كان من النوع الأحمر الداكن المُزَخْرَف بخيوط ذهبٍ باهتة، وأوراقها كانت ثقيلةً تشي بأنها صُنِعَتْ يدويًا.
وَصَلَتْ إليه المخطوطة في حالةٍ يُرْثَى لها. كان كعب الكتاب مُهَشَّمًا، وبعض الأوراق أصابها الترميم الغبي – ذلك الذي يستخدم فيه الجَهَلَة الشريط اللاصق الحديث فيقتلون الورق القديم.
كانت مُهِمَّة "حاتم" هي إنقاذُهَا.
"صبرٌ صبر..." همس "حاتم" لنفسه، وكأنه يخاطب المخطوطة نفسها.
بدأ بأدواته الدقيقة التي تُشْبِه أدوات الجَرَّاح. كان يفصل الغلاف الجلدي الخارجي عن البطانة الورقية الداخلية بحذرٍ بالغ. كانت مواد التجليد القديمة قد جَفَّتْ وأصبحت كالصخر.
كان يعمل بِمشرط دقيق يزيل به طبقات الغِراء المُتَحَجِّر مِلِّيمِتْرًا وراء مِلِّيمِتْر.
وفجأةً...
تَوَقَّفَ "حاتم".
شعر بشيءٍ مختلف.
تحت لِسان الغلاف الجلدي، في المكان الذي يلتقي فيه الجلد بالورق المُقَوَّى القديم، كان هناك نُتُوء بسيط.
لم يكن نُتُوءًا عاديًا سببه الغِراء المُتَكَتِّل. لا. كان مُنْتَظَمًا. كأنه قطعةٌ هندسيةٌ.
أَبْعَدَ "حاتم" العدسة المُكَبِّرَة ومسح عرقه. قلبه بدأ يدق بشكلٍ أسرع قليلًا.
عاد إلى العدسة. برأس المشرط، بدأ يكشط برفقٍ بالغٍ حول ذلك النُتُوء.
كان مُجَلِّد الكتاب الاصلي، مُنْذُ مئتي عام، ذكيًا.
لقد قام بتَجْوِيف الورق المُقَوَّى بدقة، ثم وَضَعَ شيئًا، وأغلق عليه بالجلد والغِراء.
كانت خَبِيئَة.
"حاتم" شعر برعشةٍ خفيفةٍ في أصابعه. هو يعرف هذه الأشياء. قرأ عنها. خبايا المُجَلِّدِين القُدَامَى.
بعد عشر دقائق أخرى من عملٍ جراحيٍّ دقيق، استطاع "حاتم" أن يُحَرِّر حافة شيءٍ رقيقٍ جدًا.
لم يكن ورقًا. كان رَقًّا.
أمسكه بِمِلْقَاطٍ دقيق، وبدأ يسحبه ببطءٍ شديد.
خَرَجَتْ قطعةٌ مَطْوِيَّةٌ عدة مرات، لونها أصفر قاتم، وجافة كالعظم.
وَضَعَ "حاتم" المخطوطة الأصلية جانبًا بكل احترام.
أمسك بالرَّقِّ المَطْوِيّ. كان يخشى أن يتنفس فيتفتت بين أصابعه.
استخدم مِبْخَرَ الماء النقي ليعطيه رطوبةً خفيفةً جدًا تُعِيد إليه ليونته.
ثم... فَرَده.
لم تكن رسالة.
ولم تكن كلمات.
كانت رسومات.
كانت خريطة.
أو بالأحرى... جزءٌ من خريطة.
رُسِمَتْ بحبرٍ بُنِّيّ، وتُظْهِرُ مجموعةً من الأزقة والأقواس القديمة.
"حاتم" رفع حاجبه. هذه الأماكن مألوفة. هي قريبةٌ جدًا منه. هُنا في القاهرة القديمة.
لكنَّ الغريب كان في العلامات. كان الراسم قد وَضَعَ رموزًا غريبةً على أبوابٍ مُعَيَّنَة. رمز أفعى تلتهم ذيلها، ورمز عينٍ داخل مثلث، وعلامة "إكس" كبيرة على ما يبدو أنه بئرٌ أو سِرْدَابٌ تحت مئذنة.
وفي زاوية الخريطة، كان هناك توقيعٌ وتاريخ:
"أحمدُ ابْنُ سِرَاج. ١٨٢٢."
"ابْنُ سِرَاج؟!..." تَمْتَمَ "حاتم".
هو يعرف هذا الاسم. أحمدُ ابْنُ سِرَاج كان شاعرًا وفَلَكِيًّا غامضًا في ذلك الوقت، اُشْتُهِرَ بأنه كان يُخَبِّئُ أشياءه ويتكلم بالألغاز.
أمسك "حاتم" بالرَّقِّ، ووقف لينظر من خلال شعاع الشمس الغارب.
ما هذا؟ خريطة كنزٍ؟
ضحك "حاتم" من سخرية الفكرة.
لكنَّ ضحكته تَجَمَّدَتْ.
في نهاية الممر الضيق الذي وَضَّحَتْهُ الخريطة، كانت هناك كلمةٌ واحدةٌ مكتوبةٌ بخطٍ أوضح:
"الْخَبِيئَةُ."
قبل أن يتمكن "حاتم" من فَهْم معنى الكلمة، قَطَعَ الصمتَ صوتٌ حاد.
صوت الجرس المُعَلَّق على باب معمله الخارجي.
لم يكن "حاتم" ينتظر أحدًا. مواعيد عمله الرسمية قد انتهت مُنْذُ ساعة.
والأهم... أنَّ صاحب المخطوطة الاصلية كان رجلًا ثريًا لا يمكن أن يأتي بنفسه إلى هذا الزقاق.
أَطْفَأَ "حاتم" مصباح الطاولة بسرعة، وغَطَّى الرَّقَّ بكف يده.
ظِلٌّ طويلٌ وعريضٌ غَطَّى الباب الزجاجي المُعَشَّق.
وقبل أن يقف "حاتم"، انْدَفَعَ الباب ليُفْتَح.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ]
روايات الحارة