"باحثة شابة؟" كَرَّرَ "حاتم" الجملة وهو يشعر بالقلق. "يا شيخ زيدان، نحن مُطَارَدُون. كل مَنْ نتصل به الآن... سيصبح هدفًا مثلنا."
"أعلم." قال "زيدان" وهو ينظر من المشربية إلى الرجل الواقف في الزقاق بالأسفل. "لكنك قلتها بنفسك... 'نحن'. لم يَعُدْ هذا سِرَّكَ وحدك، ولم يَعُدْ سِرِّي وحدي. لقد أصبح سِرَّ مَنْ نَأْتَمِنُه."
"ومَنْ هي؟"
"تُدْعَى سلمى." قال "زيدان" وهو يعود ليجلس بين كُتُبِه. "سلمى العبادي. كانت تلميذتي في الجامعة، قبل أن أترك التدريس وأكتفي بهذه المكتبة. هي ليست مُجَرَّد باحثة... هي 'نَمِرَةٌ' في هيئة فتاة."
ابتسم الشيخ. "عنيدة، ذكية، ولا تخاف. والأهم... أن رسالتها للدكتوراه كانت عن 'عِلْمِ الفلك الأثري'. هي الوحيدة في مصر التي تفهم كيف كان القدماء يربطون المباني بالنجوم."
"حاتم" شعر ببعض الأمل. "إنها مُنَاسِبَةٌ تمامًا. لكن... كيف نصل إليها؟ الهاتف مُسْتَبْعَد. بيتك مُرَاقَب."
"هم يُرَاقِبُونَ الباب الأمامي." قال "زيدان" وهو يغمز. "لكنهم نسوا أن بيوت القاهرة القديمة لا تملك بابًا واحدًا."
وقف "الشيخ زيدان" واتجه نحو ركنٍ مُظْلِمٍ في المكتبة. أزاح سِتَارَةً قديمةً كَشَفَتْ عن بابٍ خشبيٍّ صغيرٍ ضاقَتْ مَفَصِّلَاتُه من قلة الاستخدام.
"هذا الباب يؤدي إلى 'مَنَاوِرِ' (منافذ تهوية) البيوت المُتَلاصِقَة." قال "زيدان". "ومنها... إلى الأسطح. شبكة كاملة من الطرق فوق رؤوسهم."
"هل سنخرج من هُنا؟"
"لا. لَسْنَا نحن." ابتسم "زيدان". "نحن نُرْسِلُ 'حَمَامَنَا الزَّاجِل'."
اتجه "زيدان" نحو نافذة المطبخ الصغيرة، ودَقَّ عليها ثلاث دَقَّاتٍ مُتَتَابِعَة.
بعد دقيقة، ظهر وَجْهٌ صغيرٌ من الناحية الأخرى. كان "عَمْرو"، فتىً يافعٌ في الثانية عشرة من عمره، معروفٌ في الزقاق بخفته وسرعته.
"تحت أمرك يا مولانا الشيخ." قال "عَمْرو" وهو يَقْفِزُ للداخل.
"أحتاج منك خدمةً جليلةً يا عَمْرو. خدمةٌ لا يَصْلُحُ لها إلا أنت."
لمعت عينا الفتى.
أخرج "الشيخ زيدان" ورقةً صغيرةً من دفتره، ولم يكتب عليها الكثير. لم يكتب "تعالي لإنقاذنا" أو "نحن في خطر".
لقد كَتَبَ سطرًا واحدًا فقط:
"يا سلمى، 'ابْنُ سِرَاج' يَسْأَلُ عن مَسَارِ التِّنِّين. هل نَسِيتِ وَعْدَكِ؟ - ز."
"ما هذا؟" سأل "حاتم".
"وَعْدٌ قديم." قال "زيدان". "عندما كانت تُحَضِّرُ رسالتها، وَجَدَتْ هي وأنا إشارةً صغيرةً لاسْمِ 'ابْنُ سِرَاج' في إحدى المخطوطات، لكننا لم نجد شيئًا وقتها. أَقْسَمَتْ يومها أنها ستكون أول مَنْ يَحُلُّ لُغْزَه لو ظهر. هذه الرسالة ستفهمها هي فقط."
أعطى "زيدان" الورقةَ المَطْوِيَّةَ لـ "عَمْرو".
"يا عَمْرو. هذه الورقة يجب أن تصل إلى 'الدكتورة سلمى العبادي' في كلية الآثار. باليد. ولا يجب أن يراك أحدٌ وأنت تخرج من هذا البيت."
"من الأسطح يا مولانا؟"
"من الأسطح. ولا تَعُدْ من الباب، عُدْ من هُنا أيضًا. هل فهمت؟"
"عِيْنَيَّا يا مولانا." قال الفتى، ووَضَعَ الورقة في جيبه، واختفى من نفس النافذة كالظِلِّ.
جلس "حاتم" و "الشيخ زيدان" في صمت.
مرت ساعة. بدت كأنها دهر.
"حاتم" كان يفرك يديه بتوتر. "هل تعتقد أنه نجح؟"
"عَمْرو يعرف كل سَطْحٍ في هذا الحي. سَيَصِل."
مرت ساعة أخرى.
"حاتم" بدأ يفقد الأمل. "رُبَّمَا قُبِضَ عليه..."
"لا تكن مُتَشَائِمًا." قال "زيدان".
وفجأة، سَمِعَا صوت خربشةٍ خفيفةٍ على نفس نافذة المطبخ.
قَفَزَ "عَمْرو" للداخل، لكنه كان يَلْهَث، وَوَجْهُهُ شَاحِب.
"ماذا بك يا وَلَد؟" قَفَزَ "زيدان" واقفًا.
"الرسالة... وَصَلَتْ يا مولانا." قال "عَمْرو" وهو يشرب الماء. "أعطيتها للحارس على باب مكتبها، وهو أعطاها لها باليد."
"إذًا ماذا بك؟" سأل "حاتم".
"لقد رأيتُهَا. الدكتورة سلمى. كانت تقف في الشرفة عندما سَلَّمَهَا الحارس الورقة."
"جيد."
"لا يا مولانا." قال "عَمْرو" وهو يبلع ريقه. "لم تكن وحدها."
"حاتم" و "زيدان" تَبَادَلَا النظرات.
"مَنْ كان معها؟" سأل "زيدان" بصوتٍ خَافِت.
"لا أعرفه يا مولانا." قال "عَمْرو". "لكنه... كان رجلًا ضخمًا... أصلعًا... وعلى خده علامةٌ طويلةٌ كأنها جرحٌ قديم."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ السَّادِسِ]
روايات الحارة