لم يَعُدْ معمل "حاتم" مكانًا آمنًا.
بمجرد أن هدأ رَوْعُه، ساعد "الشيخ زيدان" في لملمة ما يمكن إنقاذه من الأدوات، لكن الفوضى كانت أكبر من مجرد بعثرة. كانت رسالة.
"لا يمكنك البقاء هُنا الليلة." قال "الشيخ زيدان" بحسم.
"إلى أين أذهب؟" سأل "حاتم" وهو يرفع مخطوطةً نادرةً كادت أن تُداس.
"إلى مَكْتَبَتِي."
مكتبة "الشيخ زيدان" لم تكن في معزل عن بيته، بل كانت هي بيته.
في شقةٍ قديمةٍ تطل مباشرةً على "بيت السحيمي"، كانت الجدران قد اختفت تمامًا خلف رفوفٍ خشبيةٍ تمتد من الأرض إلى السقف، مكدسة بآلاف الكتب. لم تكن كتبًا فخمةً ذات أغلفةٍ جلديةٍ كالتي يعالجها "حاتم"، بل كانت كتبًا "حية"، استُعْمِلَتْ وقُرِئَتْ لآلاف المرات.
أغلق "الشيخ زيدان" الباب خلفهما. هُنا، كانت رائحة الورق مختلفة. لم تكن رائحة "ترميم"، بل رائحة "حكمة".
"الآن يا بُنيَّ، نحن في مأمنٍ مؤقتًا." قال الشيخ وهو يشعل مصباحًا نحاسيًا قديمًا. "دعنا نرى ما تركه لنا 'ابن سراج'."
فرد "حاتم" الرَّقَّ (الخريطة) على طاولة الشيخ الخشبية.
تحت الضوء الدافئ، بدت الخريطة مختلفة.
"حاتم" كان ينظر إليها بعين المُرمِّم. "الحبر المستخدم... إنه حبر 'السِّخَام'، لكنه مَخْلُوطٌ بالصَّمْغِ العربي. هذا ما جعله ثابتًا مئتي عام."
"الشيخ زيدان" هز رأسه. "وأنا أنظر إليها بعين القارئ. انظر يا حاتم. الرموز."
"لقد قلت إنها لغز."
"بل هي لغزٌ مُتَحَرِّك." أشار "زيدان" إلى رمز "الأفعى التي تلتهم ذيلها" (الأوروبوروس). "هذا الرمز يعني 'الأبدية' أو 'الدائرة المُغْلَقَة'. قلت لك إنها نقطة بداية ونهاية. لكن على خريطة... ماذا تعني؟"
"حاتم" دَقَّقَ النظر. "إنها مرسومة بجوار... باب زويلة."
"صحيح. باب زويلة له بوابتان... بداية ونهاية. وأيضًا، هو مكان 'النهايات'. عليه عُلِّقَتْ رؤوس المماليك. إنها إشارة ذكية."
"وماذا عن رمز 'العين'؟" انتقل "حاتم" للعلامة الثانية.
"هذه أسهل." قال "زيدان". "القاهرة مليئة بـ 'الأسبلة' (جمع سَبِيل). وكان كل سَبِيل يُزَخْرَفُ برمزٍ يميزه. هناك سَبِيل 'العين'، وسَبِيل 'الرمانة'. هذه العين تُشِيرُ إلى سَبِيل ماءٍ مُحددٍ كان 'يُراقِبُ' الزقاق الذي توجد به 'الخبيئة'."
"حاتم" شعر بالحماس لأول مرة. "نحن نحتاج فقط أن نطابق هذه الرموز على خريطة القاهرة القديمة الحقيقية!"
"تَمَهَّل." قال "زيدان" وهو يرفع يده. "الأمر ليس بهذه السهولة. 'مروان باشا' ليس غبيًا. هو أيضًا يملك خرائط، ويملك باحثين."
"إذًا ما الذي يمنعه؟"
"الترتيب." قال "زيدان" ببطء. "هذه الرموز ليست أماكن فقط، بل هي 'خطوات'. إذا ذهبت للعين قبل أن تحل لغز الأفعى، لن تجد شيئًا. ابن سراج كان يؤمن بأن العِلم لا يُعْطَى إلا لمن يستحقه خطوةً بخطوة."
"حاتم" شعر بالإحباط. "إذًا نحن لم نصل لشيء."
"بل وصلنا." ابتسم "زيدان". "وصلنا إلى أننا لا نستطيع الخروج والبحث. هم يُراقبوننا."
"يُراقبوننا؟"
"حاتم" اقترب من المشربية المطلة على الزقاق. من بين فتحات الخشب، نظر إلى الشارع بالأسفل.
الزقاق كان هادئًا في هذا الوقت من الليل. لكن...
كان هناك رجلٌ يجلس على عتبة دكانٍ مُغْلَقٍ في الجهة المقابلة.
لم يكن الرجل الضخم ذا الندبة. كان رجلًا آخر، نحيلًا، يرتدي جلبابًا عاديًا كأحد أهالي المنطقة، لكنه كان يجلس في الظلام، ولا يتحرك. كان فقط... ينظر ناحية بيت "الشيخ زيدان".
شعر "حاتم" بالبرد يسري في دمه. "إنهم بالخارج."
"طبعًا." قال "زيدان" بهدوء وهو يرشف من كوب شاي. "هم يعرفون أني تدخلت. ويعرفون أنك معي. هم ينتظرون أن نتحرك."
"إذًا نحن سجناء هُنا؟!"
"نحن لسنا سجناء. نحن في مرحلة 'التفكير'." قال "زيدان". "هم يملكون الشوارع، لكننا نملك هذا."
أشار إلى آلاف الكتب حولهما.
"ابن سراج كان شاعرًا، وفَلَكِيًّا." قال "زيدان" وكأنه يفكر بصوتٍ عالٍ. "إذًا هو يربط الأرض بالسماء. و هذه الرموز ... ليست مجرد أماكن."
أمسك "زيدان" بالخريطة مرة أخرى.
"انظر يا حاتم. الأفعى... العين... والبئر الذي تحت المئذنة. ثلاثة رموز."
"وماذا في ذلك؟"
"كل شيء عند القدماء كان 'ثلاثيًا'. ابحث لي يا حاتم... ابحث في كتبك عن 'أحمد ابن سراج'. لا تبحث عن أشعاره. ابحث عن هَوَسِه. عن الشيء الذي كَرَّسَ له حياته."
"حاتم" لم يفهم تمامًا. "وما هو؟"
"لا أعلم." قال "زيدان" وهو يغلق عينيه. "لكني أظن أنه شيءٌ له علاقة... بـ 'النجم' الذي يظهر مرةً واحدةً كل مئة عام."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الرَّابِعِ]
روايات الحارة