لَمْ يُسْمَحْ لَهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى مَكْتَبَةِ "الشيخ زيدان".
تَحْتَ حِرَاسَةِ الرَّجُلِ ذِي النَّدْبَة، اُنْتُزِعَ الثَّلَاثَةُ مِنْ قَصْرِ "مروان" وَوُضِعُوا فِي سَيَّارَةٍ "جِيب" سَوْدَاءَ مُظَلَّلَة، تَخْتَلِفُ عَنِ الْمِرْسِيدِسِ الْفَاخِرَة. كَانَتْ سَيَّارَةَ "مَهَامَّ".
جَلَسَ "حاتم" وَ "سلمى" وَ "الشيخ زيدان" فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ. الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ جَلَسَ فِي الْأَمَامِ بِجِوَارِ السَّائِق.
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ أَثْنَاءَ تَحَرُّكِ السَّيَّارَةِ فِي شَوَارِعِ الْقَاهِرَةِ الْفَجْرِيَّة.
كَانَ "حاتم" يَنْظُرُ مِنْ خِلَالِ الزُّجَاجِ الْمُعَتَّمِ قَدْرَ الْإِمْكَان، يُحَاوِلُ أَنْ يُمَيِّزَ الطَّرِيقَ. لَكِنَّ السَّائِقَ كَانَ يَتَعَمَّدُ سُلُوكَ طُرُقٍ جَانِبِيَّةٍ مُلْتَوِيَة.
كَانَتْ "سلمى" تَفْرُكُ يَدَيْهَا بِتَوَتُّرٍ وَاضِح، وَعَيْنَاهَا مُغْلَقَتَان. كَانَتْ تُتَمْتِمُ بِأَدْعِيَةٍ خَافِتَةٍ لِأَجْلِ وَالِدِهَا.
أَمَّا "الشيخ زيدان"، فَكَانَ هَادِئًا. هَادِئًا بِشَكْلٍ مُخِيف.
مَالَ بِرَأْسِهِ قَلِيلًا نَحْوَ "حاتم" وَهَمَسَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ جِدًّا، بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ السَّائِق:
"لَا تَخَفْ يَا بُنَيَّ. هُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَقُودُنَا، لَكِنَّهُ فِي الْوَاقِعِ يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ رَسَمَهُ 'ابْنُ سِرَاج' مُنْذُ مِئَتَيْ عَام."
"مَاذَا تَعْنِي؟" هَمَسَ "حاتم" بِالْمِثْل.
"أَعْنِي أَنَّ 'الْخَبِيئَةَ' لَيْسَتْ كَنْزًا سَاذَجًا." قَالَ "زيدان". "إِنَّهَا مَصْيَدَةٌ."
"مَصْيَدَة؟"
"مَصْيَدَةٌ لِأَمْثَالِ 'مروان'. ابْنُ سِرَاج لَمْ يُخَبِّئْ عِلْمَهُ لِيَحْمِيَهُ فَقَطْ، بَلْ لِيَصْطَادَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ الْخَاطِئَةِ. كُنْ مُسْتَعِدًّا لِأَيِّ شَيْء."
قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ "حاتم"، تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَة.
نَظَرَ "حاتم" حَوْلَهُ. لَمْ يَكُونُوا فِي مَيْدَانٍ عَامٍّ. كَانُوا فِي زُقَاقٍ مُظْلِمٍ وَرَطِب، يَقَعُ خَلْفَ "خَانِ الْخَلِيلِيِّ"، حَيْثُ لَا يَذْهَبُ السِّيَّاح.
نَزَلَ الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ وَفَتَحَ لَهُمُ الْبَاب. "اِنْزِلُوا."
وَقَفَ الثَّلَاثَةُ أَمَامَ جِدَارٍ ضَخْمٍ مِنَ الْحَجَرِ الْقَدِيم. لَا بَابَ وَلَا نَافِذَة. مُجَرَّدُ جِدَارٍ أَصَمَّ.
كَانَ "مروان باشا" يَنْتَظِرُهُمْ هُنَاكَ بِالْفِعْل، وَمَعَهُ رَجُلَانِ آخَرَانِ يَحْمِلَانِ حَقَائِبَ مُعَدَّاتٍ ثَقِيلَة.
"أَهْلًا بِكُمْ فِي 'سِرْدَابِ الْخَيَال'." قَالَ "مروان" وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الْجِدَارِ الْأَصَمِّ.
"أَنْتَ تَمْزَح." قَالَ "حاتم". "هَذَا جِدَارٌ."
"هَذَا مَا يَرَاهُ الْجَمِيعُ." ابتسم "مروان". "لَكِنَّ 'ابْنَ سِرَاج' كَانَ خَبِيرًا فِي الْخِدَعِ الْبَصَرِيَّةِ."
تَقَدَّمَ "مروان" مِنَ الْجِدَارِ وَضَغَطَ عَلَى حَجَرٍ مُعَيَّنٍ لَا يُمَيِّزُهُ شَيْء.
لَمْ يُفْتَحِ الْجِدَارُ. لَكِنْ...
بَدَأَ "مروان" يَدْفَعُ الْجِدَارَ بِالْكَامِلِ.
اِكْتَشَفَ "حاتم" أَنَّ الْجِدَارَ لَمْ يَكُنْ سِوَى "بَابٍ" حَجَرِيٍّ عِمْلَاقٍ يَدُورُ عَلَى مِحْوَرٍ مَخْفِيٍّ.
انْكَشَفَ خَلْفَهُ ظَلَامٌ دَامِسٌ، وَانْبَعَثَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ تُرَابٍ وَرُطُوبَةٍ لَمْ يَمَسَّهَا الْهَوَاءُ مُنْذُ قُرُون.
"يَا إِلَهِي..." هَمَسَتْ "سلمى" وَهِيَ تَتَرَاجَعُ خُطْوَةً لِلْخَلْف.
"لَا وَقْتَ لِلْخَوْفِ الْآنَ." قَالَ "مروان" بِحِدَّة.
أَعْطَى رِجَالُهُ كَشَّافَاتٍ قَوِيَّةً لِلْجَمِيع.
"أَنْتُمْ الثَّلَاثَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ." أَمَرَ "مروان". "الدكتورة سلمى، أَنْتِ الْبُوصْلَةُ الْفَلَكِيَّةُ. الشَّيْخُ زَيْدَانُ، أَنْتَ الْخَبِيرُ التَّارِيخِيُّ. وَأَنْتَ يَا حَاتِم... أَنْتَ خَبِيرُ الْأَفْخَاخِ."
"أَفْخَاخ؟"
"بِالطَّبْعِ. ابْنُ سِرَاج لَمْ يَبْنِ هَذَا لِيَجْعَلَهُ سَهْلًا." قَالَ "مروان". "أَنْتَ مُرَمِّمٌ، وَتَعْرِفُ الْبِنَاءَ الْقَدِيمَ. أَيُّ حَجَرٍ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، أَوْ أَيُّ آلِيَّةٍ ميكانيكية قَدِيمَةٍ، أَنْتَ مَنْ سَيَكْتَشِفُهَا."
"وَإِذَا رَفَضْتُ؟"
نَظَرَ "مروان" إِلَى الرَّجُلِ ذِي النَّدْبَةِ الَّذِي كَانَ يُوَجِّهُ سِلَاحًا خَافِتًا (مَسَدَّسًا بِكَاتِمِ صَوْتٍ) نَحْوَ "الشيخ زيدان".
"أَظُنُّ أَنَّكَ لَنْ تَرْفُضَ."
اِبْتَلَعَ "حاتم" رِيقَهُ. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلْعَوْدَة.
أَمْسَكَ "حاتم" بِالْكَشَّافِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَجَّهَ ضَوْءَهُ إِلَى الظَّلَامِ الدَّامِسِ... وَخَطَا خُطْوَتَهُ الْأُولَى دَاخِلَ "سِرْدَابِ الْخَيَالِ".
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّالِثِ عَشَرَ]
روايات الحارة