الْفَصْلُ الثَّامِن: قَصْرُ الْجَامِع

الْفَصْلُ الثَّامِن: قَصْرُ الْجَامِع

11 0

"الخريطة يا حاتم." همس "الشيخ زيدان" وهو يعدل عِمَامَتَه. "لا تُعْطِهَا لأحدٍ. ضَعْهَا في أَقْرَبِ جيبٍ لِقَلْبِك. هي وَرَقَتُنَا الرَّابِحَةُ الوحيدة."

أومأ "حاتم" برأسه، وَوَضَعَ الرَّقَّ القديم في جيبه الداخلي.

فَتَحَ "الشيخ زيدان" المِزْلاج الحديدي. انفتح الباب بصوت صريرٍ خافت.

كان الزقاق هادئًا بشكلٍ مُرِيع.

الرجل ذو الندبة كان واقفًا بجوار الباب المفتوح للسيارة المرسيدس. لم يَقُلْ شيئًا. عيناه الباردتان كانتا كافيتين.

خَطَا "الشيخ زيدان" أولًا، بِثَبَاتٍ عجيبٍ لا يليق بعجوزٍ ذاهبٍ إلى المجهول.

تَبِعَهُ "حاتم"، وهو يشعر بأن كل العيون في الزقاق تُراقِبُهُم من خلف المشربيات المُغْلَقَة.

دَخَلَا السيارة الفخمة.

أُغْلِقَ الباب.

انْعَزَلَ صوتُ العالم الخارجي تمامًا. كأنهم دخلوا "تابوتًا" فاخرًا.

السيارة تَحَرَّكَتْ ببطءٍ شديدٍ لتخرج من الزقاق الضيق، ثم انطلقت.

كان الزجاج مُعَتَّمًا تمامًا. لم يستطع "حاتم" أن يرى أين هما ذاهبان.

"لا تُحَاوِلْ." قال "الشيخ زيدان" بهدوء. "هم لا يريدوننا أن نعرف الطريق. استرخِ يا بُنَيَّ. فنحن الآن ضيوفٌ، وليس لنا من الأمر شيء."

استمرت الرحلة الصامتة لِمَا يُقَارِبُ نصف ساعة.

ثم تَوَقَّفَتِ السيارة.

فُتِحَتِ الأبواب.

لم يكونوا أمام مبنى حديث. كانوا أمام "قَصْرٍ".

قصرٌ قديمٌ مُحَاطٌ بحدائق واسعةٍ مُهْمَلَةٍ قليلًا، لكن القصر نفسه كان يلمع تحت ضوء الشمس، كأنه رُمِّمَ بالأمس.

"تَفَضَّلَا." قال الرجل ذو الندبة، وهو يشير إلى المدخل.

مَشَيَا في رَدْهَةٍ طويلةٍ، أرضيتها من الرخام النادر. لكن الجدران...

"حاتم" تَوَقَّفَ لِلَحْظَة.

الجدران كانت مُغَطَّاةً بالكامل بـ "مخطوطاتٍ" مُؤَطَّرَةٍ (مُبَرْوَزَة) كأنها لوحات!

مخطوطاتٌ لا تُقَدَّرُ بثمن، مُعَلَّقَةٌ في ضوءٍ خافتٍ مُوَجَّهٍ عليها.

"يا لَلْجَرِيمَة..." همس "حاتم". "إنه يُعَذِّبُهَا! هذا الضوء سيحرق الورق!"

"هو لا يراها تاريخًا يا حاتم." قال "الشيخ زيدان". "هو يراها 'مُمْتَلَكَات'."

دَخَلَا إلى قاعةٍ واسعةٍ جدًا، تَشْبِهُ مكتبةً ضخمةً لكنها أفخم.

في مُنْتَصَفِ القاعة، خلف مكتبٍ ضخمٍ من خشب الأبنوس، كان يجلس رجلٌ.

لم يكن يشبه الرجل ذا الندبة.

كان "مروان باشا" رجلًا في الخمسينات، أنيقًا، يرتدي ثوبًا من الحرير الفاخر. كان يضع نظارة قراءةٍ دقيقة، وأمامه مخطوطةٌ أخرى يقرأ فيها بتركيز.

عندما دَخَلَا، رَفَعَ الرجل رأسه ببطء.

وابتسم.

"أهلًا وسهلًا. الشيخ زيدان... والسيد حاتم. شَرَّفْتُمَانِي."

كان صوته هادئًا، ومُثَقَّفًا، وخَطِيرًا.

"دعنا من الترحيب يا مروان." قال "الشيخ زيدان" وهو يقف في منتصف القاعة.

"كما تُرِيد." وَقَفَ "مروان" واقترب منهما. "أُقَدِّرُ شجاعتكم بالمجيء. هذا يُوَفِّرُ علينا الكثير من العنف غير الضروري."

"أين سلمى؟" سأل "حاتم" مُبَاشَرَةً.

"آه. الدكتورة سلمى." ابتسم "مروان". "أنت قَلِقٌ عليها. هذا لَطِيف."

أشار "مروان" إلى ركنٍ في القاعة.

كانت "سلمى" تجلس هناك.

لم تكن مُقَيَّدَة. كانت تجلس أمام شاشة حاسوبٍ ضخمةٍ تَعْرِضُ خريطةً فلكيةً مُعَقَّدَة.

كانت ترتدي ملابسها العادية، لكن وَجْهَهَا كان شاحبًا، وعيناها مُحْمَرَّتَيْن.

عندما رأت "الشيخ زيدان"، وَقَفَتْ.

"مولانا الشيخ..." قالت بصوتٍ مُرْتَعِش. "أنا... أنا آسفة."

"آسفة على ماذا يا سلمى؟" سأل "زيدان" بحِدَّة. "على خيانة عِلْمِكِ؟ أم خيانة مَنْ عَلَّمَكِ؟"

"الأمر ليس كما تظن!" صرخت "سلمى".

"بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِمَّا يَظُنّ." قاطعها "مروان" بهدوء. "الدكتورة سلمى ليست خائنة. هي 'عَالِمَةٌ'. وأنا أُقَدِّرُ العُلَمَاء."

اقترب "مروان" من "سلمى" وَوَضَعَ يده على كتفها. تَجَمَّدَتْ "سلمى" في مكانها.

"لقد عَرَضَتْ عَلَيَّ الدكتورة سلمى خَدَمَاتِهَا مُنْذُ سَنَتَيْن، عندما عَلِمَتْ أَنِّي أبحث عن خبيئة 'ابْنُ سِرَاج'. هي تُرِيدُ أن تَحُلَّ اللغز، وأنا أُرِيدُ أن أَمْلِكَهُ. مَصَالِحُنَا مُشْتَرَكَة."

"أنت كاذب!" صاح "حاتم". "لقد رأينا رجالك معها!"

"بالطبع." قال "مروان". "أنا 'أَحْمِي' اسْتِثْمَارِي. الدكتورة سلمى كادت أن تَصِلَ إلى طرف الخيط، لكنها كانت تحتاج إلى 'الخريطة' نفسها."

التفت "مروان" إلى "حاتم"، واختفت الابتسامة من وَجْهِه.

"الخريطة التي وَجَدْتَهَا أنت. والتي هِيَ مِلْكِي."

"أنت مخطئ." قال "حاتم" بشجاعةٍ مُفَاجِئَة. "هي مِلْكٌ للتاريخ."

"التاريخ يَمْلِكُهُ مَنْ يَكْتُبُه، يا سيد حاتم." قال "مروان". "وأنا على وَشْكِ أن أكتب فصلًا جديدًا."

"والآن." جَلَسَ "مروان" على مكتبه مرةً أخرى. "اللعبة واضحة. أنتم تملكون الرَّقَّ. وأنا أملك العقل الذي يَفُكُّ شِفْرَتَه."

أشار إلى "سلمى".

"والقوة التي تَحْمِي ذَلِكَ العقل." أشار إلى الرجل ذي الندبة الواقف عند الباب.

"ماذا تُرِيدُ مِنَّا؟" سأل "الشيخ زيدان".

"تُرِيدُونَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ هُنَا؟" سأل "مروان". "الأمر بسيط. أَعْطُونِي الخريطة."

"وإذا رَفَضْنَا؟" قال "حاتم".

"عندها..." ابتسم "مروان". "سأضطر أن آخذها بنفسي. رُبَّمَا لَنْ أَجِدَهَا سَلِيمَةً تمامًا، لكن رجالي مُبْدِعُونَ في جَعْلِ الناس يتكلمون. أليس كذلك يا دكتورة سلمى؟"

نَظَرَتْ "سلمى" إلى "الشيخ زيدان"، وعيناها تَمْلَؤُهَا الدموع.

هَمَسَتْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لم يسمعها إلا هو: "أَبِي..."

فَهِمَ "الشيخ زيدان" كُلَّ شَيْءٍ فِي لَحْظَة.

"سلمى" ليست خائنة. إنها... مُهَدَّدَة.

[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّامِنِ]

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الخبيئة

المؤلف روايات الحارة
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (33)
الفصل 1: الْفَصْلُ الْأَوَّل: الْوَرَقُ يَتَكَلَّم
2025/11/12
الفصل 2: الْفَصْلُ الثَّانِي: الرَّجُلُ ذُو الْعَيْنَيْنِ الْبَارِدَتَيْن
2025/11/12
الفصل 3: الْفَصْلُ الثَّالِث: خِزَانَةُ ابْنِ سِرَاج
2025/11/12
الفصل 4: الْفَصْلُ الرَّابِع: لُغْزُ الْأَفْعَى
2025/11/12
الفصل 5: الْفَصْلُ الْخَامِس: عُيُونٌ عَلَى النُّجُوم
2025/11/12
الفصل 6: الْفَصْلُ السَّادِس: الرِّسَالَةُ الَّتِي تَعْبُرُ الْأَسْطُح
2025/11/12
الفصل 7: الْفَصْلُ السَّابِع: الدَّعْوَة
2025/11/12
الفصل 8: الْفَصْلُ الثَّامِن: قَصْرُ الْجَامِع
2025/11/12
الفصل 9: الْفَصْلُ التَّاسِع: لُعْبَةُ السَّيِّدِ مَرْوَان
2025/11/12
الفصل 10: الْفَصْلُ الْعَاشِر: غُرْفَةُ الْأَسْرَار
2025/11/12
الفصل 11: الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَر: خَرِيطَةُ الظِّلَال
2025/11/12
الفصل 12: الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَر: سِرْدَابُ الْخَيَال
2025/11/12
الفصل 13: الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَر: بَوَّابَةُ الظَّل
2025/11/12
الفصل 14: الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَر: النَّفَسُ الْأَوَّل
2025/11/12
الفصل 15: الْفَصْلُ الْخَامِسُ عَشَر: غُرْفَةُ الانْتِظَار
2025/11/12
الفصل 16: الْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَر: لَيْلَةُ الانْتِظَار
2025/11/12
الفصل 17: الْفَصْلُ السَّابِعُ عَشَر: اصْطِفَافُ النُّحَاس
2025/11/12
الفصل 18: الْفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَر: مَصْيَدَةُ الْجِصّ
2025/11/12
الفصل 19: الْفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَر: قَلْبُ التِّنِّين
2025/11/12
الفصل 20: الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ: الْكِتَابُ الْمَعْدِنِيّ
2025/11/12
الفصل 21: الْفَصْلُ الْوَاحِدُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَبْرُ الْمُذْهَب
2025/11/12
الفصل 22: الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: مَا تَحْمِلُهُ الْأَوْرَاق
2025/11/12
الفصل 23: الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَبْنَاءُ الزُّقَاق
2025/11/12
الفصل 24: الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْعَوْدَةُ إِلَى الزُّقَاق
2025/11/12
الفصل 25: الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الطُّعْمُ يَنْتَظِر
2025/11/12
الفصل 26: الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: لُعْبَةُ الظِّلَال
2025/11/12
الفصل 27: الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَجْهًا لِوَجْه
2025/11/12
الفصل 28: الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَجْهًا لِوَجْه
2025/11/12
الفصل 29: الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَلْبُ الْمِصْيَدَة
2025/11/12
الفصل 30: الْفَصْلُ الثَّلَاثُونَ: كَسْرُ الْأَقْفَال
2025/11/12
الفصل 31: الْفَصْلُ الْوَاحِدُ وَالثَّلَاثُونَ: مَخْزَنُ الْبَارُود
2025/11/12
الفصل 32: الْفَصْلُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْبَابُ الْوَحِيد
2025/11/12
الفصل 33: الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: الْوَصِيَّة (النهاية)
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة