كَانَ "مَخْزَنُ الْبَارُودِ" مَبْنًى قَدِيمًا مُهْمَلًا مِنْ الْعَصْرِ الْعُثْمَانِيِّ. جُدْرَانُهُ سَمِيكَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى مَدْخَلٍ وَاحِدٍ عِمْلَاقٍ مِنْ الْحَدِيدِ الصَّدِئِ.
وَصَلَ "مروان باشا" وَسَيَّارَتَانِ مِنْ رِجَالِهِ. كَانَ لَا يَزَالُ يَحْتَضِنُ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ الْمُغْلَقَ.
"الْفَتَى قَالَ إِنَّهُمْ بِالدَّاخِلِ." قَالَ "مروان" لِرِجَالِهِ. "أُرِيدُهُمْ أَحْيَاءً... عَلَى الْأَقَلِّ الْعَجُوزُ (زيدان) وَالْفَتَاةُ."
"سَيِّدِي،" قَالَ أَحَدُ الْحُرَّاسِ، "الْمَكَانُ يَبْدُو هَادِئًا جِدًّا. رُبَّمَا يَكُونُ فَخًّا."
"بِالطَّبْعِ إِنَّهُ فَخٌّ." قَالَ "مروان" بِسُخْرِيَةٍ. "وَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ الْمُرَمِّمَ الْجَبَانَ سَيُوَاجِهُنِي بِنَفْسِهِ؟ سَيَكُونُ قَدْ أَعَدَّ شَيْئًا سَخِيفًا. اِقْتَحِمُوا الْمَكَانَ. أَنَا سَأَنْتَظِرُ هُنَا حَتَّى تُؤَمِّنُوهُ."
اِنْدَفَعَ أَرْبَعَةٌ مِنْ رِجَالِ "مروان" وَدَفَعُوا الْبَابَ الْحَدِيدِيَّ الثَّقِيلَ.
دَخَلُوا... وَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا.
الْمَخْزَنُ كَانَ وَاسِعًا وَمُظْلِمًا وَمَلِيئًا بِصَنَادِيقَ خَشَبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ مُغَطَّاةٍ بِالْأَتْرِبَةِ.
"سَيِّدِي!" نَادَى أَحَدُهُمْ. "لَا أَحَدَ هُنَا! الْفَتَى كَذَبَ عَلَيْنَا!"
"مروان" صَرَّ عَلَى أَسْنَانِهِ بِغَضَبٍ. كَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالِانْسِحَابِ...
لَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَ "الشيخ زيدان" مِنْ خَلْفِ أَحَدِ الصَّنَادِيقِ فِي آخِرِ الْمَخْزَنِ.
"أَمْسِكُوا بِهِ!" صَرَخَ "مروان".
اِنْدَفَعَ الرِّجَالُ الْأَرْبَعَةُ إِلَى عُمْقِ الْمَخْزَنِ الْمُظْلِمِ لِلْإِمْسَاكِ بِالْعَجُوزِ.
كَانَ "مروان" يَرْقُبُ مِنْ عِنْدِ الْبَابِ، يَحْمِي الْكِتَابَ.
وَبِمُجَرَّدِ أَنْ اِبْتَعَدَ الرِّجَالُ الْأَرْبَعَةُ عَنِ الْمَدْخَلِ...
هَبَطَ "حاتم" مِنْ الْأَعْلَى.
كَانَ مُخْتَبِئًا فَوْقَ "الْعَوَارِضِ" الْخَشَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ لِلسَّقْفِ، بِجِوَارِ الْبَابِ مُبَاشَرَةً.
هَبَطَ "حاتم" بِصَمْتٍ كَالْقِطِّ خَلْفَ "مروان" مُبَاشَرَةً.
"لَقَدْ اِرْتَكَبْتَ خَطَأَيْنِ يَا بَاشَا."
اِلْتَفَتَ "مروان" بِذُعْرٍ، لِيَجِدَ "حاتم" وَاقِفًا أَمَامَهُ، يَرْفَعُ الْمَسَدَّسَ الْحَدِيثَ (مَسَدَّسَ الْحَارِسِ) مُبَاشَرَةً نَحْوَ صَدْرِهِ.
"الْخَطَأُ الْأَوَّلُ،" قَالَ "حاتم" بِصَوْتٍ بَارِدٍ، "أَنَّكَ وَثِقْتَ فِي فَتًى مِنْ أَبْنَاءِ الزُّقَاقِ. لَقَدْ قَادَكَ إِلَى الْفَخِّ بِالضَّبْطِ."
"أَيُّهَا الْوَغْدُ..."
"وَالْخَطَأُ الثَّانِي،" قَاطَعَهُ "حاتم"، "أَنَّكَ دَخَلْتَ الْمَخْزَنَ بِنَفْسِكَ."
فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ، جَاءَ صَوْتُ "سلمى" مِنْ الْأَعْلَى (كَانَتْ هِيَ الْأُخْرَى عَلَى الْعَوَارِضِ الْخَشَبِيَّةِ):
"الْآنَ يَا عَمْرو!"
"عَمْرو" الَّذِي كَانَ يَخْتَبِئُ خَارِجَ الْمَخْزَنِ، دَفَعَ الْبَابَ الْحَدِيدِيَّ الْعِمْلَاقَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ.
"كْلَااانْك!"
أُغْلِقَ الْبَابُ الْحَدِيدِيُّ وَأَحْدَثَ صَوْتًا كَالرَّعْدِ.
اِلْتَفَتَ رِجَالُ "مروان" الْأَرْبَعَةُ فِي عُمْقِ الْمَخْزَنِ، لِيَجِدُوا أَنَّهُمْ مَحْبُوسُونَ بِالدَّاخِلِ...
"الشيخ زيدان" كَانَ قَدِ اِخْتَفَى. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَصْلًا. كَانَ "صُورَةً" أَلْقَاها "حاتم" لِيَجْذِبَهُمْ لِلدَّاخِلِ.
أَصْبَحَ "مروان" مَحْبُوسًا... مَعَ "حاتم".
"أَنْتَ وَأَنَا فَقَطْ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ لَا يَزَالُ مُصَوِّبًا الْمَسَدَّسَ. "أَعْطِنِي الْكِتَابَ."
ضَحِكَ "مروان". "هَلْ تَظُنُّ أَنَّنِي أَخَافُكَ؟ رِجَالِي الْأَرْبَعَةُ سَيَقْتُلُونَكَ فِي ثَانِيَةٍ."
"رُبَّمَا." قَالَ "حاتم". "لَكِنَّهُمْ سَيَحْتَاجُونَ إِلَى ضَوْءٍ لِيَرَوْنِي."
رَفَعَ "حاتم" يَدَهُ الْأُخْرَى. كَانَ يُمْسِكُ بِـ "قَاطِعِ الْكَهْرَبَاءِ" الرَّئِيسِيِّ لِلْمَخْزَنِ الْقَدِيمِ.
"وَدَاعًا لِلنُّورِ."
ضَغَطَ "حاتم" الْقَاطِعَ.
غَرِقَ الْمَخْزَنُ فِي ظَلَامٍ دَامِسٍ.
صَوْتُ صَرْخَاتِ رِجَالِ "مروان" الْمُرْتَبِكِينَ جَاءَ مِنْ بَعِيدٍ.
لَكِنَّ "حاتم" لَمْ يَكُنْ فِي الظَّلَامِ.
كَانَ يَرْتَدِي نَظَّارَةً... نَظَّارَةُ التَّرْمِيمِ الْخَاصَّةُ بِهِ، الَّتِي تَعْمَلُ بِالْأَشِعَّةِ تَحْتَ الْحَمْرَاءِ (لِرُؤْيَةِ التَّلَفِ الْخَفِيِّ).
كَانَ "حاتم" يَرَى "مروان" أَمَامَهُ كَشَبَحٍ أَخْضَرَ.
"الْكِتَابُ يَا مروان." كَرَّرَ "حاتم".
سَمِعَ "حاتم" صَوْتَ "مروان" وَهُوَ يُلْقِي الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ الثَّقِيلَ عَلَى الْأَرْضِ.
"خُذْهُ! خُذِ الْكِتَابَ الْلَعِينَ! لَكِنْ دَعْنَا نَخْرُجُ مِنْ هُنَا!" صَاحَ "مروان" بِذُعْرٍ حَقِيقِيٍّ مِنَ الظَّلَامِ.
"حاتم" كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ خُدْعَةٌ.
اِنْحَنَى "حاتم" لِيَلْتَقِطَ الْكِتَابَ...
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اِنْحَنَى فِيهَا، اِنْدَفَعَ "مروان" نَحْوَهُ كَالْوَحْشِ، وَهُوَ يَحْمِلُ سِكِّينًا صَغِيرًا كَانَ يُخْفِيهِ.
لَمْ يَكُنْ "مروان" يَعْلَمُ أَنَّ "حاتم" يَرَاهُ بِوُضُوحٍ.
تَفَادَى "حاتم" الطَّعْنَةَ بِسُهُولَةٍ... وَضَرَبَ "مروان" بِقَبْضَةِ الْمَسَدَّسِ عَلَى رَأْسِهِ بِكُلِّ قُوَّتِهِ.
سَقَطَ "مروان باشا" عَلَى الْأَرْضِ فَاقِدًا الْوَعْيَ.
"الْخَبِيئَةُ لَيْسَتْ لَكَ." هَمَسَ "حاتم" وَهُوَ يَلْتَقِطُ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِينَ]
روايات الحارة