قضى "حاتم" ليلته الأولى كسجينٍ في مكتبة "الشيخ زيدان".
لم يكن سجنًا من الحديد، بل من الخوف والمعرفة. كلما نظر من فتحات المشربية، كان يرى ظِلًّا جديدًا يحل محل الظِلِّ القديم في الزقاق بالأسفل. "مروان باشا" لم يكن يمزح. لقد طَوَّقَ البيت.
"النوم لن يفيدنا." قال "الشيخ زيدان" مع خيوط الفجر الأولى، وهو يضع أمام "حاتم" كوبًا من الشاي الثقيل. "هيا يا بُنَيَّ، العمل بدأ."
"كيف نبدأ ونحن مُحَاصَرُون؟" سأل "حاتم" بصوتٍ مُنْهَك.
"ومَنْ قال إننا نحتاج للخروج؟" ابتسم الشيخ. "الخبيئة مَخْفِيَّةٌ في القاهرة، لكن مِفْتَاحَهَا هُنا." وأشار إلى آلاف الكُتُب حولهما.
"لقد قلت إن اللغز يتعلق 'بالنجم'." قال "حاتم" وهو يستعيد تركيزه.
"نعم. ابْنُ سِرَاج كان مهووسًا بالفلك. كان يعتقد أن مَصَائِرَ الأرض تُكْتَبُ بحركة النجوم. ابحث معي. لا نبحث عن 'خريطة'، بل عن 'رَصْد'."
تحولت المكتبة الهادئة إلى خَلِيَّةِ نَحْل.
"حاتم"، بِخِبْرَتِهِ في التعامل مع الورق القديم، و "الشيخ زيدان"، بِخِبْرَتِهِ في قراءة ما بين السطور، انْغَمَسَا في الكُتُب.
كان "حاتم" يبحث عن أي شيءٍ يحمل اسم "ابْنُ سِرَاج" مرتبطًا بكلمة "نجم" أو "رصد".
وبعد ثلاث ساعاتٍ من البحث المُضْنِي بين المخطوطات المتربة، صاح "حاتم".
"شيخ زيدان... تعالَ انظر."
لم تكن مخطوطة، بل كانت "هوامش".
كان "الشيخ زيدان" يملك نسخةً قديمةً مُهْتَرِئَةً من كتاب "الأَزْيَاج" (جداول فلكية). وعلى هوامش إحدى الصفحات، كان هناك خطٌّ يُشْبِهُ تمامًا الخط الموجود على الخريطة.
كان "ابْنُ سِرَاج" نفسه يُعَلِّقُ على رَصْدٍ فَلَكِيٍّ مُعَيَّن.
"ما هذا؟" سأل "حاتم".
"هذا 'الزِّيجُ السُّلْطَانِيّ'." قال "زيدان" وعيناه تلمعان. "إنه يصف مَسَارَ... 'النَّجْمِ ذِي الذَّنَبِ' (المُذَنَّب) الذي مَرَّ فَوْقَ سماء القاهرة عام ١٨٢٠، قبل كتابة الخريطة بعامين فقط!"
"حاتم" شعر بالقشعريرة. "النجم الذي يظهر مرةً كل مئة عام..."
"أو مئتي عام." صَحَّحَ له "زيدان". "ابْنُ سِرَاج كان يرى في هذا المُذَنَّب إشارةً إلهية. لقد رَبَطَ خبيئته بِمَسَارِه."
"وكيف؟"
"انظر." أشار "زيدان" إلى الخريطة التي فَرَدَاهَا بجوار الكتاب. "الرموز الثلاثة: الأفعى، والعين، والبئر... إنها ليست مجرد أماكن."
"حاتم" دَقَّقَ النظر. "إنها... إنها تُطَابِقُ شكل 'كوكبة' (مجموعة نجوم)!"
"بالضبط!" صاح "زيدان". "لقد رَسَمَ كوكبة 'التِّنِّين' على أرض القاهرة! الأفعى (الأوروبوروس) هي رأس التنين، والعين هي نجم 'عين التنين'، والبئر هو 'ذيل' الكوكبة!"
"هذا عبقري." همس "حاتم". "إذًا 'الخبيئة' ليست عند البئر، بل هي في مكانٍ ما على هذا الخط... الخط الذي يربط بين الأماكن التي تُمَثِّلُ هذه النجوم."
"نعم. وَوَقْتُ فتحها..." أكمل "زيدان" وهو يقرأ هامش "ابْنُ سِرَاج"... "يَكُونُ فقط عندما يَمُرُّ 'الزائرُ ذُو الذَّنَبِ' فوق رأس التنين مرةً أخرى."
"لكن هذا قد يستغرق مئة عام أخرى!"
"لا." قال "زيدان". "هو يتحدث عن 'اكتمال الدورة'. مروان باشا يعرف هذا. هو لا ينتظر المُذَنَّب، هو يبحث عن 'المفتاح' الذي يفتحها في أي وقت."
ساد الصمت. لقد حَلَّا الجزء الأول من اللغز. هم الآن يعرفون "أين" يبحثون... على طول هذا الخط الوهمي المرسوم في أزقة القاهرة.
لكن...
"الشيخ زيدان." قال "حاتم" ببطء. "هذه الأماكن... باب زويلة، وسَبِيل العين، والمئذنة... إنها أماكن عامة. كيف نذهب إليها ونحن مُرَاقَبُون؟"
"سنذهب." قال "زيدان".
"كيف؟"
"بالتخفي. هم ينتظرون 'حاتم' المُرَمِّم و 'زيدان' العجوز. لكنهم لن ينتبهوا لـ 'عامل نظافة' أو 'بائع خُضَار'."
"حاتم" نظر إلى "زيدان" بِذُهُول.
"هل أنت جاد؟"
"وهل ترى وَجْهِي يمزح؟" قال "زيدان" وهو يقف. "لكن ليس الآن. نحن نحتاج لخطة. مروان يملك الرجال، ونحن نملك الأزقة. لكن... هناك شيءٌ ناقص."
"ما هو؟"
"زيدان" نظر إلى الخريطة مرةً أخرى. "نحن نعرف 'الخط'. لكننا لا نعرف 'النقطة'. الخريطة تقول إن 'البئر' تحت المئذنة هو علامة، لكن أي مئذنة؟ القاهرة بها آلاف المآذن. ابْنُ سِرَاج كان فَلَكِيًّا... إنه يتحدث عن 'زاوية ظل' أو 'وقت مُعَيَّن' في اليوم."
"حاتم" فحص الخريطة. "لا يوجد شيءٌ آخر. مجرد رموز."
"بلى يوجد." قال "زيدان" وهو يُشْعِلُ عود ثقاب ويمرره تحت الرَّقِّ بحذر.
"ماذا تفعل؟! ستحرقها!"
"لا." همس "زيدان". "ابْنُ سِرَاج استخدم حبرًا من نوعين. حبر السِّخَام الذي نراه، و... 'حبر التعاطف' (الحبر السري)."
تحت حرارة النار الخافتة، بدأت خطوطٌ باهتةٌ جدًا تظهر بين الرموز. لم تكن كلمات، بل...
"أرقام؟" قال "حاتم" بدهشة. "إحداثيات؟"
"لا." قال "زيدان" وهو يُطْفِئُ العود. "إنها 'حِسَابَات'. حسابات فلكية مُعَقَّدَة جدًا."
نظر "حاتم" إلى الأرقام. "أنا لا أفهم فيها شيئًا. هذا... هذا يحتاج متخصصًا."
"بالضبط." قال "الشيخ زيدان" وهو يُغْلِقُ الكُتُب. "لقد وَصَلْنَا إلى حَدِّنَا يا بُنَيَّ. كُتُبِي القديمة شرحت اللغز، لكنها لا تستطيع حَلَّ الأرقام."
"وما العمل؟"
"العمل أننا نحتاج عينًا جديدة." قال "زيدان". "عينًا شابة، تفهم في هذا العِلْم الحديث... وتفهم أيضًا في الحجر القديم."
"مَنْ؟"
"أعرف باحثةً شابةً في كلية الآثار. إنها تلميذتي القديمة، والأذكى في دُفْعَتِهَا. هي الوحيدة التي يمكن أن تَفُكَّ هذه الشفرة."
"وهل نَثِقُ بها؟"
"أنا أَثِقُ بها." قال "زيدان". "المشكلة هي... كيف نصل إليها؟"
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْخَامِسِ]
روايات الحارة