الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَر: النَّفَسُ الْأَوَّل

الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَر: النَّفَسُ الْأَوَّل

9 0

بمجرد أن خطى "حاتم" بقدمه داخل السرداب، ضَرَبتْهُم رائحةٌ لم يَشَمَّهَا من قبل.

لم تكن رائحة ترابٍ ورطوبةٍ فقط، بل كانت رائحةَ... شيءٍ حلوٍ ولاذعٍ في نفس الوقت. كأنها رائحةُ توابلَ قديمةٍ تَعَفَّنَتْ مع الزمن.

"الهواء ثقيل." قال "حاتم" وهو يغطي فمه بكم قميصه.

"لا تتنفس بعمق." حَذَّرَهُ "الشيخ زيدان" من خلفه. "بعض الأماكن المُغْلَقَةِ مُنْذُ قرونٍ تحمل أبخرةً سامة."

"تحركوا!" جاء صوت "مروان" الجاف من الخلف، يدفعه ضوء كشافه القوي.

كان "حاتم" في المقدمة. ضوء كشافه كان يرتعش قليلًا وهو يمسح الجدران.

لم يكن سردابًا ضيقًا كما تَخَيَّل. كان ممرًا واسعًا، منحوتًا في الصخر تحت أساسات القاهرة. الجدران كانت رطبةً وتلمع، والأرضية كانت مُغَطَّاةً بطبقةٍ خفيفةٍ من الغبار الذي لم تلمسه قدمٌ مُنْذُ مئة عام.

"حاتم... انتبه." هَمَسَتْ "سلمى" التي كانت تسير خلفه مباشرةً.

"ماذا؟"

"الأرضية."

سَلَّطَ "حاتم" ضوءه على الأرض.

كانت الأرضية مُقَسَّمَةً إلى بلاطاتٍ حجريةٍ كبيرة. لكن... كانت هناك بلاطةٌ واحدةٌ كل بضعة أمتار... "مُنْخَفِضَةٌ" قليلًا عن الباقي.

"حاتم" توقف. أشار للآخرين بالصمت.

انحنى بحذر، ولم يلمسها. أخرج من جيبه "أداة ترميمٍ" معدنيةً رفيعةً (كان قد خبأها) ونَقَرَ بها البلاطة المُنْخَفِضَة.

الصوت كان "أجوفًا".

"فخ." هَمَسَ "حاتم". "آلية ضغط. لو داس عليها أحد..."

"لا تلمسوها." قال "حاتم" بصوتٍ عالٍ. "امشوا خلفي تمامًا. ضعوا أقدامكم حيث أضع قدمي."

الرجل ذو الندبة الذي كان يسير خلف "الشيخ زيدان" تنهد بمللٍ وأطلق "تأمين" مسدسه. كان الصوت مُدَوِّيًا في الممر الضيق.

"أي حركةٍ غبيةٍ يا مُرَمِّم،" قال الرجل الضخم، "وستكون آخر حركةٍ لك."

تجاهله "حاتم" واستمر في التقدم.

كان الممر كأنه لا نهائي. يتفادى بلاطةً، ثم يجد أخرى. كان "ابْنُ سِرَاج" قد صَمَّمَ الممر لِيُجْبِرَ الدخيل على السير في "مسارٍ مُتَعَرِّجٍ" مُحَدَّدٍ، كأنه ثعبان.

"إنه يُطَبِّقُ خريطة 'التنين'!" قالت "سلمى" فجأة. "المسار الذي نمشي فيه... إنه يُطَابِقُ التَّعَرُّجَاتِ على الخريطة!"

"إذًا نحن في الطريق الصحيح." قال "الشيخ زيدان".

بعد ما بَدَا كأنه دهر، وصلوا إلى نهاية الممر.

لم تكن نهايةً، بل كانت قاعةً دائريةً واسعة.

وفي منتصف القاعة... كان هناك شيءٌ غريب.

لم تكن "الخبيئة".

كانت "بوابةٌ" حجريةٌ ضخمة، مُغْلَقَةٌ تمامًا.

لكن لم يكن عليها قفلٌ أو مفتاح.

كان مَنْقُوشًا عليها "لُغْزٌ".

"مروان باشا" اقترب، وسَلَّطَ كشافه القوي على النقش.

كان النقش عبارةً عن دائرةٍ مُقَسَّمَةٍ إلى اثني عشر قسمًا، كأنها ساعة، وكل قسمٍ يحمل رمزًا فلكيًا (رموز الأبراج). وفي المنتصف، كانت هناك جملةٌ واحدةٌ محفورةٌ باللغة العربية القديمة:

"أَنَا ابْنُ الشَّمْسِ، وَأَخُو الْقَمَرِ، وَأَتَنَفَّسُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ عِنْدَمَا يَمُوتُ الْيَوْمُ وَتُولَدُ اللَّيْلَةُ."

"ما هذا الهراء؟" قال "مروان" بغضب.

"إنه ليس هراءً." قال "الشيخ زيدان" وهو يتقدم ليقرأ النقش. "إنه لغز 'الوقت'."

"حاتم" و "سلمى" كانا يفحصان البوابة.

"لا يوجد مِفْصَلَات." قال "حاتم". "هذه البوابة لا تُفْتَحُ... إنها 'تنزلق' للأسفل."

"سلمى" كانت تفحص الرموز الفلكية. "إنها ليست مجرد رموز... إنها أزرار! يمكن الضغط عليها."

"إذًا." قال "مروان". "أمامنا لغزٌ وساعةٌ من الأزرار. ما هو الحل؟"

"حاتم" نظر إلى "زيدان".

"زيدان" كان يُعيد قراءة اللغز بصوتٍ خافت: "...أَتَنَفَّسُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ... عِنْدَمَا يَمُوتُ الْيَوْمُ وَتُولَدُ اللَّيْلَةُ."

"إنه 'الغروب'!" قالت "سلمى" فجأة. "اللحظة التي تقع بين اليوم والليل! لحظة المغرب!"

"جيد." قال "مروان". "إذًا نضغط على رمز 'المغرب'؟ أي واحدٍ هو؟"

"ليست بهذه السهولة." قال "زيدان". "هو يقول 'أنا ابْنُ الشَّمْسِ وَأَخُو الْقَمَرِ'. إنه يتحدث عن كوكبٍ مُحَدَّدٍ... ليس عن الوقت."

"حاتم" تَدَخَّل: "كوكب... يظهر فقط عند الغروب؟"

"عُطَارِد!" قالت "سلمى" و "زيدان" في نفس واحد.

"كوكب عُطَارِد." أكمل "زيدان". "أقرب الكواكب للشمس. لا يظهر إلا لِلَحَظَاتٍ بسيطةٍ جدًا بعد غروب الشمس، أو قبل شروقها."

"ابْنُ سِرَاج كان فَلَكِيًّا!" قال "حاتم". "إنه يطلب منا أن نضغط على الرمز الذي يُمَثِّلُ 'عُطَارِد'."

"وأي واحدٍ هو؟" سأل "مروان" بنفاد صبر.

"سلمى" فحصت الرموز الاثني عشر. "إنها رموزٌ قديمة... ليست الرموز الحديثة. لكن... نعم... هذا هو."

أشارت إلى رمزٍ غريبٍ يجمع بين "دائرةٍ" و "صليبٍ" و "هِلال".

"اضغطيه." أَمَرَ "مروان".

"لا!" صرخ "حاتم". "انتظر!"

تَوَقَّفَتْ يد "سلمى" في الهواء.

"ماذا أيضًا؟"

"حاتم" كان يُسَلِّطُ كشافه على "آلية" الباب الحجرية. "إنها آليةٌ تَعْتَمِدُ على الثِّقَلِ. إذا ضغطنا الزر الخطأ... رُبَّمَا يُطْلِقُ الفخ الأكبر. رُبَّمَا ينهار السقف!"

"وهل لديك حلٌّ أفضل؟" سأل "مروان" ببرود.

"حاتم" لم يَرُدّ. بل وَجَّهَ كشافه نحو "الشيخ زيدان".

"يا شيخ." قال "حاتم". "اللغز يقول 'أَتَنَفَّسُ مَرَّةً وَاحِدَةً'. رُبَّمَا لا يقصد 'الضغط' على الزر."

"زيدان" فَهِمَ تلميح "حاتم". "بل يقصد... 'النَّفَسَ'."

اقترب "الشيخ زيدان" من البوابة. وَقَفَ أمام رمز "عُطَارِد" الذي حَدَّدَتْهُ "سلمى".

"حاتم"، قال "زيدان"، "افحص هذا الرمز."

اقترب "حاتم" وأَطْفَأَ كشافه. وَأَشْعَلَ "ولاعةً" (قَدَّاحَةً) كان قد خبأها في جيبه.

قَرَّبَ اللهب الصغير من الرمز.

لم يتحرك اللهب.

"ماذا تفعل بحق الجحيم؟" قال "مروان".

"أبحث عن 'النَّفَس'." قال "حاتم".

ثم وَجَدَه.

بِجِوَارِ الرمز، كانت هناك "فُتْحَةٌ" دقيقةٌ جدًا، لا تكاد تُرَى بالعين.

"ابْنُ سِرَاج... أيها العبقري." هَمَسَ "حاتم".

"إنه لا يريد 'ضغطة'." قال "حاتم" للآخرين. "إنه يريد 'نَفْخَةً' هواءٍ قويةً في هذه الفتحة. 'أَتَنَفَّسُ مَرَّةً وَاحِدَةً'."

"إنه فخٌّ هوائيٌّ!" قالت "سلمى" بدهشة.

"مروان" نظر إلى "حاتم" بإعجابٍ مُخْتَلَطٍ بالشك. "افعلها."

"الشيخ زيدان" تَقَدَّم. "دَعْنِي أنا. رِئَتِي عَجُوزٌ، لكنها تَعْرِفُ كَيْفَ تَهُبُّ الْعَوَاصِفُ."

أَخَذَ "الشيخ زيدان" نَفَسًا عَمِيقًا... وَنَفَخَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ فِي الْفُتْحَةِ الدَّقِيقَةِ.

لِثَانِيَةٍ، لَمْ يَحْدُثْ شَيْء.

ثُمَّ...

سُمِعَ صَوْتُ "طَقَّةٍ" مَعْدِنِيَّةٍ عَمِيقَةٍ جِدًّا.

وَبِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَسَطَ صَرِيرِ حِجَارَةٍ تَحْتَكُّ بِبَعْضِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ مِئَتَيْ عَام...

بَدَأَتِ الْبَوَّابَةُ الْحَجَرِيَّةُ الْعِمْلَاقَةُ تَنْزَلِقُ إِلَى الْأَسْفَلِ... كَاشِفَةً عَنْ ظَلَامٍ أَكْثَرَ عُمْقًا.

[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الرَّابِعِ عَشَرَ]

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الخبيئة

المؤلف روايات الحارة
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (33)
الفصل 1: الْفَصْلُ الْأَوَّل: الْوَرَقُ يَتَكَلَّم
2025/11/12
الفصل 2: الْفَصْلُ الثَّانِي: الرَّجُلُ ذُو الْعَيْنَيْنِ الْبَارِدَتَيْن
2025/11/12
الفصل 3: الْفَصْلُ الثَّالِث: خِزَانَةُ ابْنِ سِرَاج
2025/11/12
الفصل 4: الْفَصْلُ الرَّابِع: لُغْزُ الْأَفْعَى
2025/11/12
الفصل 5: الْفَصْلُ الْخَامِس: عُيُونٌ عَلَى النُّجُوم
2025/11/12
الفصل 6: الْفَصْلُ السَّادِس: الرِّسَالَةُ الَّتِي تَعْبُرُ الْأَسْطُح
2025/11/12
الفصل 7: الْفَصْلُ السَّابِع: الدَّعْوَة
2025/11/12
الفصل 8: الْفَصْلُ الثَّامِن: قَصْرُ الْجَامِع
2025/11/12
الفصل 9: الْفَصْلُ التَّاسِع: لُعْبَةُ السَّيِّدِ مَرْوَان
2025/11/12
الفصل 10: الْفَصْلُ الْعَاشِر: غُرْفَةُ الْأَسْرَار
2025/11/12
الفصل 11: الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَر: خَرِيطَةُ الظِّلَال
2025/11/12
الفصل 12: الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَر: سِرْدَابُ الْخَيَال
2025/11/12
الفصل 13: الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَر: بَوَّابَةُ الظَّل
2025/11/12
الفصل 14: الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَر: النَّفَسُ الْأَوَّل
2025/11/12
الفصل 15: الْفَصْلُ الْخَامِسُ عَشَر: غُرْفَةُ الانْتِظَار
2025/11/12
الفصل 16: الْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَر: لَيْلَةُ الانْتِظَار
2025/11/12
الفصل 17: الْفَصْلُ السَّابِعُ عَشَر: اصْطِفَافُ النُّحَاس
2025/11/12
الفصل 18: الْفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَر: مَصْيَدَةُ الْجِصّ
2025/11/12
الفصل 19: الْفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَر: قَلْبُ التِّنِّين
2025/11/12
الفصل 20: الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ: الْكِتَابُ الْمَعْدِنِيّ
2025/11/12
الفصل 21: الْفَصْلُ الْوَاحِدُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَبْرُ الْمُذْهَب
2025/11/12
الفصل 22: الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: مَا تَحْمِلُهُ الْأَوْرَاق
2025/11/12
الفصل 23: الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَبْنَاءُ الزُّقَاق
2025/11/12
الفصل 24: الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْعَوْدَةُ إِلَى الزُّقَاق
2025/11/12
الفصل 25: الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الطُّعْمُ يَنْتَظِر
2025/11/12
الفصل 26: الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: لُعْبَةُ الظِّلَال
2025/11/12
الفصل 27: الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَجْهًا لِوَجْه
2025/11/12
الفصل 28: الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَجْهًا لِوَجْه
2025/11/12
الفصل 29: الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَلْبُ الْمِصْيَدَة
2025/11/12
الفصل 30: الْفَصْلُ الثَّلَاثُونَ: كَسْرُ الْأَقْفَال
2025/11/12
الفصل 31: الْفَصْلُ الْوَاحِدُ وَالثَّلَاثُونَ: مَخْزَنُ الْبَارُود
2025/11/12
الفصل 32: الْفَصْلُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْبَابُ الْوَحِيد
2025/11/12
الفصل 33: الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: الْوَصِيَّة (النهاية)
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة